«سد النهضة»: توافق مصري - إثيوبي على إنجاز اتفاق خلال 4 أشهر

أديس أبابا تعهدت بعدم إلحاق الضرر بالقاهرة والخرطوم خلال الملء الرابع

TT

«سد النهضة»: توافق مصري - إثيوبي على إنجاز اتفاق خلال 4 أشهر

الرئيس السيسي لدى استقباله آبي أحمد في القاهرة الخميس (الرئاسة المصرية/تويتر)
الرئيس السيسي لدى استقباله آبي أحمد في القاهرة الخميس (الرئاسة المصرية/تويتر)

عشية ملء رابع لـ«سد النهضة»، الذي تقيمه إثيوبيا على نهر النيل، ويثير توترات مع دولتي المصب (مصر والسودان)، توافق زعماء مصر وإثيوبيا، على الشروع في مفاوضات عاجلة للانتهاء من الاتفاق على قواعد ملء وتشغيل السد، خلال أربعة أشهر، فيما تعهدت أديس أبابا بـ«عدم إلحاق ضرر ذي شأن» بالقاهرة والخرطوم، بما يوفر الاحتياجات المائية لكلا البلدين.

ولم تفلح مفاوضات ثلاثية متقطعة، جرت على مدار أكثر من 10 أعوام، في الوصول إلى حل، رغم رعاية عدة أطراف دولية لها، أبرزها الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأفريقي.

واستغلت مصر وإثيوبيا قمة «دول جوار السودان»، التي استضافتها القاهرة، الخميس، لعقد اجتماع ثنائي بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الذي رأس وفد بلاده، لمناقشة قضية «سد النهضة» التي تصفها مصر بـ«الوجودية». ووفق بيان مشترك بين البلدين، نشره المتحدث باسم الرئاسة المصرية عبر صفحته الرسمية على «فيسبوك»، فإن الزعيمين جددا تأكيد «إرادتهما السياسية المتبادلة لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، سياسياً واقتصادياً وثقافياً، انطلاقاً من الرغبة المشتركة في تحقيق مصالحهما المشتركة، بما يسهم أيضاً بشكل فعال في تحقيق الاستقرار والسلام والأمن في المنطقة، وقدرة الدولتين على التعامل مع التحديات المشتركة».

سد النهضة الإثيوبي (وزارة المياه والطاقة الإثيوبية)

واتفق الطرفان على تجاوز الجمود الحالي في مفاوضات سد النهضة، من خلال «الشروع في مفاوضات عاجلة للانتهاء من الاتفاق بين مصر وإثيوبيا والسودان لملء سد النهضة وقواعد تشغيله»، كما «اتفقا على بذل جميع الجهود الضرورية للانتهاء منه خلال أربعة أشهر»، وأوضحت إثيوبيا «التزامها، خلال فترة المفاوضات، وفي أثناء ملء السد خلال العام الهيدرولوجي 2023 - 2024 بعدم إلحاق ضرر ذي شأن بمصر والسودان، بما يوفر الاحتياجات المائية لكلا البلدين».

وعد عضو مجلس الشيوخ المصري عبد المنعم سعيد، اللقاء، «انفراجة» قد تسهم في حل القضية، مؤكدا لـ«الشرق الأوسط»، أن التوافق الراهن يبدو أنه نتيجة «وجود وساطات غير معلنة بين القاهرة وأديس أبابا، بجانب اتصالات ثنائية سابقة بين البلدين»، مشيرا إلى أن هناك «مدخلا جديدا راهنا ساهم في هذا التوافق وأحيا مفاوضات سد النهضة، وهو أن مصر وإثيوبيا أكثر بلدين تضررا من الأزمة السودانية الحالية، لذلك فإن إثيوبيا تحتاج لمصر وجهودها في هذا الملف، وهذا يعد اتفاق مصالح جديدا يدعم استئناف المفاوضات حول سد النهضة».

وكان رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أعلن (الخميس) الماضي عزم بلاده على إجراء «الملء الرابع» لخزان سد النهضة على نهر النيل، خلال موسم الفيضان الحالي، كما أبدى استعداد بلاده لاستئناف المفاوضات مع كل من مصر والسودان.

وتطالب مصر، ومعها السودان، إثيوبيا بتوقيع اتفاق ملزم يستند إلى القانون الدولي، خاصة أن النيل هو المورد المائي الرئيسي لمصر.

وتعتقد أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية في القاهرة الدكتورة نهى بكر أنه «ربما أدركت إثيوبيا أنها يجب أن تغير سياستها في التعامل مع ملف سد النهضة»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «نأمل في أن يؤدي الاتفاق الجديد إلى فتح مسارات جديدة أكثر جدية»، على الرغم من أن «تاريخ المفاوضات في أزمة سد النهضة مُحزن، وتكون نتائجه دائما غير جدية بسبب التعنت الإثيوبي»، بحسب بكر.


مقالات ذات صلة

مصر لتوسيع الشراكة المائية مع أوزبكستان وسط تحديات «سد النهضة»

شمال افريقيا وزير الري المصري خلال لقاء مع النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء الأوزبكي (وزارة الري المصرية)

مصر لتوسيع الشراكة المائية مع أوزبكستان وسط تحديات «سد النهضة»

خطوة جديدة تتخذها القاهرة في توسيع شراكاتها المائية عبر محادثات مع أوزبكستان بهدف تعزيز التعاون الثنائي والتنسيق الدولي بشأن «حوكمة الأنهار الدولية».

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا مباحثات سابقة بين آبي أحمد والرئيس الإسرائيلي في أديس أبابا (وكالة الأنباء الإثيوبية)

الدعم الإسرائيلي لـ«المنفذ البحري» الإثيوبي يزيد التوتر مع مصر

دعم إسرائيلي لتحركات إثيوبيا، في الحصول على منفذ على البحر الأحمر، يأتي تزامناً مع رفض مصري يتوالى ضد تحركات أديس أبابا.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الزراعة المصري خلال لقائه عدداً من المزارعين (مجلس الوزراء المصري)

تعهدات مصرية بتوفير الاحتياجات المائية للمزارعين رغم تحديات «سد النهضة»

جهود كبيرة تتحدث عنها وزارة الري المصرية لتوفير الاحتياجات المائية مع الاحتفال بـ«عيد الفلاح» بالبلاد في ظل عجز مائي تشهده، وسط تحديات أزمة «سد النهضة».

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا مباحثات بين آبي أحمد والرئيس الإسرائيلي في أديس أبابا (وكالة الأنباء الإثيوبية)

استعداد مصري لمواجهة تداعيات الدعم الإسرائيلي المعلن لإثيوبيا

تحركت إسرائيل لدعم إثيوبيا في توقيت يتزامن مع أسابيع من التصعيد المصري في الخطاب تجاه أديس أبابا على خلفية أزمة مياه النيل والمخاوف من تضرر حصة مصر المائية.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا مصر تعول على دعم الأصدقاء لحفظ الأمن المائي (وزارة الري المصرية)

تحديات «سد النهضة»... مصر تراهن على «دعم الأصدقاء» لحماية أمنها المائي

استعداد إيطالي للتدخل لدى صديقتها إثيوبيا؛ لبحث أزمتها مع مصر بشأن «سد النهضة»، في وقت أكدت فيه القاهرة «التعويل على الأصدقاء في دعم الأمن المائي».

محمد محمود (القاهرة)

غياب التوافق الليبي يثير تكهنات حول اللجوء لمجلس الأمن بشأن الانتخابات

تيتيه خلال اجتماع مع أعضاء في المجلس الأعلى للدولة الجمعة (البعثة الأممية)
تيتيه خلال اجتماع مع أعضاء في المجلس الأعلى للدولة الجمعة (البعثة الأممية)
TT

غياب التوافق الليبي يثير تكهنات حول اللجوء لمجلس الأمن بشأن الانتخابات

تيتيه خلال اجتماع مع أعضاء في المجلس الأعلى للدولة الجمعة (البعثة الأممية)
تيتيه خلال اجتماع مع أعضاء في المجلس الأعلى للدولة الجمعة (البعثة الأممية)

لم تلُح في الأفق حتى الآن ملامح على وجود توافق في المواقف بين مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» بشأن تمرير اتفاق لممثلي طرفي الصراع في ليبيا، الذي يتضمن تعديلات تشريعية ودستورية تمهد لإجراء الانتخابات، ما يثير تساؤلات حول مصير الاتفاق مع اقتراب انتهاء المهلة الممنوحة للمجلسين، ومدى إمكانية اللجوء إلى مجلس الأمن لتجاوز التعثر.

مسعد بولس وخليفة حفتر خلال لقاء سابق في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

ويأتي ذلك مع انقضاء أكثر من ثلثي المهلة المحددة للمجلسين، والبالغة شهراً واحداً، لاعتماد الاتفاق الموقع في 30 أغسطس (آب) الماضي، وسط استمرار التحفظات داخل «الأعلى للدولة»، في مقابل إعلان مجلس النواب موافقته عليه، الأمر الذي يضع البعثة الأممية أمام اختبار بشأن الخطوة التالية إذا انتهت المهلة، من دون توافق بين المجلسين.

وفتح هذا التعثر الباب أمام تكهنات بشأن تفعيل البند الخامس من الاتفاق، الذي ينص على أنه في حال عدم تمكن مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» من الموافقة على الاتفاق، بصيغته الموقعة خلال شهر، يمكن اعتماده وطنياً عبر آلية واسعة التمثيل تكفي لإضفاء صفة الوثيقة الدستورية عليه، ودولياً من خلال مجلس الأمن.

وحسب خبراء فإن اللجوء إلى لجنة موسعة، على غرار الآلية التي أفضت إلى اتفاق جنيف قبل نحو خمسة أعوام، يظل أحد الخيارات المطروحة في حال استمرار الخلاف بين المجلسين. وفي هذا السياق يقول الباحث السياسي حسام الدين العبدلي إن هذا الخيار «وارد جداً» إذا استمر المجلس الأعلى للدولة في المماطلة، في ظل غياب توافق داخلي بشأن الاتفاق.

ويضيف العبدلي لـ«الشرق الأوسط» أن مجلس النواب أقر الاتفاق، رغم الخلافات التي أثيرت بشأن النصاب والإجراءات، وهو ما اعتبره مؤشراً يمكن للبعثة الأممية البناء عليه، خصوصاً مع وجود ترحيب دولي بالاتفاق، مشيراً إلى أن استمرار التعثر قد يدفع نحو البحث عن آلية بديلة لتجاوز الخلاف بين المجلسين.

ويرى العبدلي أن من بين الخيارات المطروحة تشكيل مجلس تأسيسي أو لجنة موسعة بموافقة مجلس الأمن، استناداً إلى مخرجات اللجنة الاستشارية، التي شكلتها الأمم المتحدة العام الماضي، وذلك بهدف توفير غطاء سياسي وقانوني لمسار الانتخابات، في حال تعذر الوصول إلى توافق بين المؤسسات القائمة.

من جلسة سابقة للمجلس الأعلى للدولة (المجلس)

وتقود البعثة الأممية برئاسة هانا تيتيه، اتصالات مكثفة مع الأطراف الليبية في محاولة لإقناع «الأعلى للدولة» بالتعامل مع الاتفاق، في وقت كان فيه رئيس المجلس محمد تكالة قد أرسل رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، تضمنت تحفظات على الاتفاق وآلية إقراره.

وكان أحدث تحركات تيتيه، الجمعة، مع الإعلان عن عقد لقاء مع أعضاء في «الأعلى للدولة»، مع تأكيد التزامها مواصلة العمل مع الأطراف الليبية المعنية بالعملية السياسية، والأخذ في الاعتبار توصيات «الحوار المهيكل»، والمشاورات الأخرى التي أجرتها البعثة بهدف تهيئة الظروف الملائمة لإجراء انتخابات وطنية.

محمد تكالة (إ.ب.أ)

ويقول مصدر مطلع على اتصالات البعثة الأممية مع الأطراف السياسية في العاصمة طرابلس لـ«الشرق الأوسط» إن تيتيه تبذل جهوداً لتفادي اللجوء إلى مجلس الأمن، قبل استنفاد فرص التفاهم بين المجلسين، مشيراً إلى أن الانتقال إلى آلية دولية قد يفرض شروطاً أكثر تعقيداً بشأن تشكيل اللجنة الموسعة، التي يمكن أن تتولى اعتماد اتفاق «4+4».

في المقابل، يرى رئيس المجلس الوطني للعلاقات الأميركية - الليبية، هاني شنيب، أن استمرار عجز الليبيين عن التوصل إلى توافق، في ظل ما وصفه بـ«غياب أدنى حد من الثقة»، قد يفتح الباب أمام تدخل أوسع من مجلس الأمن، وفرض ترتيبات أو إجراءات جديدة على الأطراف الليبية.

وتساءل شنيب في منشور عبر صفحته على «فيسبوك»، عما إذا كان كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، والبعثة الأممية سيتجهان بالملف الليبي إلى مجلس الأمن خلال الشهر المقبل «لحزم الأمور»، في إشارة إلى احتمال انتقال الملف إلى مستوى دولي أكثر مباشرة.

وسبق أن أشار بولس، خلال مشاركته في «منتدى الإعلام العربي» في دبي، الأسبوع الماضي، إلى أن قراراً من مجلس الأمن بشأن ليبيا من المنتظر صدوره خلال أسابيع، من دون أن يوضح طبيعة القرار، أو ما إذا كان مرتبطاً مباشرة باتفاق «4+4»، أو بالمسار السياسي الأوسع الذي تقوده الأمم المتحدة.

جلسة سابقة لمجلس الأمن بشأن ليبيا في نيويورك (لقطة من تسجيل مصور)

وكان مجلس الأمن قد رحب في وقت سابق باتفاق «4+4»، واعتبره خطوة مهمة نحو إجراء انتخابات وطنية حرة ونزيهة وشفافة وجامعة، وتعزيز توحيد المؤسسات الليبية بما يلبي تطلعات الشعب الليبي، في وقت دعا فيه الأطراف إلى دعم المسار السياسي، وتجاوز الخلافات التي تعرقل الانتخابات.

ويضع الاتفاق هدف إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً، إلى جانب تعديلات تتعلق بقواعد الترشح، من بينها السماح للعسكريين بالترشح، وإلزام مزدوجي الجنسية بالتخلي عن جنسيتهم الأخرى في حال الفوز.

لكن الاتفاق يواجه تحديات على مستوى التنفيذ، في ظل استمرار تحفظات «الأعلى للدولة» على المسار، الذي قادت إليه البعثة الأممية.


قلق ليبي من تأثيرات سلبية للمياه الجوفية على مشروعات الإعمار

مياه جوفية مرتفعة المنسوب في أحد شوارع مدينة زليتن غرب ليبيا (اللجنة الفنية العليا لمتابعة ظاهرة طفح المياه الجوفية)
مياه جوفية مرتفعة المنسوب في أحد شوارع مدينة زليتن غرب ليبيا (اللجنة الفنية العليا لمتابعة ظاهرة طفح المياه الجوفية)
TT

قلق ليبي من تأثيرات سلبية للمياه الجوفية على مشروعات الإعمار

مياه جوفية مرتفعة المنسوب في أحد شوارع مدينة زليتن غرب ليبيا (اللجنة الفنية العليا لمتابعة ظاهرة طفح المياه الجوفية)
مياه جوفية مرتفعة المنسوب في أحد شوارع مدينة زليتن غرب ليبيا (اللجنة الفنية العليا لمتابعة ظاهرة طفح المياه الجوفية)

يزداد القلق في ليبيا من تأثيرات ارتفاع منسوب المياه الجوفية على مشروعات الإعمار، وسط شكاوى من غرق منازل وشوارع، وتضرر أراضٍ زراعية، ما يطرح تحديات هندسية وبيئية أمام خطط تطوير البنية التحتية والمساكن والمرافق العامة.

وتعاني مدن عدة من هذه الظاهرة منذ سنوات، خصوصاً أجدابيا (شرق) وزليتن (غرب)، وإن اختلفت طبيعة المشكلة وأسبابها من منطقة إلى أخرى. وتشير دراسات ليبية إلى ارتباط ارتفاع المنسوب في بعض المناطق بزيادة الإمدادات والاستهلاك، وتسربات شبكات المياه والصرف الصحي.

* خطر جيولوجي

في أجدابيا، تبدو المشكلة أكثر ارتباطاً بتأثيراتها المحتملة على التربة والمنشآت والبنية التحتية، في وقت تشهد فيه المدينة تنفيذ مشروعات تنمية وإعمار، كما تواجه مدن أخرى، بينها سلوق وسوكنة وبئر الغنم تحديات مرتبطة بظاهرة طفح المياه الجوفية.

هبوط أرضي في أحد شوارع أجدابيا شرق ليبيا (الصفحة الرسمية لبلدية المدينة)

ويحذر الدكتور صالح مهني، رئيس اللجنة الفنية لمتابعة ارتفاع منسوب المياه الجوفية في أجدابيا، من أن المشكلة تبدو أكثر خطورة في المدينة، واصفاً إياها بأنها «خطر جيولوجي يهدد التربة والمنشآت والبنية التحتية».

وأشار مهني في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى «زيادة المخاطر على المنشآت القائمة والمشروعات المستقبلية في المدينة، خصوصاً مشروعات الإعمار»، مشيراً إلى تأثيراتها السلبية المتوقعة من «ظهور تشققات، وهبوط في بعض المباني والطرق، وأضرار في شبكات المياه والصرف الصحي، إلى جانب انخفاض مناسيب بعض الطرق والساحات، وظهور فجوات أو هبوطات موضعية».

وتدعم دراسات هندسية سابقة هذا القلق؛ حيث خلصت دراسة لمهني والباحث حسن علي دواس إلى أن ارتفاع المياه الجوفية في بعض أحياء أجدابيا ومدن أخرى أدى إلى ظهور المياه في أقبية بعض المنازل، مع تأثيرات على الأساسات والهياكل الخرسانية.

وأوصت جهات ليبية بإجراء دراسات هيدروجيولوجية وجيوتقنية شاملة، وإعداد خرائط حديثة لاستخدامها في التخطيط العمراني.

وتكتسب هذه المخاطر أهمية إضافية مع تنفيذ مشروعات تنمية وإعمار في أجدابيا، تشرف عليها جهات حكومية وصندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، الذي يقوده بلقاسم حفتر، وتشمل تطوير الجسور والتقاطعات، وصيانة الإسكان العام، وتأهيل مرافق صحية، إلى جانب رصف الطرق وإنارتها.

ووفق دراسة أكاديمية لمهني منشورة في 2024، فإن ارتفاع استهلاك المياه في المناطق السكنية ذات الكثافة المرتفعة يمكن أن يزيد كميات التسرب إلى التربة، بينما تسهم شبكات المياه والصرف الصحي المتهالكة، وضعف الصيانة والتوصيلات غير النظامية في تغذية المشكلة بمزيد من المياه.

وترتبط هذه العوامل أيضاً بتراجع البنية الأساسية في ليبيا خلال العقود الأخيرة من عهد الرئيس السابق معمر القذافي، وسط ضعف الصيانة وتآكل شبكات المياه والصرف والطرق. وقد تفاقمت الأوضاع أكثر بعد أحداث فبراير (شباط) 2011، مع الانقسام السياسي والصراعات المسلحة؛ ما أضعف قدرة المؤسسات على تنفيذ مشروعات الصيانة والتطوير.

* شكاوى من غرق الشوارع

يأتي ارتفاع منسوب المياه الجوفية كأحدث فصول الأزمات المعيشية التي تواجه مدناً ليبية، مع استمرار شكاوى السكان من غرق الشوارع والمنازل وتضرر الأراضي الزراعية، في ظل صعوبة معالجة الظاهرة من دون تحديد أسبابها، ومصادر تغذية الخزانات الجوفية.

شارع في أجدابيا شهد ارتفاعاً في منسوب المياه بشرق ليبيا (صفحة صالح مهني)

وفي زليتن (غرب)، ظهرت المياه فوق سطح الأرض منذ نهاية 2023، بعد ارتفاع تدريجي في منسوب الخزان الجوفي خلال السنوات السابقة. وأدت الظاهرة إلى حدوث أضرار في الممتلكات، وتهجير سكان من بعض المناطق المتضررة، بينما تحولت أجزاء من المدينة إلى بؤر تتطلب أعمال نزح ومعالجة مستمرة.

وعملت السلطات في غرب ليبيا خلال المدة الماضية على حفر آبار ومراقبة منسوب المياه، وتنفيذ خط لنزح المياه، بالتوازي مع دراسات جيوتقنية وهيدروجيولوجية لتحديد أسباب الظاهرة ومناطق انتشارها، كما شملت الأعمال إعداد قاعدة بيانات للآبار، وإجراء قياسات للمناسيب وأخذ عينات من المياه، إلى جانب متابعة خط النزح.

ومع اقتراب موسم الأمطار، تتجه لجنة فنية لمتابعة ظاهرة طفح المياه الجوفية، بالتنسيق مع وزارة الحكم المحلي في طرابلس، إلى تنفيذ حل جزئي يخفف معاناة السكان، عبر مشروع لحفر وربط آبار سطحية في المناطق المتضررة.

لكن استمرار الظاهرة يطرح سؤالاً أوسع حول مستقبل مشروعات الإعمار الجاري تنفيذها، وكذلك أي مخططات مستقبلية في المدن التي تعاني ارتفاع منسوب المياه الجوفية، خصوصاً إذا لم تسبق أعمال البناء دراسات تحدد طبيعة التربة، وحركة المياه ومصادر تغذيتها.

ويرى رئيس اللجنة الفنية لمتابعة ارتفاع منسوب المياه الجوفية في أجدابيا أن معالجة الظاهرة «ليست عقدة بلا حل»، لكنه يشير إلى أن «إقامة مشروعات للطرق والبنية التحتية، والمساكن في المناطق المتأثرة، تستلزم إجراءات هندسية احترازية مسبقة، تشمل عزل الأساسات، ونزح المياه، واتخاذ تدابير لحماية المباني والمنشآت من تأثيراتها».

وخلص المسؤول إلى أن التعامل مع «المشكلة على المدى الطويل يحتاج إلى دمج المعلومات الجيولوجية والهيدروجيولوجية والطبوغرافية في التخطيط العمراني»، مشيراً إلى أنه قدم مؤخراً مشروعاً للمدن الذكية خلال مؤتمر نظمته المبادرة العالمية التنافسية للتخطيط الحضري في بنغازي، هذا الشهر، يقوم على إنشاء نموذج رقمي، يساعد على إدماج هذه البيانات عند التخطيط للمشروعات.


تشديد مصري متكرر على وحدة السودان وسط تعقيدات الحرب

وزير الخارجية المصري خلال لقاء مسعد بولس في القاهرة يونيو الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقاء مسعد بولس في القاهرة يونيو الماضي (الخارجية المصرية)
TT

تشديد مصري متكرر على وحدة السودان وسط تعقيدات الحرب

وزير الخارجية المصري خلال لقاء مسعد بولس في القاهرة يونيو الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقاء مسعد بولس في القاهرة يونيو الماضي (الخارجية المصرية)

تشديد مصري جديد على أهمية وحدة السودان في محادثات جديدة مع واشنطن، تأتي وسط تعقيدات الحرب التي يواجه فيها الجيش الوطني ميليشيات «الدعم السريع» منذ نحو 3 سنوات.

ويرى خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الموقف المصري يأتي في إطار «الحفاظ على استقرار السودان الواقع على حدود مصر الجنوبية، ورفض أي مساواة بين الميليشيات والجيش الوطني، وتأكيد صون المؤسسات الوطنية ليكون الحل شاملاً في النهاية وقابلاً للتحقق».

وأفادت وزارة الخارجية المصرية في بيان، السبت، بأن الوزير بدر عبد العاطي ناقش مع كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، التحركات والاتصالات الجارية بهدف وقف التصعيد في السودان.

وأكد عبد العاطي، «أهمية البناء على الجهود الحالية الرامية إلى إنهاء النزاع، وضمان تهيئة الأجواء لإيجاد حلول سياسية، وإعلاء قيم الحوار والتفاوض»، مجدداً «تمسك مصر بالحفاظ على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، وصون مؤسساته الوطنية».

وفي 10 سبتمبر (أيلول) الحالي، أوضح عبد العاطي، في مؤتمر صحافي، أن «وحدة السودان، الذي يشهد مواجهات مع ميليشيات الدعم السريع، خط أحمر لمصر»، مشيراً حينها، إلى أنه تواصل مع مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية، ودول الجوار مرات عدة لوقف التصعيد.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير محمد حجازي، أن اتصال بدر عبد العاطي ومسعد بولس جاء في لحظة تزداد فيها الاتصالات الدولية والإقليمية حول وقف الحرب، «ومن المهم أن تؤكد القاهرة مجدداً أن أي تسوية لا ينبغي أن تقود إلى تقسيم السودان أو إلى نشوء كيانات ومؤسسات متوازية».

وشدَّد على «أن التحرك المصري لدفع الأطراف السودانية نحو الحوار والتفاوض يكتسب أهمية متزايدة، إلا أن الأولوية التي ينبغي أن تحكم أي مسار سياسي، هي الحفاظ على وحدة السودان أرضاً وشعباً ودولةً ومؤسسات، بوصفه خطاً أحمر لا ينبغي أن تسمح التسوية السياسية أو الترتيبات العسكرية بتجاوزه».

بدوره، أكد نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير صلاح حليمة «أن الموقف المصري تجاه الأزمة السودانية ثابت ولا يتغير، حيث يتأسس على ضرورة الحفاظ الكامل على وحدة السودان وسلامته الإقليمية، ودعم مؤسساته الوطنية ومقدرات شعبه الشقيق».

اجتماع سابق بنيويورك حول التطورات في السودان بمشاركة سعودية - مصرية خلال فبراير الماضي (الخارجية المصرية)

وعلى مدار الأشهر الأخيرة، واصلت مصر تشديدها على وحدة السودان، بحسب بيانات لـ«الخارجية»، وأواخر أغسطس (آب) تناول اتصال عبد العاطي وبولس «الجهود الإقليمية والدولية المبذولة لدعم الأمن والاستقرار في السودان، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود لدعم سيادته، والتوصل إلى حل سياسي يضمن إنهاء معاناة المدنيين ويصون للسودان وحدته وسلامة أراضيه».

وفي يوليو( تموز) الماضي، استعرض عبد العاطي مع مسعد بولس، بالقاهرة، الجهود المصرية الرامية إلى دعم الأمن والاستقرار في السودان، والحفاظ على وحدته وسيادته ومؤسساته الوطنية. وفي يونيو (حزيران) الماضي، أكد وزير الخارجية المصري خلال اتصال هاتفي مع بولس موقف مصر الداعم للسودان، مشدداً على ضرورة الحفاظ على وحدة واستقرار السودان ومؤسساته الوطنية وسيادته وسلامة أراضيه.

ويقود بولس جهود واشنطن للوساطة في الملف السوداني، إلى جانب ملفات إقليمية أخرى. وأكد عقب انعقاد «مؤتمر برلين»، الخاص بحشد الدعم الإنساني في السودان، منتصف أبريل (نيسان) الماضي أنه «لا يوجد حل عسكري للحرب السودانية».

وتعمل مصر ضمن «الآلية الرباعية» التي تضم السعودية والإمارات والولايات المتحدة، من أجل وقف إطلاق النار في السودان.

وتحركات مصر تأتي وفق حجازي «في ظل نقطة أكثر حساسية تتعلق بتصريحات سابقة لمسعد بولس، والتي ساوى فيها الجيش الوطني وميليشيا الدعم السريع»، مؤكداً «أن هناك فارقاً ينبغي لواشنطن التوقف عنده، ومصر توضح ذلك مراراً».

وشدَّد على أن مصر «تستطيع أن تؤيد انتقالاً سياسياً مدنياً، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن يكون الانتقال على حساب مؤسسات الدولة، أو أن تتم معاملتها بوصفها مجرد طرف مساوٍ لقوة مسلحة موازية لها، ولذلك فإن العبارة المصرية عن صون المؤسسات الوطنية في اتصال عبد العاطي ببولس، تبدو ذات دلالة سياسية مهمة، لأنها تربط الحل السياسي بالحفاظ على بنية الدولة ووحدتها والجيش الوطني، وليس فقط باختزال المشهد بإبعاد الأشخاص المتصارعين».

وفي هذا الصدد، أقرَّ حليمة بأن «هناك نقطة خلافية جوهرية بين القاهرة وواشنطن تتمثل في التوجه نحو المساواة بين القوات المسلحة السودانية وميليشيات الدعم السريع، خصوصاً في مقترح حظر السلاح الشامل»، واصفاً هذا التوجه بـ«الخطأ الاستراتيجي الذي يتجاهل قواعد القانون الدولي والأعراف المستقرة».

وشدَّد على «أن الجيش السوداني يمثل المؤسسة الشرعية المعترف بها إقليمياً ودولياً، بينما تُعدُّ الميليشيا طرفاً متمرداً ارتكب جرائم حرب وانتهاكات واسعة ضد الإنسانية والبنية التحتية».

وأشار إلى أن القاهرة «ترفض بوضوح أي محاولات للتدخل في الشأن الداخلي السوداني عبر تشكيل حكومات أو كيانات موازية قد تؤدي إلى تفتيت الدولة».

وتقف مصر في ملف السودان، بحسب حليمة، «مع إطلاق حوار سياسي شامل يجمع القوى والأحزاب الوطنية السودانية للتوافق على تشكيل حكومة انتقالية من الكفاءات المستقلة لإدارة الفترة الانتقالية، والتمهيد لإجراء انتخابات صياغة دستور دائم، والوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار».