الفرسان الثلاثة ومتعة الأفلام القديمة

مشهد من فيلم «ميلادي» وهو الجزء الثاني من الفيلم الفرنسي «الفرسان الثلاثة» (Pathe)
مشهد من فيلم «ميلادي» وهو الجزء الثاني من الفيلم الفرنسي «الفرسان الثلاثة» (Pathe)
TT

الفرسان الثلاثة ومتعة الأفلام القديمة

مشهد من فيلم «ميلادي» وهو الجزء الثاني من الفيلم الفرنسي «الفرسان الثلاثة» (Pathe)
مشهد من فيلم «ميلادي» وهو الجزء الثاني من الفيلم الفرنسي «الفرسان الثلاثة» (Pathe)

يمثل «الفرسان الثلاثة» لفرنسا ما يمثله «ميكي ماوس» لأميركا؛ قوة ثقافية لها بالغ الأثر على خيال البلاد. عاشت حكاية العباءة والخنجر من القرن التاسع عشر، التي كتبها ألكسندر دوماس، بأكثر من نسخة على المسرح، وعلى الشاشة، مع مختلف النجوم، بما في ذلك تشارلي شين، وتشارلتون هيستون، وميلا جوفوفيتش، وحتى باربي، سعياً لإحياء الحكاية الكلاسيكية لحرس الملك. إنها ذات رمزية فرنسية مثل برج إيفل، ومع ذلك، مر أكثر من 60 عاماً منذ عرض آخر فيلم فرنسي مستمد من القصة.

«الفرسان الثلاثة»: «دارتانيان» و«ميلادي»، من أعمال المخرج مارتن بوربولون، الذي يحاول عبر الفيلمين استعادة هذا الإرث بطريقة رئيسية.

ملصق فيلم «دراتانيان» وهو الجزء الأول من الفيلم الفرنسي «الفرسان الثلاثة» (Pathe)

«ميلادي»، وهو الجزء الثاني، عُرض في دور السينما الأوروبية في وقت سابق من هذا الشهر، وعُرض «دارتانيان» في أوروبا في الربيع الماضي.

يتباهى الفيلمان بمجموعة فنانين من الكنوز الوطنية الفرنسية (مثل لويس غاريل، ورومين دوريس) إلى جانب نجوم يحظون بقابلية عالمية واسعة (مثل فينسنت كاسل، وإيفا غرين، وفيكي كريبس)، وقد تم تصوير هذين الإنتاجين باللغة الفرنسية، فيما يبدو وكأنه رد على استبداد أفلام هوليوود التي لا تزال تهيمن على شباك التذاكر الفرنسي.

في نهاية عام 2022، لم يكن أي إنتاج باللغة الفرنسية وصل إلى قائمة الأفلام العشرة الأكثر ربحاً في العام، مما يشير إلى أزمة بالنسبة لبلد يشكل تراثه السينمائي نقطة فخر وطني.

قال بوربولون: «في فرنسا، لدينا المواهب والقصص والفنيون لصنع الأفلام الناجحة التي يمكنها منافسة العروض الأميركية». ثم أضاف: «ينبغي ألا تصنع الأفلام الكبيرة فقط لدى الاستوديوهات الأميركية، لذلك نقوم بمواجهتها».

جرى تصوير الفيلمين واحداً بعد الآخر، وتم إنجازهما بميزانية بلغت 78 مليون دولار، بتمويل من شركاء في فرنسا وألمانيا وإسبانيا وبلجيكا. وقد يبدو هذا الرقم منخفضاً مقارنة بالأرقام المحققة في هوليوود هذا العام، مثل «باربي» (145 مليون دولار) أو «حراس المجرة الفصل الثالث» (250 مليون دولار). ومع ذلك، فإن «دارتانيان» و«ميلادي» يُمثلان معاً واحداً من أغلى الإنتاجات الفرنسية على الإطلاق. هذا الاستثمار الكبير هو جزء من برنامج أكبر من الموزع الفرنسي «باثي» لدعم صناعة الأفلام الداعمة التي يحددها الطابع المحلي والموارد.

مشهد من فيلم «دراتانيان» وهو الجزء الأول من الفيلم الفرنسي «الفرسان الثلاثة» (Pathe)

في أوائل عام 2023، أصدر الاستوديو فيلم «أستريكس وأوبليكس: المملكة الوسطى»، وهي كوميديا باهظة الثمن نسبياً بفريق عمل مفعم بالنجوم (بما في ذلك كاسل وماريون كوتيلارد). تعثر ذلك الفيلم في شباك التذاكر، ولم ينجح في كسب النقاد الفرنسيين. ومع ذلك، نجح فيلم «الفرسان الثلاثة» في جذب حشود محترمة في فرنسا وأبقى النقاد متخمين، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنه يشبه نوع أفلام الحركة والمغامرة الذي لا نجدها كثيراً في الوقت الحاضر.

تأملوا في الأفلام الثلاثة الأولى من سلسلة «إنديانا جونز» أو «المومياء». إنها أعمال فنية رائعة قديمة الطراز، ومليئة بالمشاهد المتقنة، وترتكز على إحساس حقيقي بالمكان نسبة إلى الإسقاطات الخلفية الاصطناعية لأفلام الأبطال الخارقين اليوم. فالجمع بين دسائس القصر والدعابة الجافة والمبارزات بالسيف وسباقات الخيل على مدار الساعة، يجعل فيلم «الفرسان الثلاثة» أكثر مزاجية من تلك الأفلام الأميركية المتعجرفة، ولكنه يزود النوع نفسه من المتعة التي يبدو أنه جرى التخلص منها تدريجياً عبر الحيل الإلكترونية.

إيفا غرين في مشهد من فيلم «ميلادي» (Pathe)

كانت إيفا غرين، التي تلعب دور السيدة «ميلادي» الفاتنة والمتلونة كالحرباء، مسرورة بالتأثيرات العملية للفيلم وعمليات التصوير في الموقع. والممثلة ليست غريبة عن صناعة الأفلام ذات الميزانية الكبيرة، فقد لعبت دور البطولة في أفلام ناجحة باللغة الإنجليزية مثل «كازينو رويال». وقالت في مقابلة أجريت معها: «مع الشاشة الخضراء (التي تميز الإصدارات السينمائية المعتمدة على المؤثرات الخاصة ورسومات الكمبيوتر/ CGI)، يبدو الأمر مثل المسرح، عليك الارتجال والاختلاق. أما هنا، ليست هناك شاشات خضراء. القلاع، ومناظر نورماندي الخلابة، وغير ذلك من الإضافات - كنا جميعاً هناك في الحاضر، نعيش الأحداث من الداخل».

مشهد من فيلم «دراتانيان» الجزء الأول من الفيلم الفرنسي «الفرسان الثلاثة» (Pathe)

ليست هناك مشاهد تعتمد على الإبهار البصري على الشاشة في فيلم «الفرسان الثلاثة»، ولكنه يقف متميزاً عن نظرائه في الولايات المتحدة بسبب مكائده البشرية الواضحة وجرعته الثقيلة من العلاقات الممنوعة، وتشابكات الحب المحتدمة، والتوترات القاتلة بين عشاق الماضي التي تثير الحبكة الدرامية. إن القيم البطولية مثل الشرف تكتسب أهمية أعظم كثيراً حين يُعذب الفرسان على أيدي شياطين التاريخ المظلم حقاً. أما كبير الفرسان، الذي يلعب دوره فينسنت كاسل، فيقع ضحية توريط أعدائه: بعد العثور على فتاة مقتولة في منزله، فإنه يقر بدموع عينيه معترفاً بانتهاكات الماضي ضد النساء في المحكمة.

تدور روايات الفيلمين تقريباً حول صعود «دراتانيان» إلى القمة، ومكائد الكاردينال ريشيليو الخبيثة، وفي الفيلم الثاني، الألغاز وراء خبث «ميلادي»، لكنها تتميز أيضاً بميزة ملتوية تسمح للشخصيات بالحب والمزاح.

مع ذلك، فإن بعض مشروعات «باثي» المستقبلية الداعمة، تبدو أكثر إثارة للشكوك. ويجري العمل على تقديم نسخة فاخرة من رواية دوماس الناجحة الأخرى «الكونت دي مونت كريستو»، وكذلك نسخة وثائقية من جزئين عن الرئيس الفرنسي شارل ديغول. ورغم إعلان فيلم «الفرسان الثلاثة» فيلماً من جزئين، فإن هناك تشويقاً كبيراً في نهاية فيلم «ميلادي» يثير ترقباً لدى الجمهور لجزء ثالث. وسواء كان هناك فيلم ثالث مطروح على الطاولة من عدمه، فإن شخصيات السلسلة سوف تظهر في اثنين من العروض التلفزيونية التي يجري تطويرها حالياً: أحدهما، يتركز حول «ميلادي» والآخر حول الفارس الأسود «هانيبال» (بطولة رالف أموسو)، الذي يظهر فترةً وجيزةً في الفيلم الثاني. إذا لم تكن هذه التوسعات على مستوى «عالم مارفل السينمائي»، فإن فكرة المجال التاريخي الفرنسي تثير حالة من القلق.

مع بدء شعور الأبطال الخارقين بالإرهاق في هوليوود، يذكرنا فيلم «الفرسان الثلاثة» بمناظره الرائعة ومشاهده القتالية، ومنهجه واسع الأفق في القصة، بأن هناك شيئاً يمكن الفوز به من خلال العودة إلى الأسس. فالشخصية والإثارة الواقعية (القريبة) من العالم الحقيقي يمكنان أن يدعما الفيلم بشكل كبير.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

أمير المصري لـ«الشرق الأوسط»: «القصص» فيلم عالمي بكل المقاييس

يوميات الشرق الفنان أمير المصري (حسابه على «إنستغرام»)

أمير المصري لـ«الشرق الأوسط»: «القصص» فيلم عالمي بكل المقاييس

قال الفنان أمير المصري إن فيلم «القصص» ليس فيلماً مصرياً فقط، بل فيلم عالمي بكل المقاييس، وعدَّه من أهم الأعمال التي قدَّمها في حياته.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق الممثلة آن هاثاواي كما ظهرت في مقطع فيديو عبر «إنستغرام» لتعلن حملها (إنستغرام)

في عمر الـ43... آن هاثاواي تعلن حملها في طفلها الثالث

أعلنت الممثلة الحائزة على جائزة الأوسكار، البالغة من العمر 43 عاماً، آن هاثاواي، عن حملها في مقطع فيديو نشرته على حسابها في «إنستغرام».

«الشرق الأوسط»
سينما مهرجان «فينيسيا» يؤسس لاستقطاب أفلام كبيرة

مهرجان «فينيسيا» يؤسس لاستقطاب أفلام كبيرة

قد يبدو المشهد بالنسبة إلى مهرجانات السينما برَّاقاً. فما أجمل أن يكون هناك مهرجان كبير في كل دولة حول العالم، وأن يوجد أكثر من مهرجان يماثل «كان» و«برلين»...

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
سينما «المحطة» (جورج فيلمز)

شاشة الناقد: فيلم يمني وآخر فنزويلي وتسجيلي أميركي

على الرغم من أن فيلم سارة إسحاق يعرض وضعاً سياسياً ومجتمعياً عاماً يعيشه اليمنيون في ظل الميليشيات والحروب الأهلية وفوضى الحياة في بعض أقاليم اليمن...

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
يوميات الشرق قدّم سكان القرية التي شهدت التصوير مساعدات لوجيستية إلى صناع الفيلم (الشركة المنتجة)

فينشو نتشوغو: «امرأة واحدة» يفتش عن إرث الاستعمار بأفريقيا

الفيلم الذي يحمل توقيع المخرجة الكينية فينشو نتشوغو يروي قصة امرأة تعيش على هامش مجتمعها الريفي، وتخوض رحلة شاقة بحثاً عن جذورها وهويتها.

أحمد عدلي (القاهرة )

مصر: العثور على مقبرتين من العصر العتيق بـ«جبل الطير» في المنيا

جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: العثور على مقبرتين من العصر العتيق بـ«جبل الطير» في المنيا

جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)

عثرت البعثة الأثرية المصرية، التابعة للمجلس الأعلى للآثار، على مقبرتَيْن تعودان للعصر العتيق، إلى جانب عدد من الدفنات التي تعود إلى عصور ما قبل الأسرات والعصر المتأخر، في منطقة جبل الطير بمحافظة المنيا (جنوب مصر).

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، الكشف بأنه يمثّل إضافة جديدة لسجل الاكتشافات الأثرية المصرية، لما يقدمه من أدلة تُسهم في تتبع تطور العمارة الجنائزية في مصر القديمة عبر عصورها المختلفة.

فيما وصف الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، المقبرة المكتشفة الأولى بأنها تُعدّ من الاكتشافات المعمارية النادرة، حيث تتميز بتصميم هندسي فريد، فيما تمثّل المقبرة الثانية نموذجاً مطابقاً لها إلى حد كبير، وتتميز بحالة حفظ جيدة.

أوانٍ فخارية عُثر عليها في جبل الطير بالمنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وأشار إلى أن «الدراسات الأولية تُظهر وجود تشابه ملحوظ بين تصميم المقبرتَين المكتشفتَين وتصميم مقبرة الملك دن الشهيرة في أبيدوس، وهو ما يعزّز من الأهمية الأثرية لمنطقة جبل الطير، ويؤكد مكانتها بوصفها إحدى الجبانات المهمة التي استُخدمت عبر فترات زمنية ممتدة من عصور ما قبل الأسرات وحتى العصر المتأخر».

ويعتمد تصميم المقبرة الأولى على التدرج في سماكة الجدران من أسفل إلى أعلى، حيث تزداد السماكة عند القاعدة وتقل تدريجياً نحو القمة، لافتاً إلى أن هذا النمط المعماري قد يمثّل مرحلة مبكرة من تطور الفكر الهندسي الذي أدى لاحقاً إلى ظهور الهرم المدرج ثم الهرم الكامل، وفق رئيس قطاع الآثار المصرية، محمد عبد البديع.

ويرجح عبد البديع أن «تكون المقبرة قد تعرّضت في عصور لاحقة لأعمال تحجير، بهدف استخراج كتلها الحجرية، إلا أن الأجزاء المتبقية كشفت عن تفاصيل مهمة تتعلّق بهندسة البناء في تلك الفترة، من بينها آثار خطوط أكسيدية توضح أساليب تقطيع الأحجار بدقة، بالإضافة إلى دعامات خشبية ضخمة استُخدمت لتدعيم الجدران، امتد بعضها بطول الجدار بالكامل، في حين جاء البعض الآخر على هيئة قطع مستقيمة منفصلة».

دفنات بشرية عُثر عليها بجوار المقبرتَين الأثريتَين (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتقع المقبرة الثانية إلى الجنوب من المقبرة الأولى، وتتطابق معها إلى حد كبير في التصميم المعماري، إلا أنها لم تتعرض لأعمال تحجير، مما أسهم في الحفاظ على عناصرها بشكل أفضل.

وكشف رئيس البعثة، رئيس الإدارة المركزية لآثار مصر الوسطى، الدكتور سامي درديري، عن أن البعثة عثرت أيضاً على جزء من جبانة تعود إلى عصور ما قبل الأسرات بها دفنات في وضع القرفصاء ملفوفة ببقايا حصير نباتي متحلل، وبجوار بعضها أوانٍ فخارية ذات حافة سوداء يمكن تأريخها إلى فترتَي نقادة الثانية والثالثة.

لقى أثرية مختلفة الأحجام (وزارة السياحة والآثار المصرية)

كما تم الكشف عن عدد من الدفنات الآدمية الفردية والجماعية، عُثر على بعضها داخل بقايا توابيت خشبية متحللة، ويُرجح تأريخها إلى العصر المتأخر، وهو ما يؤكد استمرارية استخدام المنطقة بوصفها جبانة عبر عصور تاريخية متعاقبة، وجارٍ العمل في الموقع للكشف عن المزيد من أسراره.

وتُعدّ المنطقة الأثرية بجبل الطير في محافظة المنيا أحد أهم المزارات السياحية والدينية في مصر، وتشتهر بكونها محطة رئيسية لرحلة العائلة المقدسة، وتضم آثاراً فرعونية ويونانية ورومانية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


منى خليل الغائبة عن موعد السلاحف المقبل

البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)
البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)
TT

منى خليل الغائبة عن موعد السلاحف المقبل

البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)
البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)

راقبت الناشطة البيئة اللبنانية منى خليل آثار الأقدام على الرمل كما يتتبَّع مُحقِّق مسرح واقعة. كانت تعرف أنّ خطاً مُتعرّجاً على شاطئ المنصوري في قضاء صُور، قد يُخبِر عن سلحفاة خرجت من البحر ليلاً، ويُشكِّل أثراً آخر قد يقود إلى عشّ جديد. وكانت تعلم أنّ بضع علامات بالكاد تُرى قد تختصر رحلة قطعتها كائنات عبر آلاف الكيلومترات.

على الساحل الجنوبي للبنان، اختارت منى خليل أن توظّف سنوات طويلة من حياتها لمَهمّة لم تكن مرتبطة بمشروع اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي، حتى بدت غريبة في نظر كثيرين. انشغلت بحماية السلاحف البحريّة التي تتّخذ من شاطئ المنصوري أحد أهم مواقع تعشيشها على الساحل الشرقي للبحر المتوسّط، وحوَّلت «البيت البرتقالي» إلى عنوان معروف للناشطين البيئيين والباحثين والزوّار الراغبين في التعرُّف إلى هذا العالم الآسر.

لم تأتِ أهمية تجربتها من عدد السلاحف التي أُنقِذت أو الأعشاش التي حُميت فقط. ما ميَّزها أكثر هو قدرتها على تحويل بقعة ساحلية محدودة إلى مساحة مختلفة للنظر إلى الطبيعة. فاللبنانيون اعتادوا التعامل مع الشاطئ على أنه مورد سياحي أو عقاري أو مساحة عامة مُهدَّدة بالتعدّيات. أما منى خليل، فكانت ترى فيه موطناً لكائنات تُشاركها الوجود، وجزءاً من نظام طبيعي غير خاضع للمصالح البشرية.

على مدى سنوات، ارتبط اسم «البيت البرتقالي» بمواسم التعشيش السنوية. كان المكان يستقبل متطوّعين وطلاباً وباحثين من داخل لبنان وخارجه. هناك تعرَّف كثيرون للمرّة الأولى إلى السلاحف البحريّة والتهديدات التي تُواجهها، من الصيد العشوائي والتلوّث، إلى الزحف العمراني وتغيُّر المناخ. ومع الوقت، تجاوز دور البيت مفهوم الإقامة البيئية أو النشاط التوعوي، ليجمع تحت سقفه المجتمع المحلّي والمُهتمّين بالشأن البيئي.

كانت منى خليل ترى في السلاحف سرديةً أطول بكثير من أعمار البشر. فهذه الكائنات تعود إلى الشواطئ نفسها جيلاً بعد جيل وتُكرّر الرحلة رغم المخاطر المتزايدة المُحيطة بها. وربما لهذا وجدت في متابعتها ما يُشبه تأمّلاً مستمرّاً في دورة الحياة وسط تغيُّرات كبرى تفرضها الحروب والأزمات والحدود والسلطات والخرائط.

ولم يكن من السهل الحفاظ على هذا المسار في بلد تتنازع اهتماماته التحوّلات والضغوط. فالنشاط البيئي في لبنان يُواجه غالباً أولويات أخرى أكثر إلحاحاً في نظر كثيرين. ومع ذلك استمرَّت منى خليل في عملها، مُستندةً إلى شبكة من المتطوّعين والداعمين والخبراء، وإيمان بأنّ حماية الطبيعة ليست قضية ثانوية يمكن تأجيلها إلى زمن أفضل.

وهبت عمرها لحماية حياة لا تحمل اسمها (أ.ف.ب)

الآن، يخرج اسمها من سياقه المُعتاد المرتبط بالسلاحف والبيئة إلى سياق بالغ الوحشية. فقد أُصيبت خلال غارة إسرائيلية استهدفت منزلها في المنصوري ولم تنجُ من إصابتها. جاء الخبر صادماً لكثيرين ممَن عرفوا عملها أو تعاونوا معها أو زاروا «البيت البرتقالي» يوماً.

يصعب فصل نهاية منى خليل عن المسار الذي اختارته لنفسها. فقد أمضت سنوات العُمر في مراقبة كائنات تبحث عن مكان آمن لوضع بيوضها ومواصلة دورة حياتها. كانت تُتابع وصولها إلى الشاطئ وعودتها إلى البحر، وتعمل على تقليص الأخطار التي قد تعترض طريقها. ثم انتهت حياتها وسط عنف يُجرّد الأرض من طمأنينتها.

وإنما إرثها لا يُختَصر في النهايات. لسنوات، لفتت الانتباه إلى ما كان يحدث كلّ ليلة تقريباً على الشاطئ من دون أن يكترث به أحد. نجحت في جعل السلاحف البحريّة جزءاً من الوعي البيئي المحلّي وربطت بين حماية الطبيعة وحماية معنى المكان. ومنى خليل كانت تعرف أنّ هذه السلاحف ستعود. هذه أكثر الحقائق ثباتاً في عملها. ما لم يكن في الحسبان، هو أن يأتي موسم جديد من دون المرأة التي أفنت العُمر في انتظار وصولها إلى الشاطئ. وعندما يحدث ذلك، سيحمل شاطئ المنصوري غياباً غير مألوف. ستبقى الأعشاش تُرصَد وسيواصل البحر مدّه وجزره، وتتكرّر الرحلة السنوية. اسمها سيغيب للمرّة الأولى.


التوسع في المحاصيل الزيتية تسبب في انقراض عدد من النباتات

يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)
يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)
TT

التوسع في المحاصيل الزيتية تسبب في انقراض عدد من النباتات

يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)
يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)

أظهرت دراسة جديدة أجراها باحثون من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، أن 3 زيوت شهيرة، هي زيت النخيل، وزيت جوز الهند، وزيت فول الصويا، تُسهم في انقراض أنواع نباتية أكثر مما كان يُعتقد سابقاً.

وقام باحثو الدراسة المنشورة، الجمعة، في دورية «Nature Food» بتحليل بيانات عالمية حول الإنتاج والتجارة واستخدام الأراضي على مدى عقود، ومدى تهديد زراعة المحاصيل الزيتية واستهلاكها المتزايد لأنواع الحيوانات والنباتات في جميع أنحاء العالم.

وتُستخدم الزيوت المستخرجة من محاصيل مثل جوز الهند وزيت النخيل وفول الصويا في منتجات متنوعة، من مستحضرات التجميل إلى السمن النباتي والدهون القابلة للدهن، ومن الأدوية إلى علف الحيوانات. وتتزايد زراعة هذه المحاصيل الزيتية واستهلاكها، ما يُؤثر على البيئة.

في هذه الدراسة، درس الباحثون 19 محصولاً. قال شونتيان وانغ، طالب الدكتوراه وأحد المشاركين في فريق الدراسة: «تسببت 3 منها بنسبة كبيرة في الآثار السلبية وهي: نخيل الزيت، وفول الصويا، وجوز الهند».

ووفق الدراسة، تُشكل هذه المحاصيل مجتمعة نحو 75 في المائة من فقدان التنوع البيولوجي الناجم عن المحاصيل الزيتية.

وقال ستيفان بفايستر، أستاذ التقييم الكمي للاستدامة في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، والباحث الرئيسي للدراسة: «من منظور حماية البيئة، يُعد فقدان التنوع البيولوجي مشكلةً لا تقل خطورةً عن تغير المناخ».

الخرائط العالمية

بدأ الباحثون بتجميع خرائط عالمية لزراعة المحاصيل الزيتية استناداً إلى بيانات الأقمار الاصطناعية والإحصاءات الزراعية ومجموعات البيانات العالمية للأراضي المزروعة. كما قاموا بحساب مدى تهديد أشكال استخدام الأراضي المختلفة لأنواع الحيوانات والنباتات.

واستخدم الباحثون عوامل فقدان الأنواع التي تُشير إلى حجم إسهام المساحات المزروعة في فقدان أنواع النباتات على مستوى العالم، وذلك تبعاً للمنطقة وكثافة الزراعة.

ويوضح بفايستر أن الباحثين سعوا أيضاً إلى تسليط الضوء على تأثير زراعة المحاصيل الزيتية عبر سلسلة التوريد العالمية. ولتحقيق هذه الغاية، ربط بفايستر وفريقه البيانات التي جُمعت مسبقاً بنموذج اقتصادي عالمي يُصوّر سلاسل التوريد الدولية، بدءاً من الزراعة، مروراً بالتصنيع، وصولاً إلى المنتج النهائي.

وأخيراً، حلل الفريق كيف تُسهم عوامل سلوك المستهلك، والنمو السكاني، وكفاءة الزراعة في تفاقم فقدان التنوع البيولوجي.

إنتاج الزيوت النباتية

ويُؤدي استخدام الأراضي في الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي. ويعود ذلك، ليس فقط إلى كون المحاصيل الزيتية، مثل نخيل الزيت وجوز الهند، حصرية للمناطق الاستوائية، بل أيضاً لأن هذه الأراضي تدعم تنوعاً بيولوجياً كبيراً. وغالباً ما تبرز الحاجة إلى التوسع الزراعي، ما قد يؤدي إلى تدمير النظم البيئية، كإزالة الغابات. كما أن هذه النظم غالباً ما تكون بعيدة عن مصادر الطلب.

وكما تُظهر دراسة فريق بفايستر، فإن أكثر من نصف الآثار يُعزى إلى الاستهلاك في دول أخرى. ويُمثل الاتحاد الأوروبي والصين والولايات المتحدة مجتمعةً أكثر من 80 في المائة من هذه الآثار الخارجية.

وبينما يستورد الاتحاد الأوروبي زيت النخيل بشكل رئيسي، يرتبط نفوذ الصين في المقام الأول بفول الصويا المستخدم علفاً للحيوانات.

ولسوء الحظ، لا يُمكن وقف فقدان التنوع البيولوجي بين عشية وضحاها، كما يُشكل الاستخدام طويل الأمد للأراضي الزراعية ضغطاً على النظم البيئية. ووفق بفايستر الذي يؤكد أنه: «حتى في حال توقف إزالة الغابات يبقى تأثير الزراعة الحالية قائماً».

الحلول المُحتملة

وللتخفيف من حدة المشكلات القائمة، توصي الدراسة بضرورة اتباع أساليب إنتاج أكثر مراعاة للبيئة، والحد من إزالة الغابات، وتبني ممارسات زراعية تحمي التربة والبيئة الطبيعية. كما يجب تغيير أنماط الاستهلاك.

ويشدد بفايستر على أن: «الاستثمار في تحسين الإنتاج وحماية النظم البيئية في بلدان المنشأ يُعدّ عاملاً مهماً».