التوتر السوداني - الإثيوبي إلى الواجهة وجبهة النيل الأزرق تشتعل

اتهامات سودانية بإطلاق مُسيرات لـ«الدعم السريع» من أراضٍ إثيوبية

آبي أحمد مجتمعاً مع حميدتي وشقيقه القوني في أديس أبابا ديسمبر 2023 (إكس)
آبي أحمد مجتمعاً مع حميدتي وشقيقه القوني في أديس أبابا ديسمبر 2023 (إكس)
TT

التوتر السوداني - الإثيوبي إلى الواجهة وجبهة النيل الأزرق تشتعل

آبي أحمد مجتمعاً مع حميدتي وشقيقه القوني في أديس أبابا ديسمبر 2023 (إكس)
آبي أحمد مجتمعاً مع حميدتي وشقيقه القوني في أديس أبابا ديسمبر 2023 (إكس)

على امتداد عقود طويلة، ظلّ التوتر السمة الغالبة على العلاقات بين السودان وإثيوبيا، متغذّياً على جملة من الملفات الشائكة والمعقّدة، في مقدمتها النزاع الحدودي التاريخي حول إقليم الفشقة السوداني، وقضايا مياه النيل، والتداعيات السياسية والأمنية المرتبطة بسدّ النهضة الإثيوبي. ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، بل امتد ليشمل تبادلاً مستمراً للاتهامات بين الجانبين بشأن التدخل في الشؤون الداخلية، ودعم حركات ومعارضات مسلحة.

وخلال الشهر الماضي، بلغ هذا التوتر مستوى غير مسبوق، قبل أن يطفو إلى السطح بشكل علني مع مطلع الشهر الحالي، عقب اتهام وزارة الخارجية السودانية لإثيوبيا، بصورة رسمية، بالسماح باستخدام أراضيها كمنصات لانطلاق طائرات مسيّرة قتالية تابعة لـ«قوات الدعم السريع»، استهدفت مدناً وبلدات داخل الأراضي السودانية.

وترى دوائر نافذة داخل السلطة السودانية في بورتسودان أن تراكمات سياسية وأمنية معقّدة دفعت بإثيوبيا إلى التحول إلى ما يشبه «حلقة» ضمن حلقات الحرب السودانية، وساحة خلفية يُعتقد أنها تُستخدم لانطلاق المسيّرات، وتدريب المقاتلين، إضافة إلى كونها منصة لاحتضان لقاءات وتحركات سياسية وُصفت بالمثيرة للجدل.

صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهِر معسكراً به مئات الخيام في إثيوبيا في إطار اتهامات بتدريب عناصر لـ«الدعم السريع» (رويترز)

وفي بيان صدر يوم الاثنين، أكدت وزارة الخارجية السودانية أن إثيوبيا سمحت باستخدام أراضيها لإطلاق طائرات من دون طيار تابعة لـ«قوات الدعم السريع» لاستهداف العمق السوداني، ووجّهت تحذيراً شديد اللهجة، معتبرة أن ذلك يشكّل «عدواناً صريحاً» وانتهاكاً مباشراً لسيادة السودان. ويمثل هذا الاتهام تصعيداً جديداً في مسار التوتر المتصاعد بين البلدين، منذ أحداث منطقة الفشقة الحدودية، والصدام العسكري الذي وقع في يونيو (حزيران) 2022 بين الجيش السوداني وقوات شبه نظامية موالية للجيش الإثيوبي.

خلافات تاريخية

لطالما كانت العلاقات بين السودان وإثيوبيا، وعلى مدى ما يقارب ثلاثة عقود، محكومة بتراكمات أمنية وسياسية شديدة الحساسية، تعود جذورها إلى محطات مفصلية شكّلت أساساً دائماً للشك وانعدام الثقة بين الجانبين. ويُعدّ أبرز هذه المحطات محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في يونيو (حزيران) 1995، عقب وصوله مباشرة إلى أديس أبابا للمشاركة في قمة أفريقية، وهي الحادثة التي أطلقت مرحلة جديدة من التوترات الإقليمية، وكان السودان وإثيوبيا في قلب تداعياتها السياسية والأمنية.

وفي السياق الراهن، تصاعد غضب السلطة السودانية في بورتسودان عقب استقبال إثيوبيا لقائد «قوات الدعم السريع» في ديسمبر (كانون الأول) 2023، وهي خطوة اعتُبرت حينها تجاوزاً للحياد المفترض، ورسالة سياسية سلبية في ظل الحرب الدائرة داخل السودان. ولم يلبث هذا الغضب أن تضاعف مع استضافة أديس أبابا، في يناير (كانون الثاني) 2024، لاجتماعات ضمّت «قوات الدعم السريع» و«تحالف القوى المدنية الديمقراطية» (تقدم)، وتوقيع رئيس الوزراء السوداني السابق رئيس التحالف عبد الله حمدوك مع قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي)، الوثيقة التي عُرفت بـ«إعلان أديس أبابا».

كما زادت حدة التوتر مع احتضان العاصمة الإثيوبية سلسلة من الأنشطة واللقاءات السياسية والمدنية ذات الصلة بالصراع السوداني، وهو ما رأت فيه دوائر رسمية سودانية انحيازاً غير معلن، وتدخلاً مباشراً في مسار الأزمة الداخلية.

البرهان وآبي أحمد خلال لقاء سابق في الخرطوم (مكتب رئيس وزراء إثيوبيا)

وفي هذا السياق المشحون، جاءت إثارة «ملف المسيّرات» في هذا التوقيت لتعيد إلى الواجهة الشكوك القديمة والاتهامات المتجددة لأديس أبابا بالتدخل في الشأن السوداني، ومدّ يد العون لـ«قوات الدعم السريع»، سواء بشكل مباشر أو عبر توفير بيئة لوجيستية وأمنية مساندة. ومنذ وقت مبكر من العام الماضي، تداول نشطاء على منصات التواصل الاجتماعي معلومات غير موثقة المصدر عن وجود معسكرات تدريب لـ«قوات الدعم السريع» داخل الأراضي الإثيوبية، وهي روايات ظلت في إطار التداول غير الرسمي إلى أن اكتسبت بعداً جديداً مع تقارير إعلامية دولية.

وفي هذا الإطار، نشرت وكالة رويترز في 10 فبراير (شباط) الماضي، تحقيقاً أفادت فيه بأن إثيوبيا تستضيف معسكرات لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«قوات الدعم السريع» في مناطق قريبة من الحدود مع السودان. واستند التحقيق إلى مصادر متعددة، شملت تحليلاً لصور أقمار اصطناعية أظهرت بنية تحتية عسكرية واسعة، تضم تجهيزات وخياماً، وتحركات مكثفة للآليات، وعمليات نقل منتظمة لجنود. ورغم خطورة هذه الاتهامات، لم يصدر عن إثيوبيا نفي رسمي مباشر. غير أن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ألمح، في تصريحات غير مباشرة، إلى وجود مشروع «تعدين» كبير في المنطقة الحدودية، وهو تفسير رأى فيه بعض المراقبين محاولة لتبرير الحراك الكثيف للآليات والأفراد في المناطق المتاخمة للحدود السودانية، دون أن ينجح ذلك في تبديد الشكوك المتصاعدة لدى الخرطوم.

اشتعال النيل الأزرق

بالتوازي مع التصعيد السياسي والدبلوماسي بين الخرطوم وأديس أبابا، عادت رقعة القتال للاشتعال في ولاية النيل الأزرق، الولاية الحدودية التي تحاذي إثيوبيا وجنوب السودان، بعد فترة من الخمود النسبي استمرت لعدة أشهر. وسرعان ما تحولت الولاية مجدداً إلى واحدة من أهم جبهات المواجهة في الحرب الدائرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع».

وشهدت مناطق متفرقة من الولاية اشتباكات عنيفة تبادل خلالها الجيش وحلفاؤه من جهة، و«الدعم السريع» وحلفاؤه من جهة أخرى، السيطرة والنفوذ، في تطور لافت نقل الإقليم من كونه محوراً قتالياً «خاملاً» إلى مركز عمليات «نشط». وتركزت أعنف المواجهات على وجه الخصوص في محيط الكرمك، حيث اكتسبت هذه المناطق أهمية استراتيجية مضاعفة بفعل قربها الجغرافي من الحدود الإثيوبية.

وإذا ما ثبتت صحة الاتهامات التي أوردتها وزارة الخارجية السودانية بشأن استخدام الأراضي الإثيوبية كنقاط انطلاق للمُسيرات، فإن هذا العامل الجغرافي من شأنه أن يُحدث تحولاً نوعياً في معادلة الصراع. فالقرب بين ولاية النيل الأزرق والحدود الإثيوبية من شأنه أن «يُقصِّر» بشكل كبير خطوط إمداد «قوات الدعم السريع»، بعدما كانت تعتمد في السابق على إمدادات قادمة من أقصى غرب السودان، وكانت المُسيرات تقطع آلاف الكيلومترات لتنفيذ هجماتها. أما في الوضع الجديد، فإن خطوط الإمداد ستكون أقصر وأكثر سرعة ومرونة، ما يمنح «الدعم السريع» - نظرياً - أفضلية لوجيستية في هذا المسرح القتالي.

الأدلة والقرائن

ويعكس الاتهام السوداني المباشر لإثيوبيا، وفق مراقبين، انتقال العلاقة بين البلدين إلى مرحلة باتت تُدار فيها السياسة بأدوات أمنية صِرفة، مع تزايد النظر إلى الملف الأمني باعتباره امتداداً لصراعات قديمة، كامنة ومتجددة في آن واحد. فكما دعمت أديس أبابا، تاريخياً، فصائل من المعارضة السودانية المسلحة في فترات مختلفة، فإن الخرطوم بدورها لم تكن بعيدة عن دعم معارضات إثيوبية، تارة في سياق الصراع الإقليمي مع إريتريا، وتارة أخرى عبر مساندة قوى داخلية إثيوبية معارضة للحكومات المتعاقبة في أديس أبابا.

وفي هذا الإطار، يرى الناشط السياسي محمد موسى أن الاتهام السوداني، رغم صراحته وحدّته، يفتقر إلى العناصر الفنية التي تحوّله من موقف سياسي إلى ملف قانوني قابل للمساءلة. ويقول موسى: «على الرغم من وضوح الاتهام، فإن بيان وزارة الخارجية السودانية، بصيغته المنشورة، لا يتضمن تفاصيل تقنية تتعلق بعدد المُسيرات، أو مساراتها، أو مواقع سقوط حطامها، أو أي معطيات فنية أخرى، ما يجعل الاتهام أقرب إلى تصعيد سياسي منه إلى قضية قابلة للتدويل أو التحقيق الدولي». ويضيف: «حتى تحقيق (رويترز)، رغم أهميته الإعلامية، اعتمد على مصادر وصور أقمار اصطناعية لا ترقى إلى مستوى الأدلة القاطعة. يمكن النظر إليها باعتبارها قرائن إعلامية، لكنها تظل بحاجة إلى إثبات رسمي موثق».


مقالات ذات صلة

البرهان يتوعد بحسم جماعة إسلامية دعت للقتال مع إيران

شمال افريقيا البرهان خلال مشاركته منسوبي الشرطة في ضاحية الحاج يوسف بالخرطوم إفطارهم الرمضاني يوم الأربعاء (مجلس السيادة السوداني) p-circle 02:09

البرهان يتوعد بحسم جماعة إسلامية دعت للقتال مع إيران

توعد رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، بحسم جماعة «إخواني»، كانت قد دعت باسم من أسمتهم «المجاهدين» للقتال مع إيران.

أحمد يونس (كمبالا)
المشرق العربي طفل وسيدة أصيبا جرّاء هجوم بطائرة مُسيرة في الأبيض بشمال كردفان (أرشيفية-رويترز)

هجوم بطائرة مُسيرة يقطع الكهرباء عن مدينة الأُبيّض السودانية

قصفت طائرة مُسيّرة تابعة لقوات «الدعم السريع» محطة الكهرباء الرئيسية بمدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان بالسودان، في الساعات الأولى من صباح اليوم.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
خاص الفتى السوداني عبد الرحمن الذي بُترت ساقه بعد إصابته بطلق ناري خلال الحرب (الشرق الأوسط)

خاص الحرب تحصد أطراف مئات الأطفال في السودان

ضاعفت الحرب أعداد المعاقين في السودان وبُترت أطراف الآلاف، صغاراً وكباراً، بعد إصابتهم بقذائف متطايرة أو ذخيرة حية.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

معارك السودان تتجدَّد في جنوب إقليم كردفان

تجدَّدت المعارك بين الجيش السوداني وحلفائه وقوات تحالف «تأسيس» المكونة من «الدعم السريع» و«الحركة الشعبية» في ولاية جنوب كردفان، وذلك بعد هدوء قلق أعقب كسر حصار

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا إدريس متحدثاً في المؤتمر الصحافي بمطار الخرطوم (إعلام مجلس الوزراء)

رئيس وزراء السودان: لن نقبل بأي هدنة منقوصة

قال رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، السبت، إن النقاش حول الهدنة الإنسانية التي اقترحتها «الآلية الرباعية» لا يزال مستمراً، وإن بلاده لن ترضى بهدنة منقوصة.

وجدان طلحة (الخرطوم)

هل يردع مقترح الإحالة إلى القضاء العسكري المتلاعبين بالأسعار في مصر؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وجه بدراسة إمكانية إحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكري (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وجه بدراسة إمكانية إحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكري (الرئاسة المصرية)
TT

هل يردع مقترح الإحالة إلى القضاء العسكري المتلاعبين بالأسعار في مصر؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وجه بدراسة إمكانية إحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكري (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وجه بدراسة إمكانية إحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكري (الرئاسة المصرية)

أثار مقترح مصري بإحالة المتلاعبين في الأسعار إلى القضاء العسكري، تساؤلات حول إمكانية الخطوة في ضبط الأسواق، وسط تداعيات متصاعدة للحرب الإيرانية، في وقت تواصل فيه الحكومة المصرية جهود التصدي لأي محاولة لممارسات احتكارية للسلع.

ووجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بـ«دراسة إمكانية إحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكري»، وشدد على «ضرورة عدم استغلال الظروف الحالية لرفع الأسعار أو التلاعب فيها».

وأشار السيسي خلال مشاركته في حفل الإفطار، الذي نظمته الأكاديمية العسكرية المصرية، إلى أن البلاد «في حالة شبه طوارئ، ويتعين ألا يتم التلاعب باحتياجات الناس». وطمأن المصريين بقوله: «اطمئنوا بفضل الله سبحانه وتعالى؛ إننا بخير».

وتؤكد الحكومة المصرية أن لديها سيناريوهات موضوعة تعمل على تطبيقها لضمان استقرار الأسواق، وتوفير السلع الغذائية للمواطنين بكميات كافية، بما يضمن عدم حدوث أي نقص في الاحتياجات الأساسية اليومية.

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي، سمير راغب، لـ«الشرق الأوسط»، إن «القضاء العسكري يتميز بسرعة الفصل وسرعة الضبط»، مبرزاً أن «الإحالة إلى القضاء العسكري فيها نوع من الردع للمتلاعبين، فمن يستغل أو يخطئ يُحاسب بشكل فوري. وعندما يتولى القضاء العسكري الأمر، فسيحق له إصدار قرارات لكل أجهزة الضبط القضائي، المدنية والعسكرية، بشأن إجراءات التحري والبحث».

ووفق راغب، فإن «الإحالة إلى القضاء العسكري أمر مختلف، لأن طريق القضايا المدنية يأخذ وقتاً طويلاً»، موضحاً أن القضاء العسكري «فيه جميع درجات التقاضي، استئناف ونقض؛ والفكرة في أن تتم جميع الخطوات بسرعة».

وأوضح راغب أن إحالة المتلاعبين إلى القضاء العسكري في الأسعار حدثت من قبل في قضايا الإرهاب، والتعديات على أراضي الدولة الزراعية، واستغلال المواد التموينية، بحسب قوله. وقال بهذا الخصوص: «ليس معنى أن يتم تحويل أي متلاعب بالأسعار إلى القضاء العسكري، أن من يحوله عسكري، لأنه يُمكن لأي مأمور ضبط قضائي، أو مفتش تموين، أن يحول الشخص والقضية إلى القضاء العسكري، وأيضاً يُمكن إحالة الشخص إلى النيابة العامة، وهي تحيله إلى القضاء العسكري للاختصاص».

مشاركون في حفل الإفطار الذي نظمته الأكاديمية العسكرية المصرية بحضور السيسي (الرئاسة المصرية)

من جهته، قال عضو مجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان) الإعلامي، مصطفى بكري، عبر حسابه على «إكس»، إن «توجيه الرئيس السيسي بشأن المتلاعبين في الأسعار لاقى ارتياحاً كبيراً بالشارع، في مواجهة المستغلين الذين يتربحون على حساب الشعب وقوته».

بدوره، أكد عضو مجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان)، رئيس «حزب الوعي»، باسل عادل، أن حديث الرئيس عن مواجهة التلاعب بالأسعار، يفتح إطاراً وطنياً مسؤولاً عن طبيعة العلاقة بين حرية السوق ومسؤولية الدولة الاجتماعية، مشدداً على أن «مفهوم الاقتصاد الحر لا يمكن أن يتحول إلى مساحة للفوضى أو الاحتكار؛ بل يجب أن يظل منضبطاً بقواعد العدالة وحماية المجتمع». وقال عادل إن الإشارات الرئاسية إلى تشديد الإجراءات القانونية ضد المحتكرين «تعكس إدراكاً عميقاً بأن الأمن الاقتصادي لا يقل أهمية عن الأمن العسكري».

ومنذ اندلاع الحرب الإيرانية، السبت الماضي، تراجع سعر صرف الجنيه مقابل الدولار، ما ولّد مخاوف في مصر من ارتفاع أسعار السلع، وتجاوز سعر صرف العملة الأميركية مقابل الجنيه المصري عتبة 50 جنيهاً للدولار، الخميس.

الرئيس السيسي شدد على ضرورة عدم استغلال الظروف الحالية لرفع الأسعار أو التلاعب فيها (الرئاسة المصرية)

وبخصوص تحركات الحكومة المصرية بشأن المقترح الرئاسي، أوضح الخبير العسكري والاستراتيجي أن «الإحالة إلى القضاء العسكري ضمن حزمة من الحلول، وهناك طرق أخرى للرقابة على الأسواق». وقال في هذا الخصوص: «حتى في حال عدم تفعيل المقترح، فكون الرئيس السيسي تحدث في هذا الأمر فهي رسالة للجميع بأنه لن يتوانى في المحاسبة، وهذه رسالة ردع للمتلاعبين أقوى من الإحالة إلى القضاء العسكري، لأن رسالة الرئيس السيسي سوف تجعل من يفكر في استغلال الأزمة يراجع نفسه، لأنه سوف يواجه عقوبات شديدة».

الخبير الاقتصادي، كريم العمدة، قال إن دراسة الإحالة إلى القضاء العسكري «تأتي في إطار الحلول المؤقتة، أو إجراءات التحوط، وليست ضمن الحلول الدائمة، وفيه نوع من الردع لأي متلاعب، ومجرد التلويح به من الرئيس السيسي سوف يجعل كثيرين يفكرون قبل رفع أي أسعار».

وأضاف العمدة موضحاً لـ«الشرق الأوسط»، أن «هناك زيادة في الأسعار الآن غير مبررة؛ ولو استمرت الحرب الإيرانية 3 أشهر، فسوف نجد موجة من رفع الأسعار بسبب ارتفاع الدولار، لأن المستورد وقتها سوف يشتري بسعر أغلى»، مشيراً إلى «ضرورة الرقابة على الأسواق، والضرب بيد من حديد لمواجهة أي تلاعب أو تجاوز في الأسعار».

وبشأن تحرك الأسعار خلال الفترة المقبلة في مصر، توقع العمدة ارتفاعها بسبب زيادة أسعار البترول العالمية، مرجحاً «زيادة المحروقات في مصر، خصوصاً في ظل ارتفاع سعر الدولار»، لكنه يرى أن هذه «الارتفاعات ستكون محدودة ونسبية بسبب حرب إيران، وعند توقف الحرب على الأسعار أن تعود للانخفاض».

ويوجه رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، بشكل متكرر، رسائل طمأنة للمواطنين بشأن الأسعار، لكنه عبّر أخيراً عن قلق حكومي من إطالة أمد الصراع، وانعكاسه على الأوضاع الاقتصادية بوجه عام، وتأثيراته السلبية على أسعار السلع.

وكان السيسي قد أكد خلال الحفل، مساء الخميس، أن «مصر كانت حريصة على منع حدوث هذا التصعيد، لأنها تعرف جيداً من واقع تجربتها، أن الحروب لا تجلب إلا الخراب والدمار، والإضرار بمصالح ومقدرات الشعوب»، مؤكداً أن مصر «لا تزال تحاول القيام بجهود وساطة مخلصة وأمينة لوقف الحرب، لأن استمرارها ستكون له ضريبة كبيرة».


مصر: مخاوف من زيادة جديدة في أسعار الوقود بسبب الحرب الإيرانية

وزير البترول المصري يتفقد أعمال حفر أحد حقول الغاز الجديدة (وزارة البترول المصرية)
وزير البترول المصري يتفقد أعمال حفر أحد حقول الغاز الجديدة (وزارة البترول المصرية)
TT

مصر: مخاوف من زيادة جديدة في أسعار الوقود بسبب الحرب الإيرانية

وزير البترول المصري يتفقد أعمال حفر أحد حقول الغاز الجديدة (وزارة البترول المصرية)
وزير البترول المصري يتفقد أعمال حفر أحد حقول الغاز الجديدة (وزارة البترول المصرية)

تثير تطورات الحرب الإيرانية وتأثيراتها على إمدادات الطاقة مخاوف في مصر من زيادة جديدة في أسعار الوقود، في حين رجح خبراء قيام الحكومة المصرية بـ«تحريك أسعار الوقود، في ظل ارتفاع أسعار برميل البترول عالمياً».

وتتابع الحكومة تطورات الأوضاع العالمية وتأثيراتها المحتملة على أسواق الطاقة، وقال رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، أخيراً، إن حكومته تراقب الموقف، غير أنها لم تتخذ قرارات بشأن زيادة أسعار الوقود في الوقت الحالي.

وكانت آخر زيادة في أسعار الوقود بمصر خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث حركت الحكومة الأسعار بنسب وصلت إلى 13 في المائة، وأكدت وزارة البترول، وقتها، «تثبيت أسعار الوقود في السوق المحلية لمدة عام على الأقل».

ولمحت صحف ومواقع محلية في مصر، خلال الساعات الماضية، إلى احتمال تأثر أسعار الوقود المحلي، في ظل الارتفاع الملحوظ في الأسعار عالمياً، بواقع 3 دولارات خلال الفترة الأخيرة، إلى جانب تأثير ذلك على إمدادات الكهرباء والطاقة خلال فصل الصيف المقبل. وتحدثت عن «مخاوف بين المصريين من رفع أسعار المحروقات مجدداً».

واطلع الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال اجتماع حكومي، الأربعاء، على مدى جاهزية الحكومة لتأمين إمدادات الغاز اللازمة لقطاع الكهرباء في ضوء مستجدات الحرب الجارية بالمنطقة، وما سيترتب عليها من تداعيات اقتصادية سلبية، وتأثير على الأسعار، خصوصاً أسعار المنتجات البترولية. وشدد حينها على ضرورة «الحفاظ على أرصدة استراتيجية آمنة من المنتجات البترولية لمختلف الاستخدامات، بما يحقق أمن الطاقة في البلاد»، حسب إفادة لـ«الرئاسة المصرية».

وتعوّل الحكومة المصرية في توفير احتياجاتها من مصادر الطاقة على تعزيز الإنتاج المحلي، وقال المتحدث باسم مجلس الوزراء المصري، محمد الحمصاني، أخيراً، إن «من بين سيناريوهات تعزيز المخزون الاستراتيجي، تعزيز الإنتاج المحلي، والتعاقد مع كبرى الشركات العالمية، وتنويع مصادر الاستيراد من الخارج»، وقال الثلاثاء الماضي إن «وزارة البترول تمتلك سفن تغويز لاستقبال شحنات من دول متعددة، بما يضمن توفير احتياجات البلاد».

ومن بين إجراءات تعزيز الإنتاج المحلي تنمية موارد حقل «ظهر» في البحر المتوسط، وفي هذا السياق تحدث وزير البترول المصري، كريم بدوي، عن برنامج لتعظيم الاستفادة من إمكانات منطقة امتياز الحقل، داعياً خلال اجتماع مع الشركات المسؤولة عن تنمية حقل «ظهر»، الجمعة، إلى «ضرورة تطبيق تكنولوجيات المسح السيزمي الحديثة رباعية الأبعاد، بما يدعم الوصول لموارد غاز جديدة».

ووفق وزارة البترول المصرية، فقد أعلنت شركة «بتروشروق»، المسؤولة عن تنمية الحقل، «زيادة إنفاق تطوير الحقل إلى 524 مليون دولار في موازنة العام المالي المقبل».

الرئيس المصري خلال اجتماع مع مدبولي لتأمين إمدادات الطاقة والغاز (الرئاسة المصرية)

ويرى رئيس شعبة المواد البترولية في مصر سابقاً، حسام عرفات، أنه «من الطبيعي أن تلجأ الحكومة المصرية إلى زيادة أسعار الوقود المحلي، في ظل ارتفاع الأسعار عالمياً»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الحكومة في حالة ترقب لتأثيرات الحرب الإيرانية، رغم حديثها عن توفير مخزون استراتيجي آمن».

ويعتقد عرفات أن «استمرار الحرب لأكثر من 4 أسابيع قد يدفع الحكومة المصرية إلى زيادة الأسعار»، مشيراً إلى أن «هناك مخاوف كبيرة لدى المسؤولين من زيادة الأسعار العالمية على نسبة التحوط التي أقرتها الموازنة المصرية لهذا العام بالنسبة إلى أسعار الوقود، بواقع 81 دولاراً للبرميل»، لافتاً إلى أن الفترة الحالية «تستدعي ترشيد الاستهلاك بشكل كبير، بوصفه أحد حلول مواجهة الأزمة».

ووفق أستاذ هندسة البترول بالجامعة الأميركية في مصر، جمال القليوبي، «سيظل قرار تحريك أسعار الوقود المحلي في مصر مرهوناً بمدى استمرار الحرب الإيرانية»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «السعر العالمي لخام برنت هو 85 دولاراً، ما يعني تجاوز نسبة التحوط التي أقرتها الحكومة المصرية في الموازنة، وبالتالي فرص زيادة الأسعار المحلية محتملة مما يزيد المخاوف».

ويرى القليوبي أن «تعزيز الإنتاج المحلي من الغاز والبترول يُعد خياراً مطلوباً، لكنه ليس كافياً»، مشيراً إلى أن «هناك ترقباً في البورصات العالمية نتيجة عدم استقرار أسعار النفط»، مبرزاً أن «الوضع الضبابي يدفع إلى عدم إبرام عقود طويلة الأجل، واللجوء إلى تعاقدات قصيرة الأجل تعتمد على أسعار متذبذبة».

وقال رئيس الوزراء المصري، في مؤتمر صحافي، خلال الأسبوع الماضي، إن «هناك 106 آبار للغاز والبترول سوف تُحفر هذا العام».


عودة «الحوار السياسي» لتصدر واجهة الأحداث في موريتانيا

منسقية أحزاب الأغلبية الرئاسية خلال نقاش ردها الموحد على وثيقة الحوار (حزب الإنصاف الحاكم)
منسقية أحزاب الأغلبية الرئاسية خلال نقاش ردها الموحد على وثيقة الحوار (حزب الإنصاف الحاكم)
TT

عودة «الحوار السياسي» لتصدر واجهة الأحداث في موريتانيا

منسقية أحزاب الأغلبية الرئاسية خلال نقاش ردها الموحد على وثيقة الحوار (حزب الإنصاف الحاكم)
منسقية أحزاب الأغلبية الرئاسية خلال نقاش ردها الموحد على وثيقة الحوار (حزب الإنصاف الحاكم)

عاد الحديث عن الحوار السياسي إلى الواجهة في موريتانيا، بعد أن قدم ائتلاف المعارضة الديمقراطية، مساء (الخميس)، إلى السلطات وثيقة تتضمن رؤيته لخريطة الطريق، التي يجب أن يتم من خلالها تنظيم هذا الحوار.

ويأتي هذا التطور بعد أسابيع من الركود، بل حتى الشكوك في إمكانية تنظيم الحوار، في حين قال قطب ائتلاف المعارضة الديمقراطية إن على الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني «التدخل من أجل تهيئة الظروف الملائمة لإطلاق الحوار الوطني».

ويضم ائتلاف المعارضة الديمقراطية أحزاباً سياسية، وهيئات مجتمع مدني، وشخصيات مستقلة، وقد سلمت قيادات الائتلاف الوثيقة إلى منسق الحوار الوطني على مستوى رئاسة الجمهورية، موسى فال، خلال مؤتمر صحافي في نواكشوط. وعبر الائتلاف عن «استعداده للمساهمة في إنجاح مسار الحوار الوطني»، لكنه عبر في الوقت ذاته عن خشيته من انهيار جهود تنظيم الحوار. وقال منسق الائتلاف، الساموري ولد بي، إن المرحلة الحالية «حاسمة في مسار الحوار المرتقب».

وأضاف ولد بي خلال تسليم الوثيقة: «نحن غير مرتاحين لمواقف بعض الأطراف الممانعة، التي تسعى لإفشال تنظيم الحوار»، داعياً إلى «تدخل مباشر من رئيس الجمهورية لضمان تنظيم الحوار وتطبيق نتائجه».

من جهته، قال محمد ولد مولود، رئيس اتحاد قوى التقدم (أحد أعضاء الائتلاف المعارض)، إنهم غير راضين في الائتلاف عن «وتيرة سير المرحلة الممهدة للحوار الوطني»، داعياً إلى «الدخول الفعلي في الحوار دون تضييع وقت».

وعبر ولد مولود خلال تصريح صحافي عن خشيته من وجود «نية للمماطلة لدى بعض الجهات، ما قد ينعكس سلباً على نتائج حوار يحتاجه البلد لتقديم حلول سريعة لبعض القضايا»، وشدد على ضرورة «إنهاء المشاورات الممهدة للحوار قبل نهاية شهر رمضان».

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

أما موسى فال، منسق الحوار المنتدب من طرف الرئاسة الموريتانية، فقد أعلن أن مسار التحضير للحوار «دخل مرحلته النهائية بعد نهاية المرحلة التمهيدية»، مشيراً إلى أنه تسلم ردود جهات سياسية عديدة حول خريطة طريق الحوار، وموضحاً: «بعد تسلّم جميع الملاحظات والردود من الأقطاب السياسية، سيتم تنظيم اجتماع مع ممثليهم للتوصل إلى التعديلات النهائية على الوثيقة»، وأكد أن مبدأ الحوار «لا بد أن يقوم على الاتفاق المشترك».

كما أوضح منسق الحوار الآلية التي سيتم عبرها صياغة الوثيقة النهائية، مشيراً إلى أنه طلب تعيين ممثلين من كل قطب سياسي للدفاع عن مقترحاتهم، وصياغة الوثيقة النهائية قبل إحالتها إلى الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي سيتولى تحديد موعد تنظيم الحوار.

وسبق أن عبر حزب الإنصاف، الحاكم في موريتانيا، عن ارتياحه للتقدم الحاصل في مسار تنظيم الحوار الوطني، في حين صادقت منسقية أحزاب الأغلبية الرئاسية والأحزاب الداعمة للرئيس ولد الغزواني على ردّها الموحد بشأن وثيقة الحوار المرتقب.

وعقدت المنسقية اجتماعاً (الخميس) في مقر حزب الإنصاف، صادقت في نهايته على رد مشترك. وكلف رئيس حزب الإنصاف الحاكم، محمد ولد بلال، بتسليم الوثيقة إلى منسق الحوار موسى فال.

وقالت المنسقية في بيان صحافي إن انخراطها في التحضير للحوار يأتي «تماشياً مع رؤية فخامة رئيس الجمهورية، الرامية إلى ترسيخ نهج التشاور والانفتاح وتعزيز التهدئة السياسية، وتكريس ثقافة الحوار». وأوضحت أنه «بعد نقاش وتشاور مستفيضين، صادقت المنسقية على مسودة الرد الموحد للأغلبية على وثيقة الحوار الوطني».