ترمب يضع 65 مليار برميل من النفط الفنزويلي في قبضة واشنطن

صفقة تاريخية وسط تحرك أميركي لتأمين إمدادات الطاقة

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيسة المؤقتة لفنزويلا ديلسي رودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيسة المؤقتة لفنزويلا ديلسي رودريغيز (أ.ف.ب)
TT

ترمب يضع 65 مليار برميل من النفط الفنزويلي في قبضة واشنطن

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيسة المؤقتة لفنزويلا ديلسي رودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيسة المؤقتة لفنزويلا ديلسي رودريغيز (أ.ف.ب)

في واحد من أضخم التحركات الأميركية بسوق الطاقة العالمية، أعلن الرئيس دونالد ترمب اتفاقاً مع الحكومة الفنزويلية المؤقتة يمنح الولايات المتحدة دوراً رئيسياً في تطوير 17 حقلاً تضم نحو 65 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية المؤكدة، في صفقة طويلة الأجل تجمع بين تأمين إمدادات الطاقة الأميركية وتوسيع النفوذ في واحدة من أغنى الدول النفطية في العالم.

عامل في حقل نفط بمجمع صناعي تابع لشركة النفط الفنزويلية الحكومية في ولاية أنزواتيغي (رويترز)

وتأتي الخطوة في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لأسواق النفط، بسبب الحرب مع إيران، وارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة، في وقت تسعى فيه إدارة ترمب إلى تعزيز مصادر الخام وتقليص الضغوط على السوق الأميركية. وبينما تفتح الصفقة الباب أمام استثمارات قد تصل إلى 100 مليار دولار لإعادة بناء قطاع النفط الفنزويلي، فإن ضخ هذه الكميات إلى الأسواق لن يكون سريعاً، في ظل تدهور البنية التحتية وحاجة الصناعة إلى سنوات من الاستثمارات والتحديث.

ويمثل الاتفاق، في الوقت نفسه، تحولاً لافتاً في علاقة واشنطن بكاراكاس؛ إذ تحصل الولايات المتحدة، وفق مسؤول أميركي مطلع على التفاصيل، على ما يعادل 55 في المائة من الإنتاج الفعلي للشركة الجديدة، إلى جانب حقوق شراء النفط بتكلفة الإنتاج، فيما تمتد حقوق تطوير الحقول لمدة 100 عام.

«أكبر صفقة نفط في تاريخ العالم»

قال ترمب، في منشور على منصته للتواصل الاجتماعي، إن الولايات المتحدة أبرمت «أكبر صفقة نفط في تاريخ العالم»، موضحاً أن الاتفاق جرى التفاوض عليه بمشاركة وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، والرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز.

وأعلنت حكومة رودريغيز أن الاتفاق يشمل تطوير 17 حقلاً نفطياً تمتلك احتياطيات مؤكدة تبلغ 65 مليار برميل، متوقعة أن يستقطب نحو 100 مليار دولار من الاستثمارات إلى قطاع النفط الفنزويلي، وأن يدر أكثر من 209 مليارات دولار من الضرائب لخزينة البلاد.

وبحسب مسؤول أميركي مطلع على تفاصيل الاتفاق، ستنشئ الولايات المتحدة، بالشراكة مع مشغل خاص لم تُكشف هويته، شركة جديدة تتولى تطوير الحقول المشمولة بالاتفاق، فيما منحت الحكومة الفنزويلية الشركة حقوقاً تمتد إلى 100 عام لتطوير تلك الحقول.

وقال المسؤول، الذي تحدث شرط عدم الكشف عن هويته لعدم تخويله بالتعليق علناً، إن الولايات المتحدة ستحصل على ما يعادل 55 في المائة من الإنتاج الفعلي للشركة الجديدة، من خلال حصة ملكية وحقوق شراء النفط بتكلفة الإنتاج.

ناقلات نفط ترسو بالقرب من محطة خوسيه التابعة لشركة النفط الفنزويلية الحكومية (رويترز)

نفط فنزويلي للإمدادات الأميركية

من المقرر أن يذهب إنتاج الشركة الجديدة إلى الولايات المتحدة بأسعار تعادل تكلفة الإنتاج، على أن يستخدم جزء منه لإعادة ملء الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي، فيما يخصص جزء آخر لتلبية احتياجات الجيش الأميركي، بحسب المسؤول.

وتأتي الصفقة في وقت تواجه فيه إدارة ترمب ضغوطاً متزايدة لخفض أسعار البنزين في السوق الأميركية، بالتزامن مع استمرار تداعيات الحرب مع إيران على أسواق الطاقة العالمية واضطراب تدفقات النفط المقبلة من منطقة الخليج عبر مضيق هرمز.

وبلغ متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة نحو 4.09 دولار للغالون، الجمعة، مقارنة مع 3.21 دولار في الفترة نفسها من العام الماضي، وفق جمعية السيارات الأميركية.

كما تراجع مخزون الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي إلى أقل من 300 مليون برميل في أوائل أغسطس (آب)، بعد سحب أكثر من 100 مليون برميل منه منذ بداية العام.

303 مليارات برميل تحت الأرض

تملك فنزويلا أحد أكبر مخزونات النفط في العالم؛ إذ تقدر احتياطياتها بنحو 303 مليارات برميل من الخام، أي ما يعادل نحو 17 في المائة من الاحتياطيات العالمية، وفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية.

ورغم ضخامة هذه الاحتياطيات، فإن إنتاج فنزويلا لا يزال محدوداً نتيجة سنوات من تراجع الاستثمارات وتدهور البنية التحتية والفساد وخروج عدد من شركات الطاقة الغربية من البلاد.

وبحسب مسح أجرته «بلومبرغ»، بلغ إنتاج فنزويلا نحو 1.16 مليون برميل يومياً في يوليو (تموز)، وهو أقل من نصف المستوى الذي كانت تنتجه البلاد قبل عقد.

ويقول خبراء إن زيادة الإنتاج الفنزويلي بصورة كبيرة لن تتحقق سريعاً؛ إذ تحتاج صناعة النفط إلى مليارات الدولارات وسنوات من العمل لإعادة تأهيل البنية التحتية وتوسيعها، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من الخام الفنزويلي شديد الثقل ويتطلب منشآت متخصصة لمعالجته وترقيته.

شعلة غاز مشتعلة في مصفاة كاردون التابعة لمركز باراغوانا للتكرير (رويترز)

استثمارات ضخمة ومخاطر سياسية

يواجه الاتفاق اختباراً رئيسياً يتمثل في قدرة فنزويلا على توفير بيئة سياسية وقانونية مستقرة تسمح بضخ استثمارات طويلة الأجل.

وقال كريس كينيدي، المسؤول عن الاقتصاد السياسي في «بلومبرغ إيكونوميكس»، إن مساعي إدارة ترمب للحصول على حصة في احتياطيات النفط الفنزويلية قد تأتي بنتائج عكسية على الاستثمار طويل الأجل، بسبب المخاطر السياسية التي تضيفها الخطوة إلى القطاع.

وأضاف أن عدداً محدوداً من الشركات قد يكون مستعداً لضخ استثمارات ضخمة في مشروعات جديدة، في ظل احتمال تخلي إدارة أميركية مستقبلية عن الاتفاق، أو عدم اعتراف حكومة فنزويلية منتخبة ديمقراطياً به.

من جهته، قال كلاي سيغل، الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن إقناع شركات النفط الكبرى بضخ عشرات المليارات من الدولارات يتطلب وجود «خريطة طريق موثوقة نحو استقرار سياسي دائم»، خصوصاً أن تطوير الخام الفنزويلي شديد الثقل يحتاج إلى وحدات معالجة وترقية مكلفة.

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيسة المؤقتة لفنزويلا ديلسي رودريغيز (أ.ف.ب)

«مكسب كبير»

وصف ترمب الاتفاق بأنه «مكسب كبير» للولايات المتحدة وفنزويلا، فيما قالت رودريغيز إن الصفقة «تاريخية» وستترك أثراً كبيراً في إنعاش اقتصاد بلادها.

وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، إن الاتفاق سيجلب مليارات الدولارات من الاستثمارات الخاصة إلى فنزويلا، وسيسهم في خفض أسعار البنزين في الولايات المتحدة.

لكن الإعلان واجه انتقادات داخل فنزويلا؛ إذ اتهم منتقدون الحكومة بالتنازل عن ثروة البلاد النفطية، كما أثارت الصفقة تساؤلات بشأن غياب أي إشارة واضحة إلى انتقال ديمقراطي أو جدول زمني لإجراء انتخابات.

وتأتي الصفقة في إطار تحول أوسع في سياسة الحكومة الفنزويلية تجاه قطاع الطاقة، بعدما وقعت رودريغيز، عقب توليها السلطة، قانوناً يفتح الباب أمام خصخصة قطاع النفط، في تراجع عن أحد المبادئ الاقتصادية الأساسية للحركة الاشتراكية التي حكمت البلاد لأكثر من عقدين.

أثر محدود على أسعار النفط في المدى القريب

على الرغم من ضخامة الاحتياطيات التي تشملها الصفقة، لا يتوقع الخبراء أن يؤدي الاتفاق إلى زيادة كبيرة وفورية في الإمدادات، أو إلى انخفاض سريع في أسعار النفط والبنزين؛ فإعادة تشغيل الحقول وتحديث منشآت الإنتاج والنقل والمعالجة تحتاج إلى استثمارات ضخمة ووقت طويل، ما يعني أن التأثير المباشر في السوق العالمية سيظل محدوداً في المدى القريب.

وقد تظهر آثار الصفقة بصورة كبرى على المديين المتوسط والطويل، إذا نجحت واشنطن وكاراكاس في تنفيذ الاستثمارات المخطط لها وإعادة بناء البنية التحتية النفطية، وتمكنت فنزويلا من استعادة جزء كبير من طاقتها الإنتاجية.

وتكتسب الخطوة أهمية إضافية في ظل السباق العالمي لتأمين إمدادات الطاقة، بعد الاضطرابات التي أحدثتها الحرب مع إيران في حركة النفط، لا سيما عبر مضيق هرمز الذي كان يمر من خلاله نحو 20 في المائة من النفط العالمي قبل اندلاع الصراع.

منصات نفطية ومضخات في بحيرة ماراكايبو (رويترز)

النفط والنفوذ الأميركي

لا تحمل الصفقة أبعاداً اقتصادية فحسب؛ بل تمثل أيضاً أحدث تحرك لإدارة ترمب لتوسيع النفوذ الأميركي في نصف الكرة الغربي، ومواجهة تنامي الحضور الصيني في المنطقة.

ويضع الاتفاق واشنطن أمام رهان مزدوج: الاستفادة من واحدة من أضخم الثروات النفطية غير المستغلة في العالم، وفي الوقت نفسه إعادة بناء صناعة نفطية تضررت بشدة بعد سنوات من نقص الاستثمار وتدهور البنية التحتية.

وبينما تمنح الصفقة الولايات المتحدة حقوقاً طويلة الأجل وحصة مؤثرة من إنتاج الشركة الجديدة، فإن نجاحها سيظل مرهوناً بقدرة فنزويلا على تحقيق الاستقرار السياسي وتوفير الضمانات القانونية اللازمة لجذب شركات النفط الكبرى وضخ الاستثمارات التي تحتاج إليها الصناعة.


مقالات ذات صلة

«إيني» الإيطالية توقع اتفاقاً للتنقيب عن النفط في أوروغواي

الاقتصاد شعار شركة الطاقة الإيطالية «إيني» في محطة وقود بمدينة روما (رويترز)

«إيني» الإيطالية توقع اتفاقاً للتنقيب عن النفط في أوروغواي

أعلنت شركة «إيني» الإيطالية العملاقة للنفط والغاز أنها وقعت الاتفاقية النهائية لدخول منطقة الاستكشاف البحري (أوف-5) التي تقع في مياه قبالة ساحل أوروغواي.

«الشرق الأوسط» (روما)
الاقتصاد سوق الشورجة للبيع بالجملة في وسط بغداد بالعراق (رويترز)

العراق: الاحتياطيات الأجنبية ضمن المستويات الآمنة

أكد المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي  مظهر محمد صالح، السبت، أن الاحتياطيات الأجنبية للعراق لا تزال ضمن مستويات آمنة نسبياً.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
الولايات المتحدة​ صهريج لتخزين النفط تابع لشركة «بتروليوس دي فنزويلا» (رويترز)

ترمب يعلن إبرام اتفاق يمنح الولايات المتحدة حصة ضخمة في احتياطيات النفط الفنزويلية

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أن الولايات المتحدة أبرمت اتفاقا نفطيا كبيرا مع كراكاس يمنحها السيطرة على غالبية احتياطيات نفطية مؤكدة تتجاوز 65 مليار برميل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ناقلة نفط راسية في ميناء الفجيرة (رويترز)

النفط يواصل خسائره مع آمال بانفراج أزمة مضيق هرمز

تراجعت أسعار النفط، يوم الخميس، لتواصل سلسلة خسائرها، وسط آمال بأن تفضي المحادثات بين إيران وقطر إلى فتح مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد صهاريج تخزين النفط الخام والبنزين والديزل في محطة كيندر مورغان في لوس أنجليس (رويترز)

ارتفاع مخزونات النفط الأميركية بأقل من التوقعات... وبرنت يقلص خسائره

أعلنت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، الأربعاء، ارتفاع مخزونات النفط الخام الأميركية، بينما انخفضت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية خلال الأسبوع الماضي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«إيني» الإيطالية توقع اتفاقاً للتنقيب عن النفط في أوروغواي

شعار شركة الطاقة الإيطالية «إيني» في محطة وقود بمدينة روما (رويترز)
شعار شركة الطاقة الإيطالية «إيني» في محطة وقود بمدينة روما (رويترز)
TT

«إيني» الإيطالية توقع اتفاقاً للتنقيب عن النفط في أوروغواي

شعار شركة الطاقة الإيطالية «إيني» في محطة وقود بمدينة روما (رويترز)
شعار شركة الطاقة الإيطالية «إيني» في محطة وقود بمدينة روما (رويترز)

أعلنت شركة «إيني» الإيطالية العملاقة للنفط والغاز أنها وقعت الاتفاقية النهائية لدخول منطقة الاستكشاف البحري (أوف-5) التي تقع في مياه قبالة ساحل أوروغواي، وذلك بعد حصولها على الموافقات اللازمة من السلطات المحلية، حسبما أفادت وكالة «بلومبرغ» السبت.

وتعمل «إيني» كمشغّل للمنطقة بحصة 50 في المائة، إلى جانب شريكتها شركة «ميوان»، المملوكة بالكامل لشركة النفط الأرجنتينية الحكومية «واي بي إف»، التي تمتلك النسبة المتبقية البالغة 50 في المائة.

وأشارت «إيني» إلى أنها توصلت مؤخراً إلى اتفاق لشراء حصة 40 في المائة في المنطقة المجاورة (أوف–6)، التي تديرها شركة «إيه بي إيه» المعروفة سابقاً باسم «أباتشي كورب»، وهي شركة أميركية مستقلة تعمل في مجال استكشاف وتطوير وإنتاج النفط الخام، والغاز الطبيعي، وسوائل الغاز.

يشار إلى أنه في عام 2025 أعلنت شركتا «واي بي إف» الأرجنتينية و«إيني» عن شراكتهما في المنطقة البحرية بأوروغواي، مما مهد الطريق لمزيد من التعاون في مجال استكشاف النفط والغاز في المنطقة.


العراق: الاحتياطيات الأجنبية ضمن المستويات الآمنة

سوق الشورجة للبيع بالجملة في وسط بغداد بالعراق (رويترز)
سوق الشورجة للبيع بالجملة في وسط بغداد بالعراق (رويترز)
TT

العراق: الاحتياطيات الأجنبية ضمن المستويات الآمنة

سوق الشورجة للبيع بالجملة في وسط بغداد بالعراق (رويترز)
سوق الشورجة للبيع بالجملة في وسط بغداد بالعراق (رويترز)

أكد المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي مظهر محمد صالح، السبت، أن الاحتياطيات الأجنبية للعراق لا تزال ضمن مستويات آمنة نسبياً، مشيراً إلى أهمية متابعة هذا الاتجاه والحفاظ على هامش الأمان.

ونقلت وكالة الأنباء العراقية عن صالح قوله إن «صندوق النقد الدولي قدر الاحتياطيات الإجمالية للعراق بنحو 79.2 مليار دولار لعام 2026، وفقاً لتقديراته المنشورة عام 2025، بما يعادل نحو 9.6 أشهر من واردات السلع والخدمات»، مبيناً أن الاحتياطيات الأجنبية للعراق تلامس حالياً هذا المستوى.

وأضاف أن «تغطية أكثر من ستة أشهر من الواردات تعد، وفق مؤشر كفاءة الاحتياطيات، مستوى آمناً نسبياً»، لافتاً إلى أن «الانخفاض المسجل في الاحتياطيات خلال العام الحالي يستدعي مزيداً من الحذر والمتابعة، ليس بسبب بلوغها مستوى حرجاً، وإنما خشية استمرار الاتجاه النزولي بما قد يقلل من هامش الأمان مستقبلاً».

وأوضح صالح أن «الاحتياطيات الأجنبية تؤدي دوراً محورياً في دعم استقرار سعر صرف الدينار العراقي، وتمثل خط الدفاع الرئيس أمام الضغوط على العملة، من خلال قدرة البنك المركزي على توفير الدولار وتلبية الطلب المشروع عليه، بما يسهم في حماية الاستقرار والنمو الكلي».

وأشار إلى أن «الاعتماد الكبير على إيرادات النفط يبقى أحد أبرز مصادر المخاطر، إذ إن أي انخفاض في الإيرادات النفطية يؤدي إلى تراجع الإيرادات الحكومية وتدفقات النقد الأجنبي، الأمر الذي قد يزيد الضغط على الاحتياطيات واستقرار سعر الصرف».

وتابع صالح أن «الحل المستدام يتمثل في ضبط الإنفاق الحكومي، ولا سيما النفقات الجارية، وتنمية الإيرادات غير النفطية، إلى جانب استخدام أدوات السياسة النقدية لإدارة السيولة والحفاظ على الاستقرار النقدي».


المستثمرون يرحبون بتشدد وارش بشأن التضخم... ويترقبون قرار الفائدة

متداول يعمل بينما تبث الشاشات مؤتمراً صحافياً لوارش عقب إعلان سعر الفائدة في يوليو (رويترز)
متداول يعمل بينما تبث الشاشات مؤتمراً صحافياً لوارش عقب إعلان سعر الفائدة في يوليو (رويترز)
TT

المستثمرون يرحبون بتشدد وارش بشأن التضخم... ويترقبون قرار الفائدة

متداول يعمل بينما تبث الشاشات مؤتمراً صحافياً لوارش عقب إعلان سعر الفائدة في يوليو (رويترز)
متداول يعمل بينما تبث الشاشات مؤتمراً صحافياً لوارش عقب إعلان سعر الفائدة في يوليو (رويترز)

رحب المستثمرون بإشارات رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كيفين وارش، بشأن عزمه كبح التضخم المرتفع، لكنهم ظلوا في الوقت نفسه يبحثون عن مزيد من الوضوح بشأن الكيفية التي سيتعامل بها البنك المركزي مع المتغيرات الاقتصادية خلال الأشهر المقبلة، بعدما اكتفى وارش في خطابه المرتقب في جاكسون هول بتقديم إشارات متشددة دون تحديد مسار واضح لأسعار الفائدة.

وفي أول خطاب رئيسي له منذ توليه رئاسة «الفيدرالي»، قال وارش إن البنك المركزي «لا يزال أمامه عمل يتعين إنجازه» إذا لم يثق صانعو السياسة في أن التضخم الأساسي يتحرك عائداً إلى مستهدفه البالغ 2 في المائة. كما أشار إلى أن الأوضاع المالية لا تبدو مقيدة بالقدر الكافي، في إشارة عززت توقعات المستثمرين بأن رفع أسعار الفائدة قد يكون مطروحاً للحد من ضغوط الأسعار.

وقال فيل بلانكاتو، كبير استراتيجيي الأسواق لدى «أوسايك»، إن وارش كان «أكثر وضوحاً بالتأكيد مما كان عليه في يوليو (تموز)»، مضيفاً أن المستثمرين باتوا يملكون فهماً أفضل للمستوى الذي يريد وارش أن يصل إليه التضخم، لكنهم لا يزالون يفتقرون إلى إرشادات كافية بشأن مزيج بيانات التضخم وسوق العمل التي ستدفع «الفيدرالي» إلى التحرك، وفق «رويترز».

وارش لدى وصوله إلى ندوة «جاكسون هول» في موران - وايومنغ (أ.ب)

خطاب متشدد يغيّر حسابات الأسواق

أظهرت تحركات الأسواق قراءة متشددة لخطاب وارش؛ إذ ارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الذي يتحرك عادة بالتوازي مع توقعات أسعار الفائدة، إلى 4.34 في المائة، وهو أعلى مستوى له في شهر.

واستقر عائد السندات لأجل 30 عاماً عند نحو 5.19 في المائة، بعدما ارتفع أخيراً إلى أعلى مستوى له في نحو 20 عاماً، ما أثار قلق المستثمرين قبل خطاب رئيس «الفيدرالي».

وقال سايروس أميني، كبير مسؤولي الاستثمار لدى «هايفن ويلث مانجمنت»، إن خطاب وارش من شأنه تهدئة بعض القلق في سوق السندات، لأنه قدم صورة أوضح لموقف «الفيدرالي» من التضخم وضرورة إعادته إلى مستهدفه بسرعة كافية.

وفي سوق الأسهم، تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنحو 0.3 في المائة، بينما واصل الدولار مكاسبه أمام سلة من العملات، في انعكاس لتقييم المستثمرين للرسالة الأكثر تشدداً التي حملها الخطاب.

متداولون في بورصة نيويورك (أ.ب)

رهانات رفع الفائدة ترتفع

يأتي ذلك في وقت ظل فيه التضخم الأميركي أعلى من مستهدف «الفيدرالي» البالغ 2 في المائة لعدة سنوات. وأظهرت بيانات صدرت هذا الأسبوع ارتفاع مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، الذي يعتمد عليه البنك المركزي في قياس التضخم، بنسبة 3.7 في المائة خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في يوليو.

وبعد خطاب وارش، ارتفعت رهانات المتعاملين على رفع أسعار الفائدة خلال اجتماع «الفيدرالي» المقرر في سبتمبر (أيلول). وأظهرت العقود الآجلة للأموال الفيدرالية احتمالاً يبلغ 57 في المائة لرفع الفائدة في الاجتماع المقبل، مقارنة مع 35 في المائة قبل الخطاب، وفق بيانات «إل إس إي جي».

وقال كريس غانستر، رئيس الدخل الثابت لدى «فيليدس كابيتال»، إن وارش كان أكثر تشدداً مما كانت تتوقعه الأسواق.

لكن ذلك لم يكن كافياً لإقناع جميع المستثمرين بأن رفع الفائدة في سبتمبر أصبح أمراً محسوماً.

وقال مايكل أرون، كبير استراتيجيي الاستثمار لدى «ستيت ستريت إنفستمنت مانجمنت»، إنه لا يزال يرى مساحة واسعة أمام وارش للتحرك، مضيفاً أنه لم يقتنع بعد بأن «الفيدرالي» سيرفع أسعار الفائدة في الاجتماع المقبل.

المستثمرون يريدون معرفة «دالة رد الفعل»

يتمثل السؤال الرئيسي بالنسبة للمستثمرين الآن في كيفية ترجمة رؤية وارش للتضخم والنشاط الاقتصادي إلى قرارات فعلية بشأن الفائدة.

وقال كارل شوماتا، كبير استراتيجيي الأسواق لدى شركة المدفوعات «كورباي»، إن تصريحات وارش ينبغي النظر إليها باعتبارها محاولة للرد على الانتقادات التي واجهها بعد مؤتمريه الصحافيين الأولين.

وأضاف أن وارش قلص مساحة الغموض حول مستهدف «الفيدرالي» للتضخم، وشدد على دور أسعار الفائدة قصيرة الأجل في نقل أثر السياسة النقدية إلى الاقتصاد، كما تجنب الإيحاء بأن البنك المركزي يعتمد على الأسواق للقيام بالمهمة نيابة عنه.

لكن بعض المستثمرين رأوا أن الخطاب لم يذهب بعيداً بما يكفي في شرح ما يعرف بـ«دالة رد الفعل»؛ أي المعايير التي سيعتمد عليها «الفيدرالي» لتحديد توقيت وحجم تحركه.

وقال سونو فارغيز، الاستراتيجي العالمي للاقتصاد الكلي لدى «كارسون غروب»، إن وارش أقر بأن الاقتصاد «يسير بوتيرة قوية»، لكنه ظل متحفظاً بشأن كيفية تهدئة النشاط الاقتصادي، مضيفاً أنه كان يفضل الحصول على تفسير أكبر بشأن الطريقة التي يتفاعل بها «الفيدرالي» مع البيانات.

الأنظار إلى البيانات المقبلة

مع بقاء قرار سبتمبر مفتوحاً، يتحول اهتمام المستثمرين الآن إلى سلسلة من البيانات الاقتصادية الأميركية التي ستحدد إلى حد كبير اتجاه توقعات السياسة النقدية.

وتتجه الأنظار بصورة خاصة إلى تقرير الوظائف الشهري المقرر صدوره الأسبوع المقبل، يليه تقرير مؤشر أسعار المستهلكين في الأسبوع التالي؛ إذ ستوفر البيانات الجديدة مؤشرات مهمة بشأن مسار التضخم وقوة سوق العمل.

وقال شوماتا إن أهمية تقريري الوظائف والتضخم المقبلين أصبحت «مرتفعة جداً»، في ظل سعي المستثمرين إلى تحديد ما إذا كانت لهجة وارش المتشددة ستتحول إلى رفع فعلي لأسعار الفائدة في سبتمبر.

وبذلك، نجح خطاب وارش في منح الأسواق قدراً أكبر من الوضوح بشأن موقفه من التضخم، لكنه لم يبدد بالكامل حالة عدم اليقين بشأن مسار السياسة النقدية. وبينما رفعت الأسواق رهاناتها على رفع الفائدة، لا يزال المستثمرون ينتظرون ما هو أكثر من الإشارات الكلامية: بيانات اقتصادية قوية بما يكفي لتحديد الخطوة المقبلة لـ«الفيدرالي».