محللون: الاتفاق النووي السعودي - الأميركي يحمل مكاسب استراتيجية للطرفين

قالوا لـ«الشرق الأوسط» إن آثاره تتجاوز الكهرباء إلى التصنيع المتقدم والذكاء الاصطناعي والفضاء وتحلية المياه

يفتح الاتفاق السعودي - الأميركي آفاقاً جديدة للبلدين في التعاون (الإنترنت)
يفتح الاتفاق السعودي - الأميركي آفاقاً جديدة للبلدين في التعاون (الإنترنت)
TT

محللون: الاتفاق النووي السعودي - الأميركي يحمل مكاسب استراتيجية للطرفين

يفتح الاتفاق السعودي - الأميركي آفاقاً جديدة للبلدين في التعاون (الإنترنت)
يفتح الاتفاق السعودي - الأميركي آفاقاً جديدة للبلدين في التعاون (الإنترنت)

يفتح اتفاق التعاون النووي السلمي بين السعودية والولايات المتحدة الباب أمام مرحلة جديدة من الشراكة الاقتصادية والتقنية بين البلدين، تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من بناء المفاعلات وتوليد الكهرباء، لتشمل توطين صناعات عالية القيمة، وبناء قدرات بشرية متخصصة، وتعزيز التعاون في التقنيات المتقدمة، وفق محللين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

ويرى المحللون أنَّ الاتفاق يمكن أن يُشكِّل رافعةً للاستثمارات الصناعية والتكنولوجية في المملكة، بالتوازي مع خططها لتنويع مزيج الطاقة وتطوير اقتصاد قائم على المعرفة، إلا أن أهميته تتجاوز الجانب الاقتصادي إلى أبعاد استراتيجية وجيوسياسية، في ظل التنافس الدولي على تقنيات الطاقة النووية.

وكان وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، ونظيره الأميركي كريس رايت، قد وقَّعا في 22 يوليو (تموز) اتفاقاً للتعاون النووي السلمي، يُعرَف بـ«اتفاق 123»، إلى جانب اتفاق ثنائي للضمانات، بما يؤسِّس قانونياً، وفق وزارة الطاقة الأميركية، لشراكة بمليارات الدولارات تمتد لعقود، ويفتح المجال أمام الشركات الأميركية للمشاركة في برنامج الطاقة النووية السعودي.

وتُعدُّ اتفاقات «123» الإطار القانوني الذي يحكم التعاون النووي السلمي بين الولايات المتحدة والدول الأخرى، بموجب قانون الطاقة الذرية الأميركي، وتتيح انتقال المواد والمعدات والتكنولوجيا النووية ضمن شروط وضوابط محددة.

وكانت الولايات المتحدة ترتبط، حتى يوليو 2025، بـ26 اتفاقاً من هذا النوع تشمل 50 دولة، إلى جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية وجهات أخرى.

 

 

استثمارات

وأكد عباس داهوك، المستشار السابق في وزارة الخارجية الأميركية للشؤون العسكرية، أنَّ الاتفاق يُمثِّل «محطةً استراتيجيةً مهمةً» في العلاقات بين الرياض وواشنطن، عادّاً أنه يعزِّز التعاون في مجالات التقنيات المتقدمة وأمن الطاقة على المدى الطويل.

وقال داهوك لـ«الشرق الأوسط» إن الاتفاق، من الناحية الاقتصادية، يمكن أن يستقطب استثمارات بمليارات الدولارات، ويخلق وظائف تتطلب مهارات عالية، ويدعم مستهدفات «رؤية السعودية 2030» الرامية إلى بناء اقتصاد متنوع وقائم على المعرفة.

ولا تقتصر المكاسب المحتملة، بحسب داهوك، على توليد الكهرباء، إذ يمكن للتعاون النووي السلمي أن يدعم تطبيقات في تحلية المياه، والرعاية الصحية، والبحث العلمي، والزراعة، والتصنيع الصناعي المتقدم، بالتوازي مع تطوير قوى عاملة متخصصة في مجالات الهندسة، والعلوم، والتكنولوجيا.

وتنسجم هذه التطبيقات مع المشروع الوطني للطاقة الذرية في السعودية، الذي يستهدف إدخال الطاقة النووية ضمن مزيج الطاقة الوطني لإنتاج الكهرباء والمياه المحلاة والطاقة الحرارية، وتقليل الاعتماد على الوقود الهيدروكربوني في توليد الطاقة. ويتضمَّن المشروع 4 مكونات رئيسية تشمل محطات الطاقة النووية الكبيرة، والمفاعلات المعيارية الصغيرة، ودورة الوقود النووي، والإطار التنظيمي.

ويرى دهوك أنَّ الاتفاق من شأنه أن يضع دعائم تعاون سعودي - أميركي يمتد لعقود في الطاقة والتكنولوجيا والتعليم والتنمية الصناعية، في وقت يمكن أن يدعم فيه توطين التصنيع المتقدم، والهندسة الدقيقة، والصناعات ذات القيمة المضافة العالية.

وأضاف أنَّ تطوير الخبرات النووية والتقنيات المرتبطة بها يمكن أن ينعكس على قطاعات ناشئة أخرى، من بينها الفضاء والمواد المتقدمة والذكاء الاصطناعي وأنظمة الطاقة من الجيل المقبل، بما يعزِّز طموح المملكة لبناء مركز إقليمي للابتكار والتطور التكنولوجي.

 

 

سيادة تكنولوجية

وفي المقابل، يلفت داهوك إلى أنَّ الاتفاق يحمل أبعاداً جيوسياسية تتجاوز أهدافه المدنية، إذ يأتي في وقت تتصاعد فيه المنافسة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا على النفوذ في قطاعات التكنولوجيا والطاقة المتقدمة.

ويرى أنَّ تقييم الاتفاق لن يتوقف عند عوائده الاقتصادية والتكنولوجية، بل سيمتد إلى انعكاساته على الاستقرار الإقليمي، ومنع الانتشار النووي.

وقال إن قضية التخصيب، من وجهة نظر الرياض، لا ترتبط بالطاقة وحدها، وإنما تمتد إلى «السيادة التكنولوجية والتنمية الصناعية والاستقلالية الاستراتيجية»، خصوصاً مع امتلاك السعودية موارد محلية من اليورانيوم، وتطلعها إلى تطوير الاستفادة منها مستقبلاً.

وتضع السعودية بالفعل استكشاف خامات اليورانيوم والثوريوم ضمن مكونات مشروعها الوطني للطاقة الذرية؛ بهدف تقدير الموارد المحلية، وتطوير المحتوى المحلي وبناء القدرات البشرية، إضافة إلى إمكانية تأمين الوقود لمفاعلات الطاقة النووية مستقبلاً.

 

 

الأمن الإقليمي

من جهته، وصف الدكتور إريك إتش فينغ، الرئيس التنفيذي لشركة «سكاي تاور غروب (Skytower Group Inc)»، الاتفاق بأنَّه «محطة استراتيجية تاريخية» تتجاوز أهميتها تطوير الطاقة النووية المدنية، عادّاً أنَّ قيمته تكمن أيضاً في تعزيز الأمن الإقليمي وتوفير إطار طويل الأمد للاستقرار والحوكمة والنمو الاقتصادي.

وقال فينغ لـ«الشرق الأوسط» إن التصنيع واسع النطاق والاستثمارات طويلة الأجل يحتاجان إلى بيئة جيوسياسية مستقرة، وإن بناء إطار للتعاون النووي السلمي يرتكز على الشراكة والشفافية يمكن أن يعزِّز الثقة لدى الحكومات والمستثمرين والقطاعات الصناعية في المنطقة.

ومن الناحية الاقتصادية، يرى فينغ أنَّ الطاقة النووية يمكن أن توفر للمملكة مصدراً مستقراً للكهرباء لتلبية احتياجات الحمل الأساسي، بما يدعم التَّوسُّع المتسارع للاقتصاد الصناعي وتحقيق مستهدفات «رؤية 2030».

وأوضح فينغ أنَّ الاتفاق يمكن أن يتيح فرصاً لتوطين صناعات عالية القيمة، تشمل الهندسة النووية، والمواد المتقدمة، والتصنيع الدقيق، والروبوتات، وأنظمة التحكم الرقمي، والإنشاءات المتخصصة، إلى جانب تطبيقات في الرعاية الصحية، والزراعة، وتحلية المياه، والبحث العلمي.

 

 

من الطب إلى الفضاء

وأشار إلى أنَّ الاستخدامات السلمية للتكنولوجيا النووية لا تتوقف عند إنتاج الكهرباء، بل تمتد إلى التشخيص الطبي، وعلاج السرطان بالنظائر المشعة، وحفظ الأغذية، وتحلية المياه، والابتكار الزراعي، والفحص الصناعي، وعلوم المواد والأبحاث المتقدمة.

ويتوقع أن يؤدي نمو هذه الأنشطة إلى تطوير قوى عاملة عالية المهارة، وبناء منظومات صناعية جديدة داخل المملكة، مع توسيع نطاق التعاون السعودي - الأميركي في البحث والتطوير وتدريب الكفاءات وتوطين الصناعة.

وأضاف أن هذه القاعدة يمكن أن توفِّر منصةً للتعاون في التصنيع الدقيق والطيران، والفضاء، والذكاء الاصطناعي، وأنظمة الطاقة المتقدمة، والبنية التحتية من الجيل الجديد، وهي قطاعات يرى أنها ستُشكِّل جانباً رئيسياً من التنافسية الاقتصادية العالمية خلال العقود المقبلة.

 

 

معادلة اقتصادية وجيوسياسية

ويرى فينغ أن الأثر الاستراتيجي للاتفاق ينبغي ألا يُقاس بنتائجه المباشرة فقط، بل بقدرته على تأسيس تعاون مؤسسي طويل الأمد يوفر مزيداً من الاستقرار، ويحفز تدفقات الاستثمار والتنمية الصناعية في المنطقة.

وقال: «إن منطقة الشرق الأوسط المستقرة، التي تحظى بدعم تعاون استراتيجي قوي بين الولايات المتحدة والسعودية، ستُشجِّع على زيادة الاستثمارات الدولية وتسريع وتيرة التنمية الصناعية».

 

 


مقالات ذات صلة

قصة نجاح عالمية للشراكة الاستثنائية بين مجموعة stc وكأس العالم للرياضات الإلكترونية

عالم الاعمال جانب من مشاركة مجموعة stc في بطولة كأس العالم للرياضات الإلكترونية (الشرق الأوسط)

قصة نجاح عالمية للشراكة الاستثنائية بين مجموعة stc وكأس العالم للرياضات الإلكترونية

اختتمت مجموعة stc، مشاركتها في بطولة كأس العالم للرياضات الإلكترونية بوصفها شريكاً ومؤسساً للعام الثالث على التوالي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج جانب من مجمع «ليزانفاليد» خلال افتتاح «الألعاب الأولمبية» في باريس عام 2024 (رويترز)

«ليزانفاليد» في باريس... أيقونة الجيش الفرنسي ومثوى نابليون

يستقبل رئيس الوزراء الفرنسي، سيباستيان لوكورنو، الاثنين، الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، في «ساحة الشرف» بمجمّع «ليزانفاليد»…

غازي الحارثي (الرياض)
الاقتصاد مقر «معادن» في السعودية (الشركة)

«معادن» تحصل على أول قرض دولي مشترك لتسريع مشروعات النمو والتوسع

أعلنت شركة التعدين العربية السعودية (معادن) عن نجاحها في استكمال الترتيبات اللازمة للحصول على أول قرض دولي مشترك بقيمة إجمالية تبلغ مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج باتريك ميزوناف السفير الفرنسي لدى السعودية (الشرق الأوسط)

السفير الفرنسي لـ«الشرق الأوسط»: زيارة الأمير محمد بن سلمان تؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية

شدد مسؤول فرنسي رفيع المستوى على أن زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى بلاده، الأحد، تعني باختصار أن الرياض وباريس تدخلان مرحلة جديدة من الشراكة.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
الخليج تسخر السعودية منظومة متكاملة من الخدمات لتسهيل رحلة ضيوف الرحمن الإيمانية (واس)

السعودية تستقبل 15 مليون معتمر في الربع الأول من 2026

كشفت الهيئة العامة للإحصاء في السعودية، الأحد، أن إجمالي عدد المعتمرين خلال الربع الأول من العام الحالي (2026) بلغ 15 مليوناً و233 ألفاً و767 معتمراً.

«الشرق الأوسط» (جدة)

«يونيبر» الألمانية تُوقع اتفاقاً مع «إكوينور» النرويجية لاستيراد الغاز لمدة 15 عاماً

شعار شركة الطاقة «يونيبر» كما يظهر في ألمانيا (رويترز)
شعار شركة الطاقة «يونيبر» كما يظهر في ألمانيا (رويترز)
TT

«يونيبر» الألمانية تُوقع اتفاقاً مع «إكوينور» النرويجية لاستيراد الغاز لمدة 15 عاماً

شعار شركة الطاقة «يونيبر» كما يظهر في ألمانيا (رويترز)
شعار شركة الطاقة «يونيبر» كما يظهر في ألمانيا (رويترز)

أبرمت شركة «يونيبر» الألمانية اتفاقاً طويل الأجل لتوريد الغاز الطبيعي مع شركة «إكوينور» النرويجية لإنتاج النفط والغاز.

وبموجب الاتفاق، ستورِّد «إكوينور» إلى ألمانيا أكثر من 30 تيراواط/ساعة من الغاز الطبيعي سنوياً، ابتداءً من عام 2027، وفق ما أعلنت «يونيبر»، يوم الاثنين. ولم تفصح «يونيبر» عن القيمة المالية للاتفاق.

ومن المقرر أن يصل الغاز إلى ألمانيا عبر خطوط أنابيب قائمة. وتبلغ مدة الاتفاق 15 عاماً.

وقال الرئيس التنفيذي للشركة ميخائيل لويس، وفقاً لبيان: «من خلال هذا الاتفاق، نعزز إمدادات الغاز طويلة الأجل في ألمانيا، وفي الوقت نفسه نُعمق تعاوننا مع (إكوينور)».

وتُعد 30 تيراواط/ساعة كمية كبيرة؛ إذ بلغ استهلاك الغاز الطبيعي في ألمانيا، العام الماضي، وفقاً للوكالة الاتحادية للشبكات، إجمالاً 864 تيراواط/ساعة من حيث محتوى الطاقة.

وتُعد «يونيبر» واحدة من كبرى شركات تجارة الغاز في أوروبا، وتُورِّد الشركة الغاز، من بين جهات أخرى، إلى شركات المرافق المحلية والعملاء الصناعيين الكبار ومُشغلي محطات توليد الكهرباء.

وتملك الدولة النرويجية 67 في المائة من شركة إكوينور، أما «يونيبر» فتُعدّ مملوكة بالكامل تقريباً للدولة الألمانية، ويتعيّن على ألمانيا خفض حصتها مجدداً إلى 25 في المائة زائد سهم واحد كحد أقصى، بحلول نهاية عام 2028.

وتُعد النرويج حالياً أكبر مُورِّد للغاز الطبيعي إلى ألمانيا. وفي العام الماضي، جاء نحو 44 في المائة من الغاز الطبيعي المُورَّد إلى ألمانيا، عبر خطوط أنابيب من الدولة الاسكندنافية.

كما يصل الغاز الطبيعي النرويجي إلى ألمانيا في صورة غاز طبيعي مُسال عبر السفن ومن خلال محطات الغاز الطبيعي المُسال الألمانية.

ووفقاً لرابطة قطاع الطاقة الألمانية، بلغت حصة النرويج من جميع شحنات الغاز الطبيعي المُسال التي وصلت مباشرة إلى ألمانيا 4.1 في المائة، حتى نهاية يوليو (تموز) من العام الحالي. ولا تزال الولايات المتحدة أكبر مورِّد للغاز الطبيعي المُسال في عام 2026، بحصة تبلغ 87.6 في المائة، مقابل 94.3 في المائة في إجمالي عام 2025.


عقوبات واشنطن على إيران تضع مشتريات الصين النفطية تحت المجهر

صهاريج نفط وغاز في مستودع تخزين بميناء تشوهاي الصيني (رويترز)
صهاريج نفط وغاز في مستودع تخزين بميناء تشوهاي الصيني (رويترز)
TT

عقوبات واشنطن على إيران تضع مشتريات الصين النفطية تحت المجهر

صهاريج نفط وغاز في مستودع تخزين بميناء تشوهاي الصيني (رويترز)
صهاريج نفط وغاز في مستودع تخزين بميناء تشوهاي الصيني (رويترز)

تتجه الأنظار إلى مشتريات الصين من النفط الإيراني، مع استعداد الولايات المتحدة لإعلان عقوبات اقتصادية جديدة على طهران، في خطوة قد تختبر قدرة بكين والمصافي المستقلة فيها على مواصلة استيراد الخام الإيراني رغم تشديد الضغوط الأميركية.

وتعد الصين منذ سنوات أكبر مشترٍ للنفط الإيراني؛ إذ بلغ متوسط مشترياتها نحو 1.4 مليون برميل يومياً العام الماضي، وفق بيانات شركة «كبلر» المتخصصة في تتبع حركة السفن.

كم تشتري الصين من النفط الإيراني؟

تراجعت التدفقات بصورة كبيرة منذ أن جددت الولايات المتحدة حصارها للسفن والموانئ الإيرانية في 13 يوليو (تموز)، في محاولة لقطع مبيعات النفط الإيرانية بعد تعثر اتفاق لوقف الحرب.

وأظهرت بيانات «كبلر» أن شحنات النفط الإيراني إلى الصين تراجعت إلى 785 ألف برميل يومياً في يونيو (حزيران)، وهو أدنى مستوى منذ فبراير (شباط) 2023، قبل أن ترتفع على الأرجح إلى نحو 823 ألف برميل يومياً في يوليو، وفق «رويترز».

لكن التدفقات تراجعت مجدداً في أغسطس (آب)، لتبلغ نحو 534 ألف برميل يومياً حتى الآن، وفق البيانات الأولية.

ولا تظهر بيانات «كبلر» أي عبور واضح لناقلات النفط عبر مضيق هرمز منذ يوليو، رغم أن عدداً كبيراً من السفن يعمد إلى إيقاف أجهزة تحديد المواقع، ما يجعل تتبعها أكثر صعوبة.

من يشتري النفط الإيراني؟

تتصدر المصافي الصينية المستقلة قائمة المشترين، مستفيدة من الخصومات الكبيرة التي يقدمها الخام الإيراني مقارنة بالخامات المنافسة.

في المقابل، تجنبت شركات التكرير الصينية الكبرى المملوكة للدولة شراء النفط الإيراني منذ عام 2019، عندما أعادت الولايات المتحدة فرض العقوبات على طهران.

ولا تظهر بيانات الجمارك الصينية الرسمية مشتريات من الخام الإيراني؛ إذ يُعاد تصنيف النفط الإيراني الذي يصل إلى الصين منذ فترة طويلة على أنه نفط ماليزي، ومؤخراً يصنف إندونيسياً أيضاً، بينما تتم تسوية المعاملات باليوان عبر شبكة معقدة من الوسطاء يصعب تتبعها.

هل نجحت العقوبات السابقة؟

كثفت واشنطن جهودها للحد من مشتريات الصين من النفط الإيراني، منذ عودة الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض مطلع العام الماضي، وفرضت عقوبات على عدد من المصافي الصينية الصغيرة والجهات المشاركة في سلسلة توريد النفط الإيراني.

كما حذَّرت وزارة الخزانة الأميركية مصرفين صينيين كبيرين من إمكانية تعرضهما لعقوبات ثانوية، إذا تبين استخدام أنظمتهما في تحويل أموال إيرانية، ولكنها لم تدرجهما فعلياً على قوائم العقوبات.

وفي أبريل (نيسان)، فرضت واشنطن عقوبات على مصفاة «هينغلي» للبتروكيماويات في داليان، ونحو 40 شركة شحن وسفينة، متهمة المصفاة بشراء نفط إيراني بمليارات الدولارات. ونفت «هينغلي» شراء النفط الإيراني.

ورغم هذه الإجراءات، لم تؤدِّ العقوبات حتى الآن إلى وقف تدفقات النفط الإيراني إلى الصين. فقد بلغت الواردات الصينية من الخام الإيراني 1.24 مليون برميل يومياً في يناير (كانون الثاني)، و1.58 مليون برميل يومياً في فبراير، وفق بيانات «كبلر».

ماذا تقول بكين؟

ترفض الصين العقوبات الأحادية الجانب التي تفرضها الولايات المتحدة، وتدعو إلى تسوية النزاع عبر الوسائل الدبلوماسية والسياسية.

ومع اقتراب واشنطن من إعلان إجراءات جديدة، ستتركز الأنظار على مدى استعداد بكين لمواصلة استيراد النفط الإيراني، وعلى قدرة المصافي المستقلة وشبكات الوسطاء على الحفاظ على التدفقات في مواجهة عقوبات أميركية، قد تستهدف هذه المرة نطاقاً أوسع من المشترين والجهات المالية والناقلات.

وهنا تكمن أهمية الخطوة الأميركية المقبلة: فاستهداف مشتري النفط الإيراني في الصين قد يكون أكثر تأثيراً على إيرادات طهران من العقوبات التي طالت أطرافاً أصغر في سلسلة التوريد، خلال الفترة الماضية.


7.2 مليون وظيفة في ألمانيا تعتمد على التصدير للاتحاد الأوروبي

مشهد عام لميناء هامبورغ (رويترز)
مشهد عام لميناء هامبورغ (رويترز)
TT

7.2 مليون وظيفة في ألمانيا تعتمد على التصدير للاتحاد الأوروبي

مشهد عام لميناء هامبورغ (رويترز)
مشهد عام لميناء هامبورغ (رويترز)

تؤمِّن الصادرات الألمانية إلى دول أخرى في الاتحاد الأوروبي نحو 7.2 مليون وظيفة في ألمانيا، وفقاً لدراسة حديثة أجراها معهد الاستشارات الاقتصادية (بروغنوس) بتكليف من رابطة اقتصاد بافاريا (في بي دابليو).

وحسب الدراسة، تعتمد قيمة مضافة إجمالية في ألمانيا تبلغ نحو 550 مليار يورو على الطلب من دول أخرى في الاتحاد الأوروبي.

وتتعلق هذه الأرقام بعام 2022؛ إذ لا تتوفر بعد البيانات اللازمة للسنوات الأخيرة. ولكن من المرجح أن تكون أهمية هذه الصادرات حالياً في ازدياد وليس في تراجع. وفي الآونة الأخيرة، تراجعت الصادرات الألمانية إلى الولايات المتحدة والصين بشكل عام، بينما زادت الشركات الألمانية صادراتها إلى الاتحاد الأوروبي.

وقال المدير التنفيذي لرابطة اقتصاد بافاريا، بيرترام بروسارت: «بالمقارنة الدولية، يمثل الاتحاد الأوروبي بالنسبة لألمانيا أهمية أكبر بكثير من المناطق الاقتصادية الكبرى الأخرى... إنه يوفر ظروفاً مستقرة وموثوقة، وتزداد أهميتها في ظل تنامي حالة عدم اليقين الجيوسياسي».

وتتحقق في ألمانيا قيمة مضافة مرتفعة بشكل خاص نتيجة الطلب من الاتحاد الأوروبي على قطاعي صناعة السيارات وصناعة الآلات على وجه الخصوص، وكذلك على قطاع الصناعات الكيميائية.

وجاء في الدراسة: «الصناعات الرئيسية -مثل صناعة السيارات وصناعة الآلات- لا تستفيد إلى أقصى حد من الطلب الأوروبي فقط؛ بل إنها مندمجة أيضاً بشكل وثيق من الناحية الهيكلية في شبكات الإنتاج الأوروبية».

وفي المقابل، أشارت الدراسة إلى أن ذلك يجعل الاقتصاد الألماني أيضاً عرضة لدرجة مرتفعة للغاية من الاعتمادية على التطورات الاقتصادية في دول الاتحاد الأوروبي الأخرى.

وأشارت الدراسة إلى أنه في حال حدوث ركود اقتصادي في المنطقة الأوروبية، فإن ذلك قد يؤدي إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي في ألمانيا بأكثر من 20 مليار يورو بحلول عام 2030. وستتضرر من ذلك بشكل خاص صناعة السيارات وصناعة الآلات والصناعات الكيميائية.

ولا تقتصر الدراسة على بحث آثار الطلب على الصادرات الألمانية؛ بل تتناول أيضاً آثار حرية التنقل في منطقة الانتقال الحر «شينغن». وعند رصد آثارها في مجالات نقل البضائع والسياحة والعاملين الذين يتنقلون عبر الحدود من ألمانيا، خلص الباحثون إلى أثر إيجابي يتراوح بين 1.5 مليار وملياري يورو.

وقال بروسارت: «توضح الدراسة أنه يتعين علينا تحسين الظروف الاقتصادية في أوروبا وتعزيز قدرتنا التنافسية من خلال ذلك... يجب استكمال السوق الداخلية من خلال مواصلة إزالة الحواجز التجارية القائمة. فأوروبا القوية اقتصادياً تضمن النمو، لا سيما في ألمانيا وبافاريا».