أرباح فصلية تنعش أسهم شركات السيارات الأوروبية وسط المنافسة الصينية

التعافي الكامل لا يزال بعيداً

سيارات جديدة متوقفة في مصنع «فورد»، بينما يعقد العمال اجتماعاً للموظفين داخل المصنع في مدينة كولونيا الألمانية (رويترز)
سيارات جديدة متوقفة في مصنع «فورد»، بينما يعقد العمال اجتماعاً للموظفين داخل المصنع في مدينة كولونيا الألمانية (رويترز)
TT

أرباح فصلية تنعش أسهم شركات السيارات الأوروبية وسط المنافسة الصينية

سيارات جديدة متوقفة في مصنع «فورد»، بينما يعقد العمال اجتماعاً للموظفين داخل المصنع في مدينة كولونيا الألمانية (رويترز)
سيارات جديدة متوقفة في مصنع «فورد»، بينما يعقد العمال اجتماعاً للموظفين داخل المصنع في مدينة كولونيا الألمانية (رويترز)

انتعشت أسهم شركات صناعة السيارات التقليدية في أوروبا بفضل نتائج الأعمال التي أعلنتها هذا الأسبوع، لكن التعافي الكامل لا يزال بعيد المنال، في ظلِّ تحولات الأسواق وتراجع القدرة التنافسية، ما يلقي بظلاله على الآفاق طويلة الأجل للقطاع.

وتمكَّنت شركات «فولكسفاغن»، و«ستيلانتس»، و«رينو» من وقف موجة الهبوط الحاد التي تعرَّضت لها أسهمها، مع تكثيف جهودها لاستعادة ثقة المستثمرين، سواء من خلال طرح طرز كهربائية جديدة أو تنفيذ إجراءات إعادة هيكلة جذرية.

لكن مع اشتداد المنافسة الصينية وتسارع التغيُّرات التكنولوجية التي تعيد تشكيل القطاع، يزداد تشكيك المستثمرين في قدرة شركات السيارات الأوروبية الراسخة على استعادة مستويات الربحية والتقييمات السوقية التي كانت تتمتع بها سابقاً.

شعار شركة «بي واي دي» على إحدى السيارات داخل صالة عرض في سيول بكوريا الجنوبية (رويترز)

وقال ماسيمو باغياني، من شركة «نيتش لإدارة الأصول» في لندن، التي تضم محفظتها أسهماً في «رينو»، و«بي إم دبليو»، و«مرسيدس»، و«فولكسفاغن»، و«ستيلانتس»: «هناك قدر كبير من التشكيك بشأن القطاع».

وأضاف: «في هذه المرحلة، يصعب تحديد عامل واضح يمكن أن يحفِّز تعافياً مستداماً على المدى الطويل».

القطاع يطالب بروكسل بالدعم

يتداول مؤشر قطاع السيارات الأوروبي قرب مستويات لم يشهدها منذ أواخر عام 2020، عندما أدت جائحة «كوفيد - 19» إلى اضطراب سلاسل الإمداد العالمية وتراجع الطلب.

وتسعى شركات صناعة السيارات الأوروبية حالياً إلى اللحاق بنظيراتها الصينية، مثل «بي واي دي»، و«جيلي»، التي قطعت شوطاً متقدماً في التحول إلى السيارات الكهربائية، ووضعت معايير جديدة من حيث القدرة التنافسية في التكلفة والتكنولوجيا البرمجية.

وفي عام 2021، عندما بلغت أسهم «فولكسفاغن» ذروتها، كانت حصة شركات السيارات الصينية في السوق الأوروبية ضئيلة. لكن بحلول منتصف العام الحالي، تجاوزت هذه الحصة 10 في المائة. وخلال الفترة نفسها، تراجعت القيمة السوقية لـ«فولكسفاغن» بنحو 3 أرباع، تحت ضغوط تفاقمت بفعل مشكلات الرسوم الجمركية.

وقال فيليب هوشوا، المحلل لدى «جيفريز»: «إن الأسس الاقتصادية للقطاع، من حيث الضغوط التنافسية، تزداد سوءاً». وأضاف: «تستحوذ الشركات الصينية على حصة كبيرة للغاية في أسواقها المحلية والخارجية، بما لا يتيح للمستثمرين رؤيةً واضحةً للمستوى الذي قد يتوقَّف عنده التراجع».

وفي مواجهة ضغوط الواردات الصينية منخفضة التكلفة، طلبت «فولكسفاغن»، و«ستيلانتس»، و«رينو» مساعدة بروكسل، بالتزامن مع مفاوضات بشأن حوافز مقترحة للتصنيع المحلي.

وقال الرئيس التنفيذي لـ«رينو»، فرانسوا بروفوست، لـ«رويترز»: «ترى الأسواق المالية أنه إذا لم تتخذ أوروبا قراراً عاجلاً بدعم قطاع السيارات، فستواصل الشركات الصينية توريد السيارات إلى أوروبا، وفي نهاية المطاف سيموت هذا القطاع». وأضاف: «لهذا أقول للاتحاد الأوروبي إن اتخاذ القرار بات أمراً عاجلاً».

استثمارات الذكاء الاصطناعي تستنزف السيولة

يرى بعض المستثمرين أن موجة التراجع في أسهم شركات السيارات تجاوزت حدودها. فعلى الرغم من سنوات من انخفاض أسعار الأسهم، لا تزال «فولكسفاغن»، و«ستيلانتس»، و«رينو» تمتلك أصولاً صناعية ضخمة، وتحتفظ بميزانيات عمومية تبدو أفضل من تلك العائدة إلى شركات كثيرة تحظى بتقييمات سوقية أعلى.

وقال باغياني: «تتدفق كميات هائلة من رؤوس الأموال إلى شركات وأسهم الذكاء الاصطناعي، ما يستنزف الأموال من قطاعات أخرى. ونتيجة لذلك، تتضرر القطاعات التي تواجه صعوبات، مثل صناعة السيارات، بدرجة تفوق ما ينبغي».

وتجري شركات السيارات أيضاً تغييرات متزايدة الجذرية في محاولة لاستعادة ثقة المستثمرين.

فقد بدأت «فولكسفاغن» أكبر عملية إعادة هيكلة في تاريخها، تشمل خططاً لخفض نحو 100 ألف وظيفة، واحتمال إغلاق مصانع في ألمانيا. أما «ستيلانتس»، المالكة لعلامات تجارية تشمل «فيات» و«بيجو» و«جيب»، فتعوّل على استعادة زخمها من خلال مجموعة من الطرز الجديدة، وتجديد استراتيجية علاماتها التجارية، وإقامة شراكات مع شركات صينية لصناعة السيارات.

وقدَّمت نتائج الأعمال الأخيرة لمحةً عن الإمكانات الكامنة وراء هذه الخطط. وأسهمت ثقة المستثمرين في قدرة «ستيلانتس» على تجاوز مستهدفاتها لخفض التكاليف في ارتفاع سهمها بنسبة 15 في المائة خلال جلسة واحدة، الأربعاء، عقب إعلان نتائج الرُّبع الثالث. كما سجَّل سهما «فولكسفاغن» و«رينو» ارتفاعاً طفيفاً بعد تراجعهما إلى أدنى مستوياتهما في سنوات عدة.

موظفون في «فولكسفاغن» يزيلون شعار الشركة من إحدى السيارات خلال افتتاح خط لتفكيك المركبات المنتهية الصلاحية في مدينة تسفيكاو شرق ألمانيا (أ ف ب)

لكن هذا التَّحسُّن قد لا يوفِّر للشركات سوى بعض الوقت في مواجهة التَّغيُّرات الهيكلية، بحسب هوشوا، الذي قال: «النتيجة هي أن القطاع يتحوَّل إلى ما يشبه قطاع الشركات الزومبي؛ فهي لا تزال حية، لكنها تحتضر، ويمكنها الاستمرار على هذا النحو لفترة طويلة».


مقالات ذات صلة

تباطؤ نمو أرباح «بي واي دي» إلى 28 % في الربع الثالث دون التوقعات

الاقتصاد شعار شركة «بي واي دي» معروض في معرض باريس للسيارات 2026 (رويترز)

تباطؤ نمو أرباح «بي واي دي» إلى 28 % في الربع الثالث دون التوقعات

أعلنت شركة «بي واي دي» الصينية لصناعة السيارات الكهربائية الخميس ارتفاع صافي أرباحها في الربع الثالث بنسبة 28 % على أساس سنوي

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد شاشة تعرض أسعار البنزين والديزل في محطة وقود بمدينة ميونيخ بألمانيا 14 سبتمبر 2026 (رويترز)

ارتفاع أسعار الديزل في ألمانيا واتساع الفجوة السعرية مع البنزين

أعلن نادي السيارات الألماني «إيه دي إيه سي»، الأربعاء، ارتفاع أسعار وقود الديزل في البلاد من جديد.

«الشرق الأوسط» (ميونيخ)
الاقتصاد شعار «ستيلانتيس» على مبنى مكاتبها في بواسي قرب باريس (رويترز)

«ستيلانتيس» تحقق زيادة محدودة في الأرباح التشغيلية بالربع الثالث

سجلت مجموعة «ستيلانتيس» لصناعة السيارات ارتفاعاً طفيفاً في أرباحها التشغيلية خلال الربع الثالث، الأربعاء، في وقت تواصل فيه تنفيذ خطة بطيئة للتعافي.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
الاقتصاد شعار «مرسيدس-بنز» في صورة توضيحية (رويترز)

«مرسيدس-بنز» تخفّض توقعات أرباحها لعام 2026 تحت ضغط السوق الصينية

أصبحت «مرسيدس-بنز»، الثلاثاء، ثالث أكبر شركات صناعة السيارات الألمانية التي تخفِّض توقعاتها للعام الحالي، في ظلِّ صعوبة الأوضاع في الصين.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
الاقتصاد ترمب يستمع إلى الرئيس التنفيذي لشركة «أودي» وهو يتحدث خلال تجمع انتخابي في جورجيا (أ.ب)

«أودي» تدافع عن استثمارها المرتقب في أميركا بـ4 مليارات دولار رغم الانتقادات

دافع الرئيس التنفيذي لشركة «أودي» الألمانية، غيرنوت دولنر، الأحد، عن خطة الشركة لاستثمار 4 مليارات دولار في إنشاء مصنع جديد بالولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (بيري - جورجيا (الولايات المتحدة))

ألمانيا تسجل نمواً يفوق التوقعات في الربع الثالث بدعم الإنفاق الحكومي

أفق الحي المالي في فرانكفورت عند غروب الشمس (رويترز)
أفق الحي المالي في فرانكفورت عند غروب الشمس (رويترز)
TT

ألمانيا تسجل نمواً يفوق التوقعات في الربع الثالث بدعم الإنفاق الحكومي

أفق الحي المالي في فرانكفورت عند غروب الشمس (رويترز)
أفق الحي المالي في فرانكفورت عند غروب الشمس (رويترز)

نما الاقتصاد الألماني بوتيرة تجاوزت التوقعات خلال الربع الثالث من العام، رغم الاضطرابات المرتبطة بالحرب مع إيران، غير أن اقتصاديين حذروا من أن النمو لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الإنفاق الحكومي.

وأظهرت بيانات أولية صادرة عن مكتب الإحصاء الألماني، الجمعة، ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.2 في المائة مقارنة بالربع السابق، متجاوزاً توقعات محللين استطلعت «رويترز» آراءهم بزيادة قدرها 0.1 في المائة.

وعلى أساس سنوي، نما الاقتصاد بنسبة 1.3 في المائة بعد احتساب أثر تغيرات الأسعار.

وقال مكتب الإحصاء إن استهلاك الأسر والإنفاق الحكومي ارتفعا قليلاً خلال الربع الثالث، في حين تباطأ بشكل ملحوظ نمو الصادرات القوي الذي شهده النصف الأول من عام 2026.

وتشير البيانات إلى أن أكبر اقتصاد في أوروبا سجل رابع ربع متتالٍ من التعافي، مدعوماً بزيادة الإنفاق العام على البنية التحتية والدفاع، في وقت لا يزال فيه زخم القطاع الخاص ضعيفاً.

وكان الاقتصاد قد نما بنسبة 0.3 في المائة خلال الربع الثاني، و0.4 في المائة خلال الربع الأول، وفقاً لمكتب الإحصاء.

الإنفاق الحكومي يقود التعافي

وأشار محللون إلى أن زيادة الإنفاق الحكومي على البنية التحتية والدفاع كانت المحرك الرئيسي للتعافي الاقتصادي.

وقال ألكسندر كروغر، كبير الاقتصاديين في بنك «بيتمان هال»: «لولا هذا الدفع المصطنع الذي أطلقته الحكومة، لكان الناتج الاقتصادي قد سجل على الأرجح حالة من الركود».

من جانبه، قال ينس أوليفر نيكلش، الاقتصادي في بنك «إل بي بي دبليو»، إن العام المقبل سيكشف ما إذا كان الانتعاش الاقتصادي مستداماً أم مجرد تحسن عابر.

وأضاف: «لتحقيق نمو أعلى ومستدام، يتعين أن يشهد الاستثمار زيادة أكبر بكثير، وهو ما لم يحدث حتى الآن».

وتتوقع الحكومة الألمانية نمو الاقتصاد بنسبة 1.3 في المائة في عام 2026، و1.1 في المائة في عام 2027. وكانت وزارة الاقتصاد قد قالت في وقت سابق من الشهر الحالي إن الحرب مع إيران وما نتج عنها من ارتفاع أسعار الطاقة لا يضران بالاقتصاد بالقدر الذي كان يُخشى منه.

وفي مؤشر إيجابي إضافي، ارتفع مؤشر مناخ الأعمال الذي يصدره معهد «إيفو» الاقتصادي ويحظى بمتابعة واسعة، للشهر السادس على التوالي في أكتوبر (تشرين الأول).


تراجع عوائد سندات الخزانة الأميركية مع هروب المستثمرين إلى الملاذات الآمنة

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
TT

تراجع عوائد سندات الخزانة الأميركية مع هروب المستثمرين إلى الملاذات الآمنة

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

ارتفعت أسعار سندات الخزانة الأميركية، الجمعة، لتتجه العوائد نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري لها منذ أواخر عام 2023، مع دفع موجة بيع حادة لأسهم شركات التكنولوجيا، على خلفية المخاوف بشأن الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، المستثمرين إلى البحث عن أصول الملاذ الآمن.

وانخفض العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات، وهو العائد القياسي، بمقدار 6 نقاط أساس إلى 4.925 في المائة، ليتجه نحو التراجع بمقدار 36 نقطة أساس خلال أكتوبر (تشرين الأول)، وهو أكبر انخفاض شهري منذ ديسمبر (كانون الأول) 2023. وتتحرك العوائد عكسياً مع أسعار السندات.

وهبطت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك» الذي يركز على أسهم التكنولوجيا بنسبة 2 في المائة، الجمعة، بعدما أثارت نتائج أعمال شركتي «أمازون» و«إنتل» مخاوف المستثمرين بشأن ما إذا كانت التكاليف الضخمة للاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ستُحقق عوائد كافية.

وتراجعت أسهم «أمازون» بنسبة 7 في المائة في تداولات ما قبل افتتاح السوق، بعدما أعلنت الشركة عن تدفقات نقدية خارجة كبيرة وزيادة جديدة في الإنفاق. في المقابل، هوت أسهم «إنتل» بنسبة 25 في المائة في تداولات ما قبل الافتتاح، عقب تحذير شركة صناعة الرقائق من أنها ستسجل استنزافاً نقدياً خلال العام الحالي.

وتضاف هذه النتائج إلى الأجواء السلبية في أسواق الأسهم، بعدما شهدت أسهم «ألفابت» في الجلسة السابقة أكبر موجة بيع في تاريخها، ما أدى إلى محو نحو 500 مليار دولار من قيمتها السوقية، إثر نتائج مخيبة لآمال المستثمرين.

وقال محللون في بنك الاستثمار «آي إن جي»، في مذكرة صدرت الجمعة، إن «سندات الخزانة لا تزال تستجيب بقوة لتقلبات المعنويات المرتبطة بتقييمات الذكاء الاصطناعي واضطرابات أسواق الأسهم».

وانخفضت عوائد سندات الخزانة لأجل عامين بمقدار 6 نقاط أساس، في حين تراجعت عوائد السندات لأجل 30 عاماً بمقدار 4 نقاط أساس، مع تفوق أداء السندات الأميركية على نظيراتها العالمية.

وأوقفت موجة الصعود التي شهدتها سندات الخزانة الأميركية خلال الأسابيع الأخيرة موجة بيع حادة كانت قد دفعت العوائد إلى أعلى مستوياتها منذ عقود، وسط قلق المستثمرين من ارتفاع تكاليف الطاقة وتضخم الدين الحكومي.

وكان العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات قد سجل في أوائل أكتوبر أعلى مستوى له منذ عام 2002 عند 5.365 في المائة، كما بلغ العائد على السندات لأجل 30 عاماً أعلى مستوى له في 24 عاماً.

لكن السندات استعادت مكاسبها مع تراجع مؤشر «ناسداك» بنسبة 3 في المائة خلال أكتوبر، وانخفاض مؤشر «فيلادلفيا لأشباه الموصلات»، الذي يحظى بمتابعة واسعة، بنسبة 9 في المائة، ما يعكس استمرار مكانة سوق سندات الخزانة ملاذاً آمناً للمستثمرين.

وجاء تراجع العوائد رغم بيانات صدرت الخميس أظهرت نمو الاقتصاد الأميركي بأسرع وتيرة في عام خلال الربع الثالث، في حين سجل تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي ارتفاعاً ملحوظاً في سبتمبر (أيلول).

وأشارت تعاملات أسواق المال، الجمعة، إلى احتمال يبلغ نحو 75 في المائة لرفع مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة في ديسمبر، بعدما أبقى البنك المركزي تكاليف الاقتراض دون تغيير، الأربعاء، ضمن نطاق يتراوح بين 3.75 و4.00 في المائة.


فرنسا تواجه «حلقة مفرغة» من ضعف النمو وارتفاع تكاليف الاقتراض

منظر جوي لبرج إيفل ونهر السين وأفق العاصمة الفرنسية باريس (رويترز)
منظر جوي لبرج إيفل ونهر السين وأفق العاصمة الفرنسية باريس (رويترز)
TT

فرنسا تواجه «حلقة مفرغة» من ضعف النمو وارتفاع تكاليف الاقتراض

منظر جوي لبرج إيفل ونهر السين وأفق العاصمة الفرنسية باريس (رويترز)
منظر جوي لبرج إيفل ونهر السين وأفق العاصمة الفرنسية باريس (رويترز)

تواجه فرنسا ضغوطاً اقتصادية ومالية متزايدة، بعدما أظهرت بيانات رسمية انكماش اقتصادها على نحو غير متوقع خلال الرُّبع الثالث، بالتزامن مع تسارع التضخم وارتفاع تكاليف الاقتراض إلى مستويات قياسية منذ أكثر من عقدين، في وقت تتصاعد فيه الاحتجاجات الشعبية على ارتفاع تكاليف المعيشة، وتتعثر فيه جهود الحكومة لإقرار موازنة تحد من عجز المالية العامة.

وارتفع عائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات، الجمعة، بمقدار 6 نقاط أساس إلى 4.944 في المائة، متخلفاً عن أداء بقية أسواق منطقة اليورو. وفي المقابل، ارتفعت عوائد السندات الإيطالية لأجل 10 سنوات بمقدار نقطتي أساس، بينما تراجعت العوائد الألمانية نقطة أساس واحدة. وتتحرَّك العوائد عكسياً مع الأسعار.

ودفع ارتفاع تكاليف الاقتراض الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية، وهو مقياس لعلاوة المخاطر المرتبطة بالسندات الفرنسية، إلى 160 نقطة أساس، بعدما بلغ الأسبوع الماضي 177 نقطة أساس، مُسجِّلاً أعلى مستوياته منذ أزمة منطقة اليورو عام 2011.

وتعرَّضت فرنسا لضغوط أشد من غيرها خلال موجة بيع عالمية في أسواق السندات الحكومية، مدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة والمخاوف بشأن مستويات الدين العام. وسجَّلت عوائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات، الأسبوع الماضي، أعلى مستوياتها منذ عام 2002، متجاوزة 5.14 في المائة، مع تركيز المستثمرين على اتساع العجز وصعوبة إقرار الموازنة، وسط تصاعد التوترات السياسية والاجتماعية.

وأظهرت بيانات المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية (إنسي) انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.1 في المائة خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في سبتمبر (أيلول)، بعدما سجَّل الاقتصاد ركوداً في الرُّبع الثاني، وانكمش بنسبة 0.2 في المائة خلال الرُّبع الأول. وبذلك لم يحقِّق الاقتصاد الفرنسي أي نمو منذ بداية العام.

وفي الوقت نفسه، تسارع التضخم إلى 3.4 في المائة على أساس سنوي في أكتوبر (تشرين الأول)، مقارنة بـ3.1 في المائة في سبتمبر، مُسجِّلاً أسرع وتيرة منذ يناير (كانون الثاني) 2024.

وقال وزير المالية الفرنسي، رولان ليسكور، إن الاقتصاد قد يكون «متجهاً نحو الحائط» إذا عجزت الحكومة عن إقرار موازنة تحدُّ من العجز في وقت قريب.

وأضاف، في تصريحات لإذاعة «فرانس إنفو»، أنه «إذا فشلنا في تحقيق التحول الذي تحدده الموازنة، فإننا نتجه مباشرة نحو الحائط»، مشيراً إلى أن البلاد لم تشهد أي نمو خلال 3 أرباع متتالية، وأن الاقتصاد بات في حالة جمود خلال عام 2026.

وتزيد هذه المؤشرات صعوبة تحقيق الحكومة توقعاتها بنمو الاقتصاد بنسبة 0.5 في المائة خلال العام الحالي، أو حتى بلوغ تقديرات أكثر تحفظاً عند 0.4 في المائة، وفقاً لـ«المعهد الوطني للإحصاء» و«بنك فرنسا».

كما تثير شكوكاً بشأن قدرة الحكومة على خفض عجز الموازنة إلى 5.0 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2027، بعدما بلغ العجز المتوقع لعام 2026 نحو 5.4 في المائة.

وقال كلاوس فيستيسن، كبير خبراء اقتصاد منطقة اليورو لدى «بانثيون ماكروإيكونوميكس»، إن البيانات «ليست مطمئنة، وستزيد الضغوط من أجل تسريع وتيرة ضبط أوضاع المالية العامة وتوسيع نطاقه».

من جهته، قال ماكسيم دارميه، الخبير الاقتصادي لدى «أليانز تريد»، إن فرنسا ستبدأ عام 2027 من نقطة انطلاق ضعيفة للغاية على صعيد النمو، مضيفاً أن ذلك يثير تساؤلات بشأن مصداقية جهود خفض العجز.

وحذَّر من احتمال دخول البلاد في «حلقة مفرغة»، إذ يدفع ضعف النمو المستثمرين إلى المطالبة بعلاوة مخاطر أعلى على السندات الفرنسية، ما يؤدي بدوره إلى زيادة تكاليف الاقتراض والضغط على النشاط الاقتصادي.

واتفق سيلفان بيرسينغر، من شركة الاستشارات «بيرسينجيكو»، على أن التَّوقُّعات قاتمة إلى حدٍّ كبير، محذِّراً من أنَّ أزمة سياسية ومالية مطولة، خصوصاً إذا لم تسفر الانتخابات المقبلة عن توجه سياسي واضح، قد تفاقم أزمة الدين العام وتدفع البلاد إلى أزمة اقتصادية وسياسية أشد.

وتتزامن هذه التحديات مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة والتفاوت الاجتماعي، إذ تستعد مجموعات طلابية وأخرى لتنظيم تحركات جديدة خلال عطلة نهاية الأسبوع، وسط تحذيرات رسمية من مخاطر اضطرابات أمنية واسعة.

وقال وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، الخميس، إن يوم السبت يبدو «عالي المخاطر للغاية» على صعيد الأمن العام، معلناً إعادة نشر 70 ألفاً من أفراد قوات الأمن، بعد أن شهدت احتجاجات قبل أسبوعين بعضاً من أسوأ أعمال الشغب التي عرفتها البلاد منذ سنوات.

وتزيد المطالب الشعبية بزيادة الإنفاق الحكومي من صعوبة إقرار إجراءات التقشف وخفض العجز، في وقت تستعد فيه البلاد للانتخابات الرئاسية المقررة في ربيع العام المقبل، وسط مخاوف المستثمرين من استمرار التَّوسُّع في الإنفاق العام.

توقعات رفع الفائدة

وعلى صعيد السياسة النقدية، كانت أسواق المال تتوقَّع، الجمعة، احتمالاً يقارب 90 في المائة لرفع أسعار الفائدة الأوروبية خلال ديسمبر (كانون الأول)، بعدما أبقى البنك المركزي الأوروبي تكاليف الاقتراض دون تغيير عند 2.5 في المائة، الخميس، لكنه لمَّح إلى احتمال زيادتها الشهر المقبل.

ويراقب المتعاملون أيضاً الأنباء المتعلقة بالشخص الذي قد يخلف رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد، بعدما أعلنت عزمها التنحي في فبراير (شباط) 2027. ويُنظر على نطاق واسع إلى الهولندي كلاس نوت والإسباني بابلو هرنانديز دي كوس بوصفهما أبرز المرشحين للمنصب.

وفي أسواق الطاقة، ارتفعت الأسعار الجمعة بعدما سلط هجوم على ناقلة نفط في مضيق «هرمز» الضوء على مخاطر الإمدادات، وصعد خام برنت بنسبة 2 في المائة إلى 117 دولاراً للبرميل، مقترباً من أعلى مستوياته منذ أبريل (نيسان).

وفي المقابل، استفادت سندات الخزانة الأميركية، وبدرجة أقل السندات الألمانية، من موجة بيع جديدة لأسهم التكنولوجيا، بعدما أثارت نتائج شركات كبرى في مجال الذكاء الاصطناعي مخاوف المستثمرين بشأن ارتفاع الإنفاق. وتراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات بمقدار 6 نقاط أساس، مع توجه المستثمرين إلى الأصول الآمنة.

أما عائد السندات الألمانية لأجل عامين، الأكثر تأثراً بتوقعات أسعار الفائدة لدى البنك المركزي الأوروبي، فلم يشهد تغيراً يُذكر، ليستقر عند 3.052 في المائة.