طفرة التكنولوجيا تعزز الصناعة الصينية وتكشف اختلالات النمو

المصانع والصادرات تتقدم... والاستهلاك والعقارات والاستثمار تواصل الضغط

عامل في مصنع للألياف الضوئية بمقاطعة شيجيانغ وسط الصين (رويترز)
عامل في مصنع للألياف الضوئية بمقاطعة شيجيانغ وسط الصين (رويترز)
TT

طفرة التكنولوجيا تعزز الصناعة الصينية وتكشف اختلالات النمو

عامل في مصنع للألياف الضوئية بمقاطعة شيجيانغ وسط الصين (رويترز)
عامل في مصنع للألياف الضوئية بمقاطعة شيجيانغ وسط الصين (رويترز)

قدَّمت المصانع الصينية في أغسطس (آب) إشارة جديدة إلى قدرة قطاع التكنولوجيا المتقدمة على دعم ثاني أكبر اقتصاد في العالم، بعدما تسارع نمو الإنتاج الصناعي بدفع من الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي والمعدات المتطورة. ولكن الصورة المقابلة بدت أقل تفاؤلاً، مع تباطؤ إنفاق المستهلكين، وتفاقم انكماش الاستثمار، واستمرار أزمة العقارات، بما يكشف عن اتساع الفجوة بين قوة جانب العرض وضعف الطلب المحلي.

وأظهرت بيانات المكتب الوطني للإحصاء أن الإنتاج الصناعي ارتفع 5.2 في المائة على أساس سنوي في أغسطس، متسارعاً من 4.5 في المائة في يوليو (تموز)، ومتجاوزاً توقعات السوق البالغة 4.8 في المائة. وجاء الأداء مدعوماً بصورة خاصة بصناعات المعدات والتكنولوجيا المتقدمة، في انعكاس للاستراتيجية الحكومية الرامية إلى تحويل مزيد من الموارد بعيداً عن العقارات والصناعات التقليدية، ونحو الذكاء الاصطناعي والرقائق والروبوتات والتصنيع عالي القيمة.

استهلاك ضعيف

لكن قوة المصانع لم تنتقل بالزخم نفسه إلى المستهلك الصيني، فقد ارتفعت مبيعات التجزئة 0.4 في المائة فقط على أساس سنوي، متباطئة من 0.6 في المائة في يوليو، ودون توقعات بزيادة 0.8 في المائة.

وتؤكد البيانات استمرار أحد أبرز التحديات أمام بكين؛ وهو قدرة الصين على إنتاج وتصدير كميات متزايدة من السلع المتقدمة، مقابل عدم تحقيق انتعاش مماثل في إنفاق الأسر.

وكان ضعف الاستهلاك وأزمة العقارات قد ساهما في تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 4.3 في المائة في الربع الثاني، وهو أبطأ معدل في أكثر من 3 سنوات، وأقل من الحد الأدنى للنطاق المستهدف للنمو السنوي البالغ بين 4.5 و5 في المائة. وقال لين سونغ، كبير الاقتصاديين لمنطقة الصين الكبرى لدى «آي إن جي»، إنه ما لم يظهر تحسن قوي غير متوقع في سبتمبر (أيلول)، فمن المرجح أن يظل نمو الاقتصاد ضعيفاً خلال الربع الثالث.

كما خفضت «أكسفورد إيكونوميكس» توقعاتها لنمو الصين في 2026 إلى 4.6 في المائة، وقلصت تقديراتها للعام المقبل إلى 4.3 في المائة من 4.6 في المائة سابقاً. وأرجعت كبيرة الاقتصاديين شيانا يو التعديل إلى توقع استمرار أزمة العقارات لفترة أطول، بما يبقي النمو تحت الضغط حتى مع زيادة الاستثمار العام.

الاستثمار يتراجع

وجاءت بيانات الاستثمار أكثر وضوحاً في التعبير عن حالة الضعف. فقد انخفض الاستثمار في الأصول الثابتة، الذي يشمل البنية التحتية والعقارات ومشاريع الشركات، بنسبة 7.2 في المائة خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، وهو أكبر تراجع منذ أبريل (نيسان) 2020. وكان القطاع العقاري في قلب الانخفاض؛ إذ هبط الاستثمار فيه 19.9 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بينما واصلت أسعار المنازل الجديدة التراجع، ما يشير إلى أن الأزمة الممتدة في سوق الإسكان لا تزال بعيدة عن نهايتها. ولا تقتصر تداعيات العقارات على نشاط البناء؛ إذ يؤثر هبوط أسعار المنازل في ثروات الأسر وثقتها، ويحد من استعدادها لزيادة الإنفاق، بينما تتردد الشركات بدورها في توسيع استثماراتها في ظل ضعف الطلب.

الذكاء الاصطناعي يصنع فجوة

في الجهة المقابلة، تواصل الصناعات المرتبطة بالتكنولوجيا تقديم أحد أقوى محركات الاقتصاد. ونما الاستثمار في الصناعات عالية التقنية 5.2 في المائة خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى أغسطس، مستفيداً من طفرة عالمية في الإنفاق على الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.

وقفز إنتاج بطاريات الليثيوم أيون 57.2 في المائة على أساس سنوي، بينما زاد إنتاج الروبوتات الصناعية 34.6 في المائة. وتتزامن الطفرة مع توسع قوي في الصادرات الصينية من المنتجات عالية التقنية والمكونات المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ما يمنح الاقتصاد مصدراً مهماً للنمو في مواجهة ضعف السوق المحلية.

لكن هذه النجاحات تكشف في الوقت ذاته عن خلل متزايد في تركيبة النمو. فالاستثمارات الكبيرة في الصناعات المتقدمة لم تتحول بعد إلى تحسن مماثل في دخول الأُسَر أو الأمن الوظيفي. وارتفع معدل البطالة في المناطق الحضرية إلى 5.3 في المائة في أغسطس من 5.2 في المائة في يوليو، ما يعزز المخاوف بشأن قدرة التحول الصناعي على خلق وظائف بالسرعة والحجم الكافيين لدعم الاستهلاك.

العقارات والائتمان

ويظهر الضعف أيضاً في النشاط الائتماني. فعلى الرغم من عودة القروض المصرفية الجديدة إلى المنطقة الإيجابية في أغسطس، فإنها جاءت أقل بكثير من توقعات المحللين بعد الانكماش القياسي المسجل في يوليو. وتشير الأرقام إلى أن وفرة السيولة وحدها لا تكفي لتحفيز النشاط عندما تظل الأسر متحفظة تجاه الاقتراض، والشركات مترددة في إطلاق استثمارات جديدة.

كما تعرض الاقتصاد خلال أغسطس لتأثيرات الأحوال الجوية القاسية، بعدما ضربت 4 أعاصير الصين وعطلت النشاط في مناطق صناعية ولوجستية مهمة على الساحل الشرقي. وتتزامن هذه الضغوط المحلية مع بيئة خارجية أكثر صعوبة، تشمل ارتفاع أسعار النفط بفعل صراع الشرق الأوسط، واستمرار ارتفاع تكاليف الاقتراض عالمياً.

دعم إضافي

وقال فو لينغ هوي، المتحدث باسم المكتب الوطني للإحصاء، إن البيئة الخارجية لا تزال «معقدة ومليئة بالتحديات»، بينما تستمر ضغوط التكيف الهيكلي داخل الاقتصاد، ما يتطلب مواصلة الجهود لتثبيت مسار النمو. وردت بكين حتى الآن بتسريع إصدار السندات الحكومية وتوسيع دعم فوائد القروض الموجهة إلى الشركات الخاصة الصغيرة والمستهلكين. كما تعهد البنك المركزي بتقديم مزيد من الدعم، من دون إعطاء إشارة صريحة إلى تخفيض قريب في أسعار الفائدة الرئيسية أو نسبة الاحتياطي الإلزامي للبنوك.

لكن اقتصاديين يرون أن المشكلة الأساسية تتجاوز تكلفة التمويل. وقال محللو «باركليز» إن إحجام صُناع السياسات عن إطلاق حزمة أكثر قوة تستهدف الاستهلاك قد يطيل عملية إعادة التوازن.

وتبرز بيانات أغسطس بذلك مفارقة الاقتصاد الصيني الحالية: نجاح واضح في بناء قاعدة صناعية متقدمة وقادرة على المنافسة عالمياً، يقابله طلب داخلي لا يزال عاجزاً عن اللحاق بها. وبينما تمنح الصادرات والذكاء الاصطناعي بكين مساحة لمواصلة النمو، فإن تحقيق تعافٍ أكثر استدامة سيتوقف في النهاية على قدرة السياسات على إعادة الثقة إلى المستهلكين، وتحقيق الاستقرار في العقارات، وتحويل نجاح المصانع إلى دخول وإنفاق أقوى داخل الاقتصاد.


مقالات ذات صلة

قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

الاقتصاد مدينة الدوحة (أ.ف.ب)

قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

تتجه قطر إلى توسيع حضور «جهاز قطر للاستثمار» في السوق المحلية، عبر منصة استثمارية جديدة تتولى إدارة وتنمية أصول الجهاز داخل البلاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد المركز المالي في الرياض (كافد)

مبادرة «استرداد» تتيح للمنشآت الصغيرة والمتوسطة استعادة 10 رسوم حكومية

دعت وزارة الصناعة المنشآت الصغيرة والمتوسطة للتحقق من أهليتها لمبادرة «استرداد»، التي تتيح استعادة 10 رسوم حكومية لتخفيف الأعباء ودعم النمو.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد نائب وزير الصناعة ورئيس قطاع الأغذية في «بيبسيكو» خلال افتتاح المركز الإقليمي للبحث والتطوير في الرياض (تركي العقيلي)

«بيبسيكو» توسع أعمالها في السعودية من بوابة الرياض

تتجه صناعة الأغذية في السعودية إلى تعزيز التوطين، مع اعتماد «بيبسيكو» على الإنتاج المحلي لـ95 % من منتجاتها، و100 في المائة من البطاطس المستخدمة في منتجاتها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية ألفارو لاريو (الشرق الأوسط)

خاص رئيس «إيفاد» لـ«الشرق الأوسط»: العقوبات أكبر تحدٍ لقنوات التحويلات

بلغت التحويلات إلى الدول منخفضة ومتوسطة الدخل 728.6 مليار دولار في 2025، وسط دعوات لتوسيع القنوات الرقمية وخفض كلفة وصول الأموال للأسر.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
الاقتصاد يستضيف المؤتمر قادة الأعمال وصنّاع القرار وخبراء محليين ودوليين لبحث دور الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل الاقتصاد (الشرق الأوسط)

«الاقتصادية» تطلق منتداها السنوي الأول حول «الذكاء الاصطناعي» أكتوبر المقبل

تطلق صحيفة «الاقتصادية»، النسخة الأولى من منتداها السنوي تحت عنوان «اقتصادنا والذكاء الاصطناعي»، الذي يُقام في 5 أكتوبر (تشرين الأول).

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)

تتجه الولايات المتحدة إلى زيادة اعتمادها على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها القياسية من الاقتراض، في وقت ترتفع فيه كلفة الدين طويل الأجل، ما يوفر للخزانة تمويلاً أرخص في الأجل القريب، لكنه يزيد في المقابل تعرض المالية العامة لمخاطر إعادة التمويل وتقلب أسعار الفائدة.

وذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن بنوك «وول ستريت» تتوقع أن تصل إصدارات أذون الخزانة إلى نحو تريليون دولار خلال العام المقبل. ويقدّر «بنك أوف أميركا» الإصدارات بنحو 1.07 تريليون دولار خلال السنة المالية المنتهية في سبتمبر (أيلول) 2027، باستثناء المبالغ المستخدمة لإعادة تمويل الديون المستحقة، فيما توقع «جي بي مورغان» نحو 1.09 تريليون دولار خلال عام 2027، مقابل 961 مليار دولار وفق تقديرات «غولدمان ساكس».

وتأتي هذه التوقعات مع ارتفاع عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ 2007، وسط زيادة الدين العام، وتنامي احتياجات الشركات إلى الاقتراض لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تحسن توقعات النمو الاقتصادي.

تريليون دولار إضافية

ويؤدي الاعتماد المتزايد على أذون الخزانة، التي تستحق خلال عام أو أقل، إلى رفع حجم الدين القصير القائم إلى نحو 8 تريليونات دولار، أو ما يعادل 24.3 في المائة من إجمالي الدين القابل للتداول بحلول سبتمبر 2027 وفق تقدير «بنك أوف أميركا».

ويقترب ذلك من المستويات المرتفعة التي سُجلت خلال جائحة «كوفيد-19»، ويتجاوز المستوى الذي تستهدفه لجنة استشارية تابعة لوزارة الخزانة، والبالغ نحو 20 في المائة من إجمالي الدين على المدى الطويل، باعتباره توازناً بين كلفة الفائدة ومخاطر تقلب تكاليف التمويل وإعادة تدوير الدين.

وتشير بيانات تاريخية إلى أن نسبة أذون الخزانة تجاوزت ربع إجمالي الدين القابل للتداول خلال فترات استثنائية، أبرزها الجائحة والأزمة المالية العالمية في 2008. أما متوسطها منذ ثمانينات القرن الماضي فيبلغ نحو 22.4 في المائة.

ويرى محللون أن استراتيجية التمويل القصير تمنح وزارة الخزانة ميزة واضحة في الوقت الحالي، إذ يبلغ عائد أذون الخزانة لأجل عام نحو 4.4 في المائة، مقارنة بنحو 5 في المائة للسندات لأجل 10 سنوات ونحو 5.3 في المائة للسندات لأجل 30 عاماً.

لكن انخفاض الكلفة الحالية يأتي مقابل الحاجة إلى إعادة تمويل هذه الديون بوتيرة أسرع. وحذر محللون، وفق «فاينانشال تايمز»، من أن زيادة الاعتماد على الآجال القصيرة تجعل فاتورة خدمة الدين أكثر تقلباً إذا ارتفعت أسعار الفائدة، فيما وصف آخرون ذلك بأنه زيادة في «مخاطر تدوير الدين»، وفق «فاينانشال تايمز».

تعرض الشاشات مؤتمراً صحافياً لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

استراتيجية بيسنت

وتكتسب هذه السياسة أهمية إضافية في ظل مساعي وزير الخزانة سكوت بيسنت للحد من ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل. وكانت وزارة الخزانة قد فاجأت الأسواق الشهر الماضي بخطط لتوسيع مشترياتها من السندات التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً، في خطوة تهدف إلى المساعدة في احتواء تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وفي الوقت نفسه، تواصل الوزارة زيادة إصدارات الدين القصير لتلبية احتياجات الحكومة التمويلية الكبيرة. ويأتي ذلك رغم أن بيسنت كان قد انتقد في السابق وزيرة الخزانة السابقة جانيت يلين بسبب زيادة الاعتماد على الدين القصير، معتبراً أن تلك السياسة ساهمت في تخفيف شروط التمويل قبل انتخابات 2024.

وتجد الخزانة الأميركية في المقابل قاعدة واسعة من المشترين لأذونها. وتبلغ أصول صناديق سوق النقد الأميركية نحو 8 تريليونات دولار، فيما اشترى الاحتياطي الفيدرالي نحو 250 مليار دولار من أذون الخزانة خلال النصف الأول من العام، وفق «فاينانشال تايمز». كما ينظر بيسنت إلى العملات المستقرة المرتبطة بالدولار باعتبارها مصدراً إضافياً للطلب على أدوات الدين القصيرة.

عجز مرتفع

وتأتي زيادة الاعتماد على الدين القصير في وقت لا تزال فيه المالية الأميركية تواجه عجزاً كبيراً. ويتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن يبقى العجز عند نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي طوال أفق توقعاته لعشر سنوات، وهو مستوى يزيد كثيراً على هدف بيسنت البالغ 3 في المائة بنهاية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب.

ويراهن بيسنت على احتواء الإنفاق وتعزيز النمو الاقتصادي كوسيلة لتخفيف عبء الدين، وقال في وقت سابق من الشهر إن المشكلة الرئيسية في الولايات المتحدة تتعلق بالإنفاق وليس بالإيرادات، وإن تحقيق نمو عند 3 في المائة يمكن أن يساعد البلاد على «النمو للخروج» من عبء الدين.

لكن ارتفاع أسعار الفائدة يضع هذا الرهان أمام اختبار مزدوج: فالنمو الأقوى قد يدعم الإيرادات ويخفف نسبة الدين إلى الناتج، فيما يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة كلفة خدمة الدين، خصوصاً إذا اضطرت الخزانة إلى إعادة تمويل جزء أكبر من محفظتها بوتيرة أسرع.


الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
TT

الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)

قال وزير الدولة لشؤون الطاقة والرئيس التنفيذي لـ«قطر للطاقة»، سعد الكعبي، إن الشركة تنتج حالياً «كمية ضئيلة جداً» من الغاز الطبيعي المسال، في ظل الاضطرابات التي أثرت على عملياتها، متوقعاً إمكانية استئناف عمليات الغاز بصورة طبيعية خلال «بضعة أسابيع» من إعادة فتح مضيق هرمز.

وأضاف الكعبي، خلال مشاركته في منتدى قطر الاقتصادي في نيويورك، أن عدداً من قطارات توسعة حقل الشمال الشرقي (NFE) سيبدأ الإنتاج في عام 2027، على أن تبدأ توسعة حقل الشمال الجنوبي (NFS) الإنتاج في عام 2028.

وأوضح أن القطارين الثاني والثالث من مشروع «غولدن باس» للغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة سيبدآن التشغيل خلال عام 2027، ما سيدعم إمدادات الشركة من خارج قطر في إطار توسعها العالمي في إنتاج الغاز.

وتأتي تصريحات الكعبي في وقت لا تزال فيه حركة ناقلات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز محدودة، فيما تسعى «قطر للطاقة» إلى تأمين إمدادات بديلة للوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وكانت الشركة قد بدأت محادثات للحصول على عقود طويلة الأجل للغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة حتى عام 2031، بعد الأضرار التي لحقت بمنشآت رأس لفان.

ويُعد مضيق هرمز المنفذ البحري الرئيسي لصادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية، ما يجعل إعادة فتحه عاملاً حاسماً في عودة تدفقات الغاز إلى مستوياتها الطبيعية. وكانت بيانات حديثة قد أظهرت عودة عدد محدود من ناقلات الغاز إلى المنطقة، مع بقاء حركة العبور دون متوسطها المعتاد.


قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
TT

قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)

تتجه قطر إلى توسيع حضور «جهاز قطر للاستثمار» في السوق المحلية، عبر منصة استثمارية جديدة تتولى إدارة وتنمية أصول الجهاز داخل البلاد، في خطوة تعكس إعادة صياغة لاستراتيجيته الاستثمارية، وتفتح قناة جديدة لتوظيف رأس المال السيادي في مشروعات الاقتصاد المحلي.

وكشف رئيس الوزراء القطري عن «منصة الدوحة الاستثمارية»، موضحاً أنها ستكون مخصصة للاستثمار في الصفقات المحلية، وستتولى إدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وقال إن المنصة تأتي في إطار إعادة صياغة استراتيجية الجهاز وتعزيز جهوده في الاستثمار داخل قطر، وذلك خلال مشاركته في النسخة الخاصة من «منتدى قطر الاقتصادي» التي تُعقد في نيويورك، بالتزامن مع أسبوع الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي يناقش التحولات في حركة رأس المال والاستثمار والمخاطر الجيوسياسية والمرونة الاقتصادية.

ويأتي التوجه الجديد في وقت تتوقع فيه الدوحة تدفق استثمارات كبيرة إلى قطاعات البنية التحتية والعقارات والضيافة، مع تقديرات بترسية مشاريع بنية تحتية بقيمة 38.5 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، بينما يُتوقع أن تجذب مشاريع العقارات والضيافة استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار.

وتشير هذه الأرقام، مجتمعة، إلى فرص استثمارية محتملة بنحو 61 مليار دولار في قطاعين رئيسيين خلال السنوات الخمس المقبلة، وإن كانت لا تعني بالضرورة أن هذه القيمة ستُموَّل مباشرة من جهاز قطر للاستثمار أو من المنصة الجديدة.

رأس المال السيادي في السوق المحلية

ويضع إنشاء المنصة الجديدة جهاز قطر للاستثمار أمام دور أكثر مباشرة في تطوير الأصول والفرص الاستثمارية المحلية، بدلاً من اقتصار دوره على تخصيص رأس المال في الأسواق والأصول العالمية.

ومن شأن وجود منصة متخصصة في الصفقات المحلية، أن يتيح للجهاز التعامل بصورة أكثر تركيزاً مع الفرص الناشئة من توسع البنية التحتية ونمو قطاعي العقارات والضيافة، فضلاً عن إمكانية إدارة وتنمية الأصول المحلية القائمة ضمن إطار استثماري أكثر تخصصاً.

ويأتي ذلك في وقت تتعامل فيه الاقتصادات الخليجية مع مرحلة تتطلب زيادة كفاءة رأس المال السيادي، وتوجيه جزء منه إلى القطاعات القادرة على توليد نمو محلي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تنويع المحافظ الاستثمارية خارج الأسواق المحلية.

وتشكِّل مشاريع البنية التحتية الجزء الأكبر من الفرص المعلنة؛ إذ تتوقع قطر ترسية مشاريع بقيمة 38.5 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة.

ويمتد أثر هذه المشاريع إلى قطاعات متعددة من الاقتصاد، من الإنشاءات والخدمات الهندسية إلى النقل والخدمات والمقاولات وسلاسل الإمداد، ما يخلق مجالاً أمام المستثمرين المحليين والدوليين للمشاركة في دورة إنفاق طويلة الأجل.

أما قطاعا العقارات والضيافة، فتتوقع الدوحة أن يجذبا استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار، في مؤشر إلى استمرار الرهان على هذه الأنشطة، كجزء من توسع الاقتصاد غير المرتبط بالطاقة.

من جذب رأس المال إلى إدارة الأصول

ويمنح إنشاء «منصة الدوحة الاستثمارية» التوجه القطري بعداً مختلفاً عن مجرد استقطاب الاستثمارات الأجنبية. فالمنصة -وفق ما أعلنه رئيس الوزراء- ستكون مسؤولة عن الاستثمار في الصفقات المحلية، وإدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وهذا يعني أن الهدف لا يقتصر على جذب رأس المال إلى قطر؛ بل يشمل أيضاً توظيف رأس المال السيادي داخل الاقتصاد، والمشاركة في تطوير أصول وفرص استثمارية محلية، يمكن أن تنمو قيمتها مع توسع القطاعات غير النفطية.

وتشير الخطوة القطرية إلى محاولة بناء حلقة أكثر مباشرة بين رأس المال السيادي ومشروعات الاقتصاد المحلي، بحيث لا يكون جهاز الاستثمار مجرد مالك للأصول؛ بل يكون طرفاً في إدارة وتنمية جزء من الفرص الاستثمارية داخل البلاد.