الذكاء الاصطناعي يفتح سوقاً جديدة أمام شركات التقنية السعودية

إيرادات القطاع ترتفع 14.7 % إلى 3.46 مليار دولار خلال النصف الأول

عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح وأيدٍ روبوتية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح وأيدٍ روبوتية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

الذكاء الاصطناعي يفتح سوقاً جديدة أمام شركات التقنية السعودية

عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح وأيدٍ روبوتية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح وأيدٍ روبوتية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

لم تعد شركات التقنية السعودية تكتفي بمواكبة التحول الرقمي، بل بدأت تستفيد من موجة جديدة يقودها الإنفاق على الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية، وهو ما انعكس على نتائج الشركات المدرجة خلال النصف الأول من 2026.

فقد حققت شركات قطاع التطبيقات وخدمات التقنية المدرجة في السوق المالية السعودية إيرادات بلغت 12.99 مليار ريال (3.46 مليار دولار) خلال النصف الأول، بزيادة 14.7 في المائة عن الفترة المماثلة من العام الماضي، بينما ارتفع صافي أرباحها 4.73 في المائة إلى 2.14 مليار ريال (570 مليون دولار).

ويضم القطاع 7 شركات مدرجة، 6 منها تنتهي سنتها المالية في ديسمبر (كانون الثاني)، بينما تنتهي السنة المالية لشركة «عزم السعودية» في 30 يونيو (حزيران)، ونجحت 5 من شركات القطاع في تحقيق صافي أرباح خلال النصف الأول من 2026، وهي: «علم»، و«سلوشنز»، و«توبي»، و«المعمر»، «دي بي إس»، في حين سجلت شركة «بحر العرب» خسائر فصلية مع نهاية النصف الأول من 2026.

وسجلت شركة «سلوشنز» أعلى الإيرادات بين شركات القطاع، محققةً إيرادات بنحو 6.24 مليار ريال خلال النصف الأول من 2026 وبنمو 9 في المائة، عن الفترة المماثلة من العام السابق، كما حققت صافي أرباح خلال النصف الأول من 2026 بـ824 مليون ريال بنمو بلغ 2.1 في المائة عن العام السابق.

وحلَّت شركة «علم» في المرتبة الثانية من حيث أعلى إيرادات، إذ بلغت إيراداتها 4.99 مليار ريال، محققةً نمواً سنوياً وصل إلى 21.1 في المائة، كما تجاوزت أرباحها 1.17 مليار ريال، بنمو قدره 7.7 في المائة، مقارنةً بالنصف الأول من العام الماضي.

كما جاءت شركة «المعمر»، ثالثاً في أعلى إيرادات بين شركات القطاع، وبنسبة نمو 28.2 في المائة، لتصعد إيراداتها إلى 910 ملايين ريال، مقابل إيرادات بلغت 709 مليون ريال، كما وصلت أرباحها خلال النصف الأول من 2026 إلى 55.6 مليون ريال، رغم انخفاضها بنسبة 15.85 في المائة عن الفترة المماثلة من العام الماضي، والذي تجاوزت أرباحها 66.13 مليون ريال.

جناح «إم آي إس» في معرض «بلاك هات 2024» بالرياض (موقع الشركة الإلكتروني)

وعلى مستوى نتائج الربع الثاني، انخفضت صافي الأرباح الفصلية لشركات للقطاع بنسبة 4.77 في المائة، لتبلغ 1.058 مليار ريال، مقابل تحقيقها لأرباح بلغت 1.112 مليار ريال في الربع الثاني من 2025، في حين حققت ارتفاعاً بالإيرادات خلال الربع الثاني من 2026 بنسبة 15.98 في المائة، لتصل أرباحها إلى 6.77 مليار ريال، مقابل 5.84 مليار ريال بالربع نفسه من العام الماضي.

استمرار التحول الهيكلي

وفي تعليق على النتائج المالية لشركات القطاع، قال الرئيس التنفيذي لشركة «جي وورلد»، محمد حمدي عمر، لـ«الشرق الأوسط»، إن نمو الإيرادات بنسبة 14.7 في المائة يؤكد استمرار التحول الهيكلي في الاقتصاد السعودي نحو نموذج أكثر اعتماداً على التقنية والبيانات والخدمات الرقمية.

وأوضح أن هذه النتائج تعكس أداء 6 شركات مدرجة ذات سنوات مالية منتظمة، ولا تمثل قياساً لكامل سوق التقنية السعودية، لكنها تظل مؤشراً مهماً إلى اتجاهات القطاع. ويتسق ذلك مع الصورة الأوسع للسوق، إذ بلغ حجم قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات في المملكة نحو 199 مليار ريال بنهاية 2025، مسجلاً معدل نمو سنوياً مركباً قدره 8 في المائة خلال السنوات الخمس الماضية، وفق تقارير هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية.

وأضاف عمر أن نمو إيرادات القطاع يستند إلى ثلاثة محركات رئيسية، يأتي في مقدمتها استمرار توسع الإنفاق الحكومي والمؤسسي على التحول الرقمي، وما يرتبط به من مشروعات البنية التحتية التقنية، والخدمات المدارة، والحوسبة السحابية، والأمن السيبراني، وتطوير المنصات الرقمية وتشغيلها. ويظهر هذا الاتجاه بوضوح في نتائج الشركات؛ إذ ارتفعت إيرادات الخدمات الأساسية للاتصالات وتقنية المعلومات لدى «سلوشنز» بنسبة 19.6 في المائة خلال النصف الأول، وقد نمت إيرادات الأعمال الرقمية لدى «علم» بنسبة 22.31 في المائة.

بينما المحرك الثاني هو اتساع الاعتماد على الخدمات والمنصات الرقمية داخل الاقتصاد السعودي، سواء من الجهات الحكومية أو الشركات أو الأفراد، بما يرفع الطلب على الأنظمة الرقمية والخدمات التشغيلية المستمرة ويعزز نماذج الإيرادات المتكررة، وتدعم البنية الرقمية السعودية هذا الاتجاه، مع وصول انتشار الإنترنت إلى مستويات شبه شاملة، وارتفاع استهلاك البيانات، وتسارع تبني أدوات الذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية.

أما المحرك الثالث، والذي سيصبح أكثر تأثيراً خلال المرحلة المقبلة، فهو الاستثمار في البنية التحتية للبيانات والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، فالسوق تتحرك تدريجياً من مجرد شراء البرمجيات والحلول التقنية إلى الاستثمار في قدرات الحوسبة والاستضافة ومعالجة البيانات والبنية التحتية اللازمة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يفتح طبقة جديدة من الطلب أمام شركات التقنية المحلية.

وأضاف عمر أن أداء الشركات يكشف عن تباين واضح في نماذج النمو داخل القطاع، حيث تظل شركتا «سلوشنز» و«علم» القوتين الأكبر من حيث الإيرادات والأرباح، وتوفران قاعدة قوية ومستقرة للقطاع. وفي المقابل، تقدم الشركات الأصغر صورة مختلفة؛ فـ«المعمر» سجَّلت نمواً قوياً في الإيرادات خلال النصف الأول بلغ 28.2 في المائة، لكن أرباحها انخفضت 15.85 في المائة، وهو ما يعكس أهمية ضبط الهوامش أثناء النمو. أما «توبي»، فقد سجَّلت نمواً في الأرباح، بينما نجحت «بحر العرب» في التحول إلى الربحية خلال الربع الثاني، رغم استمرارها في تسجيل خسارة محدودة على مستوى النصف الأول.

وشرح أنه من التطورات المهمة، ترسية شركة «المعمر» عقد خدمات استضافة مراكز بيانات مع شركة المستقبل للذكاء الاصطناعي «هيوماين»، بقيمة تزيد على 30 في المائة من إجمالي إيرادات المعمر لعام 2025 شاملة ضريبة القيمة المضافة، وهذه الترسية تحمل أهمية تتجاوز الشركة نفسها؛ لأنها تعكس حجم الطلب الذي بدأت تخلقه استثمارات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات على الشركات المحلية القادرة على بناء وتشغيل البنية التحتية الرقمية، وقد يكون ذلك عامل جذب لاستثمارات إضافية ودخول لاعبين جدد أو توسع لاعبين قائمين خلال السنوات المقبلة.

ويتوقع عمر أن يستمر زخم الإيرادات في قطاع التطبيقات وخدمات التقنية، خلال النصف الثاني من 2026، مدعوماً باستمرار الإنفاق على التحول الرقمي ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والخدمات المدارة، غير أن التحدي الحقيقي أمام الشركات لن يكون الحصول على الإيرادات فقط، وإنما جودة هذه الإيرادات وقدرتها على التحول إلى تدفقات نقدية وهوامش ربحية مستدامة.

أضاف أن إدارة تكاليف المشروعات، والمحافظة على الكفاءات التقنية، وضبط المصروفات التشغيلية، وإدارة رأس المال العامل وتكاليف التمويل، والقدرة على تنفيذ العقود الكبرى بكفاءة، ستكون من أهم العوامل التي ستفصل بين الشركات التي تحقق نمواً في الإيرادات وتلك التي تستطيع تحويل هذا النمو إلى قيمة مستدامة للمساهمين.

كما يتوقع أن تشهد الفترة القادمة، مزيداً من الاستحواذات وعمليات الاندماج داخل القطاع، مستشهداً باستحواذ عِلم الكامل على شركة ثقة لخدمات الأعمال في أبريل (نيسان) 2025 مقابل صفقة بلغت قيمتها نحو 3.4 مليار ريال، حيث يرى أن ذلك يمثل نموذجاً واضحاً للتوجه نحو النمو غير العضوي وتوسيع نطاق القدرات والخدمات الرقمية، بالإضافة إلى ما أشارت إليه شركة عِلم في استهداف أن تسهم الاستحواذات على نحو 20 في المائة من دخل الشركة خلال السنوات الخمس المقبلة، وهو ما يعزز احتمالية استمرار نشاط الاستحواذات داخل القطاع.


مقالات ذات صلة

السوق السعودية تغلق مرتفعة 0.25 % وسط تداولات بـ5.7 مليار ريال

الاقتصاد مستثمر يتابع شاشات التداول في السوق السعودية (رويترز)

السوق السعودية تغلق مرتفعة 0.25 % وسط تداولات بـ5.7 مليار ريال

أنهى مؤشر السوق الرئيسية السعودية «تاسي» جلسة الأربعاء مرتفعاً بنسبة 0.25 في المائة، ليغلق عند 11259 نقطة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مستثمر يتابع شاشات التداول في «السوق السعودية» (أ.ف.ب)

ماذا تعني خطوة السعودية نحو تطوير سوق المشتقات المالية؟

تسعى السعودية إلى نقل سوق المشتقات المالية من مرحلة إطلاق المنتجات إلى مرحلة أكثر نضجاً، عبر خفض تكلفة التداول، وتعزيز دور صناع السوق.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص أحد المصانع في السعودية (واس)

خاص شركات التقنية المالية تفتح مسارات جديدة لتمويل الصناعة السعودية

يشهد التمويل الموجه إلى المشروعات الصناعية في السعودية توسعاً في قنواته، مع تنامي دور شركات التقنية المالية في توفير حلول تمويلية للمنشآت الصناعية.

ساره بن شمران (الرياض)
خاص  تسعى «روبلوكس» لتعزيز حضورها الإبداعي والتفاعلي في السعودية (الشرق الأوسط)

خاص «روبلوكس» العالمية تختار الرياض مقراً إقليمياً للشرق الأوسط وشمال أفريقيا

اختارت شركة «روبلوكس» العالمية العاصمة السعودية الرياض لتأسيس مقرها الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

مساعد الزياني (الرياض)
الاقتصاد مستثمران يتابعان تحركات الأسهم في السوق السعودية (أ.ف.ب)

الأسهم الخليجية مستقرة في التعاملات المبكرة وسط تراجع أسعار النفط

تباين أداء أسواق الأسهم الخليجية في التعاملات المبكرة اليوم (الأربعاء)، متأثرة بتراجع أسعار النفط.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

السوق السعودية تغلق مرتفعة 0.25 % وسط تداولات بـ5.7 مليار ريال

مستثمر يتابع شاشات التداول في السوق السعودية (رويترز)
مستثمر يتابع شاشات التداول في السوق السعودية (رويترز)
TT

السوق السعودية تغلق مرتفعة 0.25 % وسط تداولات بـ5.7 مليار ريال

مستثمر يتابع شاشات التداول في السوق السعودية (رويترز)
مستثمر يتابع شاشات التداول في السوق السعودية (رويترز)

أنهى مؤشر السوق الرئيسية السعودية «تاسي» جلسة الأربعاء مرتفعاً بنسبة 0.25 في المائة، ليغلق عند 11259 نقطة، وسط تداولات بلغت قيمتها الإجمالية نحو 5.7 مليار ريال.

وسجل المؤشر خلال الجلسة أعلى مستوى عند 11286 نقطة، فيما بلغ أدنى مستوى له عند 11208 نقاط.

وقاد سهم «عناية» مكاسب السوق، مرتفعاً بنسبة 9.94 في المائة إلى 11.17 ريال، تلاه سهم «أمانة للتأمين» بارتفاع 9.92 في المائة إلى 8 ريالات.

كما ارتفعت أسهم «فيبكو» إلى 36.4 ريال، و«أنابيب السعودية» إلى 51.7 ريال، و«أسيج» إلى 8.7 ريال، بنسب تراوحت بين 5.5 و5.4 في المائة.

وعلى مستوى القطاعات، قاد قطاع «الخدمات المالية» الارتفاعات، بنمو 2.50 في المائة، بدعم من صعود سهم «دراية» بنسبة 4.14 في المائة، وسهم «مجموعة تداول» بنسبة 3.85 في المائة إلى 135 ريالاً.

وفي المقابل، تصدر سهم «بان» قائمة الأسهم الأكثر انخفاضاً، متراجعاً بنسبة 4.1 في المائة إلى 2.1 ريال. وانخفضت أسهم «بترو رابغ» إلى 17.4 ريال، و«مرافق» إلى 43 ريالاً، و«طباعة وتغليف» إلى 8.2 ريال، و«إم آي سي» إلى 311 ريالاً، بنسب تراوحت بين 3.5 و3.1 في المائة.


عمال الصين يتطلعون إلى أوروبا ضد «ثقافة 996»

عمال في مصنع للأغذية الجاهزة بمدينة بينغجيانغ وسط الصين (أ.ف.ب)
عمال في مصنع للأغذية الجاهزة بمدينة بينغجيانغ وسط الصين (أ.ف.ب)
TT

عمال الصين يتطلعون إلى أوروبا ضد «ثقافة 996»

عمال في مصنع للأغذية الجاهزة بمدينة بينغجيانغ وسط الصين (أ.ف.ب)
عمال في مصنع للأغذية الجاهزة بمدينة بينغجيانغ وسط الصين (أ.ف.ب)

تكتسب المواجهة التجارية بين الصين والاتحاد الأوروبي بُعداً جديداً يتجاوز الرسوم الجمركية والدعم الحكومي والطاقة الإنتاجية الفائضة، ليصل إلى ظروف العمل داخل المصانع والشركات الصينية. والمفارقة أن بعض العمال الصينيين بدأوا ينظرون إلى التشريعات الأوروبية بوصفها أداة ضغط يمكن أن تساعدهم على مواجهة ساعات العمل الطويلة، حتى لو أدى تطبيقها إلى زيادة الضغوط على المصدِّرين الصينيين.

وتظهر هذه الظاهرة في وقت تستعد فيه بكين وبروكسل لمحادثات تجارية حساسة، بعدما منح الاتحاد الأوروبي الصين مهلة حتى أكتوبر (تشرين الأول) لمعالجة اختلالات تجارية يقول إنها تضر بالصناعات الأوروبية وتتسبب في فقدان الوظائف. وسجّل الاتحاد الأوروبي العام الماضي عجزاً تجارياً مع الصين يعادل نحو مليار دولار يومياً.

وتربط بروكسل جانباً من المشكلة بضعف الطلب المحلي الصيني، الذي يعكس بدوره تباطؤ الأجور وعدم كفاية الحماية الاجتماعية والعمالية. فمن وجهة النظر الأوروبية، يؤدي ضعف الاستهلاك إلى تقليص الطلب الصيني على الواردات، فيما تدفع الطاقة الإنتاجية الضخمة الشركات المحلية إلى تصريف مزيد من منتجاتها في الخارج بأسعار يصعب على المنتجين الأوروبيين منافستها.

لكن النقاش بدأ يأخذ منحى أكثر حساسية مع دخول ظروف العمل نفسها في معادلة القدرة التنافسية.

فقد أثار قانون الاتحاد الأوروبي بشأن العمل القسري، الذي اعتُمد عام 2024 ومن المقرر أن يدخل حيز التنفيذ في ديسمبر (كانون الأول) 2027، اهتماماً متزايداً على منصات التواصل الاجتماعي الصينية. ويحظر القانون دخول السلع المنتجة باستخدام العمل القسري أو غير الطوعي إلى السوق الأوروبية، بما في ذلك الحالات المرتبطة بساعات العمل الإضافية المفرطة.

«996» تحت المجهر

يلامس التشريع الأوروبي واحدة من أكثر القضايا إثارةً للجدل في سوق العمل الصينية، وهي ما تُعرف بـ«ثقافة 996»، أي العمل من التاسعة صباحاً إلى التاسعة مساءً، ستة أيام أسبوعياً.

وتُظهر البيانات الرسمية اتساع الفجوة بين التشريعات والممارسة الفعلية؛ إذ يعمل الصينيون أكثر من 48 ساعة أسبوعياً في المتوسط، مقارنةً بالحد القانوني البالغ 44 ساعة.

وقد أعادت التوترات التجارية هذه القضية إلى منصات التواصل. وحصد منشور على منصة «ريد نوت» الصينية نحو 3 آلاف إعجاب بعدما أيَّد صاحبه تحرك الاتحاد الأوروبي ضد العمل القسري، قبل حذف المنشور. ولم يكتفِ مستخدمون بالتأييد، بل تبادلوا معلومات بشأن كيفية تقديم شكاوى إلى السلطات الأوروبية.

وعلى منصة «دوين»، النسخة الصينية من «تيك توك»، تجاوزت مشاهدات مقاطع تحمل وسوماً مرتبطة بـ«موقع الإبلاغ في الاتحاد الأوروبي» و«إجراءات الإبلاغ» 200 ألف مشاهدة، فيما حصد أحد المقاطع التي تشرح عملية تقديم الشكوى أكثر من 5400 إعجاب و714 مشاركة.

ولا تعني هذه الأرقام حتى الآن أن أوروبا تواجه موجة واسعة من الشكاوى الصينية. وقال مصدر في المفوضية الأوروبية إن الجهات المختصة تلقَّت ادعاءات غير رسمية بانتهاكات عمالية، من بينها العمل الإضافي المفرط، لكنها لم تسجل زيادة ملحوظة في الشكاوى مؤخراً... لكن الأهمية الاقتصادية للظاهرة تكمن في الرسالة التي تحملها.

وقال مينغوي ليو، مدير مركز العمل والتوظيف العالمي في جامعة روتجرز، إن بعض العمال اكتشفوا أن الشركات التي قد لا تكترث كثيراً بنزاع محلي فردي حول العمل الإضافي يمكن أن تصبح أكثر اهتماماً عندما تواجه خطر فقدان الوصول إلى الأسواق الغربية. وهذا يحوّل قواعد التجارة الخارجية، نظرياً، إلى وسيلة ضغط عمالية داخلية.

عندما تختلف مصالح العامل والمصدّر

وتكشف المناقشات أيضاً عن فجوة محتملة بين مصالح الشركات المصدرة ومصالح موظفيها. فنجاح المصدر في خفض التكلفة وزيادة ساعات الإنتاج لا يعني بالضرورة أن العامل يرى النتيجة بالطريقة نفسها.

وقال شياو تشيانغ، مؤسس «تشاينا ديجيتال تايمز»، إن ظهور مثل هذه المناقشات يشير إلى أن بعض الصينيين لا يعدون مصالح المصدرين مطابقة بالضرورة للمصلحة الوطنية. والأكثر لفتاً للنظر هو الربط المباشر بين شكاوى العمل المحلية وآليات إنفاذ قوانين أجنبية.

وهذه نقطة حساسة بالنسبة إلى نموذج النمو الصيني، فإذا أصبحت معايير العمل جزءاً متزايداً من شروط الوصول إلى الأسواق الغربية، فلن يعود بإمكان الشركات المنافسة فقط عبر السعر والإنتاجية وسلاسل التوريد، بل ستحتاج أيضاً إلى إثبات التزام مورديها بمعايير العمل.

وقد يرفع ذلك تكاليف الامتثال على المصدرين، خصوصاً في الصناعات كثيفة العمالة، ويجبر الشركات على تحسين أنظمة تسجيل ساعات العمل والأجور والتدقيق في الموردين.

والخطر الأكبر بالنسبة إلى بكين هو تحول ضعف حماية العمال من مشكلة اجتماعية داخلية إلى مبرر لقيود تجارية خارجية.

وفي الولايات المتحدة، قالت إدارة الجمارك وحماية الحدود إن الأدلة على وجود «ساعات عمل إضافية مفرطة ومنهجية وغير مدفوعة الأجر» يمكن أن تؤدي إلى تحقيقات في سلاسل التوريد. كما ناقش مستخدمون صينيون إمكانية اللجوء إلى الآليات الأميركية، وليست الأوروبية فقط.

وكان لو مينغ، عضو المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني، قد حذر في مارس (آذار) من هذه المشكلة، داعياً إلى تعزيز حماية العمال. وأشار إلى أن الدول الأخرى قد تنظر إلى القدرة السعرية التنافسية للمنتجات الصينية بوصفها ناتجة جزئياً عن العمل المفرط وتدني مستويات المعيشة، بما قد يتحول إلى حواجز تجارية فعلية. وهنا تصبح حماية العمال جزءاً من السياسة الصناعية والتجارية، وليس مجرد ملف اجتماعي.

وبالنسبة إلى الصين، قد يكون تحسين الأجور وتقليص ساعات العمل المفرطة مكلفاً للشركات على المدى القصير، لكنه يحمل فائدة اقتصادية أوسع، إذ إن زيادة دخل الأسر ووقت الفراغ يمكن أن يدعما الاستهلاك المحلي، وهو بالضبط أحد الاختلالات التي تطالب أوروبا بكين بمعالجتها.

لذلك تكشف قضية «996» عن معادلة أعمق في النزاع التجاري الصيني - الأوروبي، فبروكسل تريد تقليص الاختلالات وحماية صناعاتها، والعمال يريدون ظروفاً أفضل، بينما تحتاج بكين إلى الحفاظ على تنافسية صادراتها وتحفيز الاستهلاك في آن واحد.

ومع اقتراب المحادثات التجارية، قد تكتشف الصين أن ملف العمل لم يعد شأناً داخلياً بالكامل. فالمنافسة العالمية تتحول تدريجياً من سؤال «بأي سعر صُنعت السلعة؟» إلى سؤال أكثر تعقيداً هو «كيف، وتحت أي ظروف، صُنعت؟».


الاقتصاد الأميركي ينمو 1.5 % في الربع الثاني رغم قوة إنفاق المستهلكين

البيت الأبيض (أ.ب)
البيت الأبيض (أ.ب)
TT

الاقتصاد الأميركي ينمو 1.5 % في الربع الثاني رغم قوة إنفاق المستهلكين

البيت الأبيض (أ.ب)
البيت الأبيض (أ.ب)

نما الاقتصاد الأميركي بمعدل سنوي قدره 1.5 في المائة خلال الربع الثاني من 2026، من أبريل (نيسان) إلى يونيو (حزيران)، وفق تقديرات حكومية، في وقت ظل فيه إنفاق المستهلكين قوياً وداعماً للنمو.

وتباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي من 2.1 في المائة في الربع الأول، متأثراً بارتفاع الواردات، بينما ارتفع إنفاق المستهلكين بمعدل سنوي بلغ 3.2 في المائة، مقارنة بـ0.5 في المائة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام.

وتأتي البيانات في وقت يترقب فيه المستثمرون مؤشرات التضخم ومسار أسعار الفائدة، مع بقاء التضخم فوق هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة.