الحصار يخنق صادرات النفط الإيرانية وطهران تقترب من نفاد مخزونها العائم

29 مليون برميل فقط خارج القيود البحرية... والشحنات الجديدة عالقة

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران في 5 سبتمبر (أ.ف.ب)
سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران في 5 سبتمبر (أ.ف.ب)
TT

الحصار يخنق صادرات النفط الإيرانية وطهران تقترب من نفاد مخزونها العائم

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران في 5 سبتمبر (أ.ف.ب)
سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران في 5 سبتمبر (أ.ف.ب)

تقترب إيران من فقدان أحد أهم مصادر تدفق العملة الصعبة إلى اقتصادها، مع تراجع كميات النفط الإيراني الموجودة على متن الناقلات خارج نطاق الحصار البحري الأميركي إلى نحو 29 مليون برميل، مقابل نحو 90 مليون برميل في منتصف يوليو (تموز)، وفق بيانات شركة «كبلر» لتتبع السفن.

وبحسب تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال»، لم تعبر أي شحنات من الخام الإيراني خط الحصار منذ إعادة فرضه من جانب البحرية الأميركية في منتصف يوليو (تموز)، وفق بيانات شركة «كبلر» لتتبع السفن.

وتشير تقديرات الشركة إلى أن الكميات المتاحة حالياً قد تنفد خلال الشهر المقبل، في وقت لم تتمكن فيه أي شحنة نفط إيرانية من عبور خط الحصار منذ إعادة فرضه من جانب البحرية الأميركية في منتصف يوليو (تموز).

وتواصل إيران تحميل كميات محدودة من الخام على ناقلات داخل الخليج، إلا أن هذه الشحنات لا تستطيع الوصول إلى المشترين خارج المنطقة، ما يقلص تدريجياً قدرة طهران على تحويل صادرات النفط إلى إيرادات نقدية.

ويأتي ذلك بعد نحو ستة أشهر من الحرب، وفي وقت يواجه فيه الاقتصاد الإيراني ضغوطاً متزايدة مع تراجع قيمة الريال وارتفاع التضخم وانكماش النشاط الاقتصادي.

تاجر عملات يحمل أوراقاً نقدية من فئة 100 دولار في طهران (رويترز)

مخزون النفط على السفن يتراجع سريعاً

كانت إيران قد استفادت من فترة التهدئة التي أعقبت مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة في منتصف يونيو (حزيران)، والتي تضمنت توقف الحصار لعدة أسابيع، لنقل كميات كبيرة من النفط إلى خارج منطقة الخليج تمهيداً لتسليمها لاحقاً.

وتعتمد طهران حالياً على الإيرادات الناتجة عن تلك الشحنات، إلا أن هذا المخزون يتقلص بسرعة.

وتقدر «كبلر» أن عمليات التسليم الحالية تبلغ نحو مليون برميل يومياً، تذهب غالبيتها إلى الصين، وهو ما قد يؤدي إلى استنزاف النفط الإيراني الموجود على الناقلات بحلول منتصف أكتوبر (تشرين الأول).

كما يُرجح أن تتراجع المدفوعات المرتبطة بشحنات جرى تسليمها بالفعل بحلول منتصف ديسمبر (كانون الأول)، فيما قد تصبح عملية تحصيل تلك الأموال أكثر صعوبة نتيجة العقوبات الأميركية التي تستهدف البنوك والقنوات المالية التي تسهّل التعاملات الإيرانية.

وقال وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد، الجمعة، إن عمليات بيع النفط وتسليمه إلى العملاء تمت «على بُعد آلاف الكيلومترات من الخليج وبحر عُمان»، في إشارة إلى اعتماد طهران على شحنات جرى نقلها خارج منطقة القيود.

صادرات جديدة محدودة

وتظهر بيانات «كبلر» مدى الانخفاض في نشاط تحميل النفط الإيراني. فقد بلغ متوسط الكميات التي حُمّلت على ناقلات داخل الخليج خلال أغسطس (آب) نحو 255 ألف برميل يومياً، أي أقل بنسبة 85 في المائة من متوسط الفترة بين فبراير (شباط) وأبريل (نيسان).

ولا تزال هذه الشحنات الجديدة داخل منطقة الحصار، ولم تصل إلى المشترين.

ويمثل النفط عادة نحو ثلث إيرادات الموازنة الإيرانية، كما يوفر دخلاً مباشراً يساعد الدولة على تمويل مؤسساتها وأجهزتها العسكرية.

وتقول وزارة الخزانة الأميركية إن القوات المسلحة الإيرانية، بما فيها «الحرس الثوري»، تعتمد على شركات مخصصة وشبكات من «أسطول الظل» لبيع النفط وتوفير موارد مالية إضافية.

ومع تقلص القدرة على تصدير الخام، لا تواجه إيران مشكلة في الإيرادات فقط، بل تواجه أيضاً خطر اضطرارها إلى خفض الإنتاج.

تخفيض الإنتاج لتفادي امتلاء الخزانات

لم ترتفع مخزونات النفط داخل إيران بصورة كبيرة رغم القيود المفروضة على التصدير، وهو ما يشير إلى أن المنتجين بدأوا خفض مستويات الإنتاج لتقترب من احتياجات الاستهلاك المحلي، بحسب هومایون فلاكشاهي، رئيس تحليل النفط الخام في «كبلر».

ويعكس ذلك احتمال تحقق السيناريو الذي توقعه محللون خلال مرحلة الحصار الأولى في الربيع، عندما حذروا من أن استمرار منع التصدير قد يجبر إيران على خفض الإنتاج حتى لا تصل منشآت التخزين إلى طاقتها الاستيعابية القصوى.

ولا توفر الطرق البرية بديلاً عملياً لصادرات النفط البحرية. ووفق فلاكشاهي، تستطيع إيران نقل ما لا يزيد على نحو 40 ألف برميل يومياً بالشاحنات، وهي كمية محدودة للغاية مقارنة بصادراتها قبل الحرب، التي كانت تقترب من مليوني برميل يومياً.

كما تفتقر البلاد إلى عدد كافٍ من عربات السكك الحديدية المخصصة لنقل الخام والمنتجات النفطية المكررة.

الصين تعوض جزءاً من الخام الإيراني

بدأ بعض المشترين الصينيين في الاتجاه بصورة أكبر إلى خامات من السعودية والعراق والإمارات، وفق مسؤولين في قطاع الطاقة.

ويعكس هذا التحول تغيراً في خيارات المصافي الآسيوية مع تقلص الإمدادات الإيرانية. وفي بعض الحالات أصبح الخام الإيراني أكثر تكلفة بالنسبة إلى المشترين نتيجة انخفاض المعروض، رغم المخاطر التي ترافق التعامل معه.

وفي المقابل، قدم العراق خصومات تقترب من 30 دولاراً للبرميل على بعض درجات الخام، في وقت كان خام برنت يتداول حول 97 دولاراً للبرميل الاثنين.

ولا تعني هذه التحولات أن الصين تخلت عن النفط الإيراني، لكنها تشير إلى أن استمرار القيود يدفع المشترين إلى تنويع مصادر الإمداد، خصوصاً من المنتجين الخليجيين.

ضغوط تتجاوز النفط

تمتد تداعيات القيود البحرية إلى قطاع البتروكيماويات، الذي يمثل ثاني أكبر مصدر لإيران للعملة الأجنبية بعد النفط.

وتعتمد شركات البتروكيميائيات الإيرانية أيضاً بدرجة كبيرة على الشحن البحري، وقد تراجعت عمليات تحميل منتجاتها بنحو الثلثين في أغسطس مقارنة ببداية العام، وفق تقديرات «كبلر».

وفي المقابل، تمكن منتجو النفط الخليجيون الآخرون من المحافظة على تدفق كميات كبيرة من الخام، مستفيدين من مسارات بديلة للممر البحري.

وهذا الفارق يضع إيران في وضع أكثر صعوبة، إذ تعتمد بدرجة أكبر على النقل البحري المباشر لتسويق صادراتها.

نسخ من صحيفتي «همشهري» و«جام جم» الإيرانيتين تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعنواناً باللغة الفارسية: «بندقية العقوبات الفارغة» (إ.ب.أ)

الريال والتضخم في دائرة الضغط

تنعكس أزمة الصادرات على قدرة طهران على الحصول على الدولار والعملات الأجنبية اللازمة لتمويل الواردات، بما في ذلك المواد الخام التي تحتاج إليها المصانع.

ومع ارتفاع تكلفة الواردات نتيجة ضعف العملة، يزداد الضغط التضخمي، في وقت تجاوز فيه معدل التضخم الرسمي في إيران 80 في المائة على أساس سنوي.

وقال هَمَد حسين، الاقتصادي لدى «كابيتال إيكونوميكس»، إن الريال الإيراني فقد نحو 15 في المائة من قيمته أمام الدولار منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب حملة الضغط الاقتصادي في أغسطس.

ويتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4 في المائة خلال العام الحالي، وهو ما سيكون أسوأ أداء للاقتصاد الإيراني منذ ثمانينات القرن الماضي.

التجارة مستمرة لكن بتكلفة أعلى

ولم تتوقف التجارة الإيرانية بالكامل رغم الضغوط. فقد صدرت البلاد قرابة 15 مليار دولار من السلع غير النفطية بين منتصف مارس (آذار) ومنتصف أغسطس، وفق وسائل إعلام إيرانية، وإن كانت القيمة أقل من مستويات العام السابق.

لكن القيود طالت أحد أهم الممرات التجارية لإيران، بعدما توقفت إلى حد كبير التجارة الرسمية عبر الإمارات، عقب إعلان أبوظبي الشهر الماضي تعليق المعاملات المالية والاقتصادية مع طهران، وفق مسؤولين مطلعين على الأمر.

ولا تزال بعض الأنشطة التجارية تمر عبر شركات وشبكات غير رسمية، بينما تتحول أجزاء أخرى من التجارة إلى طرق عبر تركيا والعراق وعُمان وباكستان.

إلا أن تغيير المسارات يضيف وقتاً وتكاليف إلى عمليات الاستيراد والتصدير، ما يزيد الأعباء على الاقتصاد الإيراني.

هل تنجح استراتيجية الضغط؟

تضع هذه التطورات استراتيجية واشنطن للضغط الاقتصادي على إيران أمام اختبار مهم. فالإدارة الأميركية تراهن على أن تراجع عائدات النفط وارتفاع تكلفة التجارة سيزيدان الضغوط على طهران ويدفعانها إلى تقديم تنازلات.

لكن التأثير الاقتصادي لا يعني بالضرورة تغيير الموقف السياسي أو العسكري.

وقال حسين إن المسار المقبل سيتوقف بدرجة كبيرة على مقدار الألم الاقتصادي الذي يكون النظام الإيراني مستعداً لتحمله في سبيل تحقيق أهدافه العسكرية والجيوسياسية.

كما ترى إيلي جيرنمايه، مسؤولة شؤون إيران في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن العقوبات سيكون لها تأثير كبير في الأسر الإيرانية، لكنها تشكك في أن يؤدي ذلك وحده إلى دفع طهران إلى الاستسلام على طاولة المفاوضات.

وقالت إن المعطيات المتاحة تشير إلى أن النظام الإيراني «من المرجح أن يقاوم».

حركة المرور تسير على طول أحد الشوارع في حين ترسو سفينة تجارية في مضيق هرمز قبالة بندر عباس في إيران (أ.ب)

أزمة السيولة تقترب من مرحلة جديدة

وبينما لا تزال طهران قادرة على تحقيق إيرادات من النفط الذي نُقل إلى خارج منطقة الحصار خلال فترة التهدئة، فإن حجم هذا المخزون يتراجع بسرعة.

ومع انخفاضه إلى نحو 29 مليون برميل، وتراجع عمليات التحميل الجديدة، تواجه إيران خلال الأسابيع المقبلة اختباراً أكثر صعوبة في الحفاظ على تدفق النقد الأجنبي.

وإذا استمر معدل التسليم الحالي، فقد ينفد النفط الموجود على الناقلات خارج الحصار بحلول منتصف أكتوبر، وفق تقديرات «كبلر».

وعندها لن يكون التحدي أمام طهران هو مجرد بيع كميات أقل من النفط، بل الحفاظ على تدفق العملة الصعبة إلى اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على صادرات الطاقة، في وقت تتزايد فيه تكلفة الواردات ويتراجع فيه سعر العملة ويشتد التضخم.

وتشير هذه التطورات إلى أن تأثير الحصار انتقل من تعطيل حركة الصادرات إلى الضغط على الإنتاج والإيرادات والعملة والتجارة في آن واحد، ما يضع الاقتصاد الإيراني أمام مرحلة أكثر صعوبة إذا استمرت القيود البحرية.


مقالات ذات صلة

خطة فرنسية لتحرير الملاحة في «هرمز» 6 أشهر

شؤون إقليمية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مؤتمر صحافي في قصر الإليزيه (رويترز)

خطة فرنسية لتحرير الملاحة في «هرمز» 6 أشهر

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيجتمع بالرئيسين الأميركي والإيراني في نيويورك لبحث مقترح فرنسي لتحرير الملاحة في مضيق هرمز لفترة 6 أشهر.

ميشال أبونجم (باريس)
شؤون إقليمية ترمب يشارك في جنازة عنصر أميركي قُتل في حرب إيران 22 يوليو 2026 (رويترز)

فاتورة الحرب على إيران تتجاوز 43 مليار دولار

ارتفعت تكلفة الحرب الأميركية على إيران إلى نحو 43.6 مليار دولار حتى 3 سبتمبر، وفق أحدث تقدير قدمته القيادة المركزية الأميركية إلى أعضاء «الكونغرس» هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - لندن - طهران)
شؤون إقليمية القوات الأميركية قالت إنها ساعدت أكثر من 2000 سفينة تجارية على عبور مضيق هرمز (سنتكوم)

«سنتكوم»: عبور أكثر من مليار برميل نفط في «هرمز»

قال قائد «سنتكوم» إن القوات الأميركية سهّلت عبور أكثر من مليار برميل من النفط الخام عبر المضيق خلال الشهرَين الماضيَين.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
شؤون إقليمية أرشيفية لقارب حربي إيراني لـ«الحرس الثوري» خلال مناورة عسكرية في مضيق هرمز (إ.ب.أ)

«الحرس الثوري» يصعّد لهجة تهديداته للسفن في «هرمز»

في تطور جديد يعكس هشاشة الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية العالمية، تعرضت ناقلة نفط لهجوم بمقذوف مجهول أثناء عبورها مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن- طهران)
شؤون إقليمية إيرانيون يمرون بسياراتهم أمام لوحة إعلانية مناهضة للولايات المتحدة في طهران (إ.ب.أ)

آلاف يشاركون في مسيرة «الفدائيين» بإيران

أقيمت في طهران، يوم الجمعة، المناورة الكبرى «فدائيو إيران»، بمشاركة كتائب قتالية تابعة لحملة «الفدائيين»، إلى جانب مختلف أطياف الشعب في طهران.

«الشرق الأوسط» (طهران )

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)

تتجه الولايات المتحدة إلى زيادة اعتمادها على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها القياسية من الاقتراض، في وقت ترتفع فيه كلفة الدين طويل الأجل، ما يوفر للخزانة تمويلاً أرخص في الأجل القريب، لكنه يزيد في المقابل تعرض المالية العامة لمخاطر إعادة التمويل وتقلب أسعار الفائدة.

وذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن بنوك «وول ستريت» تتوقع أن تصل إصدارات أذون الخزانة إلى نحو تريليون دولار خلال العام المقبل. ويقدّر «بنك أوف أميركا» الإصدارات بنحو 1.07 تريليون دولار خلال السنة المالية المنتهية في سبتمبر (أيلول) 2027، باستثناء المبالغ المستخدمة لإعادة تمويل الديون المستحقة، فيما توقع «جي بي مورغان» نحو 1.09 تريليون دولار خلال عام 2027، مقابل 961 مليار دولار وفق تقديرات «غولدمان ساكس».

وتأتي هذه التوقعات مع ارتفاع عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ 2007، وسط زيادة الدين العام، وتنامي احتياجات الشركات إلى الاقتراض لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تحسن توقعات النمو الاقتصادي.

تريليون دولار إضافية

ويؤدي الاعتماد المتزايد على أذون الخزانة، التي تستحق خلال عام أو أقل، إلى رفع حجم الدين القصير القائم إلى نحو 8 تريليونات دولار، أو ما يعادل 24.3 في المائة من إجمالي الدين القابل للتداول بحلول سبتمبر 2027 وفق تقدير «بنك أوف أميركا».

ويقترب ذلك من المستويات المرتفعة التي سُجلت خلال جائحة «كوفيد-19»، ويتجاوز المستوى الذي تستهدفه لجنة استشارية تابعة لوزارة الخزانة، والبالغ نحو 20 في المائة من إجمالي الدين على المدى الطويل، باعتباره توازناً بين كلفة الفائدة ومخاطر تقلب تكاليف التمويل وإعادة تدوير الدين.

وتشير بيانات تاريخية إلى أن نسبة أذون الخزانة تجاوزت ربع إجمالي الدين القابل للتداول خلال فترات استثنائية، أبرزها الجائحة والأزمة المالية العالمية في 2008. أما متوسطها منذ ثمانينات القرن الماضي فيبلغ نحو 22.4 في المائة.

ويرى محللون أن استراتيجية التمويل القصير تمنح وزارة الخزانة ميزة واضحة في الوقت الحالي، إذ يبلغ عائد أذون الخزانة لأجل عام نحو 4.4 في المائة، مقارنة بنحو 5 في المائة للسندات لأجل 10 سنوات ونحو 5.3 في المائة للسندات لأجل 30 عاماً.

لكن انخفاض الكلفة الحالية يأتي مقابل الحاجة إلى إعادة تمويل هذه الديون بوتيرة أسرع. وحذر محللون، وفق «فاينانشال تايمز»، من أن زيادة الاعتماد على الآجال القصيرة تجعل فاتورة خدمة الدين أكثر تقلباً إذا ارتفعت أسعار الفائدة، فيما وصف آخرون ذلك بأنه زيادة في «مخاطر تدوير الدين»، وفق «فاينانشال تايمز».

تعرض الشاشات مؤتمراً صحافياً لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

استراتيجية بيسنت

وتكتسب هذه السياسة أهمية إضافية في ظل مساعي وزير الخزانة سكوت بيسنت للحد من ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل. وكانت وزارة الخزانة قد فاجأت الأسواق الشهر الماضي بخطط لتوسيع مشترياتها من السندات التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً، في خطوة تهدف إلى المساعدة في احتواء تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وفي الوقت نفسه، تواصل الوزارة زيادة إصدارات الدين القصير لتلبية احتياجات الحكومة التمويلية الكبيرة. ويأتي ذلك رغم أن بيسنت كان قد انتقد في السابق وزيرة الخزانة السابقة جانيت يلين بسبب زيادة الاعتماد على الدين القصير، معتبراً أن تلك السياسة ساهمت في تخفيف شروط التمويل قبل انتخابات 2024.

وتجد الخزانة الأميركية في المقابل قاعدة واسعة من المشترين لأذونها. وتبلغ أصول صناديق سوق النقد الأميركية نحو 8 تريليونات دولار، فيما اشترى الاحتياطي الفيدرالي نحو 250 مليار دولار من أذون الخزانة خلال النصف الأول من العام، وفق «فاينانشال تايمز». كما ينظر بيسنت إلى العملات المستقرة المرتبطة بالدولار باعتبارها مصدراً إضافياً للطلب على أدوات الدين القصيرة.

عجز مرتفع

وتأتي زيادة الاعتماد على الدين القصير في وقت لا تزال فيه المالية الأميركية تواجه عجزاً كبيراً. ويتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن يبقى العجز عند نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي طوال أفق توقعاته لعشر سنوات، وهو مستوى يزيد كثيراً على هدف بيسنت البالغ 3 في المائة بنهاية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب.

ويراهن بيسنت على احتواء الإنفاق وتعزيز النمو الاقتصادي كوسيلة لتخفيف عبء الدين، وقال في وقت سابق من الشهر إن المشكلة الرئيسية في الولايات المتحدة تتعلق بالإنفاق وليس بالإيرادات، وإن تحقيق نمو عند 3 في المائة يمكن أن يساعد البلاد على «النمو للخروج» من عبء الدين.

لكن ارتفاع أسعار الفائدة يضع هذا الرهان أمام اختبار مزدوج: فالنمو الأقوى قد يدعم الإيرادات ويخفف نسبة الدين إلى الناتج، فيما يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة كلفة خدمة الدين، خصوصاً إذا اضطرت الخزانة إلى إعادة تمويل جزء أكبر من محفظتها بوتيرة أسرع.


الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
TT

الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)

قال وزير الدولة لشؤون الطاقة والرئيس التنفيذي لـ«قطر للطاقة»، سعد الكعبي، إن الشركة تنتج حالياً «كمية ضئيلة جداً» من الغاز الطبيعي المسال، في ظل الاضطرابات التي أثرت على عملياتها، متوقعاً إمكانية استئناف عمليات الغاز بصورة طبيعية خلال «بضعة أسابيع» من إعادة فتح مضيق هرمز.

وأضاف الكعبي، خلال مشاركته في منتدى قطر الاقتصادي في نيويورك، أن عدداً من قطارات توسعة حقل الشمال الشرقي (NFE) سيبدأ الإنتاج في عام 2027، على أن تبدأ توسعة حقل الشمال الجنوبي (NFS) الإنتاج في عام 2028.

وأوضح أن القطارين الثاني والثالث من مشروع «غولدن باس» للغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة سيبدآن التشغيل خلال عام 2027، ما سيدعم إمدادات الشركة من خارج قطر في إطار توسعها العالمي في إنتاج الغاز.

وتأتي تصريحات الكعبي في وقت لا تزال فيه حركة ناقلات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز محدودة، فيما تسعى «قطر للطاقة» إلى تأمين إمدادات بديلة للوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وكانت الشركة قد بدأت محادثات للحصول على عقود طويلة الأجل للغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة حتى عام 2031، بعد الأضرار التي لحقت بمنشآت رأس لفان.

ويُعد مضيق هرمز المنفذ البحري الرئيسي لصادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية، ما يجعل إعادة فتحه عاملاً حاسماً في عودة تدفقات الغاز إلى مستوياتها الطبيعية. وكانت بيانات حديثة قد أظهرت عودة عدد محدود من ناقلات الغاز إلى المنطقة، مع بقاء حركة العبور دون متوسطها المعتاد.


قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
TT

قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)

تتجه قطر إلى توسيع حضور «جهاز قطر للاستثمار» في السوق المحلية، عبر منصة استثمارية جديدة تتولى إدارة وتنمية أصول الجهاز داخل البلاد، في خطوة تعكس إعادة صياغة لاستراتيجيته الاستثمارية، وتفتح قناة جديدة لتوظيف رأس المال السيادي في مشروعات الاقتصاد المحلي.

وكشف رئيس الوزراء القطري عن «منصة الدوحة الاستثمارية»، موضحاً أنها ستكون مخصصة للاستثمار في الصفقات المحلية، وستتولى إدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وقال إن المنصة تأتي في إطار إعادة صياغة استراتيجية الجهاز وتعزيز جهوده في الاستثمار داخل قطر، وذلك خلال مشاركته في النسخة الخاصة من «منتدى قطر الاقتصادي» التي تُعقد في نيويورك، بالتزامن مع أسبوع الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي يناقش التحولات في حركة رأس المال والاستثمار والمخاطر الجيوسياسية والمرونة الاقتصادية.

ويأتي التوجه الجديد في وقت تتوقع فيه الدوحة تدفق استثمارات كبيرة إلى قطاعات البنية التحتية والعقارات والضيافة، مع تقديرات بترسية مشاريع بنية تحتية بقيمة 38.5 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، بينما يُتوقع أن تجذب مشاريع العقارات والضيافة استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار.

وتشير هذه الأرقام، مجتمعة، إلى فرص استثمارية محتملة بنحو 61 مليار دولار في قطاعين رئيسيين خلال السنوات الخمس المقبلة، وإن كانت لا تعني بالضرورة أن هذه القيمة ستُموَّل مباشرة من جهاز قطر للاستثمار أو من المنصة الجديدة.

رأس المال السيادي في السوق المحلية

ويضع إنشاء المنصة الجديدة جهاز قطر للاستثمار أمام دور أكثر مباشرة في تطوير الأصول والفرص الاستثمارية المحلية، بدلاً من اقتصار دوره على تخصيص رأس المال في الأسواق والأصول العالمية.

ومن شأن وجود منصة متخصصة في الصفقات المحلية، أن يتيح للجهاز التعامل بصورة أكثر تركيزاً مع الفرص الناشئة من توسع البنية التحتية ونمو قطاعي العقارات والضيافة، فضلاً عن إمكانية إدارة وتنمية الأصول المحلية القائمة ضمن إطار استثماري أكثر تخصصاً.

ويأتي ذلك في وقت تتعامل فيه الاقتصادات الخليجية مع مرحلة تتطلب زيادة كفاءة رأس المال السيادي، وتوجيه جزء منه إلى القطاعات القادرة على توليد نمو محلي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تنويع المحافظ الاستثمارية خارج الأسواق المحلية.

وتشكِّل مشاريع البنية التحتية الجزء الأكبر من الفرص المعلنة؛ إذ تتوقع قطر ترسية مشاريع بقيمة 38.5 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة.

ويمتد أثر هذه المشاريع إلى قطاعات متعددة من الاقتصاد، من الإنشاءات والخدمات الهندسية إلى النقل والخدمات والمقاولات وسلاسل الإمداد، ما يخلق مجالاً أمام المستثمرين المحليين والدوليين للمشاركة في دورة إنفاق طويلة الأجل.

أما قطاعا العقارات والضيافة، فتتوقع الدوحة أن يجذبا استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار، في مؤشر إلى استمرار الرهان على هذه الأنشطة، كجزء من توسع الاقتصاد غير المرتبط بالطاقة.

من جذب رأس المال إلى إدارة الأصول

ويمنح إنشاء «منصة الدوحة الاستثمارية» التوجه القطري بعداً مختلفاً عن مجرد استقطاب الاستثمارات الأجنبية. فالمنصة -وفق ما أعلنه رئيس الوزراء- ستكون مسؤولة عن الاستثمار في الصفقات المحلية، وإدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وهذا يعني أن الهدف لا يقتصر على جذب رأس المال إلى قطر؛ بل يشمل أيضاً توظيف رأس المال السيادي داخل الاقتصاد، والمشاركة في تطوير أصول وفرص استثمارية محلية، يمكن أن تنمو قيمتها مع توسع القطاعات غير النفطية.

وتشير الخطوة القطرية إلى محاولة بناء حلقة أكثر مباشرة بين رأس المال السيادي ومشروعات الاقتصاد المحلي، بحيث لا يكون جهاز الاستثمار مجرد مالك للأصول؛ بل يكون طرفاً في إدارة وتنمية جزء من الفرص الاستثمارية داخل البلاد.