لماذا تبقى عوائد الخزانة الأميركية مرتفعة؟

مخاوف التضخم والعجز المالي تُفاقم ضغوط سوق السندات

مدخل بورصة نيويورك في وول ستريت (رويترز)
مدخل بورصة نيويورك في وول ستريت (رويترز)
TT

لماذا تبقى عوائد الخزانة الأميركية مرتفعة؟

مدخل بورصة نيويورك في وول ستريت (رويترز)
مدخل بورصة نيويورك في وول ستريت (رويترز)

من غير المرجح أن تتراجع عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل في أي وقت قريب، في حين يُرجح أن تؤدي مجموعة من عوامل العرض والطلب المتشابكة إلى تقييد قدرة صانعي السياسات الأميركيين على الحد من تكاليف الاقتراض.

ويعود ذلك إلى أن الارتفاع المتجدد بأسعار الفائدة يعكس مخاوف فورية بشأن مسار التضخم في الولايات المتحدة، إلى جانب تساؤلات طويلة الأجل تتمحور حول كيفية استيعاب السوق موجة ضخمة من السندات التي تطرحها الحكومات والشركات ذات التصنيف الائتماني المرتفع، فضلاً عن تغير تركيبة المشترين نحو مجموعات يُرجَّح أن تطالب بعوائد أعلى، وفق «رويترز».

ويقول مستثمرو السندات إن وزير الخزانة سكوت بيسنت، الذي يستخدم حالياً جميع الأدوات المتاحة له لمحاولة خفض تكاليف الاقتراض طويلة الأجل، قد يجد في هذه المشكلات الهيكلية أكبر تحدٍّ يواجهه على الإطلاق.

قال عارف حسين، رئيس استثمارات الدخل الثابت العالمي لدى «تي. رو برايس»: «إلى أن تُقدم الحكومات في أنحاء العالم، بما فيها الولايات المتحدة، خطة موثوقة لمعالجة العجز الهائل والمتزايد، فإن سوق السندات تقول: عذراً، لا يمكننا إقراضكم، أو إذا فعلنا ذلك، فسوف يكلفكم الأمر أموالاً أكثر بكثير».

ويرى حسين أن التغير في تركيبة المشترين، في مثل هذا التوقيت الحرج، سيجعل محاولات بيسنت لدفع العوائد طويلة الأجل إلى الانخفاض صعبة للغاية.

وأضاف: «هناك فجوة بين العرض والطلب في سوق السندات النقدية، مع تراجع عدد المشترين غير المتأثرين بالأسعار والمستعدّين لاستيعاب المعروض من سندات الخزانة دون الحصول على عوائد أعلى مقابل ذلك».

إعادة تسعير مخاطر سندات الخزانة

يقول المشاركون في سوق السندات إن الجزء الأكبر من هذا التغير يأتي من علاوة أجَل الاستحقاق، وهو الجزء من العائد الذي يعكس استعداد المستثمرين لالتزام رؤوس أموالهم، لعقود من الزمن.

ولا يتوقع أحدٌ أن تتخلف الولايات المتحدة عن سداد ديونها، لكن الوضع المالي الأميركي يتدهور، مع تجاوز الدين الحكومي الفيدرالي 40 تريليون دولار. ويقول المشاركون في السوق إن ارتفاع علاوة أجل الاستحقاق وازدياد توقعات التضخم يفسران جزءاً من ارتفاع العوائد.

وقال هانو لوستيغ، أستاذ التمويل بجامعة ستانفورد وزميل أول بمعهد ستانفورد لأبحاث السياسات الاقتصادية، في ورقة بحثية نُشرت في 20 أغسطس (آب) الماضي: «يشكك مستثمرو السندات، بشكل متزايد، في أمان سندات الخزانة الأميركية، وقد أعادوا تسعيرها بوصفها أصلاً ينطوي على مخاطر».

سكوت بيسنت خلال مؤتمر صحافي على هامش اجتماع وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية لدول مجموعة العشرين في آشفيل (رويترز)

وتُوثق أبحاثه صعود صناديق التحوط وغيرها من الشركات الحساسة للأسعار، لتحل محل مشترين رسميين وطويلي الأجل وأقل حساسية للأسعار، مثل البنوك المركزية الأجنبية. وقد أدت هذه التحولات في هوية المشتري الهامشي للسندات الحكومية إلى زيادة حساسية السوق للأسعار، وإلى تغذية التقلبات في أسعار سندات الخزانة طويلة الأجل، بما قد يؤدي إلى تضخيم العوامل التي تدفع أسعار الفائدة إلى الارتفاع.

وتبرز ديناميكية رئيسية أخرى، إذ تقترض الشركات، بقيادة شركات تقع في قلب التوسع بمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، بوتيرة سريعة. وتتوقع «وول ستريت» أن تنفق شركات التكنولوجيا الكبرى أكثر من 730 مليار دولار على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي هذا العام، مقارنة بنحو 400 مليار دولار العام الماضي، وسيُموّل جزء كبير من هذا الإنفاق بالاقتراض. وتبدو أساسيات هذه الشركات، بما في ذلك نمو الأرباح القوي وتوافر تدفقات نقدية حرة وفيرة، أكثر جاذبية لكثير من المستثمرين، مقارنةً بالحكومة الفيدرالية.

وقال تييري ويزمان، كبير استراتيجيي العملات الأجنبية وأسعار الفائدة العالمية لدى «ماكواري»، إن سوق الخزانة تتنافس على المصدر نفسه من رأس المال طويل الأجل مع الشركات ذات التصنيف الاستثماري، التي يُنظَر إليها على أنها تتمتع بأساسيات ائتمانية أقوى، في حين يصوّت المستثمرون بأموالهم ويدفعون الفوارق بين فئتي الديون إلى مستويات ضيقة للغاية.

وقال ويزمان: «إلى حد ما، يرى المستثمرون أن ديون الشركات أكثر أماناً».

صحيح أن الشركات، على خلاف الحكومات الوطنية، تواجه مخاطر التخلف عن السداد، لكن المستثمرين يقولون إن هذا الاحتمال يبدو ضئيلاً بالنسبة إلى نوع الشركات التي تطرح سندات طويلة الأجل في الأسواق حالياً.

وقفزت أرباح الشركات المُدرَجة ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 52 في المائة خلال الربع الثاني، وفقاً لبيانات «فاكت سِت»، ما رفع حصة أرباح الشركات من الناتج المحلي الإجمالي إلى مستوى قياسي بلغ 13.2 في المائة، وفق مكتب التحليل الاقتصادي.

مراقبة مشتري سندات الخزانة

ويرى آخرون أن التركيز حصراً على حجة أن إصدارات ديون شركات التكنولوجيا العملاقة العاملة في مجال الحوسبة السحابية «تُزاحم» سندات الخزانة وتدفع العوائد إلى الارتفاع، يُعد خطأ. ومن وجهة نظرهم، فإن جانب الطلب، الذي شهد تغيراً مطرداً، خلال السنوات الأخيرة، يؤدي دوراً متزايد الأهمية.

وقال رايان سويفت، استراتيجي السندات الأميركية لدى «بي سي إيه ريسيرش»، إن التغير في هيكل السوق التي وصفها لوستيغ جعل سندات الخزانة أكثر عرضة لاختلالات دورية بين العرض والطلب، وبالتالي، عند الهامش، لارتفاع العوائد.

وأضاف: «هذا ليس شيئاً حدث، خلال الأشهر القليلة الماضية، بل حدث على مدى العقدين الماضيين».

ويتفق المستثمرون على أن حالة عدم اليقين المحيطة بالتضخم، ولا سيما في ظل تأثير الصراع غير المحسوم مع إيران على أسعار الطاقة، تمثل عاملاً إضافياً يزيد من حدة الضغوط.

ويضيفون أن الأمر المؤكَّد الوحيد هو أن طبيعة هذه المشكلات ستجعل من الصعب على بيسنت ووزارة الخزانة تحقيق انخفاض بأسعار الفائدة طويلة الأجل، إذ إن كلاً من مشكلات العرض والطلب يقع خارج نطاق سيطرتهما.

وقال مايك غوساي، كبير مسؤولي الاستثمار للدخل الثابت لدى «برينسيبال لإدارة الأصول»: «لا أحد لديه الاستعداد لاتخاذ قرارات صعبة للسيطرة على الدين، بينما لا يزال التضخم أعلى بكثير من مُستهدف مجلس الاحتياطي الفيدرالي».


مقالات ذات صلة

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

الاقتصاد يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

تتجه الولايات المتحدة إلى زيادة اعتمادها على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها القياسية من الاقتراض، في وقت ترتفع فيه كلفة الدين طويل الأجل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد كاشكاري وإلى جانبه رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو أوستن د. غولسبي (الاحتياطي)

رئيس «فيدرالي» مينيابوليس: التضخم لا يزال مرتفعاً... والاقتصاد متماسك

قال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، إن التضخم في الولايات المتحدة لا يزال مرتفعاً أكثر مما ينبغي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد بيسنت وهي يتصافحان خلال محادثات تجارية بمقر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في باريس في مارس (رويترز)

بيسنت وهي يبحثان الذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة قبل قمة ترمب - شي في واشنطن

يلتقي وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ، في نيويورك، الأحد، في محادثات تسبق بأيام القمة المرتقبة بين الرئيسين الأميركي والصيني.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد لوحة مفاتيح ويدا روبوت أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» باللغة الإنجليزية (رويترز)

واشنطن تعيد ترتيب أوراق الذكاء الاصطناعي... وترمب يعلن «قوة» جديدة

أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عزمه إنشاء «قوة للذكاء الاصطناعي» وتعيين مسؤول رفيع يتولى ملف التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد رجل يمر أمام بنك إنجلترا في الحي المالي بمدينة لندن (إ.ب.أ)

صناديق الأسهم العالمية تسجل أكبر نزوح أسبوعي في 2026

تزايد حذر المستثمرين تجاه الأسهم العالمية مع ارتفاع أسعار النفط وتصاعد مخاوف التضخم وأسعار الفائدة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك، لندن)

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)

تتجه الولايات المتحدة إلى زيادة اعتمادها على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها القياسية من الاقتراض، في وقت ترتفع فيه كلفة الدين طويل الأجل، ما يوفر للخزانة تمويلاً أرخص في الأجل القريب، لكنه يزيد في المقابل تعرض المالية العامة لمخاطر إعادة التمويل وتقلب أسعار الفائدة.

وذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن بنوك «وول ستريت» تتوقع أن تصل إصدارات أذون الخزانة إلى نحو تريليون دولار خلال العام المقبل. ويقدّر «بنك أوف أميركا» الإصدارات بنحو 1.07 تريليون دولار خلال السنة المالية المنتهية في سبتمبر (أيلول) 2027، باستثناء المبالغ المستخدمة لإعادة تمويل الديون المستحقة، فيما توقع «جي بي مورغان» نحو 1.09 تريليون دولار خلال عام 2027، مقابل 961 مليار دولار وفق تقديرات «غولدمان ساكس».

وتأتي هذه التوقعات مع ارتفاع عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ 2007، وسط زيادة الدين العام، وتنامي احتياجات الشركات إلى الاقتراض لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تحسن توقعات النمو الاقتصادي.

تريليون دولار إضافية

ويؤدي الاعتماد المتزايد على أذون الخزانة، التي تستحق خلال عام أو أقل، إلى رفع حجم الدين القصير القائم إلى نحو 8 تريليونات دولار، أو ما يعادل 24.3 في المائة من إجمالي الدين القابل للتداول بحلول سبتمبر 2027 وفق تقدير «بنك أوف أميركا».

ويقترب ذلك من المستويات المرتفعة التي سُجلت خلال جائحة «كوفيد-19»، ويتجاوز المستوى الذي تستهدفه لجنة استشارية تابعة لوزارة الخزانة، والبالغ نحو 20 في المائة من إجمالي الدين على المدى الطويل، باعتباره توازناً بين كلفة الفائدة ومخاطر تقلب تكاليف التمويل وإعادة تدوير الدين.

وتشير بيانات تاريخية إلى أن نسبة أذون الخزانة تجاوزت ربع إجمالي الدين القابل للتداول خلال فترات استثنائية، أبرزها الجائحة والأزمة المالية العالمية في 2008. أما متوسطها منذ ثمانينات القرن الماضي فيبلغ نحو 22.4 في المائة.

ويرى محللون أن استراتيجية التمويل القصير تمنح وزارة الخزانة ميزة واضحة في الوقت الحالي، إذ يبلغ عائد أذون الخزانة لأجل عام نحو 4.4 في المائة، مقارنة بنحو 5 في المائة للسندات لأجل 10 سنوات ونحو 5.3 في المائة للسندات لأجل 30 عاماً.

لكن انخفاض الكلفة الحالية يأتي مقابل الحاجة إلى إعادة تمويل هذه الديون بوتيرة أسرع. وحذر محللون، وفق «فاينانشال تايمز»، من أن زيادة الاعتماد على الآجال القصيرة تجعل فاتورة خدمة الدين أكثر تقلباً إذا ارتفعت أسعار الفائدة، فيما وصف آخرون ذلك بأنه زيادة في «مخاطر تدوير الدين»، وفق «فاينانشال تايمز».

تعرض الشاشات مؤتمراً صحافياً لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

استراتيجية بيسنت

وتكتسب هذه السياسة أهمية إضافية في ظل مساعي وزير الخزانة سكوت بيسنت للحد من ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل. وكانت وزارة الخزانة قد فاجأت الأسواق الشهر الماضي بخطط لتوسيع مشترياتها من السندات التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً، في خطوة تهدف إلى المساعدة في احتواء تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وفي الوقت نفسه، تواصل الوزارة زيادة إصدارات الدين القصير لتلبية احتياجات الحكومة التمويلية الكبيرة. ويأتي ذلك رغم أن بيسنت كان قد انتقد في السابق وزيرة الخزانة السابقة جانيت يلين بسبب زيادة الاعتماد على الدين القصير، معتبراً أن تلك السياسة ساهمت في تخفيف شروط التمويل قبل انتخابات 2024.

وتجد الخزانة الأميركية في المقابل قاعدة واسعة من المشترين لأذونها. وتبلغ أصول صناديق سوق النقد الأميركية نحو 8 تريليونات دولار، فيما اشترى الاحتياطي الفيدرالي نحو 250 مليار دولار من أذون الخزانة خلال النصف الأول من العام، وفق «فاينانشال تايمز». كما ينظر بيسنت إلى العملات المستقرة المرتبطة بالدولار باعتبارها مصدراً إضافياً للطلب على أدوات الدين القصيرة.

عجز مرتفع

وتأتي زيادة الاعتماد على الدين القصير في وقت لا تزال فيه المالية الأميركية تواجه عجزاً كبيراً. ويتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن يبقى العجز عند نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي طوال أفق توقعاته لعشر سنوات، وهو مستوى يزيد كثيراً على هدف بيسنت البالغ 3 في المائة بنهاية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب.

ويراهن بيسنت على احتواء الإنفاق وتعزيز النمو الاقتصادي كوسيلة لتخفيف عبء الدين، وقال في وقت سابق من الشهر إن المشكلة الرئيسية في الولايات المتحدة تتعلق بالإنفاق وليس بالإيرادات، وإن تحقيق نمو عند 3 في المائة يمكن أن يساعد البلاد على «النمو للخروج» من عبء الدين.

لكن ارتفاع أسعار الفائدة يضع هذا الرهان أمام اختبار مزدوج: فالنمو الأقوى قد يدعم الإيرادات ويخفف نسبة الدين إلى الناتج، فيما يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة كلفة خدمة الدين، خصوصاً إذا اضطرت الخزانة إلى إعادة تمويل جزء أكبر من محفظتها بوتيرة أسرع.


الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
TT

الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)

قال وزير الدولة لشؤون الطاقة والرئيس التنفيذي لـ«قطر للطاقة»، سعد الكعبي، إن الشركة تنتج حالياً «كمية ضئيلة جداً» من الغاز الطبيعي المسال، في ظل الاضطرابات التي أثرت على عملياتها، متوقعاً إمكانية استئناف عمليات الغاز بصورة طبيعية خلال «بضعة أسابيع» من إعادة فتح مضيق هرمز.

وأضاف الكعبي، خلال مشاركته في منتدى قطر الاقتصادي في نيويورك، أن عدداً من قطارات توسعة حقل الشمال الشرقي (NFE) سيبدأ الإنتاج في عام 2027، على أن تبدأ توسعة حقل الشمال الجنوبي (NFS) الإنتاج في عام 2028.

وأوضح أن القطارين الثاني والثالث من مشروع «غولدن باس» للغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة سيبدآن التشغيل خلال عام 2027، ما سيدعم إمدادات الشركة من خارج قطر في إطار توسعها العالمي في إنتاج الغاز.

وتأتي تصريحات الكعبي في وقت لا تزال فيه حركة ناقلات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز محدودة، فيما تسعى «قطر للطاقة» إلى تأمين إمدادات بديلة للوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وكانت الشركة قد بدأت محادثات للحصول على عقود طويلة الأجل للغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة حتى عام 2031، بعد الأضرار التي لحقت بمنشآت رأس لفان.

ويُعد مضيق هرمز المنفذ البحري الرئيسي لصادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية، ما يجعل إعادة فتحه عاملاً حاسماً في عودة تدفقات الغاز إلى مستوياتها الطبيعية. وكانت بيانات حديثة قد أظهرت عودة عدد محدود من ناقلات الغاز إلى المنطقة، مع بقاء حركة العبور دون متوسطها المعتاد.


قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
TT

قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)

تتجه قطر إلى توسيع حضور «جهاز قطر للاستثمار» في السوق المحلية، عبر منصة استثمارية جديدة تتولى إدارة وتنمية أصول الجهاز داخل البلاد، في خطوة تعكس إعادة صياغة لاستراتيجيته الاستثمارية، وتفتح قناة جديدة لتوظيف رأس المال السيادي في مشروعات الاقتصاد المحلي.

وكشف رئيس الوزراء القطري عن «منصة الدوحة الاستثمارية»، موضحاً أنها ستكون مخصصة للاستثمار في الصفقات المحلية، وستتولى إدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وقال إن المنصة تأتي في إطار إعادة صياغة استراتيجية الجهاز وتعزيز جهوده في الاستثمار داخل قطر، وذلك خلال مشاركته في النسخة الخاصة من «منتدى قطر الاقتصادي» التي تُعقد في نيويورك، بالتزامن مع أسبوع الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي يناقش التحولات في حركة رأس المال والاستثمار والمخاطر الجيوسياسية والمرونة الاقتصادية.

ويأتي التوجه الجديد في وقت تتوقع فيه الدوحة تدفق استثمارات كبيرة إلى قطاعات البنية التحتية والعقارات والضيافة، مع تقديرات بترسية مشاريع بنية تحتية بقيمة 38.5 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، بينما يُتوقع أن تجذب مشاريع العقارات والضيافة استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار.

وتشير هذه الأرقام، مجتمعة، إلى فرص استثمارية محتملة بنحو 61 مليار دولار في قطاعين رئيسيين خلال السنوات الخمس المقبلة، وإن كانت لا تعني بالضرورة أن هذه القيمة ستُموَّل مباشرة من جهاز قطر للاستثمار أو من المنصة الجديدة.

رأس المال السيادي في السوق المحلية

ويضع إنشاء المنصة الجديدة جهاز قطر للاستثمار أمام دور أكثر مباشرة في تطوير الأصول والفرص الاستثمارية المحلية، بدلاً من اقتصار دوره على تخصيص رأس المال في الأسواق والأصول العالمية.

ومن شأن وجود منصة متخصصة في الصفقات المحلية، أن يتيح للجهاز التعامل بصورة أكثر تركيزاً مع الفرص الناشئة من توسع البنية التحتية ونمو قطاعي العقارات والضيافة، فضلاً عن إمكانية إدارة وتنمية الأصول المحلية القائمة ضمن إطار استثماري أكثر تخصصاً.

ويأتي ذلك في وقت تتعامل فيه الاقتصادات الخليجية مع مرحلة تتطلب زيادة كفاءة رأس المال السيادي، وتوجيه جزء منه إلى القطاعات القادرة على توليد نمو محلي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تنويع المحافظ الاستثمارية خارج الأسواق المحلية.

وتشكِّل مشاريع البنية التحتية الجزء الأكبر من الفرص المعلنة؛ إذ تتوقع قطر ترسية مشاريع بقيمة 38.5 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة.

ويمتد أثر هذه المشاريع إلى قطاعات متعددة من الاقتصاد، من الإنشاءات والخدمات الهندسية إلى النقل والخدمات والمقاولات وسلاسل الإمداد، ما يخلق مجالاً أمام المستثمرين المحليين والدوليين للمشاركة في دورة إنفاق طويلة الأجل.

أما قطاعا العقارات والضيافة، فتتوقع الدوحة أن يجذبا استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار، في مؤشر إلى استمرار الرهان على هذه الأنشطة، كجزء من توسع الاقتصاد غير المرتبط بالطاقة.

من جذب رأس المال إلى إدارة الأصول

ويمنح إنشاء «منصة الدوحة الاستثمارية» التوجه القطري بعداً مختلفاً عن مجرد استقطاب الاستثمارات الأجنبية. فالمنصة -وفق ما أعلنه رئيس الوزراء- ستكون مسؤولة عن الاستثمار في الصفقات المحلية، وإدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وهذا يعني أن الهدف لا يقتصر على جذب رأس المال إلى قطر؛ بل يشمل أيضاً توظيف رأس المال السيادي داخل الاقتصاد، والمشاركة في تطوير أصول وفرص استثمارية محلية، يمكن أن تنمو قيمتها مع توسع القطاعات غير النفطية.

وتشير الخطوة القطرية إلى محاولة بناء حلقة أكثر مباشرة بين رأس المال السيادي ومشروعات الاقتصاد المحلي، بحيث لا يكون جهاز الاستثمار مجرد مالك للأصول؛ بل يكون طرفاً في إدارة وتنمية جزء من الفرص الاستثمارية داخل البلاد.