هجمات أسماك القرش «غير المبررة» ترتفع في 2023

تقرير يرصد زيادة الهجمات التي تحدث دون أي استفزاز بشري

وقع 69 هجوماً غير مبرر في عام 2023 بارتفاع طفيف عن 63 متوسط الهجمات في السنوات الخمس السابقة (أ.ف.ب)
وقع 69 هجوماً غير مبرر في عام 2023 بارتفاع طفيف عن 63 متوسط الهجمات في السنوات الخمس السابقة (أ.ف.ب)
TT

هجمات أسماك القرش «غير المبررة» ترتفع في 2023

وقع 69 هجوماً غير مبرر في عام 2023 بارتفاع طفيف عن 63 متوسط الهجمات في السنوات الخمس السابقة (أ.ف.ب)
وقع 69 هجوماً غير مبرر في عام 2023 بارتفاع طفيف عن 63 متوسط الهجمات في السنوات الخمس السابقة (أ.ف.ب)

أشارت تقارير صحافية إلى ارتفاع عدد هجمات أسماك القرش في جميع أنحاء العالم، وزيادة في الوفيات خلال عام 2023، مقارنة بالعام السابق له، وسجَّلت أستراليا عدداً مرتفعاً من الوفيات الناتجة عنها.

وفي تقرير نشره، السجل الدولي لهجمات أسماك القرش (ISAF) التابع لجامعة فلوريدا الأميركية، أمس (الاثنين)، وهو قاعدة بيانات علمية لهجمات أسماك القرش العالمية، وقع 69 هجوماً غير مبرر أو ناتج عن استفزاز بشري في عام 2023. وهذا أعلى من المتوسط خلال السنوات الخمس السابقة، الذي بلغ 63 هجوماً.

وذكر التقرير، أن 10 من الهجمات غير المبررة في العام الماضي كانت قاتلة، مقارنة بـ5 في العام السابق، مع وقوع عدد من الهجمات في أستراليا بنسبة 22 في المائة و40 في المائة من الوفيات. ويُوثّق لـ(ISAF) ويُحقق في جميع هجمات وعضات أسماك القرش للبشر، ويركز تقريره السنوي هذا العام في المقام الأول على الهجمات «غير المبررة»، أي التي يكون فيها سمك القرش في بيئته الطبيعية ويهاجم دون أي استفزاز بشري، مثل الاقتراب عمداً من سمكة قرش، أو السباحة في منطقة يستخدم فيها الطُّعم لجذب الأسماك. وتعدّ العضات والهجمات غير المبررة هي الأكثر فائدة لدراسة كيفية تصرف أسماك القرش.

مولود لسمك القرش الأبيض الكبير تم تصويره قبالة ساحل كاليفورنيا بالقرب من سانتا باربرا (أ.ف.ب)

وعن حالات الوفاة في عام 2023، رصد التقرير حالتَي وفاة في الولايات المتحدة، وواحدة في كل من جزر البهاما ومصر والمكسيك وكاليدونيا الجديدة. ووقعت هجمات أخرى مؤكدة وغير مميتة في كوستاريكا وكولومبيا والبرازيل ونيوزيلندا وسيشيل وتركس وكايكوس والإكوادور (في جزر غالاباغوس)، وكذلك جنوب أفريقيا.

وقال غافين نايلور، مدير برنامج «أبحاث أسماك القرش» في «متحف فلوريدا للتاريخ الطبيعي»: «إن هذا العدد يعد ضمن النطاق الطبيعي للعضات والهجمات، على الرغم من أن الوفيات مثيرة للقلق بعض الشيء هذا العام». وأضاف: «نحن علماء أحياء، ونريد أن نفهم السلوك الطبيعي للحيوانات، وليس السلوك غير الطبيعي».

ويشمل التقرير السنوي، 22 هجوماً إضافياً في العام الماضي، تم استفزازها عن قصد، وكان نشاط الضحية الأكثر شيوعاً في وقت الهجمات الصيد بالرمح.

وفي الولايات المتحدة وقع 36 هجوماً غير مبرر، وهو ما يمثل 52 في المائة من الحوادث في جميع أنحاء العالم. ومن بين هذه الحالات، توفي اثنان؛ أحدهما في كاليفورنيا، والآخر في هاواي.

وكما هي الحال في السنوات السابقة، شهدت فلوريدا هجمات لأسماك القرش أكثر من أي ولاية أخرى، حيث شهدت 16 هجوماً.

أستراليا والهجمات

وقعت 3 حالات وفاة في عام 2023 في وجهة نائية لركوب الأمواج قبالة ساحل جنوب أستراليا. تشتهر شبه جزيرة آير بشواطئها البرية الجامحة واستراحات ركوب الأمواج الرائعة، وعلى الرغم من صعوبة الوصول إليها والتنقل فيها، فإنها مكان جذاب لراكبي الأمواج. وتعد المنطقة أيضاً موطناً لمستعمرات الفقمة، وتشهد كثافة عالية من أسماك القرش البيضاء.

الشاطئ الأمامي في خليج إليزابيث في ميناء سيدني حيث تعرضت امرأة في أواخر العشرينات من عمرها للعض في ساقها اليمنى (إ.ب.أ)

قال نايلور: «إذا كانت سمكة قرش بيضاء تلاحق فقمة وعرفت الفقمة ذلك، فلن تكون لدى القرش الأبيض فرصة، إن الفقمات مرنة حقاً، لذا فإن الوحيدة التي يتم اصطيادها هي التي تخطئ وتتخبط على السطح، وهذا هو مثل ما يحدث مع راكبي الأمواج».

واجه راكبو الأمواج 42 في المائة من العضات والهجمات في جميع أنحاء العالم، وجاء السبّاحون والغواصون في المرتبة الثانية بنسبة 39 في المائة.

هجمات أسماك القرش الأبيض والنمر

الغالبية العظمى من الهجمات غير المبررة هي عضات اختبارية، التي تحدث عندما تخطئ سمكة القرش في التعرف على الإنسان بوصفه فريستها المفضلة. وعندما يحدث هذا، عادةً ما يسبح القرش بعيداً بعد عضة واحدة. ومع ذلك، فإن بعض الأنواع مثل أسماك القرش البيضاء وأسماك القرش النمرية، كبيرة بما يكفي بحيث يمكن أن تكون عضة واحدة قاتلة.

وفي حادثة البحر الأحمر في مصر، التي وقعت الصيف الماضي، تبيّن أن مواجهة سمكة قرش النمر كانت قاتلة. ويوضح غافين نايلور، مدير برنامج «أبحاث أسماك القرش» في «متحف فلوريدا للتاريخ الطبيعي»: «لقد أظهر مقطع الفيديو، سمكة قرش نمر، وهي تقوم بتمريرات متعددة على إنسان في الماء، ويحتوي البحر الأحمر على خندق ضيق وعميق في وسطه شعاب مرجانية واسعة النطاق. تسمح جدرانه العميقة للأسماك الموجودة في المياه العميقة بالاقتراب بشكل غير عادي من الشاطئ».

وأضاف نايلور: «ترى أسماك السطح مثل أسماك القرش المحيطية ذات الطرف الأبيض على بعد 700 قدم فقط من الشاطئ، في حين يتعين عليك عادة الذهاب لمسافة 20 ميلاً للعثور على تلك الأنواع». «تعتاد هذه الحيوانات البحرية على العيش على قليل جداً من الطعام، لذلك عندما تجد أي شيء فإنها ستجربه. إن جيومورفولوجية البحر الأحمر تجلب الأسماك المفترسة الكبيرة للغاية إلى جانب السياح الذين يمارسون رياضة الغوص ويستمتعون بإجازاتهم».

هجمات القرش وعلاقتها بدرجة الحرارة والكثافة السكانية

يشير التقرير إلى أنه عندما يكون هناك مزيد من الهجمات، فهذا يعني في كثير من الأحيان، أن مزيداً من الناس يقضون الوقت في الماء، وليس أن أسماك القرش أصبحت أكثر خطورة، حيث يؤدي النشاط البشري المتزايد في الموائل الطبيعية لأسماك القرش بطبيعة الحال إلى زيادة عدد اللقاءات مع الحيوانات.

مثل عطلة نهاية الأسبوع في الأيام الحارة بشكل خاص يمكن أن تسهم في زيادة الهجمات.

وأوضح التقرير، أنه على سبيل المثال، ازدياد جودة المياه في جميع أنحاء نيويورك على مدى العقدين الماضيين، أدى إلى ظهور عدد أكبر من الثدييات البحرية، مثل الحيتان والدلافين، التي لوحظت قبالة الساحل مع أعداد أكبر من الأسماك، الأمر الذي يؤدي إلى ظهور مزيد من أسماك القرش أيضاً.

وقد أسهم ذلك في حدوث هجمات عدة على مدى بضعة أسابيع خلال فصل الصيف، بما في ذلك أول هجوم معروف لسمك القرش في مدينة نيويورك منذ أكثر من نصف قرن.

وتحدث معظم لدغات أسماك القرش عادةً خلال فصل الصيف في نصفَي الكرة الشمالي والجنوبي. ويقدم التقرير توصيات بشأن مزيد من الاحتياطات التي يمكن للناس اتخاذها. وتشمل البقاء بالقرب من الشاطئ، وعدم السباحة عند الفجر أو الغسق، وتجنب الحركة في الماء بشكل مفرط.


مقالات ذات صلة

فانس يشدّد على عدم وجود «أي خلاف» مع روبيو

الولايات المتحدة​  نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس في مقابلة مع قناة «فوكس نيوز» (ا.ف.ب)

فانس يشدّد على عدم وجود «أي خلاف» مع روبيو

شدّد نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس، على عدم وجود «أي خلاف» بينه وبين وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يُعد منافسا محتملا له في الانتخابات الرئاسية مستقبلا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الطالب بجامعة كولومبيا محسن المهداوي في حرم الجامعة بمدينة نيويورك يوم 18 مايو 2025 (رويترز)

قاضٍ أميركي يرفض محاولة ترمب ترحيل طالب فلسطيني

رفض قاض متخصص في قضايا الهجرة مساعي إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ترحيل الطالب بجامعة كولومبيا محسن المهداوي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ طائرة ​الرئاسة «إير فورس وان» في وست بالم بيتش بولاية فلوريدا (أ.ف.ب)

ألوان جديدة لطائرة الرئاسة الأميركية

قال سلاح ​الجو الأميركي، الثلاثاء، إنه سيطبق نظام طلاء جديداً على أسطوله الجوي التنفيذي، بما ‌في ذلك ‌طائرة ​الرئاسة «إير فورس وان».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ شرطة الكابيتول الأميركي تسحب سيارة خارج مبنى الكابيتول بالقرب من المكان الذي تم فيه اعتقال رجل وبحوزته ما يبدو أنه مسدس بحسب الشرطة في العاصمة واشنطن 17 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

الشرطة الأميركية تقبض على رجل ركض نحو الكابيتول حاملاً سلاحاً نارياً

أعلنت الشرطة الأميركية إلقاء القبض على رجل كان يركض نحو مبنى الكابيتول في واشنطن وهو يحمل سلاحاً نارياً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ أفراد من شرطة نيويورك (رويترز)

انفجار في كنيسة بشمال ولاية نيويورك يصيب 5 أشخاص

وقع انفجار في كنيسة بشمال ولاية نيويورك، الثلاثاء، مما أدى إلى إصابة خمسة أشخاص من بينهم رجل إطفاء أصيب بحروق بالغة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

أكثر من 80 ممثلاً ومخرجاً ينددون بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة

رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
TT

أكثر من 80 ممثلاً ومخرجاً ينددون بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة

رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)

ندّد أكثر من 80 مخرجاً وممثلاً، بينهم الإسباني خافيير بارديم، والبريطانية تيلدا سوينتون، بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة، في بيان اطلعت عليه وكالة الصحافة الفرنسية، الثلاثاء.

وقال الموقّعون إنهم «مصدومون من الصمت المؤسسي لمهرجان برلين السينمائي الدولي» حيال القضية، وعبروا عن استيائهم من «تورطه في فرض رقابة على الفنانين الذين يعارضون الإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة ضد الفلسطينيين في غزة».

وجاء البيان إثر الجدل الذي أثاره رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز، بعدما رد على سؤال بشأن غزة الأسبوع الماضي بالقول: «يجب أن نبقى بعيدين عن السياسة».

صورة من مبنى مارتن غروبيوس في برلين لأجنحة في سوق الفيلم الأوروبي (EFM) الذي يقام على هامش الدورة السادسة والسبعين لمهرجان برلين السينمائي الدولي (أ.ف.ب)

ومن بين المخرجين البارزين الذين وقعوا الرسالة البريطاني مايك لي والأميركي آدم مكاي.

وتضم القائمة العديد من الفنانين الذين قدموا أعمالا في مهرجان برلين السينمائي. وقد فازت سوينتون نفسها العام الماضي بجائزة «الدب الذهبي» المرموقة.

وقال المقوعون إنهم «يختلفون بشدة» مع تعليقات فيندرز، مؤكدين استحالة فصل صناعة الأفلام عن السياسة. وأضافوا في البيان: «كما أصدر المهرجان بيانات واضحة في الماضي بشأن الفظائع المرتكبة ضد الشعوب في إيران وأوكرانيا، فإننا ندعو مهرجان برلين السينمائي الدولي إلى الوفاء بواجبه الأخلاقي والإعلان بوضوح عن معارضته للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل».

ولم يعترض الموقعون فقط على موقف مهرجان برلين بعدم الخوض في قضية الحرب الإسرائيلية في غزة، ولكن أيضا على «الدور الرئيسي للدولة الألمانية في تمكين ذلك».


«آرت بازل - قطر»... منظومة الفنان والسوق

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
TT

«آرت بازل - قطر»... منظومة الفنان والسوق

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)

في حي مشيرب بالدوحة؛ حيث أقيمت فعاليات «آرت بازل قطر»، ارتدت الأبنية والساحات المغطاة لوحات حمراء اللون تشير إلى مواقع العرض في المباني المحيطة، وفي الساحات الخارجية المختلفة.

كان الجو العام مليئاً بالحيوية والحماسة لإقامة هذا المعرض العالمي لأول مرة في المنطقة العربية. ولكنه لم يكن نسخة مكررة من «آرت بازل» بمعارضه المختلفة في سويسرا وهونغ كونغ وميامي بيتش، بل اكتسب شكلاً مختلفا في الدوحة، فالرؤية الفنية للمدير الفني، وائل شوقي، أخذت المعرض من الصيغة المعروفة للغاليريهات، التي تعرض مجموعة من الأعمال لفنانين مختلفين، إلى صيغة مختلفة ركزت على الفنان، بحيث عرض كل غاليري أعمال فنان واحد فقط، وهو ما غير تجربة التجول بين المعارض وجعلها ممتعة بشكل كبير، وتحولت التجربة إلى اكتشافٍ لأفكارِ وممارسة فنان بعينه في إطار السوق الفنية.

وعلق وائل شوقي على ذلك: «ما جذبني إلى هذا الدور هو إمكانية إقامة معرض فني لا يفصل بين السوق والمعرفة، بل ينظر إليهما على أنهما جزء من منظومة واحدة. يتيح الشكل المفتوح لـ(آرت بازل قطر) للفنانين تقديم أفكار مكتملة لا مجتزأة، ويدعو الجمهور إلى لقاء حقيقي مع العمل الفني، وبالتالي يشكل المعرض مساحة مميزة للوصول إلى الفن من جهة، ولتقديم المعرفة وتفعيل الحوار الثقافي وتوليد الفرص للفنانين من جهة أخرى».

زار المعرض في نسخته الافتتاحية أكثر من 17 ألف زائر (آرت بازل قطر)

التجول عبر الغاليريهات المشاركة يرسم صورة لمشهد فني غني ومنتعش في المنطقة، وهو ما تحول أرقاماً، فقد زار المعرض في نسخته الافتتاحية أكثر من 17 ألف زائر، ومثل جامعو الأعمال الفنية والرعاة من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا نحو نصف العدد.

ووفق البيان الرسمي، فقد شهدت صالات العرض من قطر والسعودية والإمارات تفاعلاً واضحاً من جامعين ومؤسسات فنية، وكان الطلب ملحوظاً بشكل خاص على الفنانين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا والجنوب العالمي.

خلال جولة «الشرق الأوسط» على الغاليريهات المشاركة، كان لا بد من التوقف أمام عدد منها قدم أعمالاً مميزة جذبت الحضور بجماليات عالية، وموضوعات تناقش قضايا الإنسان والكوكب.

علي بني صدر.... بين الأساطير والواقع

يعرض غاليري «بيروتين» مجموعة من أعمال الفنان الإيراني علي بني صدر، تتصدرها اللوحات الضخمة التي تنطق بأسلوب مميز بحوار بين الأساطير والشخوص الخيالية وهموم الإنسان المعاصر. ولأول مرة نرى منحوتات من عمل الفنان. تماثل منحوتاته الشخوص والأشكال الغامضة في اللوحات، وبشكل ما تبدو كل منحوتة كأنها عنصر خرج من اللوحة، وهو ما يمثل للناظر نوعاً من الحوار البصري بين الاثنين.

يتجول الفنان في معرضه الصغير، وبابتسامته المعهودة يقول لـ«الشرق الأوسط» إنه حضر إلى الدوحة لزيارة المتاحف ولحضور هذه النسخة من «آرت بازل» لاختلافها عن النسخ الأخرى: «لم أزر الدوحة من قبل، ولكنني أردت الحضور للمعرض لأرى فكرة المعرض الفردي لكل فنان». يقول إن الفكرة تعمل لمصلحة الفنان... «بالتأكيد؛ فالزوار يمكنهم التركيز على الأعمال وفهمها بشكل أفضل، بعكس الوضع في معارض الفن العالمية الأخرى».

من أعمال الفنان علي بنيصدر (الشرق الاوسط)

يتحدث عن أعماله في العرض، وهي تضم لوحات بألوان الباستيل، والمنحوتات التي يقدمها لأول مرة: «بدأت عمل المنحوتات العام الماضي. كنت دائماً أشكل القطع بالطين، ولكني لم أجرب العمل بالبرونز من قبل. كانت تجربة مذهلة في الحقيقة، فأنا من محبي الفن القديم؛ ولهذا اعتمدت على أسلوب عمره 5 آلاف عام. كثيرون علقوا بأن المنحوتات تبدو كنماذج ثلاثية الأبعاد لتفاصيل من لوحاتي». يفسر ارتباطه بفنون الشرق الأدنى بأنها «تحمل صفات قد تبدو مستقبلية، وهو ما يثير اهتمامي».

إدريس خان... طبقات من الرموز والمعاني

في غاليري «فيكتوريا ميرو»، نسبح في عالم الفنان إدريس خان، الذي يقدم أعمالاً تبدو مثل المخطوطات القديمة المذهبة، بعضها مكتوب على خلفية زرقاء اللون، مما يستدعي إلى الذهن «مخطوطة المصحف الأزرق»، وهي مخطوطة أثرية تعود إلى العصر الفاطمي (ما بين القرنين التاسع والعاشر الميلاديين). تحت عنوان «الزمن الحاضر... الزمن الماضي»، نرى سلسلة من اللوحات المزينة بورق الذهب تستوحي تقاليد الثقافة الإسلامية، ولكن بمكنون معاصر.

عمل للفنان إدريس خان (الشرق الاوسط)

مخطوطات إدريس خان هنا مبهمة... لا نستطيع تبين الكلمات ولا الأحرف. تشير المشرفة على العرض إلى أن الفنان استخدم رموزاً موسيقية في بعضها ونصوصاً فلسفياً خاصة.

تقول المشرفة على الغاليري: «كثيراً ما يعمل الفنان على النصوص، ويُركّبها في طبقات. وفي حالة هذه السلسلة، كان يقرأ كثيراً للشاعرة الأميركية إميلي ديكنسون، وبينما كان يفكر في رؤيتها العالم وطريقة تعاملها مع الحياة، وتأملاته الخاصة في أعمالها، حوّلها قصائد؛ بعضها تُرجم إلى العربية، وبعضها الآخر خضع لبرنامج كومبيوتري خاص حوّلها نوتات موسيقية. هو ليس مهتماً بصنع شيء يُقرأ. بل يتعلق الأمر بتكثيف كل المشاعر، وكل المحتوى الروحي الموجود فيه، في لحظة بصرية واحدة».

سمية فالي و«مجلس العشاق»

في ساحة تتوسط مباني المعرض في حي مشيرب، تعرض الفنانة الجنوب أفريقية، سمية فالي، عملها المعنون: «في مجلس العشاق»، وهو عمل تركيبي تم خصيصاً لمعرض «آرت بازل قطر» الافتتاحي، وهو بيت شعري يُنسب إلى شعراء متصوفين؛ من بينهم رابعة العدوية.

ويُشيد عمل فالي بأماكن التجمع المدمَّرة أو المتضررة في أنحاء العالم الإسلامي. يستلهم العمل من مجموعة متنوعة من المواقع؛ من ساحات قرطبة، إلى حدائق غزة، ومن ضفاف نهر كشمير، إلى أروقة حيي «ديستريكت6» ومشيرب في قطر، ليُنسج العمل الذاكرة والعمارة والحضور الجماعي معاً. كان كل منها مكاناً للتجمع، حيث عاشت الصلاة والشعر والتجارة والتأمل والتعايش والمعارضة جنباً إلى جنب.

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)

تقول الفنانة لـ«الشرق الأوسط»: «في هذا العمل، استلهمتُ من أماكن التجمع المفقودة في الفن الإسلامي؛ من كنائس ومساجد، بالإضافة إلى الأسواق والساحات العامة والشوارع، التي فُقدت أو دُمّرت في أنحاء متفرقة من العالم؛ من جنوب أفريقيا وقرطبة وغزة. يتتبع هذا العمل مخططات بعض هذه الأماكن وأشكالها، ويرسم ملامحها. إنه يدور حول فكرة التكاتف لإعادة البناء معاً، بشكل جماعي».

يتكون العمل من مجموعة من القطع السوداء التي يمكن نقلها وتحريكها؛ «لذا يمكن استخدامها مساحةً للتأمل، أو للتجمعات» بينما على الأرض نرى القطع تمثل خريطة معمارية قديمة «استوحيناها من الأماكن المفقودة».

عمران قريشي وإحياء تقاليد النسج

في ركن من العرض أشبه بنصف غرفة ملونة، كأنها صنعت من نسيج ملون، جلس شخصان يركّبان الخيوط الملونة على مقاعد خشبية صغيرة. في عمل الفنان الباكستاني عمران قريشي نرى إعادة تصور لنسيج «الشارباي» التقليدي - وهو عنصر أساسي في الحياة المنزلية بجنوب آسيا - بلغة هندسية دقيقة تجمع بين التجريد والترابط.

في هذه السلسلة الجديدة، يُحوّل قريشي النسيج البسيط للسرير إلى عمل فني باستخدام خيوط نايلون نابضة بالحياة، مشدودة على إطارات فولاذية صناعية. يضم العمل الفني مجموعة متناغمة من الزخارف الهندسية، بما في ذلك أنماط «المعين» و«المتعرج» و«الصليب»، مُنفذة بألوان لافتة من الأحمر والأزرق، والأخضر والأصفر، والأزرق والذهبي، بينما يتخذ بعض الأعمال شكل إطارات مستطيلة مثبتة على الجدران تُحاكي زخارف المخطوطات الإسلامية.

عمل الفنان عمران قريشي (الشرق الاوسط)

يقول الفنان لـ«الشرق الأوسط»: «تلقيتُ تدريباً في فن رسم المنمنمات بالكلية الوطنية للفنون في لاهور، وكان تدريبي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بهذا الفن. ثم بدأتُ تجاوز حدود الرسم المصغر... وهذا أحد أعمالي الحديثة. تخيلتُ صفحات مخطوطة مفتوحة، وإطاراً، وحافة، ثم ابتكرتُ سطحاً ثلاثي الأبعاد يمكن للناس دخوله، بل يمكنهم التجول فيه إن أرادوا». بشكلٍ ما، يمكن للزائر دخول العمل والجلوس على المقاعد ليصبح جزءاً من العمل الفني... يضيف: «أردت بطريقة ما إحياء (الشارباي) التقليدي واستكشاف إمكانية ربطه بالفن المعاصر، أو طرق جديدة للنظر إلى هذا التقليد نفسه».


ماري روز أسطا: «يوماً ما ولد» مُستلهم من حياتي الواقعية

استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
TT

ماري روز أسطا: «يوماً ما ولد» مُستلهم من حياتي الواقعية

استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)

في حضوره العالمي الأول ضمن مسابقة «الأفلام القصيرة» في مهرجان «برلين السينمائي الدولي»، يقدّم الفيلم اللبناني «يوماً ما ولد» تجربة سينمائية مكثفة تنطلق من حكاية طفل في قرية حدودية، لكنها تنفتح على أسئلة أوسع تتعلق بالسلطة والاختلاف والذاكرة والعنف الكامن في الصوت قبل الصورة.

الفيلم الذي كتبته وأخرجته ماري روز أوسطا، لا يكتفي بسرد واقعة عن طفل يمتلك قدرة غير اعتيادية، بل يحوّل هذه القدرة إلى استعارة مركّبة عن الطفولة حين تُدفع إلى الاختباء، وعن المجتمعات التي تخشى كل ما يتجاوز معيار «الطبيعي».

وتدور القصة حول صبي في الحادية عشرة يعيش مع عمه في قرية لبنانية اعتادت على أصوات الطائرات الحربية باعتبارها جزءاً من يومها العادي، وفي هذا السياق المشحون، يكتشف الطفل أنه يمتلك قدرة غامضة لا يفهم حدودها.

العم الذي يتولى رعايته، يحاول بكل السبل أن يبدو «عادياً»، ويذيب أي علامة اختلاف قد تجلب الانتباه أو الخطر، غير أن القمع لا يطفئ الطاقة، بل يؤجل انفجارها، وعندما يؤدي اختبار بريء لهذه القدرة إلى سقوط طائرتين حربيتين، يصبح السر عبئاً، وتتحول المخيلة إلى قوة لا يمكن احتواؤها.

ما يمنح الفيلم عمقه الحقيقي ليس الحدث الفانتازي في ذاته، بل الطريقة التي يُبنى بها بوصفها انعكاساً لخبرة معيشة، فالبيت الذي تجري فيه الأحداث ليس مجرد ديكور، بل ذاكرة متجسدة، بناء أسمنتي غير مكتمل فوق بيت حجري قديم، سلالم تؤدي إلى فراغ، غرف مفتوحة على الريح والنباتات. هذا الفضاء، الذي استُلهم من بيت أجداد المخرجة في شمال لبنان، يتحول إلى متاهة رمزية.

المخرجة اللبنانية (الشرق الأوسط)

وتقول ماري روز أسطا لـ«الشرق الأوسط» إن «الفيلم وُلد من لحظة شخصية عميقة تعود إلى عام 2006، حين كانت مراهقة في بيروت لا تتابع الأخبار ولا تنشغل بالسياسة».

مضيفة: «لم نكن معتادين في بيروت على سماع صوت الطائرات الحربية، في ذلك اليوم، دخل الصوت إلى غرفتي فجأة. شعرت بشيء غير طبيعي، وكأن هناك حدثاً يوشك أن يقع، من دون تفكير قلت (بوم) وبعد لحظات وقع انفجار فعلاً قرب المنزل».

استدعاء الكارثة

وأضافت أنها في تلك اللحظة شعرت كأنها تسببت بالانفجار، «كأن لدي قوة خارقة استدعت الكارثة»، قبل أن تدرك أن ما حدث كان بداية الحرب الإسرائيلية على لبنان في يوليو (تموز) 2006.

وأكدت أن هذا الشعور بالتصادم بين الصوت والحدث، بين الخيال والواقع، ظل عالقاً بداخلها لسنوات، مضيفة: «في تلك اللحظة كبرت فجأة، فهمت معنى أن تدخل الحرب إلى حياتك من دون استئذان، أن تشعر بأن حياتك العادية يمكن أن تنقلب في ثانية، وأنك بلا قدرة على القرار».

وأضافت أن «شخصية الطفل تحمل جانباً شخصياً واضحاً؛ لأن البيت الذي صُوِّر فيه الفيلم هو بيت جدها في شمال لبنان، وهو بيت غير مكتمل ظل شاهداً على انهيار اقتصادي قديم بعد إفلاس البنك الذي كان يضع فيه أمواله ولم يتمكن من استردادها حتى الآن».

وأكدت أن «هذا البيت كان بالنسبة لها مساحة حرية، فلم يكن الكبار يخافون أن يفسد شيء فيه، وكانت تركض بين دهاليزه وتخرج إلى الأرض المحيطة به، وتواصل بين الخرسانة والطبيعة، بين الداخل والخارج، مما خلق لديها عالماً من الخيال».

استعادت المخرجة موقفاً شخصياً في طفولتها (الشركة المنتجة)

وأشارت إلى أن «شعورها بالحرية في ذلك المكان امتزج لاحقاً بذكريات الانهيارات المتكررة في لبنان، كأن التاريخ يعيد نفسه، وكأن البيوت غير المكتملة تشبه بلداً يعيش مشاريع لم تكتمل».

وفي حديثها عن البعد السياسي، شددت على أن السياسة في الفيلم ليست شعاراً مباشراً، بل طبقة طبيعية نابعة من واقعها كونها امرأة لبنانية، مضيفة: «هذا الصوت حفظته في جسدي. عندما أسافر وأسمع طائرة مدنية، أقفز من مكاني. هذه صدمة تراكم، فنحن نعيش تحت تهديد دائم، لا نعرف متى تحوم الطائرات فوقنا وماذا سيحدث، في لحظة ما، تتمنى لو أن لديك القدرة على الردع، على إيقاف هذا الاجتياح».

وعن تمويل الفيلم أوضحت أن «الرحلة لم تكن سهلة، خصوصاً في سياق عربي يعاني من محدودية مصادر الدعم للأفلام القصيرة، لكنها أكدت أن المشروع قام على جهد جماعي، وصوّرت في المنطقة التي تعرفها جيداً، وعملت مع ممثلين وأصدقاء آمنوا بالفكرة، وهو الأمر الذي سهل الكثير من العقبات».