السودان في مواجهة إحدى أسوأ المجاعات في العالم

خبراء أمميون قالوا إن الجيش يمنع شاحنات الإغاثة من الدخول... و«الدعم» يرتكب الفظائع

هرباً من الجوع والحرب عبرت عائلات سودانية من منطقة دارفور إلى مخيم للاجئين في تشاد هذا الشهر (نيويورك تايمز)
هرباً من الجوع والحرب عبرت عائلات سودانية من منطقة دارفور إلى مخيم للاجئين في تشاد هذا الشهر (نيويورك تايمز)
TT

السودان في مواجهة إحدى أسوأ المجاعات في العالم

هرباً من الجوع والحرب عبرت عائلات سودانية من منطقة دارفور إلى مخيم للاجئين في تشاد هذا الشهر (نيويورك تايمز)
هرباً من الجوع والحرب عبرت عائلات سودانية من منطقة دارفور إلى مخيم للاجئين في تشاد هذا الشهر (نيويورك تايمز)

في الوقت الذي يتجه فيه السودان صوب المجاعة، يمنع جيشه الأمم المتحدة من جلب كميات هائلة من الغذاء إلى البلاد عبر معبر حدودي حيوي؛ ما يؤدي فعلياً إلى قطع المساعدات عن مئات الآلاف من الناس الذين يعانون من المجاعة في أوج الحرب الأهلية. ويحذّر الخبراء من أن السودان، الذي بالكاد يُسيّر أموره بعد 15 شهراً من القتال، قد يواجه قريباً واحدة من أسوأ المجاعات في العالم منذ عقود. ولكن رفْض الجيش السوداني السماح لقوافل المساعدات التابعة للأمم المتحدة بالمرور عبر المعبر يقوّض جهود الإغاثة الشاملة، التي تقول جماعات الإغاثة إنها ضرورية للحيلولة دون مئات الآلاف من الوفيات (ما يصل إلى 2.5 مليون شخص، حسب أحد التقديرات بحلول نهاية العام الحالي).

ويتعاظم الخطر في دارفور، المنطقة التي تقارب مساحة إسبانيا، والتي عانت من الإبادة الجماعية قبل عقدين من الزمان. ومن بين 14 ولاية سودانية معرّضة لخطر المجاعة، تقع 8 منها في دارفور، على الجانب الآخر من الحدود التي تحاول الأمم المتحدة عبورها، والوقت ينفد لمساعدتها.

نداءات عاجلة

ويقع المعبر الحدودي المغلق -وهو موضع نداءات عاجلة وملحة من المسؤولين الأميركيين- في أدري، وهو المعبر الرئيسي من تشاد إلى السودان. وعلى الحدود، إذ لا يزيد الأمر عن مجرد عمود خرساني في مجرى نهر جاف، يتدفق اللاجئون والتجار والدراجات النارية ذات العجلات الأربع التي تحمل جلود الحيوانات، وعربات الحمير المحملة ببراميل الوقود.

رجل يحمل سوطاً يحاول السيطرة على حشد من اللاجئين السودانيين يتدافعون للحصول على الطعام بمخيم أدري (نيويورك تايمز)

لكن ما يُمنع عبوره إلى داخل السودان هو شاحنات الأمم المتحدة المليئة بالطعام الذي تشتد الحاجة إليه في دارفور؛ إذ يقول الخبراء إن هناك 440 ألف شخص على شفير المجاعة بالفعل. والآن، يقول اللاجئون الفارّون من دارفور إن الجوع، وليس الصراع، هو السبب الرئيسي وراء رحيلهم. السيدة بهجة محكر، وهي أم لثلاثة أطفال، أصابها الإعياء تحت شجرة بعد أن هاجرت أسرتها إلى تشاد عند معبر «أدري». وقالت إن الرحلة كانت مخيفة للغاية واستمرت 6 أيام، من مدينة الفاشر المحاصرة وعلى طول الطريق الذي هددهم فيه المقاتلون بالقضاء عليهم.

دهباية وابنها النحيل مؤيد صلاح البالغ من العمر 20 شهراً في مركز علاج سوء التغذية بأدري (نيويورك تايمز)

لكن الأسرة شعرت بأن لديها القليل للغاية من الخيارات. قالت السيدة محكر، وهي تشير إلى الأطفال الذين يجلسون بجوارها: «لم يكن لدينا ما نأكله». وقالت إنهم غالباً ما يعيشون على فطيرة واحدة في اليوم.

الجيش: معبر لتهريب الأسلحة

وكان الجيش السوداني قد فرض قراراً بإغلاق المعبر منذ 5 أشهر، بدعوى حظر تهريب الأسلحة. لكن يبدو أن هذا لا معنى له؛ إذ لا تزال الأسلحة والأموال تتدفق إلى السودان، وكذلك المقاتلون، من أماكن أخرى على الحدود الممتدة على مسافة 870 ميلاً، التي يسيطر عليها في الغالب عدوه، وهو «قوات الدعم السريع».

لاجئون فرّوا حديثاً من منطقة في دارفور تسيطر عليها «قوات الدعم السريع» في مخيم بتشاد (نيويورك تايمز)

ولا يسيطر الجيش حتى على المعبر في أدري، إذ يقف مقاتلو «قوات الدعم السريع» على بُعد 100 متر خلف الحدود على الجانب السوداني. وعلى الرغم من ذلك، تقول الأمم المتحدة إنها يجب أن تحترم أوامر الإغلاق من الجيش، الذي يتخذ من بورتسودان مقراً له على بُعد 1000 ميل إلى الشرق، لأنه السلطة السيادية في السودان. وبدلاً من ذلك، تضطر الشاحنات التابعة للأمم المتحدة إلى القيام برحلة شاقة لمسافة 200 ميل شمالاً إلى معبر «الطينة»، الذي تسيطر عليه ميليشيا متحالفة مع الجيش السوداني؛ إذ يُسمح للشاحنات بدخول دارفور. هذا التحول خطير ومكلّف، ويستغرق ما يصل إلى 5 أضعاف الوقت الذي يستغرقه المرور عبر «أدري». ولا يمر عبر «الطينة» سوى جزء يسير من المساعدات المطلوبة، أي 320 شاحنة منذ فبراير (شباط)، حسب مسؤولين في الأمم المتحدة، بدلاً من آلاف شاحنات المساعدات الضرورية التي يحتاج الناس إليها. وقد أُغلق معبر «الطينة» أغلب أيام الأسبوع الحالي بعد أن حوّلت الأمطار الموسمية الحدود إلى نهر.

7 ملايين مهددون بالجوع

وفي الفترة بين فبراير (شباط)، عندما أُغلق معبر «أدري» الحدودي، ويونيو (حزيران)، ارتفع عدد الأشخاص الذين يواجهون مستويات طارئة من الجوع من 1.7 مليون إلى 7 ملايين شخص. وقد تجمّع اللاجئون الذين وصلوا مؤخراً على مشارف مخيم أدري، في حين انتظروا تسجيلهم وتخصيص مكان لهم. ومع اقتراب احتمالات حدوث مجاعة جماعية في السودان، أصبح إغلاق معبر «أدري» محوراً أساسياً للجهود التي تبذلها الولايات المتحدة، كبرى الجهات المانحة على الإطلاق، من أجل تكثيف جهود المساعدات الطارئة. وصرّحت ليندا توماس غرينفيلد، سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، مؤخراً للصحافيين: «هذه العرقلة غير مقبولة على الإطلاق».

أحد مراكز سوء التغذية تديره منظمة «أطباء بلا حدود» في أدري إذ يُطبّب طفل من جرح ملتهب في ذراعه ناجم عن العلاج الوريدي المستمر لسوء التغذية (نيويورك تايمز)

وكان إيصال المساعدات إلى دارفور صعباً حتى قبل الحرب. وتقع أدري تقريباً على مسافة متساوية من المحيط الأطلسي إلى الغرب والبحر الأحمر إلى الشرق، أي نحو 1100 ميل من الاتجاهين. فالطرق مليئة بالحفر، ومتخمة بالمسؤولين الباحثين عن الرشوة، وهي عُرضة للفيضانات الموسمية. وقال مسؤول في الأمم المتحدة إن الشاحنة التي تغادر ميناء «دوالا» على الساحل الغربي للكاميرون تستغرق نحو 3 أشهر للوصول إلى الحدود السودانية. ولا يقتصر اللوم في المجاعة التي تلوح في الأفق على الجيش السوداني فحسب، فقد مهّدت «قوات الدعم السريع» الطريق إليها أيضاً، إذ شرع مقاتلو «الدعم السريع»، منذ بدء الحرب في أبريل (نيسان) 2023 في تهجير ملايين المواطنين من منازلهم، وحرقوا مصانع أغذية الأطفال، ونهبوا قوافل المساعدات. ولا يزالون يواصلون اجتياح المناطق الغنية بالغذاء في السودان، التي كانت من بين أكثر المناطق إنتاجية في أفريقيا؛ ما تسبّب في نقص هائل في إمدادات الغذاء.

استجابة دولية هزيلة

وكانت الاستجابة الدولية لمحنة السودان هزيلة إلى حد كبير، وبطيئة للغاية، وتفتقر إلى الإلحاح.

في مؤتمر عُقد في باريس في أبريل، تعهّد المانحون بتقديم ملياري دولار مساعدات إلى السودان، أي نصف المبلغ المطلوب فقط، لكن تلك التعهدات لم تُنفذ بالكامل. وفي مخيمات اللاجئين المزدحمة في شرق تشاد، يُترجم الافتقار للأموال إلى ظروف معيشية بائسة. وقالت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، التابعة للأمم المتحدة، التي تدير مخيمات اللاجئين في تشاد، إن عملياتها ممولة بنسبة 21 في المائة فقط في شهر يونيو. وقد اضطر برنامج الأغذية العالمي مؤخراً إلى خفض الحصص الغذائية، إثر افتقاره إلى الأموال.

يعيش ما يقرب من 200 ألف شخص في مخيم أدري الذي يمتد إلى الصحراء المحيطة حيث المأوى نادر ولا يوجد ما يكفي من الطعام أو الماء (نيويورك تايمز)

ومع هطول الأمطار بغزارة، جلست عائشة إدريس (22 عاماً)، تحت غطاء من البلاستيك، تمسّكت به بقوة في وجه الرياح، في حين كانت تُرضع ابنتها البالغة من العمر 4 أشهر. وكان أطفالها الثلاثة الآخرون جالسين بجوارها، وقالت: «نحن ننام هنا»، مشيرة إلى الأرض المبتلة بمياه الأمطار. لم يكن هناك سوى 3 أسرّة خالية في مركز لسوء التغذية تديره منظمة «أطباء بلا حدود»، وكان ممتلئاً بالرضع الذين يعانون من الجوع. وكان أصغرهم يبلغ من العمر 33 يوماً، وهي فتاة تُوفيت والدتها في أثناء الولادة. في السرير التالي، كان الطفل مؤيد صلاح، البالغ من العمر 20 شهراً، الذي كان شعره الرقيق وملامحه الشاحبة من الأعراض المعروفة لسوء التغذية، قد وصل إلى تشاد في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بعد أن اقتحم مسلحون منزل أسرته في الجنينة، عبر الحدود في دارفور، وقتلوا جده. وقالت السيدة دهباية، والدة الطفل مؤيد: «لقد أردوه قتيلاً أمام أعيننا». والآن، صار كفاحهم من أجل البقاء على قيد الحياة بفضل حصص الأمم المتحدة الضئيلة. ثم قالت، وهي تضع ملعقة من الحليب الصناعي في فم طفلها: «أياً كان ما نحصل عليه، فهو ليس كافياً بالمرة».

سفير سوداني: المساعدات مسيّسة

وفي مقابلة أُجريت معه، دافع الحارث إدريس الحارث محمد، السفير السوداني لدى الأمم المتحدة، عن إغلاق معبر «أدري»، مستشهداً بالأدلة التي جمعتها الاستخبارات السودانية عن تهريب الأسلحة.

مندوب السودان لدى الأمم المتحدة الحارث إدريس خلال جلسة سابقة لمجلس الأمن (أ.ب)

وقال إن الأمم المتحدة «سعيدة» بترتيب توجيه الشاحنات شمالاً عبر الحدود في الطينة. وأضاف أن الدول الأجنبية التي تتوقع مجاعة في السودان تعتمد على «أرقام قديمة»، وتسعى إلى إيجاد ذريعة «للتدخل الدولي». ثم قال: «لقد شهدنا تسييساً متعمّداً ودقيقاً للمساعدات الإنسانية إلى السودان من الجهات المانحة». وفي معبر أدري، يبدو عدم قدرة الجيش السوداني على السيطرة على أي شيء يدخل البلاد واضحاً بشكل صارخ. وقال الحمّالون، الذين يجرّون عربات الحمير، إنهم يُسلّمون مئات البراميل من البنزين التي تستهلكها سيارات الدفع الرباعي التابعة لـ«قوات الدعم السريع»، التي عادة ما تكون محمّلة بالأسلحة.

*خدمة نيويورك تايمز


مقالات ذات صلة

قتيل بهجوم جوي على قافلة لبرنامج الأغذية العالمي جنوب كردفان

شمال افريقيا سور منهار حول مسجد بعد هجوم بمُسيَّرة في مدينة بحري بالسودان يوم 12 أغسطس الماضي (رويترز)

قتيل بهجوم جوي على قافلة لبرنامج الأغذية العالمي جنوب كردفان

قال برنامج الأغذية العالمي، الأحد، إن شخصاً لقي حتفه في هجوم جوي استهدف قافلة مساعدات تابعة للبرنامج في جنوب كردفان بالسودان، يوم السبت.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
المشرق العربي قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (الأندوف) في مرتفعات الجولان (الأمم المتحدة - أرشيفية)

اجتماع تنسيقي سوري مع قوات «الأندوف» لمراقبة اتفاق فض الاشتباك

عقد في مبنى وزارة الخارجية والمغتربين بدمشق، اجتماع اليوم، مع رئيس بعثة قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك «الأندوف» لمناقشة سبل تعزيز التنسيق بين الجانبين.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
خاص عناصر من الأمن العراقي يقفون للحراسة بالقرب من نصب «قوس النصر» في أثناء التحضيرات لاحتفالات «يوم السيادة»... يوم 2 أكتوبر 2026 (رويترز)

خاص «اليوم الوطني» يستعيد جدل الاستقلال في العراق

احتفى مسؤولون كبار في العراق بـ«اليوم الوطني» 3 أكتوبر (تشرين الأول) الذي يصادف استقلال البلاد من الانتداب البريطاني ودخولها عصبة الأمم عام 1932.

حمزة مصطفى (بغداد)
أفريقيا تعقيم أحد العاملين في المجال الصحي داخل أحد مراكز مكافحة فيروس إيبولا في منطقة بيني بمقاطعة شمال كيفو شمالي شرق الكونغو الديمقراطية (أ.ب)

أكثر من 4 آلاف وفاة جراء وباء إيبولا في الكونغو الديمقراطية

أسفر وباء إيبولا عن وفاة أكثر من أربعة آلاف شخص من بين أكثر من ثمانية آلاف حالة مؤكدة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، بحسب ما أفادت السلطات في البلاد.

«الشرق الأوسط» (كينشاسا)
المشرق العربي عنصر أمني حكومي يتبع لوزارة الداخلية في ضواحي قرية الصورة الصغيرة بريف السويداء يوم 15 سبتمبر الماضي (رويترز) p-circle

مسؤول سابق بـ«الفاو» يطعن على قرار فصله بسبب موقفه من الجوع في غزة

قال بنجامين ديفيس، المسؤول السابق في منظمة (الفاو)، إنه تقدم بطعن على قرار فصله من العمل، مشيراً إلى أن القرار جاء بسبب موقفه من قضية الجوع في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (جنيف - روما)

تبون يحدد توجهات 2027 برفع الأجور ومواجهة الغلاء

الرئيس الجزائري مع الطاقم الحكومي في اجتماع مجلس الوزراء (الرئاسة)
الرئيس الجزائري مع الطاقم الحكومي في اجتماع مجلس الوزراء (الرئاسة)
TT

تبون يحدد توجهات 2027 برفع الأجور ومواجهة الغلاء

الرئيس الجزائري مع الطاقم الحكومي في اجتماع مجلس الوزراء (الرئاسة)
الرئيس الجزائري مع الطاقم الحكومي في اجتماع مجلس الوزراء (الرئاسة)

أثارت تعهدات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بزيادات واضحة في أجور العمال والموظفين ابتداءً من العام المقبل، وببلوغ الناتج المحلي الإجمالي 400 مليار دولار في أفق نهاية العام الحالي أو بداية المقبل؛ حالة من الجدل الواسع داخل البلاد.

فالعاملون يترقبون الزيادات الجديدة بفارغ الصبر، لمواجهة تراجع القدرة الشرائية الناجم عن الارتفاع الكبير في أسعار غالبية السلع والخدمات خلال العام الحالي، الذي استُهل برفع مفاجئ لأسعار الوقود.

وكان تبون قد وجَّه، الأحد، بإدراج زيادات الأجور ضمن مشروع قانون الموازنة لسنة 2027، بعدما أعلن عزمه استكمال مراجعة زيادة الأجور بنسبة 53 في المائة، لترتفع الزيادة الإجمالية إلى 100 في المائة، وفق تصريحاته، بعد زيادات بلغت 47 في المائة على مراحل خلال السنوات الأخيرة.

كما طلب الرئيس من الحكومة عدم إقرار أي ضريبة جديدة من شأنها التأثير على القدرة الشرائية للمواطنين، ولا سيما الفئات محدودة الدخل والطبقة المتوسطة.

وكان تبون قد أكد، خلال مقابلة بثها التلفزيون العمومي، السبت الماضي، أنه تعهد بتجسيد الـ53 في المائة المتبقية من زيادات الأجور، قائلاً: «إذا سمحت الظروف فسيتم تطبيق هذه الزيادات على شطر واحد، أو على شطرَين في حال تعذر ذلك».

حُمَّى الأسعار

وعن سؤال يخص أثر ارتفاع الأسعار على المستوى المعيشي، قال إن «القدرة الشرائية ومحاربة المضاربة غير المشروعة تشكلان أولوية، باعتبار أن المواطن يوجد في صميم عملية التنمية»، عادّاً الزيادات التي شهدتها كل المنتجات، خصوصاً الخضراوات، تعكس «جشع الذين يستغلون الوضع»، واصفاً إياهم بـ«الطفيليين».

الرئيس الجزائري تبون خلال المقابلة التي بثها التلفزيون العمومي (الرئاسة)

وأوضح أن الحرائق التي اندلعت في عدد من ولايات وسط وشرق البلاد خلال يوليو (تموز) الماضي أدت إلى تراجع عرض بعض المنتجات في الأسواق، لكنه شدد على أن ذلك «لا يبرر بأي حال من الأحوال هذا الارتفاع في الأسعار»، لا سيما في ظل الدعم الذي يحظى به القطاع الزراعي، سواء عبر الربط بشبكتي الكهرباء والمياه أو توفير الأسمدة.

وشدد الرئيس على رفضه القاطع للممارسات الاحتكارية غير المشروعة، مشيراً إلى أن «التحقيقات الأولية أظهرت أن معظم الفلاحين لم يكونوا وراء ارتفاع الأسعار. هذه الممارسات تشكل جريمة في حق الشعب، والحكومة ستتصدى لها».

الناتج المحلي

وفي سياق ذي صلة، تساءل حزب «جيل جديد» في بيان نشره، الأحد، عن مدى واقعية بلوغ الاقتصاد الجزائري ناتجاً داخلياً خاماً قدره 400 مليار دولار، على خلفية إعلان الرئيس تبون، في المقابلة الصحافية نفسها، أن الجزائر قد تبلغ هذا المستوى بنهاية سنة 2026 أو، في أقصى تقدير، خلال الربع الأول من سنة 2027.

ويرى الحزب أن بلوغ هذا الرقم «يستدعي النظر إلى ما يتجاوز قيمته الاسمية، والوقوف عند العوامل التي تقف وراءه».

رئيس حزب «جيل جديد» (إعلام حزبي)

وحسب تقديرات الحكومة فإن القيمة الإجمالية للاقتصاد هي في حدود 287 مليار دولار.

غير أن الحزب أقر بتسجيل الاقتصاد الجزائري نمواً، مشيراً إلى أن الرئيس تبون يراهن حالياً على نمو سنوي يتراوح بين 4.01 و4.02 في المائة، وهي نسبة تفوق بشكل طفيف توقعات صندوق النقد الدولي.

وتعليقاً على الأرقام التي قدمها الرئيس بشأن القدرة الشرائية ومؤشرات الاقتصاد، كتب المهندس والناشط السياسي الجزائري جاب الله صايغي منشوراً عبر حسابه على وسائل التواصل الاجتماعي، يذكر فيه أن تبون «قدم صورة متفائلة جداً عن الوضع الاقتصادي للجزائر، وتحدث عن النمو والاستثمار وارتفاع الأجور واحتياطي العملة الصعبة وتنويع الاقتصاد، وصولاً إلى إمكانية بلوغ الناتج الداخلي الخام 400 مليار دولار».

وحسب الناشط، فإن بعض الأرقام «تحتاج إلى تدقيق ومقارنة مع المعطيات الاقتصادية المتاحة، حتى نميّز بين النمو الحقيقي، والتوقعات، والأرقام الاسمية».

وأضاف: «أول ما يحتاج إلى توضيح هو رقم 400 مليار دولار. إذا كان الناتج الداخلي الخام في 2025 في حدود 287 مليار دولار، فإن بلوغ 400 مليار يحتاج إلى نمو يقارب 40 في المائة في ظرف سنة واحدة. في المقابل، يتوقع صندوق النقد الدولي نمواً حقيقياً للجزائر في حدود 3.8 في المائة سنة 2026. فكيف ننتقل من 287 مليار دولار إلى 400 مليار؟».

وأكد أن تساؤلاته هذه لا تهدف إلى «التشكيك في الرقم، وإنما معرفة مكوناته وطريقة الوصول إليه».


مجلس حقوق الإنسان يمدّد ولاية بعثة «تقصّي الحقائق» في السودان

تجمع في مطار الخرطوم الدولي يوم 3 أكتوبر 2026 احتفالاً بعودة حاكم إقليم دارفور قائد «حركة تحرير السودان» مني أركو مناوي إلى البلاد عقب مشاركته في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك (أ.ف.ب)
تجمع في مطار الخرطوم الدولي يوم 3 أكتوبر 2026 احتفالاً بعودة حاكم إقليم دارفور قائد «حركة تحرير السودان» مني أركو مناوي إلى البلاد عقب مشاركته في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

مجلس حقوق الإنسان يمدّد ولاية بعثة «تقصّي الحقائق» في السودان

تجمع في مطار الخرطوم الدولي يوم 3 أكتوبر 2026 احتفالاً بعودة حاكم إقليم دارفور قائد «حركة تحرير السودان» مني أركو مناوي إلى البلاد عقب مشاركته في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك (أ.ف.ب)
تجمع في مطار الخرطوم الدولي يوم 3 أكتوبر 2026 احتفالاً بعودة حاكم إقليم دارفور قائد «حركة تحرير السودان» مني أركو مناوي إلى البلاد عقب مشاركته في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك (أ.ف.ب)

قرر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تمديد ولاية «البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان» لمدة عام إضافي، وهو قرار يتعلق بالبعثة التي أنشأها لمراقبة أزمة حقوق الإنسان والأوضاع الإنسانية الناجمة عن الحرب. وأجيز القرار بموافقة 28 دولة، مقابل اعتراض 10 دول، وامتناع 9 دول عن التصويت.

ونص القرار على تمديد ولاية البعثة عاماً إضافياً جديداً، وأن تقدم البعثة تحديثاً عن أعمالها إلى الدورة الخامسة والستين للمجلس، وتقريراً شاملاً في الدورة السادسة والستين، قبل عرضه على الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وأظهر التصويت الذي جرى في جنيف، الاثنين، انقساماً لافتاً بين المجموعات الإقليمية؛ إذ صوتت جميع الدول العربية الأعضاء حالياً في المجلس ضد القرار، وهي مصر والعراق والكويت وقطر، وعارضته باكستان وإندونيسيا، لتشكل الدول العربية والإسلامية ستة من بين الأصوات العشرة الرافضة، وانضمت إليها الصين وكوبا وفيتنام وبوروندي.

وتباين الموقف الأفريقي بصورة خاصة؛ إذ صوتت بوروندي ضد القرار، في وقت يتولى فيه رئيسها إيفاريست نداييشيمي الرئاسة الدورية للاتحاد الأفريقي لعام 2026، علماً أن الاتحاد لا يزال يتمسك بتجميد عضوية السودان.

ومن بين 13 دولة أفريقية في المجلس، امتنعت سبع دول عن التصويت، وهي: أنغولا، وبنين، وساحل العاج، والكونغو الديمقراطية، وإثيوبيا، وغانا، وكينيا، وعارضته بوروندي ومصر. في المقابل، أيدته جنوب أفريقيا، وغامبيا، وملاوي، وموريشيوس.

ويكشف التصويت عن زيادة في مستوى التأييد للقرار مقارنة بالعام الماضي؛ ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، مدّد المجلس ولاية بعثة تقصي الحقائق لعام واحد بأغلبية 24 صوتاً، مقابل 11 صوتاً معارضاً، وامتناع 12 دولة. أما هذا العام فقد ارتفع عدد المؤيدين إلى 28، وتراجع المعارضون إلى 10، في حين انخفض عدد الممتنعين إلى تسعة.

ولا تعكس المقارنة تغيّراً حسابياً فقط؛ إذ شهدت مواقف بعض الدول التي احتفظت بعضويتها تحولات ملحوظة، فقد انتقلت غامبيا وملاوي من الامتناع العام الماضي إلى تأييد القرار هذا العام، في حين انتقلت إثيوبيا من معارضته إلى الامتناع، وواصلت بوروندي، والصين، وكوبا، وإندونيسيا، والكويت، وقطر، وفيتنام، رفض القرار، وحافظت جنوب أفريقيا على موقفها المؤيد له.

وجدّد المجلس في القرار تأكيده على سيادة السودان واستقلاله ووحدته وسلامة أراضيه، وشدد على ضرورة التزام جميع أطراف النزاع بالقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

وأكد أنه لا يوجد حل عسكري للأزمة السودانية، ودعا إلى وقف فوري وشامل لإطلاق النار دون شروط مسبقة، وإنشاء آلية مستقلة لمراقبته، والدخول في عملية سياسية شاملة يقودها السودانيون وتنتهي إلى انتقال بقيادة مدنية.

وأدان المجلس الانتهاكات المنسوبة إلى جميع أطراف النزاع، ومن بينها الهجمات على المدنيين والقصف الجوي وضربات الطائرات المسيّرة، والقتل خارج نطاق القضاء والعنف الجنسي والاحتجاز التعسفي والاختطاف والنهب والانتهاكات ضد الأطفال.

كما أدان القرار جميع أشكال التدخل الخارجي الذي يغذي الحرب، بما في ذلك توريد الأسلحة والمعدات العسكرية ونشر العناصر الأجنبية والمرتزقة، ودعا إلى وقف الدعم العسكري والمادي لجميع أطراف النزاع.

وحث القرار جميع الأطراف والدول على احترام وحدة السودان وسلامة أراضيه، ورفض إقامة سلطة حاكمة موازية في المناطق التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع».


اختفاء أكاديمي ليبي في غرب طرابلس يعيد عمليات الخطف إلى الواجهة

الأكاديمي الليبي محمد شرف الدين الفيتوري (حسابه عبر فيسبوك)
الأكاديمي الليبي محمد شرف الدين الفيتوري (حسابه عبر فيسبوك)
TT

اختفاء أكاديمي ليبي في غرب طرابلس يعيد عمليات الخطف إلى الواجهة

الأكاديمي الليبي محمد شرف الدين الفيتوري (حسابه عبر فيسبوك)
الأكاديمي الليبي محمد شرف الدين الفيتوري (حسابه عبر فيسبوك)

أبلغت أسرة الأكاديمي والإعلامي الليبي محمد شرف الدين الفيتوري عن تغيبه، بعد انقطاع الاتصال به منذ مساء الأحد، عقب توجهه إلى أكاديمية الدراسات العليا في جنزور غرب طرابلس، وسط مطالبات للسلطات بالكشف عن مصيره، وفتح تحقيق في ظروف اختفائه.

وقالت أسرته في نداء عاجل، الاثنين، إن الفيتوري توجه صباحاً إلى الأكاديمية، وإنه شوهد للمرة الأخيرة داخلها قرابة الساعة الثالثة مساءً، وكان برفقة صديقه وزميله أبو بكر الجراري، قبل أن ينقطع الاتصال به.

وأضافت الأسرة أنه عُثر لاحقاً على سيارة الفيتوري وهاتفه في منطقة أنجيلة، من دون أن تتوفر معلومات عن مكان وجوده، وناشدت الجهات المختصة ووسائل الإعلام وزملاءه وطلبته -وكل من لديه معلومات عن تحركاته- المساعدة في الوصول إليه.

وقالت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا إنها رصدت وتابعت المعلومات الأولية المتداولة بشأن اختفاء الفيتوري في «ظروف غامضة»، مشيرة إلى أن مصيره لا يزال مجهولاً.

وطالبت المؤسسة في بيان، الاثنين، وزارة الداخلية ومديريات الأمن والأجهزة الأمنية المختصة -إلى جانب مكتب المحامي العام بدائرة محكمة استئناف طرابلس- «بفتح تحقيق شامل في ملابسات الواقعة، وتكثيف عمليات البحث، والتحري، وجمع المعلومات، للكشف عن مصيره».

ووصفت المؤسسة واقعة الاختفاء بأنها «جريمة اختطاف وحجز للحرية خارج نطاق القانون»، منوهة إلى أنه لم تعلن أي جهة رسمية، حتى الآن، مسؤوليتها عن اختفاء الفيتوري، أو تُقدم معلومات تحدد مكان وجوده.

ويعيد اختفاء الفيتوري إلى الواجهة ملف عمليات الخطف والاختفاء في غرب ليبيا، في ظل استمرار الغموض بشأن مصير عدد من الأشخاص انقطع الاتصال بهم في ظروف مختلفة، وما يرافق ذلك من مطالبات حقوقية وأسرية بكشف مصيرهم، ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات تثبتها التحقيقات.

ويجرم القانون الليبي عمليات الخطف -وجميع الممارسات المشابهة- بموجب القانون رقم 10 بشأن تجريم التعذيب، والإخفاء القسري، والتمييز. وفي أعوام سابقة قالت البعثة الأممية لدى ليبيا إنها وثقت حالات احتجاز ما لا يقل عن 60 فرداً بسبب انتمائهم السياسي الفعلي، أو المتصور، مرجحة أن يكون العدد الفعلي للمحتجزين بسبب تعبيرهم السلمي عن آرائهم السياسية «أعلى بكثير».

ويتمتع الفيتوري -بحسب أسرته، والجهة الحقوقية- بمسيرة طويلة في المجالين الأكاديمي، والإعلامي، إلى جانب توليه مناصب عامة، ما جعل واقعة اختفائه تحظى باهتمام أوساط أكاديمية، وإعلامية، وحقوقية.

وتواصل أسرته مناشدة كل من لديه معلومات عنه، أو شاهد السيارة قبل العثور عليها في منطقة أنجيلة، إبلاغ الأسرة، أو الجهات المختصة، أملاً في الوصول إلى أي معلومة تقود إلى مكانه.