إيرادات غير مسبوقة لشركات الاتصالات السعودية

تجاوزت 14.8 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026

منظر عام لمدينة الرياض في الساعات الأولى من المساء (رويترز)
منظر عام لمدينة الرياض في الساعات الأولى من المساء (رويترز)
TT

إيرادات غير مسبوقة لشركات الاتصالات السعودية

منظر عام لمدينة الرياض في الساعات الأولى من المساء (رويترز)
منظر عام لمدينة الرياض في الساعات الأولى من المساء (رويترز)

حققت شركات الاتصالات السعودية المدرجة في السوق المالية إيرادات تتجاوز 14.8 مليار دولار (55.53 مليار ريال) خلال النصف الأول من 2026، بنمو قدره 3.59 في المائة، مدفوعةً بارتفاع إيرادات خدمات العملاء وقطاع الأعمال ونمو إيرادات النواقل والمشغلين، والزيادة في قاعدة العملاء، وتحسن مزيج الإيرادات.

واستحوذت «إس تي سي» على 72.2 في المائة من إيرادات شركات القطاع خلال النصف الأول من 2026، بإجمالي 10.7 مليار دولار (40.11 مليار ريال)، مسجلةً زيادة وصلت إلى 3.75 في المائة على أساس سنوي، كما نمت إيرادات «موبايلي» بنسبة 5.35 في المائة، لتصل إلى 2.7 مليار دولار (10.12 مليار ريال)، فيما انخفضت إيرادات «زين السعودية» 0.7 في المائة إلى 1.4 مليار دولار (5.3 مليار ريال).

ويضم القطاع 4 شركات مدرجة، 3 منها ينتهي عامها المالي في ديسمبر (كانون الأول)، وهي: «الاتصالات السعودية» (إس تي سي)، و«اتحاد اتصالات» (موبايلي)، و«الاتصالات المتنقلة» (زين السعودية)، في حين ينتهي العام المالي لشركة «اتحاد عذيب للاتصالات» (جو)، في نهاية مارس (آذار) من كل عام.

وكشفت النتائج المالية لقطاع الاتصالات السعودي عن نمو صافي أرباح الشركات الثلاث خلال النصف الأول من 2026 بنسبة 2.33 في المائة، لتصل إلى 9.5 مليار ريال، مقارنةً بالفترة المماثلة من العام الماضي، التي حققت خلالها أرباحاً بـ9.29 مليار ريال، وبزيادة تقدر بـ216 مليون ريال.

رجل يمر أمام مكتب شركة الاتصالات السعودية «STC» في الرياض (رويترز)

وجاءت الزيادة في الأرباح نتيجة ارتفاع أرباح «موبايلي» بنسبة 11.5 في المائة، لتصل إلى 1.78 مليار ريال، ونمو أرباح «زين السعودية» بنسبة 84.1 في المائة إلى 405 ملايين ريال، فيما تراجعت أرباح «إس تي سي» بنسبة 2.05 في المائة إلى 7.32 مليار ريال.

وعلى مستوى نتائج الربع الثاني من 2026، ارتفعت إيرادات شركات قطاع الاتصالات إلى 28 مليار ريال، إلا أنها سجلت انخفاضاً طفيفاً بنسبة 1.1 في المائة إلى 4.73 مليار ريال مقارنةً بـ4.78 مليار ريال في الربع المماثل من العام الماضي.

وجاء انخفاض أرباح الربع الثاني، متأثرة بتراجع أرباح شركة الاتصالات السعودية «إس تي سي»، بنسبة 5.2 في المائة، إلى 3.623 مليار ريال، مقابل 3.82 مليار ريال في الربع المقارن من العام الماضي، فيما ارتفعت أرباح شركتي «موبايلي» و«زين السعودية» بنسبة 8.55 و60.6 في المائة على التوالي، لتصل إلى 901 مليون ريال و204 ملايين ريال على الترتيب.

استمرار الطلب

وفي تعليق على هذه النتائج، قال الخبير المالي والاقتصادي عضو «جمعية الاقتصاد» السعودية الدكتور سليمان آل حميد الخالدي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الأرقام جاءت مطمئنة؛ فقد تجاوزت الأرباح المجمعة لشركات القطاع 9.5 مليار ريال بنمو بلغ 2.3 في المائة، كما ارتفعت إيراداتها لأكثر من 55.5 مليار ريال، وهو ما يعكس استمرار الطلب على خدمات الاتصالات والتقنية، ويؤكد أن القطاع لا يزال أحد أكثر القطاعات استقراراً وربحية في السوق المالية السعودية.

وأضاف أن اللافت في النتائج هو التفاوت الواضح في أداء الشركات، موضحاً أن «موبايلي» قدّمت نتائج مميزة، وواصلت تحسين ربحيتها من خلال رفع الكفاءة التشغيلية، وتنويع مصادر الدخل، والتوسع في الخدمات الرقمية، وهو ما انعكس على نمو أرباحها بأكثر من 11 في المائة، كما سجّلت «زين» القفزة الأكبر، بنمو تجاوز 84 في المائة، وهي نتيجة تعكس نجاح الإدارة في إعادة هيكلة الأعمال، وضبط المصروفات، وتحسين هوامش الربحية، بعد سنوات من العمل على تعزيز المركز المالي للشركة.

في المقابل، تراجعت أرباح «إس تي سي» بصورة طفيفة، إلا أن هذا التراجع لا يدعو إلى القلق، فما زالت الشركة تُحقق أكثر من 7.3 مليار ريال أرباحاً، وتستحوذ على ما يزيد على 72 في المائة من إيرادات القطاع، وهو ما يؤكد استمرار ريادتها، مضيفاً أن انخفاض الأرباح يعود في المقام الأول إلى ارتفاع حجم الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية، وشبكات الجيل الخامس، ومراكز البيانات، والذكاء الاصطناعي، وهي استثمارات سترسم ملامح نمو الشركة خلال السنوات المقبلة.

مبنى «زين السعودية» في الرياض (الشركة)

وأشار الدكتور الخالدي إلى أن أهم ما كشفت عنه النتائج هو أن شركات الاتصالات تواجه اليوم ارتفاعاً في التكاليف التشغيلية والرأسمالية، في ظل تسارع الاستثمار في التقنيات الحديثة، واشتداد المنافسة، وارتفاع متطلبات الأمن السيبراني، وتطور الخدمات الرقمية، ولم تعد شركات الاتصالات تبيع دقائق اتصال أو باقات بيانات فقط، بل أصبحت شركات تقنية متكاملة، تتنافس في الحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والخدمات الرقمية، وهذه التحولات تتطلب استثمارات ضخمة قبل أن تنعكس بصورة أكبر على الأرباح، وستكون المرحلة المقبلة مختلفة، والكلمة للشركة الأكثر قدرة على تحويل هذه الاستثمارات إلى تدفقات نقدية مستدامة وربحية أعلى، وليس فقط إلى نمو في الإيرادات.

التحول الرقمي

ويتوقع الدكتور الخالدي أن يدخل قطاع الاتصالات السعودي مرحلة أكثر نضجاً، مدعوماً بالتحول الرقمي الكبير الذي تشهده المملكة، وبرامج «رؤية السعودية 2030»، وأن يستمر نمو القطاع في السنوات المقبلة، مع تحسن تدريجي في هوامش الربحية كلما بدأت الاستثمارات الحالية في تحقيق عوائدها، مضيفاً أن النتائج الحالية تؤكد أن القطاع يسير في الاتجاه الصحيح، وأن اختلاف معدلات نمو الأرباح بين الشركات ليس مؤشراً على ضعف، بل يعكس اختلاف الاستراتيجيات ودورات الاستثمار، ومَن يقرأ الأرقام بعمق يدرك أن المستقبل في هذا القطاع سيكون لمن يجمع بين الابتكار، والكفاءة التشغيلية، والانضباط المالي.

من جانبه، يرى الرئيس التنفيذي لشركة «جي وورلد»، محمد حمدي عمر، خلال تصريح له لـ«الشرق الأوسط»، أن نتائج أداء شركات القطاع خلال النصف الأول من 2026 تعكس استمرار متانة قطاع الاتصالات السعودي وقدرته على تحقيق نمو في الإيرادات والأرباح، إلا أن قراءة النتائج تحتاج إلى التمييز بين النمو المحاسبي والنمو التشغيلي الفعلي لكل شركة، مضيفاً أن استحواذ «إس تي سي» على أكثر من 72 في المائة من الإيرادات المجمعة يعكس الفارق الكبير في الحجم ونطاق الأعمال، وليس فقط عدد المشتركين في خدمات الاتصالات التقليدية، فالمجموعة تمتلك حضوراً واسعاً في خدمات قطاع الأعمال، والربط الدولي، والبنية التحتية الرقمية، ومراكز البيانات، والحوسبة السحابية، والتقنيات المالية، إلى جانب عملياتها وشركاتها التابعة داخل المملكة وخارجها، متوقعاً عدم حدوث تقارب في إجمالي الإيرادات بين الشركات الثلاث خلال المستقبل القريب؛ لأن الفارق يرتبط بهيكل الأعمال والأصول والاستثمارات المتراكمة، وليس بمجرد المنافسة على شرائح الهاتف المحمول.

وأضاف أننا قد نشهد تقارباً تدريجياً في معدلات النمو والربحية التشغيلية، خصوصاً مع نمو إيرادات موبايلي بنسبة 5.3 في المائة وارتفاع أرباحها بنسبة 11.5 في المائة خلال النصف الأول، وتحسن مزيج إيرادات «زين السعودية» وكفاءتها التشغيلية. وهذا يعني أن المنافسين يستطيعون تقليص الفجوة داخل قطاعات محددة، مثل الجيل الخامس، وخدمات المنشآت، والحلول الرقمية، ولكن من الصعب أن ينعكس ذلك سريعاً على الحصة الإجمالية من إيرادات القطاع، مشيراً إلى أن حصة الشركة من الإيرادات ليست بالضرورة مساوية لحصتها السوقية من المشتركين؛ لأن إيرادات خدمات الشركات والحوسبة السحابية ومراكز البيانات والخدمات الرقمية تختلف في قيمتها وهوامشها عن إيرادات خدمات الأفراد.

مراكز البيانات

ويتوقع عمر أن يحافظ قطاع الاتصالات السعودي على مسار نمو إيجابي ومعتدل خلال النصف الثاني من 2026، مع انتقال المنافسة بصورة أكبر من بيع الاتصال والبيانات إلى تقديم منظومة متكاملة من الخدمات الرقمية، كما سيأتي النمو المتوقع بصورة رئيسية من الحوسبة السحابية، ومراكز البيانات، والأمن السيبراني، وإنترنت الأشياء، والخدمات المدارة للمنشآت والجهات الحكومية، إضافة إلى الحلول المالية والمنصات الرقمية، وستكون خدمات قطاع الأعمال أكثر تأثيراً في نمو الإيرادات من خدمات الاتصالات التقليدية، التي أصبحت سوقاً أكثر نضجاً.

ويرجح أن يظهر أثر الذكاء الاصطناعي على نتائج أداء شركات القطاع على مرحلتين؛ تبدأ الأولى بتحسين الكفاءة التشغيلية من خلال إدارة الشبكات، وتوقع الأعطال، وخدمة العملاء، ومكافحة الاحتيال، وترشيد النفقات، وفي المرحلة التالية سيتحول إلى مصدر مباشر للإيرادات عبر البنية التحتية المخصصة للذكاء الاصطناعي، والخدمات السحابية، وتحليل البيانات، والحلول المقدمة للشركات والقطاعات الحكومية.

جناح «موبايلي» في مؤتمر «ليب 24» (تصوير: تركي العقيلي)

كما يتوقع عمر استمرار شركة «stc» في تحقيق نمو مستقر مدعوماً بتنوع أعمالها وتوسع أعمالها داخل القطاع مع استمرار تركيزها على الاستحواذات لتزيد من محفظة شركاتها وتنوعها، مع ملاحظة أن انخفاض صافي ربحها المعلن بنسبة 2 في المائة لا يعكس كامل الأداء التشغيلي؛ إذ ارتفع الربح بنسبة 6.3 في المائة بعد استبعاد البنود غير المتكررة، كما تحسن الربح التشغيلي بنسبة 7.8 في المائة.

ويرجح أن تواصل «موبايلي» تسجيل أداء قوي إذا حافظت على نمو الإيرادات وتحسن الهوامش؛ حيث ارتفع هامش الأرباح قبل الفوائد والضرائب والاستهلاك والإطفاء إلى 38.9 في المائة خلال النصف الأول، مضيفاً أن «زين السعودية»، قد تستمر في تحسين الربحية، لكن نسبة النمو البالغة 84 في المائة لا يُتوقع بالضرورة استمرارها بالمعدل نفسه، لوجود دخل غير متكرر بلغ 112 مليون ريال؛ وبعد استبعاده يصبح نمو الأرباح الأساسي أقرب إلى 8 في المائة.

ويرجح عمر أن يعتمد أداء القطاع في النصف الثاني على قدرة الشركات على تحويل استثماراتها الرقمية إلى إيرادات متكررة ذات هوامش مرتفعة، مضيفاً أن المنافسة الحقيقية المقبلة لن تكون فقط على عدد المشتركين أو أسعار الباقات، بل على مَن يستطيع أن يتحول بصورة أسرع من شركة اتصالات إلى شركة تقنية رقمية متكاملة.


مقالات ذات صلة

تركيا: «اتفاقية مكة» منصة محورية ستغير قواعد اللعبة في المنطقة

الخليج وقَّع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» في 7 أغسطس الماضي (الرئاسة التركية)

تركيا: «اتفاقية مكة» منصة محورية ستغير قواعد اللعبة في المنطقة

أكدت تركيا أن «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» مرشحة للتوسع، وستتحول إلى منصة محورية ستغير قواعد اللعبة في المنطقة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد المركز المالي في الرياض (كافد)

مبادرة «استرداد» تتيح للمنشآت الصغيرة والمتوسطة استعادة 10 رسوم حكومية

دعت وزارة الصناعة المنشآت الصغيرة والمتوسطة للتحقق من أهليتها لمبادرة «استرداد»، التي تتيح استعادة 10 رسوم حكومية لتخفيف الأعباء ودعم النمو.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد نائب وزير الصناعة ورئيس قطاع الأغذية في «بيبسيكو» خلال افتتاح المركز الإقليمي للبحث والتطوير في الرياض (تركي العقيلي)

«بيبسيكو» توسع أعمالها في السعودية من بوابة الرياض

تتجه صناعة الأغذية في السعودية إلى تعزيز التوطين، مع اعتماد «بيبسيكو» على الإنتاج المحلي لـ95 % من منتجاتها، و100 في المائة من البطاطس المستخدمة في منتجاتها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي أنطونيو غوتيريش مستقبلاً جاسم البديوي في نيويورك السبت (مجلس التعاون الخليجي)

إدانة أممية - خليجية لهجمات الحوثيين على السعودية

أدانت الأمم المتحدة ومجلس التعاون الخليجي هجمات ميليشيا الحوثي الإرهابية على السعودية، واستهدافها الأعيان المدنية، وتأثيرها الخطير على أمن واستقرار المنطقة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الخليج اللواء الركن تركي المالكي المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن (الشرق الأوسط)

التحالف: تدمير باليستي أطلقته ميليشيا الحوثي باتجاه الرياض

أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن نجاح قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي في اعتراض وتدمير صاروخ باليستي أطلقته ميليشيا الحوثي الإرهابية باتجاه الرياض، السبت.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)

تتجه الولايات المتحدة إلى زيادة اعتمادها على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها القياسية من الاقتراض، في وقت ترتفع فيه كلفة الدين طويل الأجل، ما يوفر للخزانة تمويلاً أرخص في الأجل القريب، لكنه يزيد في المقابل تعرض المالية العامة لمخاطر إعادة التمويل وتقلب أسعار الفائدة.

وذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن بنوك «وول ستريت» تتوقع أن تصل إصدارات أذون الخزانة إلى نحو تريليون دولار خلال العام المقبل. ويقدّر «بنك أوف أميركا» الإصدارات بنحو 1.07 تريليون دولار خلال السنة المالية المنتهية في سبتمبر (أيلول) 2027، باستثناء المبالغ المستخدمة لإعادة تمويل الديون المستحقة، فيما توقع «جي بي مورغان» نحو 1.09 تريليون دولار خلال عام 2027، مقابل 961 مليار دولار وفق تقديرات «غولدمان ساكس».

وتأتي هذه التوقعات مع ارتفاع عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ 2007، وسط زيادة الدين العام، وتنامي احتياجات الشركات إلى الاقتراض لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تحسن توقعات النمو الاقتصادي.

تريليون دولار إضافية

ويؤدي الاعتماد المتزايد على أذون الخزانة، التي تستحق خلال عام أو أقل، إلى رفع حجم الدين القصير القائم إلى نحو 8 تريليونات دولار، أو ما يعادل 24.3 في المائة من إجمالي الدين القابل للتداول بحلول سبتمبر 2027 وفق تقدير «بنك أوف أميركا».

ويقترب ذلك من المستويات المرتفعة التي سُجلت خلال جائحة «كوفيد-19»، ويتجاوز المستوى الذي تستهدفه لجنة استشارية تابعة لوزارة الخزانة، والبالغ نحو 20 في المائة من إجمالي الدين على المدى الطويل، باعتباره توازناً بين كلفة الفائدة ومخاطر تقلب تكاليف التمويل وإعادة تدوير الدين.

وتشير بيانات تاريخية إلى أن نسبة أذون الخزانة تجاوزت ربع إجمالي الدين القابل للتداول خلال فترات استثنائية، أبرزها الجائحة والأزمة المالية العالمية في 2008. أما متوسطها منذ ثمانينات القرن الماضي فيبلغ نحو 22.4 في المائة.

ويرى محللون أن استراتيجية التمويل القصير تمنح وزارة الخزانة ميزة واضحة في الوقت الحالي، إذ يبلغ عائد أذون الخزانة لأجل عام نحو 4.4 في المائة، مقارنة بنحو 5 في المائة للسندات لأجل 10 سنوات ونحو 5.3 في المائة للسندات لأجل 30 عاماً.

لكن انخفاض الكلفة الحالية يأتي مقابل الحاجة إلى إعادة تمويل هذه الديون بوتيرة أسرع. وحذر محللون، وفق «فاينانشال تايمز»، من أن زيادة الاعتماد على الآجال القصيرة تجعل فاتورة خدمة الدين أكثر تقلباً إذا ارتفعت أسعار الفائدة، فيما وصف آخرون ذلك بأنه زيادة في «مخاطر تدوير الدين»، وفق «فاينانشال تايمز».

تعرض الشاشات مؤتمراً صحافياً لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

استراتيجية بيسنت

وتكتسب هذه السياسة أهمية إضافية في ظل مساعي وزير الخزانة سكوت بيسنت للحد من ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل. وكانت وزارة الخزانة قد فاجأت الأسواق الشهر الماضي بخطط لتوسيع مشترياتها من السندات التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً، في خطوة تهدف إلى المساعدة في احتواء تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وفي الوقت نفسه، تواصل الوزارة زيادة إصدارات الدين القصير لتلبية احتياجات الحكومة التمويلية الكبيرة. ويأتي ذلك رغم أن بيسنت كان قد انتقد في السابق وزيرة الخزانة السابقة جانيت يلين بسبب زيادة الاعتماد على الدين القصير، معتبراً أن تلك السياسة ساهمت في تخفيف شروط التمويل قبل انتخابات 2024.

وتجد الخزانة الأميركية في المقابل قاعدة واسعة من المشترين لأذونها. وتبلغ أصول صناديق سوق النقد الأميركية نحو 8 تريليونات دولار، فيما اشترى الاحتياطي الفيدرالي نحو 250 مليار دولار من أذون الخزانة خلال النصف الأول من العام، وفق «فاينانشال تايمز». كما ينظر بيسنت إلى العملات المستقرة المرتبطة بالدولار باعتبارها مصدراً إضافياً للطلب على أدوات الدين القصيرة.

عجز مرتفع

وتأتي زيادة الاعتماد على الدين القصير في وقت لا تزال فيه المالية الأميركية تواجه عجزاً كبيراً. ويتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن يبقى العجز عند نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي طوال أفق توقعاته لعشر سنوات، وهو مستوى يزيد كثيراً على هدف بيسنت البالغ 3 في المائة بنهاية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب.

ويراهن بيسنت على احتواء الإنفاق وتعزيز النمو الاقتصادي كوسيلة لتخفيف عبء الدين، وقال في وقت سابق من الشهر إن المشكلة الرئيسية في الولايات المتحدة تتعلق بالإنفاق وليس بالإيرادات، وإن تحقيق نمو عند 3 في المائة يمكن أن يساعد البلاد على «النمو للخروج» من عبء الدين.

لكن ارتفاع أسعار الفائدة يضع هذا الرهان أمام اختبار مزدوج: فالنمو الأقوى قد يدعم الإيرادات ويخفف نسبة الدين إلى الناتج، فيما يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة كلفة خدمة الدين، خصوصاً إذا اضطرت الخزانة إلى إعادة تمويل جزء أكبر من محفظتها بوتيرة أسرع.


الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
TT

الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)

قال وزير الدولة لشؤون الطاقة والرئيس التنفيذي لـ«قطر للطاقة»، سعد الكعبي، إن الشركة تنتج حالياً «كمية ضئيلة جداً» من الغاز الطبيعي المسال، في ظل الاضطرابات التي أثرت على عملياتها، متوقعاً إمكانية استئناف عمليات الغاز بصورة طبيعية خلال «بضعة أسابيع» من إعادة فتح مضيق هرمز.

وأضاف الكعبي، خلال مشاركته في منتدى قطر الاقتصادي في نيويورك، أن عدداً من قطارات توسعة حقل الشمال الشرقي (NFE) سيبدأ الإنتاج في عام 2027، على أن تبدأ توسعة حقل الشمال الجنوبي (NFS) الإنتاج في عام 2028.

وأوضح أن القطارين الثاني والثالث من مشروع «غولدن باس» للغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة سيبدآن التشغيل خلال عام 2027، ما سيدعم إمدادات الشركة من خارج قطر في إطار توسعها العالمي في إنتاج الغاز.

وتأتي تصريحات الكعبي في وقت لا تزال فيه حركة ناقلات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز محدودة، فيما تسعى «قطر للطاقة» إلى تأمين إمدادات بديلة للوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وكانت الشركة قد بدأت محادثات للحصول على عقود طويلة الأجل للغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة حتى عام 2031، بعد الأضرار التي لحقت بمنشآت رأس لفان.

ويُعد مضيق هرمز المنفذ البحري الرئيسي لصادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية، ما يجعل إعادة فتحه عاملاً حاسماً في عودة تدفقات الغاز إلى مستوياتها الطبيعية. وكانت بيانات حديثة قد أظهرت عودة عدد محدود من ناقلات الغاز إلى المنطقة، مع بقاء حركة العبور دون متوسطها المعتاد.


قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
TT

قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)

تتجه قطر إلى توسيع حضور «جهاز قطر للاستثمار» في السوق المحلية، عبر منصة استثمارية جديدة تتولى إدارة وتنمية أصول الجهاز داخل البلاد، في خطوة تعكس إعادة صياغة لاستراتيجيته الاستثمارية، وتفتح قناة جديدة لتوظيف رأس المال السيادي في مشروعات الاقتصاد المحلي.

وكشف رئيس الوزراء القطري عن «منصة الدوحة الاستثمارية»، موضحاً أنها ستكون مخصصة للاستثمار في الصفقات المحلية، وستتولى إدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وقال إن المنصة تأتي في إطار إعادة صياغة استراتيجية الجهاز وتعزيز جهوده في الاستثمار داخل قطر، وذلك خلال مشاركته في النسخة الخاصة من «منتدى قطر الاقتصادي» التي تُعقد في نيويورك، بالتزامن مع أسبوع الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي يناقش التحولات في حركة رأس المال والاستثمار والمخاطر الجيوسياسية والمرونة الاقتصادية.

ويأتي التوجه الجديد في وقت تتوقع فيه الدوحة تدفق استثمارات كبيرة إلى قطاعات البنية التحتية والعقارات والضيافة، مع تقديرات بترسية مشاريع بنية تحتية بقيمة 38.5 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، بينما يُتوقع أن تجذب مشاريع العقارات والضيافة استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار.

وتشير هذه الأرقام، مجتمعة، إلى فرص استثمارية محتملة بنحو 61 مليار دولار في قطاعين رئيسيين خلال السنوات الخمس المقبلة، وإن كانت لا تعني بالضرورة أن هذه القيمة ستُموَّل مباشرة من جهاز قطر للاستثمار أو من المنصة الجديدة.

رأس المال السيادي في السوق المحلية

ويضع إنشاء المنصة الجديدة جهاز قطر للاستثمار أمام دور أكثر مباشرة في تطوير الأصول والفرص الاستثمارية المحلية، بدلاً من اقتصار دوره على تخصيص رأس المال في الأسواق والأصول العالمية.

ومن شأن وجود منصة متخصصة في الصفقات المحلية، أن يتيح للجهاز التعامل بصورة أكثر تركيزاً مع الفرص الناشئة من توسع البنية التحتية ونمو قطاعي العقارات والضيافة، فضلاً عن إمكانية إدارة وتنمية الأصول المحلية القائمة ضمن إطار استثماري أكثر تخصصاً.

ويأتي ذلك في وقت تتعامل فيه الاقتصادات الخليجية مع مرحلة تتطلب زيادة كفاءة رأس المال السيادي، وتوجيه جزء منه إلى القطاعات القادرة على توليد نمو محلي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تنويع المحافظ الاستثمارية خارج الأسواق المحلية.

وتشكِّل مشاريع البنية التحتية الجزء الأكبر من الفرص المعلنة؛ إذ تتوقع قطر ترسية مشاريع بقيمة 38.5 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة.

ويمتد أثر هذه المشاريع إلى قطاعات متعددة من الاقتصاد، من الإنشاءات والخدمات الهندسية إلى النقل والخدمات والمقاولات وسلاسل الإمداد، ما يخلق مجالاً أمام المستثمرين المحليين والدوليين للمشاركة في دورة إنفاق طويلة الأجل.

أما قطاعا العقارات والضيافة، فتتوقع الدوحة أن يجذبا استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار، في مؤشر إلى استمرار الرهان على هذه الأنشطة، كجزء من توسع الاقتصاد غير المرتبط بالطاقة.

من جذب رأس المال إلى إدارة الأصول

ويمنح إنشاء «منصة الدوحة الاستثمارية» التوجه القطري بعداً مختلفاً عن مجرد استقطاب الاستثمارات الأجنبية. فالمنصة -وفق ما أعلنه رئيس الوزراء- ستكون مسؤولة عن الاستثمار في الصفقات المحلية، وإدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وهذا يعني أن الهدف لا يقتصر على جذب رأس المال إلى قطر؛ بل يشمل أيضاً توظيف رأس المال السيادي داخل الاقتصاد، والمشاركة في تطوير أصول وفرص استثمارية محلية، يمكن أن تنمو قيمتها مع توسع القطاعات غير النفطية.

وتشير الخطوة القطرية إلى محاولة بناء حلقة أكثر مباشرة بين رأس المال السيادي ومشروعات الاقتصاد المحلي، بحيث لا يكون جهاز الاستثمار مجرد مالك للأصول؛ بل يكون طرفاً في إدارة وتنمية جزء من الفرص الاستثمارية داخل البلاد.