ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

الروائية الفائزة بـ«غونكور» تكشف عن خجلٍ شخصي يُدين بنية اجتماعية بأسرها

ليلى سليماني
ليلى سليماني
TT

ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

ليلى سليماني
ليلى سليماني

في كتاب لا يتجاوز ثمانين صفحة بعنوان «هجوم على الحدود»، من إصدار دار غاليمار مارس (آذار) 2026، تناقش الكاتبة ليلى سليماني مسألةَ الهوية المغاربية المتشظّية بين لغتين ومرجعيتين، من خلال علاقتها الملتبسة باللغة العربية. تفتح صاحبة «أغنية هادئة» و«بلد الآخرين» أدراجها الداخلية على آخرها، لتُنجز نصاً من نوع نادر في المشهد الأدبي الفرنكفوني، نصٌّ يتكلم بالفرنسية عن الخسارة الكبرى للعربية. وتشرح سليماني في حوار مع دار غاليمار العمقَ الشخصي لهذه الخسارة، إذ تكشف أن العربية كانت بالنسبة إليها «اللغة الأبوية» بالمعنى المزدوج، فتقول: «تخيّلتُ أنها ستكون اللغة الأبوية، وأن غيابها يوازي غياب أبي، لأنه مات، ولأنه كان يجد صعوبة بالغة في نقل ثقافته». هكذا يتداخل في الكتاب الحدادُ على شخص والحداد على لغة، في نسيج اعترافي نادر يمنح النص عمقاً شخصياً يتجاوز مجرد التأمل الثقافي.

غلاف الكتاب

في قلب هذا النص يتصدّر سؤالٌ ظل يطارد ليلى سليماني منذ طفولتها: لماذا لا أتحدث العربية ولا أتقنها؟ والمعروف أن ليلى سليماني، الحائزة جائزة غونكور عام 2016، وُلدت في الرباط لعائلة بورجوازية مغربية تتحدث الفرنسية؛ والدها مصرفي رفيع المستوى، ووالدتها طبيبة من أصل ألزاسي. في هذا البيت الذي كانت الفرنسية لغةَ حياته اليومية، نشأت ليلى على تعدد لغوي مميز: الدارجة المغربية في الشارع والسوق، والألمانية في أغاني جدّتها الألزاسية وحكاياتها، والإسبانية في صيف المتوسط، والشلحة الأمازيغية على لسان عمّال الضيعة العائلية. بيد أن العربية الفصحى ظلّت في منطقة الحضور الغائب: مسموعةً، مألوفةَ الإيقاع، غير أنها لم تنمُ في فم الطفلة بصورة طبيعية، ولم تسكن مخيّلتها حتى تصير أداة تعبير.

تصف ليلى سليماني هذا الوضع بصورة جسدية قاسية: كمن يعيش مع عضو مبتور يُحسّ بوجوده رغم غيابه. وهذه الاستعارة ليست زينةً أسلوبية، بل هي الإطار الدقيق الذي تُنظّم فيه الكاتبة علاقتها بلغتها: حنينٌ لا يمكن إشباعه لأن موضوعه لم يُفقد فجأةً، بل لم يتشكّل أصلاً على النحو الكامل. وتستحضر في هذا السياق اسم الشاعرة والرسامة اللبنانية الراحلة إيتيل عدنان، تلك المبدعة التي كتبت بالفرنسية وعاشت تحت وطأة السؤال ذاته، والتي قالت ذات يوم إنها وجدت نفسها عند باب تلك اللغة فجعلتها أسطورة وجنةً مفقودة.

يبدأ النص من مكان شخصي للغاية: الطريقة التي تتحدث بها سليماني العربيةَ اليوم، وهي طريقة تشبه حديث الطفل أمام الكبار، المُحرج من نقصانه والخائف من الاستهزاء. وفي هذا الاعتراف ما يتجاوز مجرد الخجل الشخصي؛ إنه يكشف البنية الاجتماعية للغة. فالفرنسية في المغرب لم تكن مجرد إرث استعماري طارئ، بل أضحت في زمن الاستقلال وما بعده لغةَ الترقّي الاجتماعي ولغةَ النخب المدنية، في حين ظلّت العربية في بعض الأوساط محصورةً في دور الوجدان والدين والهوية الرمزية. وهكذا نشأ جيلٌ من الأبناء المغاربة يحمل اسماً عربياً ولساناً فرنسياً، وروحاً تُدرك حدودها دون أن تعرف كيف تتخطّاها.

غير أن هذا الخجل الذي تعترف به ليلى سليماني بصوت مرتفع لا يُعدّ استثناءً فردياً، بل هو الموروث السّرّي لجيل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شيّدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر على العتبة. فمن كاتب ياسين الذي رأى في الفرنسية «غنيمة حرب» استردّها من المستعمِر، إلى آسيا جبّار التي عاشت طوال حياتها في المساحة الممزّقة بين الكتابة بالفرنسية والتفكير بالعربية والحلم بالأمازيغية، وصولاً إلى ألبير ميمّي الذي حلّل في «المُستعمِر والمُستعمَر» كيف تُصبح لغة المستعمِر أداةَ صعود اجتماعي لنخب المستعمَر وتُفضي إلى ما سماه «ازدراء الذات»، هذا الإرث الثقيل هو ما تتقاطع معه سليماني في نصّها، بوعي طبقي أكثر صراحةً مما أبداه أسلافها. فهي لا تتردّد في وصف نفسها بـ«كليشيه البورجوازية الفرنكفونية التي لا تتحدث لغتها»، وفي هذه الجملة القاسية إدانةٌ مزدوجة: إدانة لطبقة اجتماعية أفادت من الانقسام اللغوي وورثت منه امتيازاتها، وإدانة لنظام تعليمي خلّف على مدى أجيال نخباً مغاربة تتكلم لغةَ الآخر بطلاقة ولغتها الأولى بتعثّر. والفارق بين سليماني وكتّاب الجيل الأول أن الأوائل كانوا يكتبون بالفرنسية كأنها فعل مقاومة أو ضرورة تاريخية لا مهرب منها، أما هي فتكتب عنها وعن حدودها، أي أنها تفتح النافذة على الغرفة المغلقة التي لم يجرؤ كثيرون على النظر إليها.

يبلغ النص ذروته الدرامية في مشهد كابوسي تعود إليه سليماني مراراً: «أحلم دائماً بالكابوس ذاته. أجدني في قاعة محكمة، وحولي رجال لا غير. أعلم أنني على وشك أن أُدعى إلى الكلام، وحلقي جافٌّ وكفّاي مرتجفتان. أشعر بخجل لا أعرف له سبباً. قاضٍ يدعوني إلى التحدث فأبدأ بتبرير نفسي، أتكلم بسرعة واضطراب، أتكلم بالفرنسية. يقاطعني القاضي بقسوة: «لسنا في فرنسا هنا. تكلّمي بالعربية». تملأ الدموع عينيّ ويُشلّني القلق. أبحث عن كلماتي. لا شيء يأتي. وأدرك حينها أنني خسرتُ، وأنني لن أستطيع إثبات براءتي أبداً». هذا الكابوس لا يصف عجزاً لغوياً فحسب، بل يُشخّص أزمة هوية بكاملها: براءةٌ لا يمكن إثباتها إلا بلغة افتُقدت. ولعل هذه العبارة الاخرى للكاتبة التي تقول فيها: «الكتابة ربما تعني التصالح مع هذه الهزيمة، أو على الأقل البحث عن لغتي الخاصة، لغة لا تخضع لأي تصنيف»، هي التي تكشف كيف صار الكابوسُ نفسُه مادةَ الكتابة وسببَها في آنٍ واحد.

على أن الكتاب لا يقف عند حدود الاعتراف الشخصي، بل يتمدّد ليصير بياناً سياسياً صريحاً. تُعلن سليماني رفضاً مزدوجاً وحاداً: رفض الخطاب المغربي المحافظ الذي يرى في أحادية اللغة العربية درعاً ضد الإمبريالية الثقافية، ورفض الخطاب الفرنسي الرسمي المتشبّث بلغة نقية لا تقبل التحوّل. وبين هذين الرفضين ترسي موقفها: اللغات كائناتٌ حية تتطور وتتشرب من بعضها، ولا يُلجمها إلا الآيديولوجيا. في هذا تلتقي مع كاتب ياسين والشاعر المغربي محمد بنيس وسواه من المفكرين الذين رأوا في التعددية اللغوية ثروةً بدل أن تكون وصمة.

الخجل الذي تعترف به ليلى سليماني هو موروث جيل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شيّدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر على العتبة

أما أسلوب الكتاب فيستحق وقفة خاصة. سليماني معروفة بنثر يقوم على الجملة القصيرة والإيقاع المحكم، غير أن جمل هذا النّص تتسع قليلاً ويصبح الصوت أكثر مباشرةً، كأنها تكتب تحت وطأة الاعتراف الواجب لا تحت إكراه الخيال الروائي. هذا الأسلوب يُذكّر في لحظات بما فعله طه حسين في «الأيام» حين حوّل السيرة إلى نص أدبي يتخطّى التوثيق الشخصي، وبما صنعه محمد شكري في «الخبز الحافي» حين رأى في الاعتراف الجريء تحريراً لا كشفاً للعار.

يكتسب الكتاب راهنيةً مضاعفة في سياق زمني يشهد صعوداً لخطابات الهوية المغلقة في أوروبا وخارجها: حدود تُضيَّق، وثقافات تُصنَّف، ولغات تُوظَّف في خدمة السياسة. في هذا المناخ، يُذكّر نص سليماني بأن الانغلاق على لغة واحدة ليس احتماءً بل إفقار، وأن الجرح الأعمق ليس في الحدود الجغرافية، بل في تلك الهوّة التي تفصل الإنسان عن لغته وذاكرته الأولى. وإذا كان العالم العربي يعيش صراعاً خفياً بين أنماط الانتماء اللغوي والثقافي، وهو صراع تغذّيه جراح الاستعمار وسياسات التعليم والتحوّل الاجتماعي العميق، فإن سليماني تعيد فتح هذا الملف من زاوية إنسانية لا شعاراتية: اللغة ليست ساحة امتحان للولاء، بل فضاءٌ لتكوين الذات. وسؤال الهوية عندها ليس مسألة تمثيل ثقافي فحسب، بل هو سؤال في صميم الكتابة ذاتها: هل يمكن للكاتب أن يكون صادقاً مع نفسه وهو يكتب داخل لغة لا يعيشها بالكامل؟ والجواب، كما يوحي النص، ليس نعم أو لا، بل كتابةٌ مستمرة في البحث عن صيغة أوسع من الصدق.

تكمن أهمية «هجوم على الحدود» في أنه يُقدّم تصوراً مغايراً: الهوية ليست جداراً بل مفترق طرق، واللغة ليست ملكيةً نهائية بل علاقة تاريخية حية ومفتوحة على التحوّل. وما يمنح هذا النص مداه الأبعد هو أن خجل سليماني من عربيتها المفقودة ليس استثناءً بورجوازياً بل مرآة لتشوّه موروث، وأن الجرأة على تسميته علناً هي في حد ذاتها فعلٌ من أفعال المقاومة.


مقالات ذات صلة

من «الأوديسة» إلى «شرق عدن»... كيف فتحت شهيَّة هوليوود و«نتفليكس» على الأدب الكلاسيكي؟

يوميات الشرق الأدب الكلاسيكي عائد بقوَّة من خلال الأفلام والمسلسلات (إنستغرام) p-circle 01:30

من «الأوديسة» إلى «شرق عدن»... كيف فتحت شهيَّة هوليوود و«نتفليكس» على الأدب الكلاسيكي؟

أكثر من أي وقت تلجأ كبرى استوديوهات الإنتاج إلى الروايات الكلاسيكية القديمة، لصناعة أفلام ومسلسلات منها. فما مردُّ هذه الظاهرة؟

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

جلساء العرش الأموي

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

يصحبنا الكاتب الأردني هاشم غرايبة في روايته «البحّار... حي ولا أخاف»، في رحلة لاستكشاف الذاكرة الإنسانية، وما تختزنه من تفاصيل صغيرة تبدو عابرة

«الشرق الأوسط» (عمّان)
ثقافة وفنون لي سو يون: مهمة الأدب ليست تغيير العالم

لي سو يون: مهمة الأدب ليست تغيير العالم

تعرَّف القارئ العربي على عوالم الكاتبة الكورية لي سو يون عبر روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم الأكثر مبيعاً، وصدرت ترجمتها إلى العربية

رشا أحمد (القاهرة)

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.


رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي
TT

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

يصحبنا الكاتب الأردني هاشم غرايبة في روايته «البحّار... حي ولا أخاف»، في رحلة لاستكشاف الذاكرة الإنسانية، وما تختزنه من تفاصيل صغيرة تبدو عابرة، لكنها تظل حاضرة في الوجدان، عاكساً في أحداثها سيرة الإنسان عبر تحولات المجتمع، والانتقال بين الطفولة والفقر والشيخوخة، وخوض التجارب الشخصية والعامة التي تطرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالإنسان والحياة والمصير.

تحمل الرواية التي صدرت طبعتها الثانية عن «الآن ناشرون وموزعون» (2026) في ثناياها عالماً روائياً قائماً على الاعتراف واستعادة الذاكرة، من خلال شخصية «سليم الناجي»، الذي تظهر مسيرته الحياتية بوصفها تجربة إنسانية بسيطة، بعيدة عن صورة الأبطال التقليديين.

تبدأ الرواية التي جاءت فيما يقارب 130 صفحة، من الفصل الأول «على الرصيف»، حيث يجد الراوي نفسه في المدينة، بعد انتهاء التحقيق معه، لتبدأ رحلة استعادة الماضي والبحث في تفاصيل حياة امتدت عبر عقود. ومنذ الصفحات الأولى، تتشكل علاقة وتتوطد تدريجياً بين الذاكرة والكتابة؛ إذ يقرر الراوي أنْ يكتب كل ما يعرفه، وكل ما عاشه وقرأه وسمعه، لتصبح الأوراق وسيلة لاستعادة ما غاب من حياته.

ويستعيد الكاتب مجموعة من الصور والروائح والأصوات التي بقيت عالقة في الذاكرة، من صلاة الأم في غبشة الفجر، إلى مذاق «الكردوش» (خبز الشعير) الساخن، وهطول الشهب في ليالي الحصاد، ومذاق العسل مع السمسم، ورائحة فتّة الشاي بالخبز، والمرور بميناء هامبورغ في ألمانيا، ورذاذ المياه عند شلالات نياغارا، وقمر سبتمبر (أيلول) على درب مهرّبي البضائع على الحدود.

وتنتقل الرواية بين هذه التفاصيل الحميمة وبين أسئلة أكثر قسوة، تتعلق بالفقر والمرض والحروب والتحولات السياسية والاجتماعية. ويظهر ذلك بوضوح في الفصل الثاني المسمى «زمن الخسارات»، الذي يستعيد فيه الراوي طفولة قاسية، منذ وُلد «بين حربين عالميتين»، في زمنٍ لم يكن تسجيل المواليد فيه أمراً شائعاً، في حين كان الفقر والجوع والأمراض ومخاطر الحياة اليومية تحاصر الناس.

ويروي البطل جانباً من تلك الطفولة، فيقول إن من ينجو من الإسهال والحصبة والجدري قد يموت بعضّة أفعى أو رفسة بغل أو انهيار سقف، قبل أن يذكر حادثة الشقيق الرضيع الذي خطفته «الشُّوحة» (طائر الحدأة الجارح) عن البيدر، في حين كانت الأم منشغلة بفك حِمْل القش عن الناقة.

كما يتناول النص علاقة الأجيال الجديدة بالمجتمع والوطن، عادَّاً أن جيلاً كاملاً نشأ وسط غياب المشاريع الكبرى التي تستثمر طاقات الشباب، وأن هناك ضعفَ اهتمام بالثقافة والفنون والبحث العلمي، وهو ما يربطه الراوي بالتحولات التي دفعت حفيده «أحمد» إلى مسار مختلف تماماً.

وهكذا تجمع «البحّار... حي ولا أخاف» بين السيرة والذاكرة والرواية، وتستعيد عبر تفاصيل الحياة اليومية عالماً تتجاور فيه الطفولة مع الشيخوخة، والفقر مع السفر، والخسارة مع الأمل، لتقدم في النهاية تأملاً في قدرة الإنسان على الاستمرار رغم ما يحيط به من خسارات وتحولات.

من إصدارات الروائي الأردني: «هموم صغيرة»، و«قلب المدينة»، و«عدوى الكلام»، و«حبة قمح»، «بيت الأسرار»، «المقامة الرملية»، «الشهبندر»، وغيرها.