واشنطن تعيد ترتيب أوراق الذكاء الاصطناعي... وترمب يعلن «قوة» جديدة

بين سباق الصين ومخاوف السلامة وضغوط مراكز البيانات

لوحة مفاتيح ويدا روبوت أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» باللغة الإنجليزية (رويترز)
لوحة مفاتيح ويدا روبوت أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» باللغة الإنجليزية (رويترز)
TT

واشنطن تعيد ترتيب أوراق الذكاء الاصطناعي... وترمب يعلن «قوة» جديدة

لوحة مفاتيح ويدا روبوت أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» باللغة الإنجليزية (رويترز)
لوحة مفاتيح ويدا روبوت أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» باللغة الإنجليزية (رويترز)

في الوقت الذي تتصاعد فيه التحذيرات داخل قطاع التكنولوجيا من سباق الذكاء الاصطناعي وتداعياته الأمنية، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عزمه إنشاء «قوة للذكاء الاصطناعي» وتعيين مسؤول رفيع يتولى ملف التكنولوجيا، في خطوة لم تتضح بعد ملامحها المؤسسية أو صلاحياتها، لكنها تعكس تنامي أهمية الذكاء الاصطناعي في السياستين الاقتصادية والأمنية الأميركيَّتين.

وقال ترمب، في منشور على منصته «تروث سوشيال» السبت، إنه سيشكِّل «AI Force» على غرار «قوة الفضاء» التي أنشأها خلال ولايته الأولى، مضيفاً أنه سيعلن قريباً عن «قيصر للذكاء الاصطناعي». ولم يحدِّد الرئيس الأميركي موعد إنشاء القوة أو ميزانيتها أو الجهة التي ستتبع لها، كما لم يوضِّح ما إذا كانت ستكون كياناً مدنياً جديداً، أم جزءاً من هيكل حكومي قائم.

ويأتي الإعلان في وقت توجد فيه بالفعل جهات حكومية عدة معنية بالذكاء الاصطناعي، بينها مكتب سياسة العلوم والتكنولوجيا في البيت الأبيض، ووزارة التجارة، ووزارة الدفاع، فضلاً عن مكتب رئيسي داخل «البنتاغون» معني بالرقمنة والذكاء الاصطناعي. لذلك تبرز تساؤلات حول الدور الذي ستضيفه القوة الجديدة إلى هذه الأجهزة.

لكن الرسالة السياسية التي حملها إعلان ترمب كانت أوضح من التفاصيل التنظيمية. فقد أكد أن إدارته «لن تعرقل أو تخنق» نمو قطاع الذكاء الاصطناعي، بل ستدعمه وتراقب تطوره، عادّاً أن الذكاء الاصطناعي يمثل «الثورة الصناعية المقبلة» أو ما هو أكبر من ذلك، وقد يصل تأثيره، بحسب تقديره، إلى نحو 25 في المائة من الناتج المحلي الأميركي. كما شدَّد على ضرورة بقاء الولايات المتحدة في المقدمة أمام الصين في هذا المجال.

وتضع هذه الرؤية الذكاء الاصطناعي في قلب المنافسة الأميركية - الصينية، قبل اجتماع مرتقب بين ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ، حيث يتوقع أن يحضر ملف التكنولوجيا ضمن القضايا المطروحة. ولا يتعلق السباق بالقدرات التجارية وحدها، إذ يرتبط أيضاً بالتفوق في الرقائق ومراكز البيانات والتطبيقات العسكرية والأمن السيبراني.

ترمب يلقي كلمة خلال فعالية للإعلان عن تعريفات جمركية جديدة في أبريل 2025 (أ.ب)

بين تسريع التطوير... وتشديد الرقابة

إعلان «قوة الذكاء الاصطناعي» جاء في توقيت يزداد فيه الضغط على شركات التكنولوجيا والحكومة الأميركية بشأن المخاطر المحتملة للتقنيات الأكثر تقدماً. فقد دعا الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، داريو أمودي، إلى إبطاء وتيرة تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، واقترح إجراءات تشمل مزيداً من التنسيق الدولي وتقييماً مستقلاً لسلامة النماذج.

كما حذَّر سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي»، من أن تسارع التطور يمكن أن يؤدي إلى نتائج شديدة السوء، داعياً في الوقت نفسه إلى إطار اتحادي يضع متطلبات سلامة موحدة للذكاء الاصطناعي المتقدم. وأيَّد إيلون ماسك توصيات تتعلق بزيادة الضوابط على القطاع.

وفي بريطانيا، دعا نواب من أحزاب مختلفة إلى تشريع جديد بعدما خلصت لجنة حقوق الإنسان المشتركة في البرلمان إلى أن القوانين الحالية غير مجهَّزة بالكامل للتعامل مع سرعة تطور التكنولوجيا.

وتصاعدت المخاوف بعد تحذيرات من باحثين في القطاع بشأن احتمال وصول النماذج المتقدمة إلى مستويات من القدرة يصعب التحكم فيها. وقال الباحث السابق في «أنثروبيك»، جاكوب كوكسون، إنه ترك الصناعة؛ بسبب مخاوفه من سباق الشركات لبناء أنظمة قد يصبح التحكم فيها أكثر صعوبة.

في المقابل، لا يرى ترمب أن هذه المخاوف تستدعي إبطاء الصناعة. وكان قد وصف في وقت سابق التحذيرات من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة بأنها «خدعة»، بينما قال في منشوره الأخير إن مواجهة الاستخدامات السيئة للتكنولوجيا يمكن أن تتم عبر أنظمة العدالة الجنائية والمدنية القائمة، بدلاً من فرض منظومة تنظيمية جديدة واسعة.

قمة «آفاق الذكاء الاصطناعي» بساحة بيكري سكوير بتاريخ 17 سبتمبر 2026 في بيتسبرغ (أ.ف.ب)

«قيصر» جديد بعد رحيل ديفيد ساكس

وسيكون تعيين «قيصر الذكاء الاصطناعي» هو الثاني من نوعه في إدارة ترمب. فقد تولى المستثمر ديفيد ساكس في وقت سابق دوراً يجمع بين ملفَي الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة، قبل مغادرته المنصب وانتقاله إلى دور قيادي في مجلس مستشاري الرئيس للعلوم والتكنولوجيا.

ويأتي الإعلان الجديد وسط خلافات داخل الإدارة بشأن مقدار الرقابة المطلوبة على القطاع. ووفق «وول ستريت جورنال»، انقسم مستشارون بين فريق يركز على مخاطر قدرات النماذج المتقدمة والهجمات السيبرانية، وآخر يدفع باتجاه الحدِّ الأدنى من التنظيم لتجنب إبطاء الشركات الأميركية في منافستها مع الصين.

ويزيد هذا الانقسام من أهمية الدور الذي سيُسند إلى المسؤول الجديد، إذا كان الهدف هو تنسيق سياسة الذكاء الاصطناعي الأميركية، خصوصاً أن عدداً من الوكالات الحكومية يعمل بالفعل على جوانب مختلفة من الملف.

يظهر مصطلح «الذكاء الاصطناعي» وصورة مصغرة للروبوت وعَلم الاتحاد الأوروبي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

مراكز البيانات تفتح جبهة أخرى

ولا تقتصر الضغوط على المخاطر التقنية؛ فقد أصبحت مراكز البيانات، التي تحتاج إليها شركات الذكاء الاصطناعي لتشغيل النماذج، موضوعاً متزايد الحساسية داخل الولايات المتحدة؛ بسبب استهلاكها الكبير للطاقة والمياه وتأثيرها في شبكات الكهرباء والمجتمعات المحلية.

وتشير بيانات «غالوب» المنشورة في مايو (أيار) إلى أن 7 من كل 10 أميركيين يعارضون إنشاء مركز بيانات للذكاء الاصطناعي في مناطقهم، بينهم 48 في المائة يعارضون ذلك بشدة.

كما أظهر استطلاع أحدث أجرته «نيويورك تايمز» و«سيينا» في سبتمبر (أيلول) مع 1503 ناخبين محتملين أن 61 في المائة عارضوا إنشاء مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي، بينما أيَّدها بشدة 14 في المائة.

ودافع ترمب عن هذه الاستثمارات، عادّاً مراكز البيانات مصدراً للنمو والوظائف، في وقت تزداد فيه اعتراضات محلية على استهلاكها للموارد وتكاليف الطاقة المرتبطة بها.

وبذلك، تأتي «قوة الذكاء الاصطناعي» في لحظة تتقاطع فيها 3 مسارات: رغبة واشنطن في الحفاظ على تفوقها التكنولوجي على الصين، وضغوط شركات الذكاء الاصطناعي نفسها لوضع قواعد أو معايير للسلامة، واعتراضات متنامية على البنية التحتية اللازمة لتوسيع الصناعة.

وفي ظلِّ غياب تفاصيل رسمية عن هيكل القوة الجديدة وصلاحيات «قيصر الذكاء الاصطناعي» وتمويل المبادرة، يبقى الإعلان حتى الآن إطاراً سياسياً أكثر منه جهازاً حكومياً قائماً. إلا أن توقيته يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح ملفاً يتجاوز قطاع التكنولوجيا ليحتل موقعاً متقدماً في الحسابات الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية للولايات المتحدة.


مقالات ذات صلة

قادة العالم يتجمعون في نيويورك وسط حربين وأزمة ثقة بالمنظمة الدولية

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة أمام الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك في 23 سبتمبر 2025 (رويترز)

قادة العالم يتجمعون في نيويورك وسط حربين وأزمة ثقة بالمنظمة الدولية

تتحول نيويورك هذا الأسبوع إلى مركز مزدحم للدبلوماسية الدولية، مع وصول نحو 130 رئيس دولة وحكومة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ صورة أرشيفية للرئيس الصيني شي جينبينغ (إلى اليمين) خلال اجتماعه مع الرئيس دونالد ترمب على هامش زيارتهما لحديقة «تشونغ نان هاي» في بكين بالصين 15 مايو 2026 (أ.ب)

قبل وصول الرئيس الصيني... ترمب ينتقل من حرب الرسوم إلى السجادة الحمراء

بدأت في نيويورك مفاوضات أميركية - صينية مكثفة تستهدف تضييق الخلافات بين واشنطن وبكين قبيل زيارة الرئيس الصيني لأميركا.

هبة القدسي (واشنطن)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقى ترحيباً من المستقبلين لدى وصوله إلى سان بيير (أ.ف.ب)

في رسالة لترمب... ماكرون وكارني يجتمعان في أرخبيل فرنسي بالمحيط الأطلسي

يزور إيمانويل ماكرون رئيس فرنسا أرخبيل سان بيير وميكلون اليوم (الأحد)، حيث من المقرر أن يلتقي رئيس الوزراء الكندي مارك كارني.

«الشرق الأوسط» (الأمم المتحدة)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال الدورة الـ80 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة... 23 سبتمبر 2025 (رويترز) p-circle

قادة العالم يجتمعون بالأمم المتحدة... والذكاء الاصطناعي على جدول الأعمال

يشارك قادة العالم في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، هذا الأسبوع، وسط ترقب لحضور الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (الأمم المتحدة)
الولايات المتحدة​ علم غرينلاند يرفرف أمام منزل في نوك (رويترز)

ماكرون: الاتفاق بشأن غرينلاند «يسهم في تهدئة الأوضاع»

أشار الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى أن اتفاق غرينلاند يسهم في تهدئة الأوضاع على الجزيرة.

«الشرق الأوسط» (باريس)

«المركزي الأردني» يرفع الفائدة 25 نقطة أساس لتعزيز جاذبية الدينار

مبنى البنك المركزي الأردني (من موقع البنك)
مبنى البنك المركزي الأردني (من موقع البنك)
TT

«المركزي الأردني» يرفع الفائدة 25 نقطة أساس لتعزيز جاذبية الدينار

مبنى البنك المركزي الأردني (من موقع البنك)
مبنى البنك المركزي الأردني (من موقع البنك)

رفع البنك المركزي الأردني أسعار الفائدة على جميع أدوات السياسة النقدية بمقدار 25 نقطة أساس، بدءاً من يوم الاثنين 21 سبتمبر (أيلول)، في خطوة قال إنها تستهدف الحفاظ على الاستقرار النقدي وتعزيز جاذبية الدينار الأردني.

وقال البنك المركزي، في بيان الأحد، إن القرار اتخذته لجنة عمليات السوق المفتوحة خلال اجتماعها السادس لعام 2026، في ضوء مراجعة التطورات الاقتصادية والنقدية والمالية محلياً وإقليمياً ودولياً، إلى جانب توجهات البنوك المركزية والضغوط التضخمية المتزايدة.

وأوضح أن رفع الفائدة يأتي أيضاً لمواءمة أسعار الفائدة المحلية مع الاتجاهات السائدة في الأسواق المالية الإقليمية والدولية، بما يعزز تنافسية الموجودات المقوَّمة بالدينار.

وارتفع معدل التضخم في الأردن إلى 2.20 في المائة خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي، مقارنة مع 1.86 في المائة خلال الفترة نفسها من عام 2025، وفق بيانات البنك المركزي.

في المقابل، أظهرت المؤشرات الاقتصادية تحسناً في عدد من القطاعات؛ إذ نما الدخل السياحي 2.9 في المائة خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، ليبلغ نحو 5.6 مليار دولار. وتسارع أداء القطاع خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، التي بلغ متوسط نمو الدخل السياحي خلالها نحو 17 في المائة.

كما ارتفعت حوالات العاملين الأردنيين في الخارج 14.1 في المائة، خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، لتصل إلى نحو 3 مليارات دولار، بينما زادت الصادرات الوطنية 7.2 في المائة إلى 6.6 مليار دولار خلال الفترة نفسها.

وأكد البنك المركزي مواصلة متابعة التطورات الاقتصادية والنقدية، وتقييم انعكاساتها على الاقتصاد الوطني، واتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة التطورات الخارجية.


«توريد» تفتح بوابة السيولة لسلاسل الإمداد السعودية

مبنى صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي (الصندوق)
مبنى صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي (الصندوق)
TT

«توريد» تفتح بوابة السيولة لسلاسل الإمداد السعودية

مبنى صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي (الصندوق)
مبنى صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي (الصندوق)

يتجه صندوق الاستثمارات العامة إلى توسيع أدوات تمكين القطاع الخاص في السعودية، من الاستثمار المباشر إلى معالجة إحدى الحلقات الأكثر حساسية في دورة الأعمال، وهي توفير السيولة للموردين وتمويل رأس المال العامل، مع إطلاق شركة «توريد للحلول التمويلية» المتخصصة في تمويل سلاسل الإمداد.

وتقدم «توريد» خدماتها عبر منصة رقمية تربط المشترين والموردين والجهات التمويلية، وتتيح منتجات من بينها السداد المبكر للمستحقات القائمة على فواتير معتمدة، بما يمنح الموردين إمكانية الحصول على السيولة قبل موعد تحصيل مستحقاتهم، بدلاً من انتظار دورة السداد كاملة.

وحصلت الشركة على تصريح من البنك المركزي السعودي «ساما» لبدء اختبار عملياتها ضمن البيئة التجريبية التشريعية، في خطوة تضع نموذج تمويل سلاسل الإمداد الرقمي أمام الاختبار الفعلي في السوق السعودية.

وتكتسب هذه الآلية أهمية خاصة للشركات الصغيرة والمتوسطة التي يمكن أن تواجه فجوة بين تنفيذ الطلبات أو توريد المنتجات وبين تحصيل مستحقاتها من الشركات الأكبر. ويسمح تمويل الفواتير المعتمدة بتحويل جزء من هذه المستحقات إلى سيولة متاحة للنشاط، مما يساعد الشركات على تمويل مشترياتها ورواتبها والتزاماتها والتوسع في أعمالها.

حلقة بين الشركات والبنوك

وقال مدير قطاع المؤسسات المالية في الإدارة العامة للاستثمارات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى صندوق الاستثمارات العامة، سلطان آل الشيخ، إن «توريد» ستسهم في تعزيز سلاسل الإمداد المحلية وزيادة مرونتها من خلال تحسين قدرة الشركات على الوصول إلى التمويل وإدارة السيولة النقدية، بما يتيح للقطاع الخاص المحلي العمل بكفاءة ومرونة أكبر.

ويتمثل أحد العناصر الرئيسية في نموذج «توريد» في إتاحة وصول البنوك المحلية المسجَّلة على المنصة إلى الموردين المسجلين، بما ينشئ قناة رقمية تجمع بين الفواتير والموردين والجهات التمويلية، بدلاً من اعتماد الشركات على ترتيبات تمويل منفصلة للحصول على السيولة اللازمة.

ويرى حسن آل هليل، الخبير اللوجستي، أن إطلاق منصة متخصصة في تمويل سلاسل الإمداد يمكن أن يسد فجوة مهمة في المنظومة، خصوصاً أن كفاءة سلاسل الإمداد لا تعتمد فقط على حركة السلع والخدمات، وإنما كذلك على قدرة أطرافها على الحفاظ على تدفقات نقدية مستقرة.

وأوضح آل هليل أن أهمية إطلاق «توريد» تتجاوز الجانب التمويلي، إذ أصبحت السيولة أحد العناصر الأساسية لاستمرارية سلاسل الإمداد وكفاءتها. فالمورد الذي يمتلك سيولة كافية يكون أكثر قدرة على شراء المواد الخام، والحفاظ على مستويات المخزون، وتأكيد الطلبات، وتنفيذ عمليات الإنتاج والشحن في مواعيدها.

وأضاف أن أهمية توفير السيولة في الوقت المناسب تتزايد بالنسبة إلى المنشآت الصغيرة والمتوسطة، التي قد تواجه فجوة زمنية بين تنفيذ طلبات العملاء وتحصيل مستحقاتها. ومن شأن تسريع حصولها على السيولة أن يساعدها على مواصلة التوريد من دون الاضطرار إلى تقليص المخزون أو تأجيل المشتريات أو تأخير تسليم الطلبات.

وأشار إلى أن تقليص هذه الفجوة النقدية يسهم، من المنظور اللوجستي، في الحد من احتمالات تعطل إحدى حلقات سلسلة الإمداد. كما يمكن للمنصة الرقمية أن تعزز سرعة وشفافية التعامل بين المشترين والموردين والجهات التمويلية، بما يتيح اتخاذ قرارات أسرع بشأن الطلبات والمخزون والتوريد.

ورأى أن القيمة الأهم لـ«توريد» تتمثل في تعزيز مرونة سلاسل الإمداد المحلية؛ فكلما تمكن المورد من الحصول على السيولة في الوقت المناسب، زادت قدرته على الاستجابة لتغيرات الطلب، والحفاظ على استمرارية التوريد، والتعامل مع اضطرابات الشحن أو ارتفاع تكاليف النقل، من دون أن تنتقل آثار هذه الضغوط سريعاً إلى العميل النهائي.

وخلص آل هليل إلى أن تمويل سلاسل الإمداد لا ينبغي النظر إليه كأداة مالية فحسب، بل كأحد الأدوات الداعمة لاستقرار تدفق السلع والخدمات داخل الاقتصاد، قائلاً: «من الناحية اللوجستية، السيولة ليست مسألة مالية فقط؛ إنها وقود سلسلة الإمداد».

ولا يقتصر أثر تمويل سلاسل الإمداد على توفير السيولة للشركات، إذ يمكن لتسريع دورة المدفوعات أن يرفع قدرة الموردين على الاستمرار في تلبية الطلبات، ويقلل الضغوط التي قد تنشأ عندما تتسع الفجوة الزمنية بين شراء المدخلات وتحقيق الإيرادات.

وتصبح هذه المسألة أكثر أهمية مع اتساع سلاسل التوريد المرتبطة بالمشروعات والشركات الكبرى، إذ يمكن لمشكلة سيولة لدى مورد واحد أن تنتقل إلى حلقات أخرى من السلسلة. ومن هنا يأتي تمويل المستحقات والفواتير كأداة مالية يمكن أن تدعم استمرارية العمليات، إلى جانب دوره في تمويل النمو.

ميناء الملك عبد العزيز في الدمام (موانئ)

3 بنوك وشركتان

وباشرت «توريد» أنشطتها وأبرمت اتفاقيات ملزمة مع عدد من البنوك والشركات في السعودية، من بينها بنك الخليج الدولي - السعودية، والبنك الأهلي السعودي، والبنك السعودي الفرنسي، إضافة إلى مجموعة «روشن» و«نسما وشركاهم».

وتوفر هذه الاتفاقيات قاعدة أولية لنموذج المنصة، إذ تجمع بين الشركات المشترية التي لديها مستحقات على الموردين، والموردين الباحثين عن السيولة، والبنوك القادرة على تقديم التمويل.

ويأتي إطلاق «توريد» ضمن استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة للفترة 2026 - 2030، التي تضع الخدمات المالية ضمن الممكنات الاستراتيجية للمنظومات الاقتصادية الست التي أعلن عنها الصندوق.

كما ينسجم المشروع مع توجه الصندوق نحو زيادة مشاركة القطاع الخاص في مشروعاته وشركات محفظته، ورفع مساهمة الشركات المحلية في الاقتصاد، مع استخدام التقنيات الرقمية لتطوير الخدمات المالية ورقمنة التجارة.

من تمويل الشركات إلى تمويل السلسلة

ويمثل تمويل سلاسل الإمداد مساراً مختلفاً عن التمويل التقليدي للشركات، إذ يستند في جانب منه إلى معاملات تجارية قائمة وفواتير معتمدة، بدلاً من الاعتماد حصراً على الوضع المالي للمورد وقدرته الائتمانية المنفردة.

وتكمن أهمية هذا النموذج في أنه ينقل التركيز من تمويل شركة بعينها إلى تمويل التدفقات النقدية التي تتحرك عبر سلسلة كاملة من الشركات. وكلما أصبحت هذه التدفقات أكثر سرعة وانتظاماً، زادت قدرة الموردين على تلبية الطلب والاستثمار في توسيع أعمالهم.

وبالنسبة للسوق السعودية، يأتي إطلاق «توريد» في وقت تتوسُّع فيه سلاسل الإمداد المحلية مع نمو المشروعات والشركات والمحتوى المحلي، مما يجعل توفير أدوات تمويل مرنة للموردين جزءاً من البنية الداعمة لهذا التوسع.


مبادرة «استرداد» تتيح للمنشآت الصغيرة والمتوسطة استعادة 10 رسوم حكومية

المركز المالي في الرياض (كافد)
المركز المالي في الرياض (كافد)
TT

مبادرة «استرداد» تتيح للمنشآت الصغيرة والمتوسطة استعادة 10 رسوم حكومية

المركز المالي في الرياض (كافد)
المركز المالي في الرياض (كافد)

دعت وزارة الصناعة والثروة المعدنية المنشآت الصغيرة والمتوسطة في القطاعَين الصناعي والتعديني إلى التحقُّق من أهليتها للاستفادة من مبادرة «استرداد»، التي تتيح للمنشآت المؤهلة استعادة 10 رسوم حكومية مرتبطة بتأسيس وممارسة الأعمال، بهدف تخفيف الأعباء المالية ودعم استدامة الأنشطة الاقتصادية ونموها.

وأوضحت «منشآت» أن المبادرة تشمل استرداد رسوم الرخص البلدية لممارسة النشاط، ونشر عقد تأسيس الشركة لمرة واحدة، وإصدار وتجديد السجل التجاري، و80 في المائة من رسوم المقابل المالي للعامل الأجنبي، واشتراك الغرفة التجارية وتجديده، وتحويل المؤسسة إلى شركة، وتسجيل علامة تجارية واحدة، واشتراك البريد السعودي، وتسجيل براءة اختراع، وإصدار وتجديد تراخيص الأنشطة الاقتصادية.

وتستهدف المبادرة، في نسختها الثانية، دعم المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، عبر استرداد الرسوم الحكومية المدفوعة، وفق شروط ومعايير محددة، بما يعزِّز كفاءة التشغيل واستمرارية الأنشطة، ويمكّن رواد الأعمال من التوسع ودخول أسواق جديدة.

كما تركّز على تخفيف الأعباء المالية عن المنشآت الناشئة، وتسهيل بدء أعمالها، وتعزيز فرص استمراريتها، ورفع مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي.