صدمة الطاقة تُعيد رسم المشهد الاقتصادي الياباني

خفض توقعات النمو يفتح الباب أمام دورة أسرع لرفع الفائدة

مقر بنك اليابان المركزي في العاصمة طوكيو (رويترز)
مقر بنك اليابان المركزي في العاصمة طوكيو (رويترز)
TT

صدمة الطاقة تُعيد رسم المشهد الاقتصادي الياباني

مقر بنك اليابان المركزي في العاصمة طوكيو (رويترز)
مقر بنك اليابان المركزي في العاصمة طوكيو (رويترز)

تدخل اليابان النصف الثاني من العام وهي تواجه معادلة اقتصادية شديدة التعقيد: نمو أضعف من المتوقع، وتكاليف طاقة مرتفعة تضغط على الأسر والشركات، وتضخم يبدو أكثر رسوخاً مما كان يعتقد، في وقت تزداد فيه الدعوات إلى أن يتحول بنك اليابان من سياسة التسامح مع ارتفاع الأسعار إلى نهج أكثر حزماً في مكافحتها.

وخفضت الحكومة اليابانية توقعاتها للنمو الاقتصادي للسنة المالية المنتهية في مارس (آذار) 2027 إلى 0.9 في المائة، مقارنة بتقديرات سابقة في يناير (كانون الثاني) بلغت 1.3 في المائة. ويعكس هذا التعديل أثر ارتفاع أسعار النفط المرتبط بالتوترات في الشرق الأوسط، على اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على واردات الوقود.

ولا تقتصر الضغوط على تكلفة الطاقة وحدها، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الواردات إلى تقليص القوة الشرائية للأسر، والضغط على هوامش أرباح الشركات، وتأجيل بعض خطط الإنفاق والاستثمار. ولهذا خفض مكتب مجلس الوزراء توقعاته لنمو الاستهلاك الخاص إلى 0.9 في المائة، من 1.3 في المائة في التقديرات السابقة، كما قلَّص توقعات نمو الإنفاق الرأسمالي إلى 2.3 في المائة من 2.8 في المائة.

ومع ذلك، لا ترى الحكومة أن الاقتصاد يتجه إلى ركود ممتد، فهي تتوقع تسارع النمو إلى 1.1 في المائة في السنة المالية التالية، مدعوماً بتحسن الإنفاق الرأسمالي والاستهلاك الخاص. كما تتوقع ارتفاع الأجور الاسمية بنسبة 3.1 في المائة سنوياً حتى السنة المالية 2027، بما يسمح ببقاء نمو الأجور الحقيقية في المنطقة الإيجابية، رغم استمرار التضخم.

لكن هذه الفرضية تعتمد على قدرة الأجور على مواكبة الأسعار، وهو أمر لم يتحقق بصورة مستقرة بعد. فقد رفعت الحكومة توقعاتها لتضخم أسعار المستهلكين في السنة المالية 2026 إلى 2.2 في المائة، مقارنة بتقدير سابق عند 1.9 في المائة، في انعكاس مباشر لأثر الطاقة.

ويضيف هذا المشهد بُعداً جديداً إلى مهمة بنك اليابان، الذي قضى عقوداً يحاول إخراج الاقتصاد من الانكماش، قبل أن يجد نفسه اليوم أمام تحدي كبح تضخم قد يصبح أكثر ثباتاً.

ويرى تسوتومو واتانابي، المسؤول السابق في البنك المركزي وأستاذ الاقتصاد الفخري بجامعة طوكيو، أن البنك قد يُغير نهجه في أقرب وقت في ديسمبر (كانون الأول)، وينتقل من سياسة «التسامح مع التضخم» إلى سياسة تستهدف مكافحته بصورة أكثر نشاطاً.

وحسب واتانابي، تمر اليابان حالياً بموجة ثالثة من التضخم. جاءت الأولى بعد الحرب الأوكرانية، والثانية بفعل ارتفاع الأجور المحلية وتكاليف الأرز، في حين ترتبط الموجة الحالية بالصراع في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة.

ويتوقع واتانابي أن تكون هذه الموجة أقل حدة من سابقاتها، وأن يبلغ التضخم، باستثناء الغذاء الطازج والوقود، ذروته قرب 3 في المائة في مارس من العام المقبل، قبل أن يتراجع تدريجياً نحو هدف بنك اليابان البالغ 2 في المائة. لكنه يُحذّر من أن مصدر القلق الحقيقي هو التضخم الأساسي، الذي يقترب بالفعل من 2 في المائة مع ضيق سوق العمل وارتفاع الأجور وتوسع الشركات في رفع الأسعار.

وكان بنك اليابان قد اعتمد لسنوات نهجاً حذراً، يسمح بارتفاع الأسعار تدريجياً لضمان خروج الاقتصاد بصورة دائمة من الانكماش. لكن استمرار هذا النهج، وفق واتانابي، قد يصبح خطراً إذا تجاوز التضخم الأساسي 2.2 في المائة تقريباً بحلول يوليو (تموز) من العام المقبل، لأن البنك قد يضطر حينها إلى رفع أسعار الفائدة بوتيرة حادة ومتأخرة.

ويرى أن التحول المطلوب يجب أن يكون استباقياً، فإذا أظهرت مفاوضات الأجور للعام المقبل أن الزيادات ستظل قوية وقريبة من مستويات السنوات الأخيرة، فقد يبدأ البنك منذ ديسمبر دورة أسرع لرفع الفائدة، بمعدل مرة كل 3 أشهر بدلاً من نحو مرتين سنوياً حالياً.

وقد أنهى بنك اليابان في 2024 مرحلة التحفيز النقدي الضخم، بعدما تجاوز التضخم مستوى 2 في المائة مدفوعاً بصدمات العرض وارتفاع الأجور. كما رفع أسعار الفائدة عدة مرات، كان أحدثها في يونيو (حزيران)، لتصل الفائدة الأساسية إلى 1 في المائة. ومع ذلك، تظل تكلفة الاقتراض الحقيقية سالبة، لأن التضخم ما زال يدور حول 2 في المائة. وهذا ما يفسر استمرار شكوك الأسواق بشأن مدى استعداد البنك لمواجهة التضخم. فاليابان تملك خبرة طويلة في مكافحة انخفاض الأسعار، لكنها لا تملك الخبرة نفسها في التعامل مع تضخم مستمر يتزامن مع نمو ضعيف.

وتتداخل هذه الضغوط النقدية مع تحديات المالية العامة. فقد توقعت الحكومة عودة الميزانية الأولية إلى فائض بقيمة 1.4 تريليون ين في السنة المالية 2027. لكن هذا الهدف يظل موضع شك بعد عقود من العجز وتراكم ديون تتجاوز ضعف حجم الاقتصاد، وهي النسبة الأعلى بين الاقتصادات المتقدمة.

وظلت الميزانية الأولية في حالة عجز خلال معظم فترة ما بعد الحرب، باستثناء سنوات فقاعة الأصول بين 1986 و1991. كما تأجل هدف العودة إلى الفائض، الذي طُرح للمرة الأولى في أوائل الألفية، مرات عدة، ما يجعل التوقع الجديد رهناً بتحقق النمو، واستمرار ارتفاع الإيرادات، وعدم تعرض الاقتصاد لصدمات إضافية.

وفي المحصلة، تواجه اليابان مفارقة واضحة؛ فهي تحتاج إلى دعم النمو والاستهلاك، لكنها في الوقت نفسه قد تضطر إلى تشديد السياسة النقدية لكبح التضخم. وإذا رفع بنك اليابان الفائدة بسرعة، فقد يزيد الضغط على الاستثمار والطلب؛ أما إذا تحرك ببطء فقد يسمح للأسعار بالابتعاد أكثر عن هدفه. ولهذا سيكون مسار الأجور وأسعار الطاقة حاسماً في الأشهر المقبلة. فنجاح اليابان لن يُقاس فقط بقدرتها على الحفاظ على نمو إيجابي، بل بقدرتها على تثبيت التضخم قرب 2 في المائة من دون خنق النشاط الاقتصادي أو دفع المالية العامة إلى ضغوط جديدة. وقد نجح بنك اليابان في إخراج التضخم من دائرة الصفر، لكن التحدي الأصعب الآن هو إعادة تثبيته عند مستوى يمكن للاقتصاد والأسر تحمله.


مقالات ذات صلة

قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

الاقتصاد مدينة الدوحة (أ.ف.ب)

قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

تتجه قطر إلى توسيع حضور «جهاز قطر للاستثمار» في السوق المحلية، عبر منصة استثمارية جديدة تتولى إدارة وتنمية أصول الجهاز داخل البلاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد المركز المالي في الرياض (كافد)

مبادرة «استرداد» تتيح للمنشآت الصغيرة والمتوسطة استعادة 10 رسوم حكومية

دعت وزارة الصناعة المنشآت الصغيرة والمتوسطة للتحقق من أهليتها لمبادرة «استرداد»، التي تتيح استعادة 10 رسوم حكومية لتخفيف الأعباء ودعم النمو.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد نائب وزير الصناعة ورئيس قطاع الأغذية في «بيبسيكو» خلال افتتاح المركز الإقليمي للبحث والتطوير في الرياض (تركي العقيلي)

«بيبسيكو» توسع أعمالها في السعودية من بوابة الرياض

تتجه صناعة الأغذية في السعودية إلى تعزيز التوطين، مع اعتماد «بيبسيكو» على الإنتاج المحلي لـ95 % من منتجاتها، و100 في المائة من البطاطس المستخدمة في منتجاتها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية ألفارو لاريو (الشرق الأوسط)

خاص رئيس «إيفاد» لـ«الشرق الأوسط»: العقوبات أكبر تحدٍ لقنوات التحويلات

بلغت التحويلات إلى الدول منخفضة ومتوسطة الدخل 728.6 مليار دولار في 2025، وسط دعوات لتوسيع القنوات الرقمية وخفض كلفة وصول الأموال للأسر.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
الاقتصاد يستضيف المؤتمر قادة الأعمال وصنّاع القرار وخبراء محليين ودوليين لبحث دور الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل الاقتصاد (الشرق الأوسط)

«الاقتصادية» تطلق منتداها السنوي الأول حول «الذكاء الاصطناعي» أكتوبر المقبل

تطلق صحيفة «الاقتصادية»، النسخة الأولى من منتداها السنوي تحت عنوان «اقتصادنا والذكاء الاصطناعي»، الذي يُقام في 5 أكتوبر (تشرين الأول).

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)

تتجه الولايات المتحدة إلى زيادة اعتمادها على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها القياسية من الاقتراض، في وقت ترتفع فيه كلفة الدين طويل الأجل، ما يوفر للخزانة تمويلاً أرخص في الأجل القريب، لكنه يزيد في المقابل تعرض المالية العامة لمخاطر إعادة التمويل وتقلب أسعار الفائدة.

وذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن بنوك «وول ستريت» تتوقع أن تصل إصدارات أذون الخزانة إلى نحو تريليون دولار خلال العام المقبل. ويقدّر «بنك أوف أميركا» الإصدارات بنحو 1.07 تريليون دولار خلال السنة المالية المنتهية في سبتمبر (أيلول) 2027، باستثناء المبالغ المستخدمة لإعادة تمويل الديون المستحقة، فيما توقع «جي بي مورغان» نحو 1.09 تريليون دولار خلال عام 2027، مقابل 961 مليار دولار وفق تقديرات «غولدمان ساكس».

وتأتي هذه التوقعات مع ارتفاع عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ 2007، وسط زيادة الدين العام، وتنامي احتياجات الشركات إلى الاقتراض لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تحسن توقعات النمو الاقتصادي.

تريليون دولار إضافية

ويؤدي الاعتماد المتزايد على أذون الخزانة، التي تستحق خلال عام أو أقل، إلى رفع حجم الدين القصير القائم إلى نحو 8 تريليونات دولار، أو ما يعادل 24.3 في المائة من إجمالي الدين القابل للتداول بحلول سبتمبر 2027 وفق تقدير «بنك أوف أميركا».

ويقترب ذلك من المستويات المرتفعة التي سُجلت خلال جائحة «كوفيد-19»، ويتجاوز المستوى الذي تستهدفه لجنة استشارية تابعة لوزارة الخزانة، والبالغ نحو 20 في المائة من إجمالي الدين على المدى الطويل، باعتباره توازناً بين كلفة الفائدة ومخاطر تقلب تكاليف التمويل وإعادة تدوير الدين.

وتشير بيانات تاريخية إلى أن نسبة أذون الخزانة تجاوزت ربع إجمالي الدين القابل للتداول خلال فترات استثنائية، أبرزها الجائحة والأزمة المالية العالمية في 2008. أما متوسطها منذ ثمانينات القرن الماضي فيبلغ نحو 22.4 في المائة.

ويرى محللون أن استراتيجية التمويل القصير تمنح وزارة الخزانة ميزة واضحة في الوقت الحالي، إذ يبلغ عائد أذون الخزانة لأجل عام نحو 4.4 في المائة، مقارنة بنحو 5 في المائة للسندات لأجل 10 سنوات ونحو 5.3 في المائة للسندات لأجل 30 عاماً.

لكن انخفاض الكلفة الحالية يأتي مقابل الحاجة إلى إعادة تمويل هذه الديون بوتيرة أسرع. وحذر محللون، وفق «فاينانشال تايمز»، من أن زيادة الاعتماد على الآجال القصيرة تجعل فاتورة خدمة الدين أكثر تقلباً إذا ارتفعت أسعار الفائدة، فيما وصف آخرون ذلك بأنه زيادة في «مخاطر تدوير الدين»، وفق «فاينانشال تايمز».

تعرض الشاشات مؤتمراً صحافياً لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

استراتيجية بيسنت

وتكتسب هذه السياسة أهمية إضافية في ظل مساعي وزير الخزانة سكوت بيسنت للحد من ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل. وكانت وزارة الخزانة قد فاجأت الأسواق الشهر الماضي بخطط لتوسيع مشترياتها من السندات التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً، في خطوة تهدف إلى المساعدة في احتواء تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وفي الوقت نفسه، تواصل الوزارة زيادة إصدارات الدين القصير لتلبية احتياجات الحكومة التمويلية الكبيرة. ويأتي ذلك رغم أن بيسنت كان قد انتقد في السابق وزيرة الخزانة السابقة جانيت يلين بسبب زيادة الاعتماد على الدين القصير، معتبراً أن تلك السياسة ساهمت في تخفيف شروط التمويل قبل انتخابات 2024.

وتجد الخزانة الأميركية في المقابل قاعدة واسعة من المشترين لأذونها. وتبلغ أصول صناديق سوق النقد الأميركية نحو 8 تريليونات دولار، فيما اشترى الاحتياطي الفيدرالي نحو 250 مليار دولار من أذون الخزانة خلال النصف الأول من العام، وفق «فاينانشال تايمز». كما ينظر بيسنت إلى العملات المستقرة المرتبطة بالدولار باعتبارها مصدراً إضافياً للطلب على أدوات الدين القصيرة.

عجز مرتفع

وتأتي زيادة الاعتماد على الدين القصير في وقت لا تزال فيه المالية الأميركية تواجه عجزاً كبيراً. ويتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن يبقى العجز عند نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي طوال أفق توقعاته لعشر سنوات، وهو مستوى يزيد كثيراً على هدف بيسنت البالغ 3 في المائة بنهاية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب.

ويراهن بيسنت على احتواء الإنفاق وتعزيز النمو الاقتصادي كوسيلة لتخفيف عبء الدين، وقال في وقت سابق من الشهر إن المشكلة الرئيسية في الولايات المتحدة تتعلق بالإنفاق وليس بالإيرادات، وإن تحقيق نمو عند 3 في المائة يمكن أن يساعد البلاد على «النمو للخروج» من عبء الدين.

لكن ارتفاع أسعار الفائدة يضع هذا الرهان أمام اختبار مزدوج: فالنمو الأقوى قد يدعم الإيرادات ويخفف نسبة الدين إلى الناتج، فيما يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة كلفة خدمة الدين، خصوصاً إذا اضطرت الخزانة إلى إعادة تمويل جزء أكبر من محفظتها بوتيرة أسرع.


الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
TT

الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)

قال وزير الدولة لشؤون الطاقة والرئيس التنفيذي لـ«قطر للطاقة»، سعد الكعبي، إن الشركة تنتج حالياً «كمية ضئيلة جداً» من الغاز الطبيعي المسال، في ظل الاضطرابات التي أثرت على عملياتها، متوقعاً إمكانية استئناف عمليات الغاز بصورة طبيعية خلال «بضعة أسابيع» من إعادة فتح مضيق هرمز.

وأضاف الكعبي، خلال مشاركته في منتدى قطر الاقتصادي في نيويورك، أن عدداً من قطارات توسعة حقل الشمال الشرقي (NFE) سيبدأ الإنتاج في عام 2027، على أن تبدأ توسعة حقل الشمال الجنوبي (NFS) الإنتاج في عام 2028.

وأوضح أن القطارين الثاني والثالث من مشروع «غولدن باس» للغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة سيبدآن التشغيل خلال عام 2027، ما سيدعم إمدادات الشركة من خارج قطر في إطار توسعها العالمي في إنتاج الغاز.

وتأتي تصريحات الكعبي في وقت لا تزال فيه حركة ناقلات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز محدودة، فيما تسعى «قطر للطاقة» إلى تأمين إمدادات بديلة للوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وكانت الشركة قد بدأت محادثات للحصول على عقود طويلة الأجل للغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة حتى عام 2031، بعد الأضرار التي لحقت بمنشآت رأس لفان.

ويُعد مضيق هرمز المنفذ البحري الرئيسي لصادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية، ما يجعل إعادة فتحه عاملاً حاسماً في عودة تدفقات الغاز إلى مستوياتها الطبيعية. وكانت بيانات حديثة قد أظهرت عودة عدد محدود من ناقلات الغاز إلى المنطقة، مع بقاء حركة العبور دون متوسطها المعتاد.


قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
TT

قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)

تتجه قطر إلى توسيع حضور «جهاز قطر للاستثمار» في السوق المحلية، عبر منصة استثمارية جديدة تتولى إدارة وتنمية أصول الجهاز داخل البلاد، في خطوة تعكس إعادة صياغة لاستراتيجيته الاستثمارية، وتفتح قناة جديدة لتوظيف رأس المال السيادي في مشروعات الاقتصاد المحلي.

وكشف رئيس الوزراء القطري عن «منصة الدوحة الاستثمارية»، موضحاً أنها ستكون مخصصة للاستثمار في الصفقات المحلية، وستتولى إدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وقال إن المنصة تأتي في إطار إعادة صياغة استراتيجية الجهاز وتعزيز جهوده في الاستثمار داخل قطر، وذلك خلال مشاركته في النسخة الخاصة من «منتدى قطر الاقتصادي» التي تُعقد في نيويورك، بالتزامن مع أسبوع الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي يناقش التحولات في حركة رأس المال والاستثمار والمخاطر الجيوسياسية والمرونة الاقتصادية.

ويأتي التوجه الجديد في وقت تتوقع فيه الدوحة تدفق استثمارات كبيرة إلى قطاعات البنية التحتية والعقارات والضيافة، مع تقديرات بترسية مشاريع بنية تحتية بقيمة 38.5 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، بينما يُتوقع أن تجذب مشاريع العقارات والضيافة استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار.

وتشير هذه الأرقام، مجتمعة، إلى فرص استثمارية محتملة بنحو 61 مليار دولار في قطاعين رئيسيين خلال السنوات الخمس المقبلة، وإن كانت لا تعني بالضرورة أن هذه القيمة ستُموَّل مباشرة من جهاز قطر للاستثمار أو من المنصة الجديدة.

رأس المال السيادي في السوق المحلية

ويضع إنشاء المنصة الجديدة جهاز قطر للاستثمار أمام دور أكثر مباشرة في تطوير الأصول والفرص الاستثمارية المحلية، بدلاً من اقتصار دوره على تخصيص رأس المال في الأسواق والأصول العالمية.

ومن شأن وجود منصة متخصصة في الصفقات المحلية، أن يتيح للجهاز التعامل بصورة أكثر تركيزاً مع الفرص الناشئة من توسع البنية التحتية ونمو قطاعي العقارات والضيافة، فضلاً عن إمكانية إدارة وتنمية الأصول المحلية القائمة ضمن إطار استثماري أكثر تخصصاً.

ويأتي ذلك في وقت تتعامل فيه الاقتصادات الخليجية مع مرحلة تتطلب زيادة كفاءة رأس المال السيادي، وتوجيه جزء منه إلى القطاعات القادرة على توليد نمو محلي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تنويع المحافظ الاستثمارية خارج الأسواق المحلية.

وتشكِّل مشاريع البنية التحتية الجزء الأكبر من الفرص المعلنة؛ إذ تتوقع قطر ترسية مشاريع بقيمة 38.5 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة.

ويمتد أثر هذه المشاريع إلى قطاعات متعددة من الاقتصاد، من الإنشاءات والخدمات الهندسية إلى النقل والخدمات والمقاولات وسلاسل الإمداد، ما يخلق مجالاً أمام المستثمرين المحليين والدوليين للمشاركة في دورة إنفاق طويلة الأجل.

أما قطاعا العقارات والضيافة، فتتوقع الدوحة أن يجذبا استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار، في مؤشر إلى استمرار الرهان على هذه الأنشطة، كجزء من توسع الاقتصاد غير المرتبط بالطاقة.

من جذب رأس المال إلى إدارة الأصول

ويمنح إنشاء «منصة الدوحة الاستثمارية» التوجه القطري بعداً مختلفاً عن مجرد استقطاب الاستثمارات الأجنبية. فالمنصة -وفق ما أعلنه رئيس الوزراء- ستكون مسؤولة عن الاستثمار في الصفقات المحلية، وإدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وهذا يعني أن الهدف لا يقتصر على جذب رأس المال إلى قطر؛ بل يشمل أيضاً توظيف رأس المال السيادي داخل الاقتصاد، والمشاركة في تطوير أصول وفرص استثمارية محلية، يمكن أن تنمو قيمتها مع توسع القطاعات غير النفطية.

وتشير الخطوة القطرية إلى محاولة بناء حلقة أكثر مباشرة بين رأس المال السيادي ومشروعات الاقتصاد المحلي، بحيث لا يكون جهاز الاستثمار مجرد مالك للأصول؛ بل يكون طرفاً في إدارة وتنمية جزء من الفرص الاستثمارية داخل البلاد.