ماذا يعني إلغاء التصنيف الأميركي لسوريا دولةً راعيةً للإرهاب بالنسبة لاقتصادها؟

خطوة تفتح الباب أمام عودة أوسع للاستثمار والتمويل... ولا تعني انتهاء العقوبات أو التعافي تلقائياً

TT

ماذا يعني إلغاء التصنيف الأميركي لسوريا دولةً راعيةً للإرهاب بالنسبة لاقتصادها؟

 ترمب يصافح الرئيس السوري خلال اجتماع ثنائي على هامش قمة قادة «الناتو» في مجمع بستيبي الرئاسي في أنقرة 8 يوليو (رويترز)
ترمب يصافح الرئيس السوري خلال اجتماع ثنائي على هامش قمة قادة «الناتو» في مجمع بستيبي الرئاسي في أنقرة 8 يوليو (رويترز)

يشكل قرار الإدارة الأميركية البدء بإجراءات إلغاء تصنيف سوريا دولةً راعيةً للإرهاب المدرجة عليه منذ عام 1979، تحولاً سياسياً واقتصادياً هو الأبرز منذ عقود. ولم يكن هذا التصنيف مجرد توصيف سياسي، بل مثّل «حجر الأساس» القانوني والهيكلي الذي بُنيت عليه شبكة العقوبات الدولية المعقدة، وكسره اليوم يفتح الباب مجدداً أمام حركة التجارة، والاستثمار، وجهود إعادة الإعمار الشاملة في البلاد.

وجاء الإعلان الأميركي الأخير بعد ما وصفته واشنطن بـ«التغييرات الإيجابية» للحكومة السورية، والضمانات الرسمية التي قدمها الرئيس السوري أحمد الشرع بعدم دعم أعمال الإرهاب الدولي مستقبلاً. وتبَع ذلك إبلاغ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو للكونغرس بنية الرئيس دونالد ترمب إلغاء التصنيف رسمياً بعد انقضاء فترة الإخطار القانونية البالغة 45 يوماً، واصفاً الخطوة بأنها «تاريخية» وتمنح سوريا فرصة حقيقية لإعادة البناء وفتح فصل جديد للشعب السوري.

وفي دمشق، قوبل القرار الأميركي بترحاب رسمي واسع؛ إذ أكد وزير المالية محمد يسر برنية أن إعلان ترمب إخطار الكونغرس بنيته إلغاء تصنيف سوريا دولةً راعيةً للإرهاب «يمثل لحظة تاريخية تبشر بعهد جديد من الازدهار والنمو والفرص للشعب السوري»، وأضاف أن القرار «يفتح صفحة جديدة أمام الاقتصاد السوري، ويهيئ الطريق لتعزيز الاستثمارات، وتسريع التعافي الاقتصادي، وإعادة اندماج سوريا في الاقتصاد العالمي»، معرباً عن تقديره للجهود الدبلوماسية التي أسهمت في الوصول إلى هذه الخطوة.

وفي السياق ذاته، رحَّب حاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان بالقرار، معتبراً أنه يمثل «نقطة تحول إيجابية» في مسار تعافي الاقتصاد السوري، وقال إنه «يعزز الثقة، ويفتح الباب أمام مزيد من الاستثمارات وإعادة اندماج سوريا في النظام المالي العالمي»، مؤكداً التزام المصرف المركزي بمواصلة الإصلاحات، والحفاظ على الاستقرار النقدي، ودعم مستقبل اقتصادي أكثر ازدهاراً.

إعادة التموضع المالي

من الناحية العملية، يُمهد هذا القرار التاريخي الطريق أمام المصارف السورية لإعادة الارتباط تدريجياً بالنظام المالي العالمي وشبكة المراسلات الدولية ونظام «سويفت» للعمليات المالية الدولية، حيث كان التصنيف السابق يفرض حظراً شاملاً يمنع البنوك المراسلة من التعامل مع أي كيان مالي داخل سوريا خوفاً من الملاحقة القضائية الأميركية.

هذا التحول سيسهم مباشرة في تحسين فرص تمويل التجارة الخارجية وخفض تكلفة تحويلات المغتربين السوريين في الخارج بشكل حاد. هذه التحويلات، التي طالما عانت من الاقتطاعات المرتفعة بسبب اضطرار المغتربين للاعتماد على قنوات صرافة غير رسمية ومعقدة ملتفة على العقوبات، ستتدفق الآن بسلاسة أكبر لتشكل دعامة مباشرة للاستقرار المعيشي والنقدي داخل البلاد.

كسر الفيتو الاستثماري وفتح الباب لشركات إعادة الإعمار

على مدار السنوات الماضية، شكلت العقوبات الأميركية الثانوية المرتبطة بقوائم الإرهاب جداراً عازلاً أرعب الشركات الأجنبية ومنعها من الدخول في أي مشروعات لإعادة الإعمار في سوريا خوفاً من التعرض لغرامات مالية باهظة أو الإقصاء من الأسواق الأميركية.

وتأكيداً على كسر هذا الفيتو، نقلت الإدارة الأميركية عن ترمب قوله للرئيس السوري: «وعدت بإزالة جميع الحواجز التي تمنعكم من إعادة بناء بلدكم، وقريباً جداً ستتمكنون أخيراً من القيام بذلك»، مشيراً إلى وجود شركات أميركية مستعدة بالفعل للاستثمار في سوريا. إن إزالة هذا التصنيف يقلص بشكل حاد «مخاطر السمعة» ويمنح الشركات متعددة الجنسيات الضوء الأخضر القانوني والبروتوكولي للاستثمار في البنية التحتية، والعقارات، والاتصالات.

أحد شوارع دمشق (رويترز)

تنشيط التجارة الخارجية وترميم قطاع الطاقة

من بين القطاعات التي ستشهد تنفساً كبيراً هو قطاع التجارة الخارجية؛ إذ كان الحظر يمتد ليشمل منع استيراد الآلات التكنولوجية والتجهيزات الصناعية المتطورة بذريعة أنها مواد «ذات استخدام مزدوج» (مدني وعسكري). رفع الحظر سيتيح للمصانع والمنشآت السورية استيراد خطوط الإنتاج والمستلزمات الزراعية والطبية بلا قيود معقدة.

وفي قطاع الطاقة الذي يعاني من أزمات خانقة وشلل شبه كامل، سيفتح القرار الباب أمام الشركات الدولية المتخصصة لتقديم القطع البديلة والتكنولوجيا اللازمة لإعادة تأهيل حقول النفط والغاز المتضررة وصيانة محطات توليد الكهرباء المتهالكة، مما ينعكس إيجاباً على الإنتاج الصناعي الكلي عبر تخفيف أزمة الطاقة.

فتح نوافذ التمويل مع مؤسسات «بريتون وودز»

إلى جانب العلاقات الثنائية والتجارية، كان إدراج سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب يفعّل تلقائياً «الفيتو» الأميركي المانع لأي قروض، أو منح، أو حتى مساعدات وتقنيات إصلاحية مقدمة من المؤسسات الماليّة الدولية؛ وعلى رأسها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

بموجب الديناميكية الجديدة، يصبح بإمكان الحكومة السورية نظرياً فتح قنوات تفاوضية مع هذه المؤسسات الدولية لطلب الدعم التنموي والتمويلات اللازمة لإعادة هيكلة الاقتصاد وإصلاح السياسات النقدية والمالية للدولة بعد سنوات من العزلة.

رجل يعمل أثناء تفريغ النفط من شاحنات قادمة من العراق في محطة بانياس النفطية في سوريا (رويترز)

من «الحظر الشامل بقوة القانون» إلى «تقييم المخاطر الاختياري»

ولفهم الآلية التي ستسير وفقها الأمور، يرى خبراء القانون التجاري الدولي أن القرار الأميركي يُحدث تحولاً بنيوياً في فلسفة العقوبات؛ إذ ينقل السوق السورية من مرحلة «الحظر الشامل بقوة القانون» إلى مرحلة «تقييم المخاطر الاختياري» بالنسبة للمؤسسات الدولية.

ففي ظل التصنيف السابق كدولة راعية للإرهاب، كان اقتراب أي بنك أو شركة عالمية من سوريا محظوراً تلقائياً وبشكل قطعي بموجب التشريعات الأميركية الصارمة، دون منح هذه المؤسسات أي هامش للمناورة. أما اليوم، فزال الحظر التلقائي العام، وأصبحت الكرة في ملعب الامتثال الداخلي للشركات والمصارف؛ حيث بات بإمكانها دراسة الجدوى التجارية والاستثمارية في سوريا وتقييم المخاطر المتبقية بشكل اختياري ومستقل، والمضي قدماً في المعاملات إذا تبين لها توافقها مع القوانين الأخرى المتبقية، وهو تغيير جوهري يمنح مرونة واسعة لحركة الأموال والاستثمارات لم تكن متاحة منذ عام 1979.

مصفاة النفط في حقل الجبسة النفطي في بلدة الشدادة بسوريا (أرشيفية تعود لعام 2020- رويترز)

لماذا لن تنتهي الأزمة فوراً؟

رغم الصدى التاريخي الكبير لإعلان وزير الخارجية الأميركي، والقرار التكميلي للأمر التنفيذي الصادر في 30 يونيو (حزيران) 2025 لتخفيف القيود، فإن الأثر الاقتصادي الحقيقي على الأرض لن يظهر بنسبة 100 في المائة بشكل فوري نتيجة لعدة كوابح هيكلية وقانونية معقدة. ويأتي في مقدمة هذه الكوابح بقاء المنظومة العقابية الموازية؛ إذ إن إلغاء هذا التصنيف المحدد لا يعني تفكيك الحصار الاقتصادي كليّاً، نظراً لاستمرار حزم عقوبات واسعة تستند إلى قوانين وأوامر تنفيذية أخرى لا تزال تستهدف قطاعات اقتصادية حيوية، إلى جانب كيانات وأفراد محددين في البلاد.

إلى جانب ذلك، تصطدم الأسواق الناشئة الخارجة من العزلة عادةً بجدار من الحذر المصرفي الدولي، وهو ما يُعرف بمعضلة «الامتثال المفرط» من قِبل البنوك العالمية والمؤسسات المالية الكبرى. وتفضل هذه الجهات التريث لشهور طويلة أو لسنوات، وإجراء مراجعات قانونية داخلية مطوَّلة ومكلفة قبل فتح أي حسابات أو تسهيل اعتمادات تجارية مع السوق السورية، وذلك لتجنب أي ثغرات أو غرامات قد تترتب على حزم العقوبات الأخرى المتبقية.

وفي نهاية المطاف، فإن استعادة الاقتصاد السوري لعافيته وقدرته على جذب الاستثمارات المستدامة لا تتوقف على الشق الخارجي المتمثل في رفع القيود الأميركية فحسب، بل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى قدرة البيئة الداخلية على تبني إصلاحات هيكلية ومؤسسية جذرية، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز الاستقرار النقدي. وبناءً على ذلك، فإن إزالة اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب تُمثل خطوة كبرى لتخفيف مخاطر السمعة وفتح الأبواب المغلقة، غير أن العبور الفعلي نحو التعافي لا يزال طريقاً طويلاً يتطلب استكمال مسار تفكيك بقية العقوبات التي ما زالت تشكل التحدي الأكبر أمام اندماج دمشق في الاقتصاد العالمي.


مقالات ذات صلة

تصاعد ظاهرة هجرة العرب من «الحسكة» السورية بسبب تردي أوضاعهم المعيشية

المشرق العربي عنصر أمن في أحد شوارع الحسكة (مرصد الحسكة)

تصاعد ظاهرة هجرة العرب من «الحسكة» السورية بسبب تردي أوضاعهم المعيشية

أعداد كبيرة من أبناء العشائر العربية تركوا، بعد اتفاق الدمج والبدء بتنفيذه، صفوف «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد).

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي اعتقال أحد المشتبه بهم في حي الورور بدمشق (وزارة الداخلية)

دمشق تتابع تفكيك خلايا «داعش»... وتُكثف الإجراءات الأمنية بالعاصمة وضواحيها

التحقيقات المكثفة مع أفراد الخلية الإرهابية المسؤولة عن تفجيرات السابع من يوليو قادت إلى الكشف عن مخبأ سري لتخزين المتفجرات.

سعاد جروس (دمشق)
تحليل إخباري عناصر أمن سوريون يتفقدون سيارة محترقة بالقرب من فندق «فورسيزونز» في دمشق حيث أقام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ب)

تحليل إخباري هل «داعش» قادر على اختراق الأمن السوري متى شاء؟

«التنظيم لا يمتلك قاعدة شعبية ولا وجوداً مدنياً حقيقياً، بل يعتمد على خلايا نائمة ومتفرقة تحاول استغلال الفراغ الأمني المؤقت بعد سنوات الحرب»...

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي الفرق الهندسية التابعة لقوى الأمن السورية تفككت عبوات ناسفة وأبطلت مفعولها وفق الإجراءات الفنية المعتمدة (الداخلية السورية)

السلطات السورية تعلن كشف مخبأ للمتفجرات لخلية مرتبطة بتنظيم «داعش»

أعلنت السلطات السورية، الجمعة، أن التحقيقات مع أفراد الخلية المسؤولة عن تفجيري 7 يوليو (تموز) في دمشق، خلال زيارة الرئيس الفرنسي قادت إلى كشف مخبأ للمتفجرات.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي قوات إسرائيلية تنشط بمنطقة جبل الشيخ في سوريا يوم 9 ديسمبر 2024 وهو اليوم التالي لسقوط نظام الأسد (رويترز)

أنباء عن نصب أنقرة بطاريات صواريخ في مطار دمشق

تركيا ليست دولة لبنان ولا سوريا ولا إيران، وتحويلها إلى عدو مغامرة ستكون كلفتها باهظة.

نظير مجلي (تل أبيب)

«إيني» تحذر من عودة ارتفاع أسعار النفط حال استمرار حرب إيران

ناقلة محملة بنفط خام إماراتي تصل إلى ميناء سوسان بكوريا الجنوبية بعد عبورها مضيق «هرمز» (رويترز)
ناقلة محملة بنفط خام إماراتي تصل إلى ميناء سوسان بكوريا الجنوبية بعد عبورها مضيق «هرمز» (رويترز)
TT

«إيني» تحذر من عودة ارتفاع أسعار النفط حال استمرار حرب إيران

ناقلة محملة بنفط خام إماراتي تصل إلى ميناء سوسان بكوريا الجنوبية بعد عبورها مضيق «هرمز» (رويترز)
ناقلة محملة بنفط خام إماراتي تصل إلى ميناء سوسان بكوريا الجنوبية بعد عبورها مضيق «هرمز» (رويترز)

قال كلاوديو ديسكالزي، الرئيس التنفيذي لمجموعة «إيني» الإيطالية، إن سوق النفط العالمية ستخرج من نطاقها الذي يتراوح بين 80 و100 دولار تقريباً بحلول الرُّبع الأول من 2027 على أبعد تقدير، مما سيؤدي إلى ارتفاع التضخم وانخفاض الطلب على الطاقة، في حالة استمرار الصراع في الشرق الأوسط.

وأضاف في مقابلة مع صحيفة «إل سول 24 أور»، نُشرت السبت، أن السحب من المخزونات ساعد على الحفاظ على أسعار الخام إلى حدٍّ كبير ضمن هذا النطاق حتى الآن.

وعاودت أسعار النفط ارتفاعها مؤخراً مع عودة الاضطرابات بين أميركا وإيران من جديد، وتخطَّت مستوى 75 دولاراً للبرميل بعد أن كانت تراجعت لمستويات 70 دولاراً، وهو مستوى قريب من تداولات ما قبل الحرب.

وأوضح ديسكالزي أنَّ المخاطر التي تنطوي عليها هذه الاستراتيجية تزداد لأنَّ الاحتياطات العالمية محدودة. وقال: «الحل طويل الأمد هو تعزيز أمن الطاقة من خلال تنويع مصادر الإمداد وطرق النقل».

كانت وكالة الطاقة الدولية، قد أطلقت نحو 400 مليون برميل من الاحتياطات الاستراتيجية، ما وفَّر إمدادات إضافية هدأت مخاوف الأسواق خلال فترة أزمة حرب إيران.

وأدى السحب القياسي من المخزونات إلى تقليص هامش الأمان في سوق النفط، ما يزيد احتمالات حدوث تقلبات حادة في الأسعار مستقبلاً إذا تعرَّضت الإمدادات لأي اضطرابات جديدة.

وتشير حسابات «رويترز» إلى أنَّ كل زيادة بمقدار 5 دولارات في سعر برميل النفط تضيف نحو 190 مليار دولار إلى التكاليف السنوية للاقتصاد العالمي، بينما قد تتجاوز تكلفة إعادة تكوين الاحتياطات النفطية العالمية 70 مليار دولار بالأسعار الحالية.

وأشار ديسكالزي إلى أنَّ مخزونات النفط العالمية تنخفض 3.8 مليون برميل يومياً في المتوسط، وتسارعت وتيرة الانخفاض إلى 4.6 مليون برميل يومًيا في مايو (أيار)؛ نتيجة الاضطرابات المرتبطة بحرب إيران التي اندلعت في نهاية فبراير (شباط).

وأضاف أن على الدول التركيز على المنتجين في شمال أفريقيا، وأفريقيا جنوب الصحراء، وأميركا اللاتينية، وجنوب شرقي آسيا.

وانكشاف «إيني» محدود على الشرق الأوسط، مع تركز معظم إنتاجها في قطاع الاستكشاف والإنتاج على أفريقيا وأميركا اللاتينية.

وأدى الطلب على الكهرباء في ظل تقنيات الذكاء الاصطناعي والتوسع السريع في مراكز البيانات إلى زيادة الحاجة لضمان أمن إمدادات الطاقة.


اقتصادي ألماني: أوروبا يمكنها مواجهة تنامي هيمنة الصين في الصناعة

الحياد التكنولوجي يعني تراجع الصناعة الألمانية (رويترز)
الحياد التكنولوجي يعني تراجع الصناعة الألمانية (رويترز)
TT

اقتصادي ألماني: أوروبا يمكنها مواجهة تنامي هيمنة الصين في الصناعة

الحياد التكنولوجي يعني تراجع الصناعة الألمانية (رويترز)
الحياد التكنولوجي يعني تراجع الصناعة الألمانية (رويترز)

يرى الخبير الاقتصادي الألماني، مارتن غورنيش، أنَّ ألمانيا وأوروبا يمكنهما مواجهة تنامي الهيمنة الصينية في القطاع الصناعي، من خلال التركيز على التقنيات المتخصصة.

وقال مدير قسم أبحاث السياسة الصناعية في «المعهد الألماني للأبحاث الاقتصادية (دي آي دبليو)» وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية»، السبت، إن القارة الأوروبية وألمانيا نجحتا بالفعل أكثر من مرة في إيجاد حلول عندما هدَّدت دول أخرى بتجاوزهما تكنولوجياً.

وأكد غورنيش أن «الإجابة دائماً تكمن في التخصص». وأضاف: «القول إننا نستطيع تنفيذ الإنتاج الضخم بصورة أفضل هنا هو كلام فارغ»، مشيراً في المقابل إلى وجود كثير من التطبيقات، مثل الروبوتات المستخدمة في قطاع البناء، التي تتطلب تقنيات أكثر تخصصاً، مؤكداً أنَّ ألمانيا يمكنها أن تستعيد موقعها الريادي في هذا المجال.

وقال غورنيش إنَّ ذلك يتطلب سياسةً جريئةً تتحمَّل مخاطر تحديد تقنيات بعينها ودعمها، مضيفاً أنَّ النهج الذي اتُّبع في كثير من الأحيان حتى الآن والمتمثل فيما يسمى «الحياد التكنولوجي»، خصوصاً في قطاع السيارات، لن يحقِّق أي مكاسب.

وشدَّد الخبير الاقتصادي على أن «الحياد التكنولوجي يعني تراجع الصناعة الألمانية إذا لم يتم الاستثمار بشكل كافٍ في أي تقنية»، مضيفاً أن هذا المفهوم يعني عرقلة التقنيات الجديدة، وضمان استمرار الامتيازات المرتبطة بالتقنيات القديمة.

وقال غورنيش إن ألمانيا بهذه الطريقة تأخرت عن مواكبة تطور سوق السيارات الصينية التي تعتمد بدرجة أكبر بكثير على التنقل الكهربائي. وأضاف: «في السابق كانت المنتجات الألمانية ناجحة في الصين لأنَّ المشترين الصينيين كانوا يعتقدون أنَّها سيارات أفضل من سياراتهم، أما اليوم فهم يتساءلون لماذا ينبغي لهم دفع أموال أكثر مقابل سيارات ألمانية أقل جودة».

ورأى الخبير أنَّ فرض رسوم جمركية على السيارات الكهربائية الصينية لن ينقذ صناعة السيارات الأوروبية والألمانية، وقال: «فرض رسوم جمركية على السيارات الكهربائية أمر مروع. فهذا يعني دفع شركاتنا إلى عدم إجراء أي تعديلات، ويمكنها الاستمرار في إنتاج سيارات كهربائية رديئة... نحن بحاجة إلى ضغوط المنافسة من أجل تحقيق مزيد من التطور التكنولوجي. ونحتاج إلى سياسة تجارية قائمة على المنافسة، بما في ذلك تجاه الصين».

وأشار غورنيش إلى أنَّ على أوروبا تطوير استراتيجيات أخرى لمنع سياسات الإغراق والاستحواذ على الأسواق التي تنتهجها الصين، مضيفاً أنَّ هناك إمكانيةً لفرض رسوم جمركية خاصة بصورة مؤقتة، موضحاً أنَّ هذا الإجراء يُعدُّ ممارسةً مقبولةً داخل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي تضم الدول الصناعية.


حظر روسيا تصدير الديزل يعمق أزمة المعروض عالمياً

اصطفاف السيارات أمام محطة وقود في موسكو - 9 يوليو 2026 (إ.ب.أ)
اصطفاف السيارات أمام محطة وقود في موسكو - 9 يوليو 2026 (إ.ب.أ)
TT

حظر روسيا تصدير الديزل يعمق أزمة المعروض عالمياً

اصطفاف السيارات أمام محطة وقود في موسكو - 9 يوليو 2026 (إ.ب.أ)
اصطفاف السيارات أمام محطة وقود في موسكو - 9 يوليو 2026 (إ.ب.أ)

أثار قرار روسيا الأسبوع الماضي بحظر صادرات الديزل، اضطراباً في أسواق الطاقة العالمية؛ إذ إنه يفاقم نقص الإمدادات من هذا الوقود الصناعي، ويدفع الأسعار إلى الارتفاع الحاد حتى في الدول التي لم تعد تستورد الديزل من موسكو.

ويستحوذ الديزل على الحصة الكبرى من الاستهلاك العالمي للنفط، كما أن ارتفاع أسعاره ينعكس على الاقتصاد العالمي، نظراً لاتساع نطاق استخداماته، بدءاً من المعدات الصناعية والآلات الزراعية، وصولاً إلى وسائل النقل الثقيلة وتوليد الكهرباء.

وتشهد الإمدادات ضغوطاً منذ سنوات، نتيجة قوة الطلب بعد جائحة كورونا وخفض الإنتاج الذي رافق إغلاق عدد من المصافي في الدول الغربية. وزادت حرب إيران من حدة الضغوط على السوق. وروسيا ثاني أكبر مُصدر للديزل في العالم بعد الولايات المتحدة، ولذلك فإن أي تعطل في عمل مصافيها يمكن أن يؤثر بشكل كبير على إمدادات الوقود العالمية.

وكانت صادرات روسيا قد بدأت بالفعل في التراجع قبل فرض الحظر بسبب نقص الإمدادات المحلية الناجم عن هجمات أوكرانية بطائرات مسيرة.

وأظهرت بيانات «كبلر» أن متوسط شحنات الديزل وزيت الغاز من روسيا بلغ 234 ألف برميل يومياً خلال الفترة من أول يوليو (تموز) إلى العاشر منه، مقارنة مع 400 ألف برميل يومياً في يونيو (حزيران)، ومتوسط يقارب 817 ألف برميل يومياً خلال عام 2025.

وزادت الضغوط على إمدادات الديزل عقب موجة جديدة من الهجمات الأميركية على إيران، التي جاءت بعد ساعات فقط من إعلان روسيا حظر الصادرات يوم الأربعاء، مما أعاد من جديد المخاوف بشأن حركة السفن عبر مضيق هرمز وتأثير التوتر هناك على صادرات الشرق الأوسط.

وأظهرت بيانات حكومية أميركية يوم الأربعاء، انخفاض مخزونات الديزل بأكثر من 4.5 مليون برميل الأسبوع السابق، إلى 97.8 مليون برميل بحلول 3 يوليو، وهو مستوى يقل بنحو 6 في المائة عن متوسط السنوات الخمس الماضية.

وقال توم كلوزا مستشار شركة «غلف أويل» في مذكرة للعملاء يوم الخميس، وفقاً لـ«رويترز»: «التطورات في الخليج، إلى جانب توقف الصادرات الروسية والتقرير اللافت الصادر عن إدارة معلومات الطاقة الأميركية، دفعت بائعي المشتقات إلى الإحجام عن عرضها».

ولم تعد الولايات المتحدة وأوروبا تستوردان الوقود من روسيا بسبب الحرب الأوكرانية، لكن حظر موسكو للتصدير أدى مع ذلك إلى ارتفاع أسعار الديزل في المنطقتين، مما يعكس الطبيعة المترابطة عالمياً لأسواق النفط.

تشديد العقوبات على النفط الروسي

على صعيد موازٍ، أعلن 4 من كبار أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي، من الحزبين الجمهوري والديمقراطي يوم الجمعة، توصلهم إلى اتفاق مع إدارة الرئيس دونالد ترمب بشأن تشريع يهدف إلى تشديد العقوبات على روسيا، وذلك في خطوة وصفت بأنها تمثل تصعيداً في جهود واشنطن للضغط على موسكو، حسبما أفادت وكالة «بلومبرغ».

وكتب السيناتوران ريتشارد بلومنثال ولينزي غراهام، إلى جانب جان شاهين وروغر ويكر، في بيان مشترك على منصة التواصل الاجتماعي «إكس»: «نعلن عن التوصل إلى اتفاق مع إدارة ترمب للمضي قدماً بتشريع العقوبات الجديدة ضد روسيا».

وأضاف البيان: «يجب على السلطتين التشريعية والتنفيذية العمل معاً لفرض عقوبات قاسية على مشتري النفط والغاز الروسي، الذين يغذون آلة الحرب الروسية». وقال السيناتور غراهام إن ترمب أعطى الضوء الأخضر لتمرير مشروع قانون العقوبات الروسية.

أسعار النفط

تراجعت أسعار ‌النفط، خلال تعاملات جلسة يوم الجمعة عند التسوية، بعد أحدث جولة من الاشتباكات بين الولايات المتحدة وإيران، وسط تفاؤل المتعاملين باستئناف الملاحة في مضيق هرمز، إلا أن الأسعار حققت، بنهاية الجلسة، مكاسب أسبوعية حادة.

وتراجعت العقود ​الآجلة لخام برنت 29 سنتاً بما يعادل 0.38 في المائة إلى 76.01 دولار للبرميل عند التسوية، كما خسر خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 67 سنتاً أو 0.93 في المائة إلى 71.41 دولار.

وعلى مدى الأسبوع، ارتفع سعر برنت بنحو 5.50 في المائة، وارتفع خام غرب تكساس الوسيط بنحو 4 في المائة. ومع انتهاء الغارات الجوية المتبادلة، والوعد باستئناف المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران الأسبوع المقبل، يتطلع المتداولون إلى إعادة فتح مضيق هرمز.

وقالت وكالة الطاقة الدولية يوم ‌الجمعة، إن أحدث موجة تصعيد في المواجهات بين الولايات المتحدة وإيران قد يقوض ‌توقعاتها بوجود فائض كبير في سوق النفط العام المقبل. وتسبب تجدد القتال في تأخير إعادة الفتح بالكامل لمضيق هرمز، الذي كان يمر عبره نحو 20 في المائة من الإمدادات العالمية اليومية من النفط والغاز قبل بدء الحرب في 28 فبراير (شباط).