«نأكل حتى لا نموت»... يوميات الجوع في السودان

سعر الصرف المنخفض وتآكل الدخول والخدمات تدفع الملايين لحافة الفناء

نساء وأطفال في طوابير لتلقي مساعدات غذائية مجانية تُوزع في مخيم للنازحين قرب مدينة الأُبيّض بشمال كردفان 29 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
نساء وأطفال في طوابير لتلقي مساعدات غذائية مجانية تُوزع في مخيم للنازحين قرب مدينة الأُبيّض بشمال كردفان 29 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
TT

«نأكل حتى لا نموت»... يوميات الجوع في السودان

نساء وأطفال في طوابير لتلقي مساعدات غذائية مجانية تُوزع في مخيم للنازحين قرب مدينة الأُبيّض بشمال كردفان 29 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
نساء وأطفال في طوابير لتلقي مساعدات غذائية مجانية تُوزع في مخيم للنازحين قرب مدينة الأُبيّض بشمال كردفان 29 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

استيقظت «نهلة خليفة» صباح 15 أبريل (نيسان) 2023 على أصوات المدافع في أم درمان، هي لم تكن تعرف أن الحرب التي دفعتها مع أطفالها الخمسة إلى الاختباء تحت الأسرّة والطاولات، ستغير حتى أبسط تفاصيل حياتهم «الطعام، الماء، العلاج».

في الأيام الأولى، عاشت أسرة نهلة على ما تبقى من مؤونة رمضان، الشهر الذي اندلعت فيه الحرب، لكنها لم تكن مؤونة كبيرة، فالضائقة الاقتصادية كانت قد سبقت الحرب بسنوات، والرواتب لم تكن تكفي احتياجات كثير من الأسر.

نأكل حتى لا نموت

دفعت الضائقة المتطاولة معظم السودانيين إلى الاعتياد على تقليص الطعام إلى وجبتين يومياً، ومع امتداد القتال واشتداده، نفد الخزين وتحول الخبز اليابس وقليل من العدس أو الفول الذي توفره «التكية» إلى الوجبة الأساسية.

تقول نهلة لـ«الشرق الأوسط»: «كنا نأكل فقط حتى لا نموت جوعاً، فقد اختفت اللحوم والحليب والخضراوات والفواكه من المنزل، وأصبح كوب الشاي نفسه ترفاً، فيما نام أطفالي ليالي كثيرة جائعين وخائفين، وتدهورت صحة زوجي المصاب بالسكري مع نقص الطعام، وصعوبة الحصول على العلاج».

وبعد أكثر من ثلاثة أعوام، لم تعد قصة نهلة مجرد أثر من آثار الأيام الأولى للحرب، فقد تحول نقص الغذاء إلى أزمة واسعة تتغذى على استمرار القتال وانهيار الجنيه وفقدان مصادر الدخل وتراجع الخدمات.

انهيار الجنيه

تجاوز سعر صرف الجنيه السوداني حاجز 6000 جنيه في السوق الموازية خلال الأيام الماضية، مقابل أسعار تراوحت بين 3500 و4000 جنيه في صرافات البنوك.

يقول تاجر عملة لـ«الشرق الأوسط» إن هبوط الجنيه إلى هذه المستويات انعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية، في وقت تآكلت فيه دخول المواطنين بصورة غير مسبوقة.

وحسب الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الناير، حافظ سعر صرف الجنيه على استقرار نسبي خلال نحو الثلاثة أشهر الماضية، بسعر صرف يتراوح بين 5500 و5800 جنيه للدولار، قبل أن يعاود التراجع هذا الأسبوع.

يقول الناير لـ«الشرق الأوسط» إن التضخم والفقر والبطالة، وتدهور سعر الصرف نتائج متوقعة لاقتصاد يعيش حرباً، لكنه يرى أن انحسار القتال في مناطق محددة سمح لبعض الأنشطة بالعودة تدريجياً.

ويربط الناير بين أي تحسن مستدام للجنيه بالسيطرة على موارد الذهب بقوله: «الإنتاج الرسمي المعلن للذهب بلغ العام الماضي نحو 70 طناً، في حين لم تتجاوز الصادرات المعلنة 20 طناً»، ويرى أن الحد من التهريب واحتفاظ البنك المركزي بجزء من الإنتاج بوصفه احتياطياً يمكن أن يدعم العملة، فيما يحذر من اتساع الفجوة بين سعر البنوك والسوق الموازية، وتأثيراتها على تحويلات المغتربين.

الأزمة مزمنة

يرى أستاذ الاقتصاد والتمويل في جامعة الخرطوم، إبراهيم أحمد أونور، أن المشكلة أعمق من حركة السوق نفسها، ويعزو استمرار تدهور الجنيه إلى غياب سياسة نقدية فاعلة وضعف التنسيق بينها وبين السياسة المالية.

ويقول أونور لـ«الشرق الأوسط» إن محدودية أدوات البنك المركزي تركت سعر الصرف عرضة لمضاربات السوق الموازية، بينما لم تستثمر موارد الذهب بالقدر المطلوب لدعم العملة وتمويل استيراد القمح والوقود والأدوية.

ويدعو أونور إلى إعادة هيكلة القطاع المصرفي، وإعادة تقييم أصول البنوك ورفع رؤوس أموالها أو دمج المتعثر منها، محذراً كذلك من أن غياب رؤية موحدة للسياسات النقدية والمالية سيبقي الضغط على الجنيه قائماً.

تجليات الأزمة

ما يقوله الاقتصاديون بالأرقام يظهر في الأسواق بصورة أبسط وأكثر قسوة، يقول صاحب البقالة إبراهيم إدريس لـ«الشرق الأوسط»، إن رأس ماله لم يعد يشتري الكميات نفسها، وإنه اضطر إلى التركيز على السلع الأساسية بعدما تراجع الطلب على منتجات أخرى.

ويضرب إدريس مثلاً بأن عبوة الزيت زنة 36 رطلاً ارتفع سعرها من نحو 170 ألف جنيه قبل الحرب، إلى نحو 350 ألفاً الآن، فيما قد يرتفع سعر كيس البصل من خمسة آلاف إلى سبعة آلاف جنيه خلال يوم واحد.

لكن المؤشر الأوضح بالنسبة إلى إدريس هو «دفتر الديون»، يقول: «أصبح عدد أكبر من الزبائن يشتري بالأجل، بينما يعجز كثيرون عن السداد بعد توقف أعمالهم أو فقدان مصادر دخلهم».

تراجع الدخول وفقدانها

لا تكفي الوظيفة دائماً لتغيير هذا الواقع، تقول آمال عبد الله، وهو اسم مستعار، إن كل أبنائها يعملون، لكن دخل الأسرة الإجمالي لا يكفي لتغطية الغذاء والعلاج، وأوضحت لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أحصل قبل الحرب على أدوية زراعة الكلى مجاناً، لكني أصبحت مضطرة لشرائها على نفقتي، ونستجلب بعضها من مصر، مما اضطرها إلى الاستدانة من صاحب البقالة»، وتابعت: «أسرتي قد تكتفي في بعض الأيام بوجبة فقيرة واحدة».

وتنسجم هذه الشهادات مع مؤشرات الأمن الغذائي التي تظهر أن ملايين السودانيين يواجهون مستويات حادة من الجوع، فيما تبلغ الأزمة أشد مستوياتها في مناطق القتال في دارفور وكردفان، حيث لا يتعلق الأمر بارتفاع الأسعار وحده، وإنما بتعطل الأسواق والطرق والزراعة وصعوبة وصول المساعدات.

التكايا تسد أبوابها

وفي الخرطوم، سدت «التكايا» لبعض الوقت جزءاً من هذه الفجوة، ويقول عثمان الجندي، المشرف على عدد منها، إنهم كانوا يقدمون وجبة واحدة يومياً، لكنّ كثيراً منها توقف بسبب ضعف التمويل، وارتفاع تكلفة الغذاء وانصراف المتطوعين إلى أعمالهم ودراستهم.

ويضيف الجندي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «عودة السكان إلى بعض مناطق العاصمة لم تعنِ انتهاء الحاجة، إذ عاد كثيرون بلا عمل أو مصدر دخل، بينما أدت الحرب في كردفان إلى وصول نازحين جدد».

ويضيف: «الأطفال وكبار السن والنساء وذوو الإعاقة، من أكثر الفئات اعتماداً على تلك الوجبات»، ويلخص الجندي الوضع بقوله: «الحرب أفقرت الغني وزادت الفقير فقراً».

أزمة في كل شيء

لا ينهي حتى الحصول على الطعام معاناة الأسر، فانقطاع الكهرباء يوقف مضخات المياه ويعطل المخابز والورش والمتاجر، يقول المدير العام لشركة «كهرباء السودان القابضة»، أحمد عبد الله، لـ«الشرق الأوسط»، إن القطاع تكبد خسائر هائلة، وإن أعمال الصيانة تشمل خطوط النقل والتوزيع والمحولات وإعادة المناطق السكنية تدريجياً إلى الخدمة.

بينما تروي نهلة أن شباب حيها اضطروا في إحدى فترات انقطاع المياه إلى فتح آبار قديمة للحصول على مياه الشرب، بينما أجبرت الحرارة وانقطاع الكهرباء الأسر أحياناً على الجلوس والنوم خارج منازلها بحثاً عن نسمة هواء.

انتشار الأوبئة

في موسم الأمطار تتحول أزمة المياه والكهرباء إلى خطر صحي، وهو ما دفع مدير الطب الوقائي بوزارة الصحة في ولاية الخرطوم محمد الحسن الأمير، للتحذير من انتشار الملاريا والإسهالات المائية وأمراض الجهاز الهضمي وحمى الضنك.

وأوضح المسؤول الصحي لـ«الشرق الأوسط» أن البرك وضعف التصريف وتكدس النفايات وعكارة المياه تساعد على انتشار الأمراض، فيما أدى توقف بعض عمليات المكافحة خلال الحرب إلى توسع رقعة البعوض الناقل لحمى الضنك.

أزمة استحكمت حلقاتها

وهكذا تتصل حلقات الأزمة ببعضها، فبينما عطلت الحرب الإنتاج والعمل، انهار سعر صرف الجنيه، وتبعه، بوصفه نتيجة ملازمة، ارتفاع الأسعار بمعدلات قياسية، ما أدى إلى تآكل الدخول، الذي أدى هو الآخر إلى تقليص نوعية وكمية الطعام، وعطل إغلاق «التكايا» آخر شبكات الحماية، فيما تزيد قطوعات الكهرباء والمياه من مخاطر المرض.

وهكذا تختصر نهلة أزمة سنوات الحرب في صورة أطفالها وهم ينامون جائعين، وزوجها المريض الذي يحتاج إلى الدواء، ومائدتها التي تقلصت حتى أصبحت وجبة العدس التي قد توفرها التكية، إن وجدت، هي الحد الفاصل بين الموت جوعاً، والبقاء على قيد الحياة ليوم آخر.


مقالات ذات صلة

اشتعال محاور القتال مجدداً في شرق السودان وغربه

شمال افريقيا موجات النزوح إلى تشاد تزداد بوتيرة حادة فراراً من الحرب في كردفان والنيل الأزرق (مفوضية اللاجئين)

اشتعال محاور القتال مجدداً في شرق السودان وغربه

سيطر الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه على منطقتي كازقيل وأبو قعود في شمال كردفان، في حين سيطرت «قوات الدعم السريع» على بلدة الكيلي في إقليم النيل الأزرق.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

يعاني كثير من السودانيين صعوبات بالغة في الحصول على الخبز بعد أن أقفلت معظم المخابز أبوابها بسبب ارتفاع أسعار القمح ونقص الوقود

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)

إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

قال ‌مسؤول إثيوبي كبير، الأربعاء، إن إثيوبيا أمرت 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد، في خطوة تعكس مزيداً من ​التدهور في علاقات البلدين.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
شمال افريقيا نساء يصطففن في الطابور قبل بدء عملية توزيع الطعام (الشرق الأوسط)

توقف المطابخ الخيرية يهدد آلاف الأسر بالجوع في الخرطوم

اضطرت عشرات التكايا (مطابخ خيرية) التي توفر الوجبات لآلاف الأسر في الخرطوم، إلى التوقّف عن العمل كلياً، أو تقليص نشاطها؛ بسبب نقص الدعم من المنظمات والخيِّرين.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا الأمين العام للجامعة العربية مستقبلاً وزير خارجية السودان الثلاثاء (الجامعة)

السودان يطالب الجامعة العربية بالتحقيق في «هجمات الجوار»

طالب السودان جامعة الدول العربية، الثلاثاء، بالمشارَكة في الإشراف على تحقيق دولي في هجمات تنطلق من دول بالجوار.

فتحية الدخاخني (القاهرة)

موجة بيع عنيفة تضرب «وول ستريت»... و«ناسداك» يفقد 2.3 تريليون دولار

شاشة تعرض مؤشر «ناسداك» خلال جلسة التداول في سوق ناسداك بمدينة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض مؤشر «ناسداك» خلال جلسة التداول في سوق ناسداك بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

موجة بيع عنيفة تضرب «وول ستريت»... و«ناسداك» يفقد 2.3 تريليون دولار

شاشة تعرض مؤشر «ناسداك» خلال جلسة التداول في سوق ناسداك بمدينة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض مؤشر «ناسداك» خلال جلسة التداول في سوق ناسداك بمدينة نيويورك (رويترز)

شهدت «وول ستريت» واحدة من أعنف جلسات الهبوط في السنوات الأخيرة، بعدما اجتاحت موجة بيع واسعة الأسهم الأميركية، بقيادة شركات التكنولوجيا وأشباه الموصلات المرتبطة بطفرة الذكاء الاصطناعي، وسط تصاعد المخاوف من أن تؤدي التحولات السياسية في واشنطن إلى كبح الاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات، وتضع حداً للنمو المتسارع الذي دفع الأسواق إلى مستويات قياسية خلال الأشهر الماضية.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 4.4 في المائة، مسجلاً أسوأ أداء يومي له منذ أبريل (نيسان) 2025، حين هزّت الرسوم الجمركية التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأسواق العالمية. كما تراجع مؤشر «داو جونز» الصناعي 1833 نقطة، بما يعادل 3.4 في المائة، فيما تكبد مؤشر «ناسداك» خسائر أكبر بلغت 5.5 في المائة.

ولم تقتصر الضغوط على الأسهم الأميركية، إذ امتدت إلى الأسواق العالمية، في انعكاس لاتساع نطاق التخارج من الأصول المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وتراجع مؤشر «ناسداك 100» بأكثر من 6 في المائة، في أكبر انخفاض له منذ موجة اضطرابات جائحة «كوفيد-19» في مارس (آذار) 2020، ليمحو نحو 2.3 تريليون دولار من قيمته السوقية، ويبتعد بنحو 15 في المائة عن ذروته المسجلة في السادس من أكتوبر (تشرين الأول).

الذكاء الاصطناعي في قلب العاصفة

وكانت شركات الرقائق ومزودو البنية التحتية لمراكز البيانات في مقدمة الخاسرين، مع عودة التساؤلات بشأن قدرة الإنفاق الهائل على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي على الاستمرار بالوتيرة الحالية، في ظل ارتفاع تكلفة الاقتراض والمخاوف من المبالغة في تقييم أسهم القطاع.

وتراجعت أسهم «إنفيديا» 9.3 في المائة، في أكبر انخفاض لها منذ يناير (كانون الثاني) 2025، لتبدد مكاسبها المسجلة منذ بداية العام، فيما هبطت أسهم «أدفانسد مايكرو ديفايسز» 17.3 في المائة، و«كور ويف» 9.8 في المائة، و«جي إي فيرنوفا» 7.5 في المائة. كما انخفض مؤشر أشباه الموصلات في فيلادلفيا 12 في المائة، في أسوأ جلسة له منذ مارس 2020، ليدخل نطاق السوق الهابطة بعد خسارته أكثر من 38 في المائة من ذروته في يونيو (حزيران).

وتكتسب هذه الخسائر أهمية إضافية بالنظر إلى الثقل الكبير لشركات التكنولوجيا والرقائق في المؤشرات الأميركية، إذ باتت تحركات أسهمها تؤثر بصورة مباشرة في أداء السوق ككل، ما يجعل أي تصحيح في تقييماتها قادراً على سحب المؤشرات الرئيسية إلى مستويات أدنى.

وجاءت موجة البيع بعد يوم واحد فقط من مكاسب قوية حققتها الأسواق، إثر فوز الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، في نتيجة عززت رهانات المستثمرين على نشوء توازن سياسي يحد من نفوذ ترمب، ويفتح المجال أمام احتواء الحرب مع إيران وما أحدثته من ضغوط على أسعار الطاقة والتضخم.

لكن التفاؤل الأولي سرعان ما تراجع، مع انتقال اهتمام المستثمرين إلى التداعيات المحتملة للتحول السياسي على قطاع الذكاء الاصطناعي. فقد أثارت الانتصارات الديمقراطية مخاوف من تشديد الرقابة على التوسع في بناء مراكز البيانات، خصوصاً مع تزايد اعتراضات المجتمعات المحلية على استهلاكها المرتفع للكهرباء وانعكاسه على فواتير الطاقة.

ويهدد أي تباطؤ في إنشاء هذه المراكز بتقليص الطلب على الرقائق المتقدمة والكهرباء ومعدات البنية التحتية، وهي قطاعات استفادت بصورة مباشرة من موجة الإنفاق الاستثماري الضخمة التي أصبحت أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي الأميركي.

وقال غريغ تايلور، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «بندر فاند كابيتال مانجمنت»، إن موجة البيع تعيد إلى الأذهان انهيار فقاعة الإنترنت في عامي 2000 و2001، مشيراً إلى أن تركّز السوق حول موضوع واحد، هو الذكاء الاصطناعي، جعلها أكثر عرضة للتراجع عندما تتغير توقعات المستثمرين.

اتساع التخارج وارتفاع طلب التحوط

ولم تنجُ القطاعات الدفاعية من موجة التراجع، إذ امتدت الخسائر إلى مختلف القطاعات الأحد عشر المدرجة في مؤشر «ستاندرد آند بورز 500»، فيما هبطت جميع الأسهم الثلاثين المكونة لمؤشر «داو جونز». كما تراجعت أسهم الشركات الأكثر تعرضاً للبيع على المكشوف، والشركات التكنولوجية غير المربحة، في إشارة إلى أن المستثمرين لم يكتفوا بتقليص انكشافهم على الذكاء الاصطناعي، بل اتجهوا إلى خفض المخاطر في محافظهم على نطاق أوسع.

وقفز مؤشر التقلبات «فيكس» إلى 28.18 نقطة، وهو أعلى مستوى منذ مارس، في إشارة إلى تصاعد القلق بشأن التقلبات المتوقعة في الأسهم. كما تراجع صندوق «آي شيرز إم إس سي آي يو إس إيه مومنتوم فاكتور» بنسبة 8.2 في المائة، مسجلاً أسوأ أداء يومي له منذ عام 2020، مع انعكاس موجة البيع على الاستراتيجيات الاستثمارية التي تراهن على استمرار صعود الأسهم الرابحة.

وفي المقابل، اتجه المستثمرون إلى سندات الخزانة الأميركية بحثاً عن ملاذ أكثر أماناً، ما دفع عائد السندات لأجل عشر سنوات إلى التراجع إلى 4.84 في المائة، مقارنة مع 4.90 في المائة في ختام جلسة الأربعاء، بعد أن تجاوز 5.3 في المائة الشهر الماضي.

وفي أسواق الطاقة، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت 3.9 في المائة إلى 98.29 دولار للبرميل، مستردة جزءاً من خسائرها الحادة التي قاربت 9 في المائة في الجلسة السابقة، وسط استمرار الضبابية بشأن مسار الحرب مع إيران وتوقيت عودة إمدادات الطاقة العالمية إلى طبيعتها.

وعلى الرغم من حدة التراجع، سجلت بعض الأسهم مكاسب استثنائية، إذ قفز سهم «آب لوفين» 31 في المائة بعد إعلان نتائج مالية تجاوزت توقعات المحللين، فيما ارتفع سهم «تابستري» 7.1 في المائة عقب تحقيق أرباح أقوى من المتوقع ورفع توقعاتها السنوية.

وتكشف الجلسة، في مجملها، عن انتقال الأسواق من تسعير فرص النمو الاستثنائية التي يتيحها الذكاء الاصطناعي إلى إعادة تقييم كلفة هذا النمو ومخاطره، في وقت تتداخل فيه المخاوف من ارتفاع التقييمات وتباطؤ الإنفاق الرأسمالي مع تحولات سياسية وضبابية جيوسياسية تزيد صعوبة تحديد اتجاه الأسواق في المرحلة المقبلة.


السعودية تموّل مشروعات تنموية في سوريا بـ403 ملايين دولار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس السوري أحمد الشرع شهدا توقيع الاتفاقيات (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس السوري أحمد الشرع شهدا توقيع الاتفاقيات (واس)
TT

السعودية تموّل مشروعات تنموية في سوريا بـ403 ملايين دولار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس السوري أحمد الشرع شهدا توقيع الاتفاقيات (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس السوري أحمد الشرع شهدا توقيع الاتفاقيات (واس)

أبرم الصندوق السعودي للتنمية مع وزارة المالية السورية 6 اتفاقيات قروض تنموية ميسّرة، بإجمالي يتجاوز 403 ملايين دولار مُقدَّمة منه دعماً لقطاعات الطاقة والمياه والصحة والإسكان والبنية التحتية والتحول الرقمي في سوريا، وذلك بحضور الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي والرئيس أحمد الشرع.

جاءت هذه الخطوة تنفيذاً لتوجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد، حيث وقَّع الاتفاقيات الرئيس التنفيذي للصندوق سلطان المرشد، ووزير المالية السوري محمد يسر برنية، في الرياض، الأربعاء.

وتهدف المشروعات إلى إعادة تأهيل وحدات التوليد في محطة حلب الحرارية، بمبلغ 90 مليون دولار، ليستفيد منها نحو 5 ملايين نسمة، بما يسهم في استعادة القدرة التوليدية للمحطة، وتوفير إمدادات كهربائية مستقرة للسكان والمرافق العامة، ودعم الأنشطة الاقتصادية والصناعية، وتعزيز استقرار منظومة الكهرباء الوطنية.

كما تشمل مشروع تحديث وتطوير منظومة قياس مياه الشرب بـ30 مليون دولار من خلال توريد وتركيب 300 ألف عداد مياه ذكي، يستفيد منها ما يقارب 1.5 مليون نسمة في مختلف المحافظات، ما يسهم في رفع جودة الخدمة المقدمة.

ويأتي مشروع إنشاء وإعادة تأهيل وتجهيز 25 مركزاً للدفاع المدني في عدة محافظات بـ105 ملايين دولار، ليستفيد منها أكثر من 7 ملايين نسمة؛ بهدف دعم استقرار المجتمعات المتأثرة من خلال استعادة وتعزيز قدرات الطوارئ وإدارة الكوارث بمجال الاستجابة للطوارئ وإدارة الأنقاض.

تشمل المشروعات قطاعات الطاقة والمياه والصحة والإسكان والبنية التحتية والتحول الرقمي في سوريا (واس)

وتتضمن الاتفاقيات مشروع إعادة تأهيل الوحدات السكنية المتضررة في عدة مناطق تصل إلى 10 آلاف وحدة سكنية بـ60 مليون دولار بما يعزز الاستقرار الاجتماعي.

ويدعم مشروع إعادة تأهيل وإنشاء وتجهيز مستشفيات ومراكز صحية في مناطق متفرقة بـ100 مليون دولار، تعافي القطاع الصحي من خلال إعادة تأهيل وتجهيز المنشآت الصحية ذات الأولوية من المستشفيات الاستراتيجية والمراكز الصحية.

كما يُسهم في استعادة وتحسين الخدمات الصحية الأساسية والتخصصية، وتوسيع نطاق الوصول إلى الرعاية الصحية، وتخفيف الضغط على المستشفيات القائمة.

ويأتي مشروع التحول الرقمي والتطوير المؤسسي لوزارة المالية وتحسين تجربة المستفيد ورفع كفاءة وشفافية الخدمات المالية الحكومية بمبلغ يتجاوز 18 مليون دولار، لتنفيذ منظومة متكاملة للتحول الرقمي والتطوير المؤسسي.

وتجسّد تلك المشروعات جهود السعودية عبر الصندوق في دعم سوريا، انطلاقاً من النهج التنموي، للإسهام في تحسين الظروف المعيشية والخدمات الأساسية المقدمة وتأهيل البنية التحتية، بما يُعزِّز قدرة المجتمعات المستفيدة على الوصول إلى خدمات أساسية ومستدامة.

يشار إلى أن السعودية قدّمت عبر الصندوق منحتين لسوريا في شهر سبتمبر (أيلول) 2025 لإمدادها بالبترول الخام، وتأمين جزء من الرواتب للموظفين خلال فترة تمتد لـ3 أشهر.


إنتاجية العاملين في الولايات المتحدة تقفز 3.6 % خلال الربع الثالث

عمال يعملون تحت أشعة الشمس بورشة بناء في لوس أنجليس بكاليفورنيا (أرشيفية-رويترز)
عمال يعملون تحت أشعة الشمس بورشة بناء في لوس أنجليس بكاليفورنيا (أرشيفية-رويترز)
TT

إنتاجية العاملين في الولايات المتحدة تقفز 3.6 % خلال الربع الثالث

عمال يعملون تحت أشعة الشمس بورشة بناء في لوس أنجليس بكاليفورنيا (أرشيفية-رويترز)
عمال يعملون تحت أشعة الشمس بورشة بناء في لوس أنجليس بكاليفورنيا (أرشيفية-رويترز)

سجلت إنتاجية العاملين في الولايات المتحدة نمواً يفوق التوقعات خلال الربع الثالث، ما أسهم في خفض تكاليف العمالة ودعم التقديرات التي تشير إلى أن سوق العمل لم تكن مصدراً لضغوط التضخم.

وقال مكتب إحصاءات العمل، التابع لوزارة العمل الأميركية، الخميس، إن إنتاجية العاملين في القطاعات غير الزراعية، التي تقيس حجم الإنتاج لكل ساعة عمل، ارتفعت بمعدل سنوي بلغ 3.6 في المائة خلال الربع الماضي، بعد زيادة معدَّلة بالرفع بلغت 2.1 في المائة خلال الربع الثاني.

كان اقتصاديون، استطلعت «رويترز» آراءهم، قد توقعوا ارتفاع الإنتاجية بمعدل 2.8 في المائة، مقارنة بمعدل نمو بلغ 1.4 في المائة وفق القراءة السابقة للربع الثاني.

وتتسم الإنتاجية بالتقلب على أساس فصلي، في حين سجلت نمواً بمعدل 2.1 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

ويأمل اقتصاديون وصانعو السياسات أن تؤدي الطفرة في الإنفاق على الذكاء الاصطناعي إلى تحقيق مكاسب كبيرة بالإنتاجية.

في المقابل، تراجعت تكاليف وحدة العمل، التي تقيس تكلفة العمالة اللازمة لإنتاج وحدة واحدة من السلع أو الخدمات، بمعدل 0.7 في المائة خلال الربع الثالث، في أول انخفاض لها منذ الربع الثاني من عام 2025، وذلك بعد ارتفاعها بمعدل 1.9 في المائة خلال الربع الثاني، وفق قراءة معدلة بالرفع.

وكان الاقتصاديون قد توقعوا ارتفاع تكاليف وحدة العمل بمعدل 0.6 في المائة، بعد زيادة بلغت 1.2 في المائة وفق القراءة السابقة. وعلى أساس سنوي، ارتفعت تكاليف العمالة بنسبة 2.4 في المائة.

تأتي هذه البيانات عقب صدور أرقام الأسبوع الماضي، والتي أظهرت ارتفاعاً معتدلاً في مؤشر تكلفة التوظيف خلال الربع الثالث، وهو أوسع المقاييس نطاقاً لقياس تكاليف العمالة.

ويرى صانعو السياسات والاقتصاديون أن سوق العمل لا تشكل مصدراً رئيسياً للتضخم. كما يمنح الاعتدال في نمو الأجور مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي مجالاً أوسع للتركيز على ضغوط الأسعار المتزايدة الناجمة عن استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران.

وكان البنك المركزي الأميركي قد أبقى، الأسبوع الماضي، سعر الفائدة الرئيسي لليلة واحدة ضِمن نطاق يتراوح بين 3.75 و4 في المائة، مع إقراره بأن التضخم «لا يزال مرتفعاً». ويتوقع اقتصاديون أن يعمد «الفيدرالي» إلى رفع تكاليف الاقتراض في ديسمبر (كانون الأول) المقبل.