سوريا الجديدة تحسم هويتها الاقتصادية: «الشراكة» بديلاً عن الخصخصة في مسار التعافي

خريطة طريق لربط الرساميل الاغترابية بمنصة تمويل دولية مشتركة

سوريون يلعبون في مدينة ملاهي عيد الأضحى في منطقة مدمرة وسط حي جوبر المدمر بالكامل على مشارف دمشق (أرشيفية - د.ب.أ)
سوريون يلعبون في مدينة ملاهي عيد الأضحى في منطقة مدمرة وسط حي جوبر المدمر بالكامل على مشارف دمشق (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

سوريا الجديدة تحسم هويتها الاقتصادية: «الشراكة» بديلاً عن الخصخصة في مسار التعافي

سوريون يلعبون في مدينة ملاهي عيد الأضحى في منطقة مدمرة وسط حي جوبر المدمر بالكامل على مشارف دمشق (أرشيفية - د.ب.أ)
سوريون يلعبون في مدينة ملاهي عيد الأضحى في منطقة مدمرة وسط حي جوبر المدمر بالكامل على مشارف دمشق (أرشيفية - د.ب.أ)

حسمت سوريا الجدل حول هوية نظامها المالي والاستثماري الجديد؛ متبنيةً مسار «الشراكة الاستراتيجية» بين القطاعين العام والخاص كبديل جذري لخيار الخصخصة المطلقة، ليعلن هذا التحول رسمياً خروج القطاع الخاص من دور المساند الهامشي إلى «قاطرة التنمية الاقتصادية» والشريك الأساسي في قيادة مرحلة التعافي وإعادة الإعمار. هذا التوجه الاستراتيجي، الذي توّجه إطلاق حوار وطني موسع لعام 2026، لا يهدف فقط إلى استقطاب الرساميل الوطنية والمهاجرة وإعادة ربط سلاسل القيمة المحلية، بل يعيد صياغة دور الدولة بوصفها منظِّمة وضامنة للسوق الحرة. ومستنداً إلى رؤية دولية تدعم الاستدامة وحزمة من المحفزات التشريعية غير المسبوقة، يسعى هذا المسار لردم فجوة الثقة الممتدة لسنوات، وبناء اقتصاد سوق اجتماعي منفتح يوازن بين حرية المبادرة الفردية والمسؤولية التنموية الشاملة.

الحوار الأول بعد التحول السياسي

وكانت العاصمة السورية دمشق أسدلت الستار على أعمال «المؤتمر الوطني الأول لحوار القطاع الخاص في سوريا لعام 2026»، والذي عُقد على مدار ثلاثة أيام في قصر المؤتمرات. ويعد هذا الحدث الأول من نوعه في البلاد منذ بدء مرحلة التحول السياسي والاقتصادي إثر سقوط النظام السابق نهاية عام 2024.

المؤتمر الذي نظمته وزارة الاقتصاد والصناعة، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وبتمويل ودعم من الحكومة اليابانية، شهد مشاركة واسعة ناهزت 500 شخصية اقتصادية، ضمت وزراء، وممثلي الجهات العامة، وغرف التجارة والصناعة والزراعة، ومجالس الأعمال، بالإضافة إلى خبراء ورجال أعمال من داخل سوريا وخارجها ومنظمات دولية. ووفقاً للمعرفات الرسمية لوزارة الاقتصاد والصناعة، استهدف المؤتمر صياغة رؤى وتوصيات عملية تسهم في دعم مسار التعافي والتنمية الشاملة.

وتتقاطع الرؤية الاقتصادية الجديدة في البلاد مع أدبيات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والتي تنظر إلى «التنوع الاقتصادي كأصل استراتيجي»؛ حيث لا يُنظر إلى القطاع الخاص السوري ككتلة صمّاء، بل بوصفه منظومة حيوية متنوعة ومرنة تتوزع بنيتها على عدة مستويات، أبرزها المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة والتي تشكل أكثر من 90 في المائة من بنية الأعمال في سوريا، وهي الخزان الرئيسي والقدرة الحقيقية لاستيعاب القوى العاملة الوطنية، والشركات العائلية والورش الحرفية التي حافظت على استمرار المهارات الإنتاجية محلياً طوال سنوات الأزمة تحت ضغوط قاسية؛ والمنتجون الزراعيون والمصنعون المحليون الذين ضمنوا استمرارية الحد الأدنى من تدفق السلع في الأسواق الداخلية.

طفل يحمل بالونات بينما يتجول المتسوقون في «السوق القديم» بدمشق قبيل عيد الأضحى (أ.ف.ب)

هوية الاقتصاد الجديد

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، بيّن الخبير الاقتصادي الذي يشغل منصب المستشار الأول لشؤون السياسات الاقتصادية المحلية في وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، أسامة قاضي، أن المؤتمر «أزال اللبس» بشأن هوية الاقتصاد السوري في المرحلة المقبلة، حيث تم توضيح توجهه، وأنه أقرب ما يكون لاقتصاد السوق الموجه، أو اقتصاد السوق الاجتماعي كما هو الحال في ألمانيا ومعظم أوروبا وكندا، وأن القطاع الخاص يمثل قاطرة التنمية الاقتصادية، وأن القطاع العام لا يواجه مصير الخصخصة، وأن الحكومة تنتهج مسار الشراكة مع القطاع الخاص.

وأوضح أن هوية الاقتصاد لسوريا الجديدة تؤكد آليات العرض والطلب الحرة دون احتكار مع التأكيد على الحكم الرشيد ودور الدولة في مراقبة تطبيق القوانين والتأكد من مرونتها وتطبيقها من أجل خلق بيئة استثمارية جاذبة للاستثمارات وذلك عن طريق فرض معدلات ضريبية محفزة للنشاط الاقتصادي.

قانون الاستثمار 114

ومن خلال قانون الاستثمار 114 لعام 2025، أعفت الحكومة السورية كل النشاط الزراعي والتعليمي من الضرائب، وشجعت الإنتاج الصناعي؛ إذ إن أي شركة استثمارية تصدّر أكثر من 50 في المائة من إنتاجها تُعفى من 80 في المائة من الضرائب، والضريبة عموماً لا تتجاوز 15 في المائة، ‏إضافة إلى إعفاء خطوط الإنتاج والآلات المستخدمة في عمليات الإنتاج من أي ضريبة.

‏ولفت قاضي إلى أن اللائحة التنفيذية لقانون الاستثمار تساعد المشاريع الصغيرة متناهية الصغر والمتوسطة والتي تشكل أكثر من 90 في المائة في سوريا من خلال خطوط الائتمان وإعطاء قروض ميسرة وتوفير حضنات ومسرعات الأعمال، إضافة إلى تشجيع تلك المشروعات من أجل مشاركتها في المعارض المحلية والعالمية، من خلال مجالس الأعمال التي تم الإعلان عنها خلال المؤتمر في أكثر من 17 دولة.

‏التوازن بين المبادرة الفردية ودور الدولة

وخلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، قال وزير الاقتصاد والصناعة، محمد نضال الشعار، إن سوريا تتجه نحو بناء نموذج اقتصادي جديد يجمع بين الواقعية والطموح والانفتاح، وتنظر باهتمام إلى الدول التي حققت نماذج ناجحة، وقفزات تنموية خلال فترات زمنية قصيرة، بهدف التعليم والتكييف وبناء نموذجها الخاص استناداً إلى إمكانياتها وموقعها الاستراتيجي، وطاقات شعبها، وخبرات أبنائه في الخارج والداخل.

الشعار يتحدث خلال افتتاح المؤتمر الوطني الأول لحوار القطاع الخاص (إكس)

وأوضح أن «تبني نهج الاقتصاد الحر لا يعني غياب الدولة، ولا ترك ضوابط السوق، فالتجارب الناجحة أثبتت أنها مبنية على نموذج متوازن بين حرية المبادرة ودور الدولة الاستراتيجي»، مضيفاً أن «النهضة الاقتصادية الحديثة لا تُبنى بالشعارات، بل بالكفاءة والانضباط والاستقرار، وبشراكات حقيقية، واقتصاد يمنح الفرصة للمبادرة والإبداع والإنتاج، ضمن رؤية وطنية واضحة».

وأشار إلى أن دور الدولة الاقتصادي لا يختزل في نقاش بين الملكية العامة والخصخصة، ولا ينظر إلى الخصخصة باعتبارها تهمة أو خياراً افتراضياً أو حلاً تلقائياً للتحديات الاقتصادية، موضحاً أن القيمة الحقيقية للأصول العامة لا تكمن في سعر بيعها بل في قدرتها على خلق قيمة مضافة ومستدامة للاقتصاد الوطني.

قطاعات التحالف الاستراتيجي

وفي تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، أوضح قاضي أن القطاعات الحيوية المرشحة لقيادة التحالف بين القطاعين العام والخاص هي: الزراعة والتصنيع الزراعي والطاقة والنقل والبنية التحتية والإعمار، مشيراً إلى أن سوريا بلد بكر لم يُستثمر أكثر من 5 في المائة من إمكانياتها البشرية ومواردها وثرواتها الباطنية، بل تم منح تهميش مكانتها الجيو سياسية التي تدعم اليوم أكثر من ‫ثلث موازنة سوريا، وعلى سبيل المثال، عبَر فوق سوريا في مايو (أيار) الماضي وحده 11800 طائرة استخدمت أجواءها وهذا يدرٌ دخلاً على الموازنة العامة.

‏واعتبر أن أكثر ما يهم في العلاقة ما بين القطاعين الخاص والعام، هو أن تكون هذه الشراكة واضحة، بمعنى أن يتم التزام الشفافية في العقود المبرمة بينهما، واعتماد معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية. وهنا يبرز التوجه نحو «التحول الأخضر والاستخدام الرشيد للموارد» كضرورة اقتصادية ملحة لخفض تكاليف التشغيل الطويلة الأجل وتأهيل المنتجات السورية للأسواق العالمية، وليس كمجرد رفاهية.

مأسسة الشراكة

وشكل انعقاد «حوار القطاع الخاص» داخل دمشق لأول مرة منذ انطلاقه عام 2018 علامة فارقة في مأسسة وتوطين الحوار. والسؤال الذي يطرح: إلى أي مدى يسهم هذا التحول في ردم «فجوة التصورات» وبناء الثقة المتبادلة والمساءلة بين التُجّار والصُنّاع من جهة، والمؤسسات الحكومية من جهة أخرى؟

الخبير الاقتصادي السوري زياد عربش أوضح أن هذا التحول يسهم في ردم فجوة التصورات من خلال نقل النقاش من المنفى إلى أرض الواقع، حيث يلتقي الصناعيون والتُجّار مع الحكومة على نفس التحديات (كهرباء، مواد خام، عطاءات)، وعبر بناء الثقة المتبادلة من خلال حوار مباشر دون وسيط دولي، كما أن وجود كافة الفاعلين في مكان واحد يخلق ضغطاً مجتمعياً للالتزام.

ويسهم هذا التحول في ردم فجوة التصورات عبر «المأسسة»، أي تحويل الحوار من مبادرة مؤقتة إلى آلية مؤسسية دائمة تابعة لوزارة الاقتصاد وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إضافة إلى أن المؤتمر يحول الحوار من نقاش نظري إلى عملية اتخاذ قرار واقعية، وفق عربش.

وتعمل الحكومة السورية منذ تحرير البلاد من النظام السابق على استعادة النمو الاقتصادي وجذب رؤوس الأموال المحلية والخارجية للمشاركة في إعادة بناء الاقتصاد. وقدر البنك الدولي، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تكلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، بينما بلغت قيمة الخسائر المادية المباشرة في البنية التحتية والمباني السكنية وغير السكنية نحو 108 مليارات دولار. وفي ظل حذر الرساميل الأجنبية، يجمع الخبراء على أن رأس المال السوري المغترب وشبكات الشتات هما المحرك الأكثر واقعية وسرعة لقيادة التمويل في المدى القريب.

عمال سوريون يقومون بتحميل أكياس الفريكة شمال غربي سوريا (أ.ب)

ورأى عربش أن ترجمة المخرجات والتوصيات السياساتية إلى خطط تنفيذية محددة بجدول زمني تلتزم بها الجهات العامة، تتطلب وجود آلية مؤسسية واضحة، تتضمن تشكيل لجنة تنفيذية مشتركة تحوّل التوصيات لخطط عمل بمشاريع محددة، ووجود برامج زمنية مادية لكل مشروع، إضافة إلى ربط الخطط بميزانيات واقعية، وإنشاء نظام رصد ومتابعة، وربط الالتزام بالحوافز والعقوبات؛ لأنه دون جدول زمني مُلزم ومساءلة علنية، تبقى التوصيات حبراً على ورق.

وحول الضمانات القانونية والآليات المصرفية لتشجيع رساميل المغتربين على العودة، ذكر عربش أنها تتمثل بما تضمنه القانون 114، وحماية الملكية الخاصة والصناعية، وقوانين ضمان تحويل الأرباح بالعملات الصعبة، وتسهيلات تحويل مالي من الخارج، وقروض ميسّرة للمشاريع المشتركة، إضافة إلى تفعيل التمويل التأجيري.

يضاف إلى ذلك، بحسب عربش، «الحوافز الاستثمارية» المتضمنة إعفاءات ضريبية تمتد من 5 - 10 سنوات، وأراضي صناعية بأسعار رمزية في المدن الصناعية، وشراكات البناء والتشغيل والنقل مع القطاع العام التي تضمن ملكية الدولة والتشغيل الخاص الكفء.

وتحدث عربش عن «مبادرات الشتات»، والمتمثلة بدعم الاتحاد الأوروبي والصندوق الدولي للتنمية الزراعية للماليين في الشتات لتعزيز الاستثمار الزراعي، وإنشاء منصات رقمية مثل «بنيان سوريا» لربط المغتربين بمشاريع إعادة الإعمار، معقباً: «فالمغتربون يحتاجون إلى ثقة قانونية وسيولة مصرفية وحوافز ملموسة، لا دعوات عاطفية فقط».

المنصة الدولية للتمويل المشترك

وفي ختام تحليله، شدد عربش على الأهمية الاستراتيجية لبناء جسور تواصل متينة مع مؤسسات التمويل الدولية، مستنداً إلى الحضور الدولي الوازن لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والحكومة اليابانية كـ«ضامن دولي» موثوق يحفز كلاً من البنك وصندوق النقد الدوليين، وبنوك التنمية الإقليمية على الانخراط في المشهد الاقتصادي الجديد.

وأوضح أن قوة دور برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تكمن في قدرته على تحقيق تكامل بنيوي على مسارين: ميداني يركز على دعم سبل العيش وتطوير قطاع المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر والمتوسطة محلياً، واستراتيجي يستهدف إصلاح وتطوير بيئة الأعمال على المستوى الوطني. وخلص إلى أن المطلب الأهم والأكثر إلحاحاً اليوم هو تحويل هذا الحوار إلى «منصة تمويل مشترك» قادرة على صهر الموارد العامة، وأموال المانحين، والرساميل الخاصة في بوتقة إنتاجية واحدة، بما يضمن تحويل طاقات القطاع الخاص المتنوعة من مجرد أداة للصمود والمرونة إلى رافعة حقيقية تقود نهضة اقتصادية مستدامة.


مقالات ذات صلة

مدير منطقة «الصنمين» لـ«الشرق الأوسط»: ضالعون بمقتل عناصر أمن يريدون تسليم أنفسهم

قوات من الجيش السوري تغلق أحد شوارع بلدة الصنمين في درعا خلال حملة عسكرية واسعة لحفظ الأمن (أرشيفية - أ.ف.ب)

مدير منطقة «الصنمين» لـ«الشرق الأوسط»: ضالعون بمقتل عناصر أمن يريدون تسليم أنفسهم

كشف مدير منطقة الصنمين السورية أن مسلحين ضمن المجموعة الضالعة بمقتل 3 من عناصر قوى الأمن الداخلي في المدينة «يجرون اتصالات من أجل تسليم أنفسهم».

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي وزير الطاقة السوري محمد البشير يقدّم إحاطة في مجلس الشعب حول واقع قطاع الطاقة وارتفاع أسعار المحروقات (حساب الوزارة)

وزير الطاقة السوري: عودة مناطق شرق وشمال سوريا ونمو المدن الصناعية ضاعفا الطلب على المحروقات

قال وزير الطاقة السوري، محمد البشير، إن الطلب على المحروقات ارتفع في سوريا من 150 ألف برميل يومياً عام 2025 إلى 300 ألف العام الحالي.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل أعضاء في مجلس الأمن برئاسة سفير سلوفينيا لدى الأمم المتحدة صموئيل زبوغار بدمشق (سانا)

الشرع إلى نيويورك غداً... وواشنطن ترفع القيود عن مبيعات الأسلحة والتمويل العسكري

استبقت الولايات المتحدة وصول الشرع للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة السنوية، ورفعت القيود المتعلقة بمبيعات الأسلحة والتمويل العسكري عن سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي  اللواء أحمد محمد إسماعيل أحد قيادات الصف الأول في الحرس الجمهوري إبان حكم نظام الأسد (قوى الأمن الداخلي السوري)

سوريا: توقيف ضابط سابق برتبة لواء اتهم بقيادة هجمات ضد «المعارضة»

أعلنت السلطات السورية، السبت، توقيف ضابط كبير سابق في جيش خلال حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد، مشيرة إلى أنه قاد عمليات ضد مناطق كانت خاضعة لسيطرة المعارضة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي من مراسم تشييع ضحايا انفجار مخزن الأسلحة في بلدة عياش بدير الزور (محافظة دير الزور)

دير الزور شرق سوريا تشيّع 11 عسكرياً قضوا بانفجار مخزن للسلاح في ريفها الغربي

يقدر عدد المخازن التي انفجرت منذ سقوط النظام بأكثر من 15 (11 مخزناً خلال عام واحد) تتوزع ما بين مواقع عسكرية رسمية ومخازن تجميع عشوائية...

سعاد جروس (دمشق)

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)

تتجه الولايات المتحدة إلى زيادة اعتمادها على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها القياسية من الاقتراض، في وقت ترتفع فيه كلفة الدين طويل الأجل، ما يوفر للخزانة تمويلاً أرخص في الأجل القريب، لكنه يزيد في المقابل تعرض المالية العامة لمخاطر إعادة التمويل وتقلب أسعار الفائدة.

وذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن بنوك «وول ستريت» تتوقع أن تصل إصدارات أذون الخزانة إلى نحو تريليون دولار خلال العام المقبل. ويقدّر «بنك أوف أميركا» الإصدارات بنحو 1.07 تريليون دولار خلال السنة المالية المنتهية في سبتمبر (أيلول) 2027، باستثناء المبالغ المستخدمة لإعادة تمويل الديون المستحقة، فيما توقع «جي بي مورغان» نحو 1.09 تريليون دولار خلال عام 2027، مقابل 961 مليار دولار وفق تقديرات «غولدمان ساكس».

وتأتي هذه التوقعات مع ارتفاع عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ 2007، وسط زيادة الدين العام، وتنامي احتياجات الشركات إلى الاقتراض لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تحسن توقعات النمو الاقتصادي.

تريليون دولار إضافية

ويؤدي الاعتماد المتزايد على أذون الخزانة، التي تستحق خلال عام أو أقل، إلى رفع حجم الدين القصير القائم إلى نحو 8 تريليونات دولار، أو ما يعادل 24.3 في المائة من إجمالي الدين القابل للتداول بحلول سبتمبر 2027 وفق تقدير «بنك أوف أميركا».

ويقترب ذلك من المستويات المرتفعة التي سُجلت خلال جائحة «كوفيد-19»، ويتجاوز المستوى الذي تستهدفه لجنة استشارية تابعة لوزارة الخزانة، والبالغ نحو 20 في المائة من إجمالي الدين على المدى الطويل، باعتباره توازناً بين كلفة الفائدة ومخاطر تقلب تكاليف التمويل وإعادة تدوير الدين.

وتشير بيانات تاريخية إلى أن نسبة أذون الخزانة تجاوزت ربع إجمالي الدين القابل للتداول خلال فترات استثنائية، أبرزها الجائحة والأزمة المالية العالمية في 2008. أما متوسطها منذ ثمانينات القرن الماضي فيبلغ نحو 22.4 في المائة.

ويرى محللون أن استراتيجية التمويل القصير تمنح وزارة الخزانة ميزة واضحة في الوقت الحالي، إذ يبلغ عائد أذون الخزانة لأجل عام نحو 4.4 في المائة، مقارنة بنحو 5 في المائة للسندات لأجل 10 سنوات ونحو 5.3 في المائة للسندات لأجل 30 عاماً.

لكن انخفاض الكلفة الحالية يأتي مقابل الحاجة إلى إعادة تمويل هذه الديون بوتيرة أسرع. وحذر محللون، وفق «فاينانشال تايمز»، من أن زيادة الاعتماد على الآجال القصيرة تجعل فاتورة خدمة الدين أكثر تقلباً إذا ارتفعت أسعار الفائدة، فيما وصف آخرون ذلك بأنه زيادة في «مخاطر تدوير الدين»، وفق «فاينانشال تايمز».

تعرض الشاشات مؤتمراً صحافياً لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

استراتيجية بيسنت

وتكتسب هذه السياسة أهمية إضافية في ظل مساعي وزير الخزانة سكوت بيسنت للحد من ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل. وكانت وزارة الخزانة قد فاجأت الأسواق الشهر الماضي بخطط لتوسيع مشترياتها من السندات التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً، في خطوة تهدف إلى المساعدة في احتواء تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وفي الوقت نفسه، تواصل الوزارة زيادة إصدارات الدين القصير لتلبية احتياجات الحكومة التمويلية الكبيرة. ويأتي ذلك رغم أن بيسنت كان قد انتقد في السابق وزيرة الخزانة السابقة جانيت يلين بسبب زيادة الاعتماد على الدين القصير، معتبراً أن تلك السياسة ساهمت في تخفيف شروط التمويل قبل انتخابات 2024.

وتجد الخزانة الأميركية في المقابل قاعدة واسعة من المشترين لأذونها. وتبلغ أصول صناديق سوق النقد الأميركية نحو 8 تريليونات دولار، فيما اشترى الاحتياطي الفيدرالي نحو 250 مليار دولار من أذون الخزانة خلال النصف الأول من العام، وفق «فاينانشال تايمز». كما ينظر بيسنت إلى العملات المستقرة المرتبطة بالدولار باعتبارها مصدراً إضافياً للطلب على أدوات الدين القصيرة.

عجز مرتفع

وتأتي زيادة الاعتماد على الدين القصير في وقت لا تزال فيه المالية الأميركية تواجه عجزاً كبيراً. ويتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن يبقى العجز عند نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي طوال أفق توقعاته لعشر سنوات، وهو مستوى يزيد كثيراً على هدف بيسنت البالغ 3 في المائة بنهاية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب.

ويراهن بيسنت على احتواء الإنفاق وتعزيز النمو الاقتصادي كوسيلة لتخفيف عبء الدين، وقال في وقت سابق من الشهر إن المشكلة الرئيسية في الولايات المتحدة تتعلق بالإنفاق وليس بالإيرادات، وإن تحقيق نمو عند 3 في المائة يمكن أن يساعد البلاد على «النمو للخروج» من عبء الدين.

لكن ارتفاع أسعار الفائدة يضع هذا الرهان أمام اختبار مزدوج: فالنمو الأقوى قد يدعم الإيرادات ويخفف نسبة الدين إلى الناتج، فيما يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة كلفة خدمة الدين، خصوصاً إذا اضطرت الخزانة إلى إعادة تمويل جزء أكبر من محفظتها بوتيرة أسرع.


الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
TT

الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)

قال وزير الدولة لشؤون الطاقة والرئيس التنفيذي لـ«قطر للطاقة»، سعد الكعبي، إن الشركة تنتج حالياً «كمية ضئيلة جداً» من الغاز الطبيعي المسال، في ظل الاضطرابات التي أثرت على عملياتها، متوقعاً إمكانية استئناف عمليات الغاز بصورة طبيعية خلال «بضعة أسابيع» من إعادة فتح مضيق هرمز.

وأضاف الكعبي، خلال مشاركته في منتدى قطر الاقتصادي في نيويورك، أن عدداً من قطارات توسعة حقل الشمال الشرقي (NFE) سيبدأ الإنتاج في عام 2027، على أن تبدأ توسعة حقل الشمال الجنوبي (NFS) الإنتاج في عام 2028.

وأوضح أن القطارين الثاني والثالث من مشروع «غولدن باس» للغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة سيبدآن التشغيل خلال عام 2027، ما سيدعم إمدادات الشركة من خارج قطر في إطار توسعها العالمي في إنتاج الغاز.

وتأتي تصريحات الكعبي في وقت لا تزال فيه حركة ناقلات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز محدودة، فيما تسعى «قطر للطاقة» إلى تأمين إمدادات بديلة للوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وكانت الشركة قد بدأت محادثات للحصول على عقود طويلة الأجل للغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة حتى عام 2031، بعد الأضرار التي لحقت بمنشآت رأس لفان.

ويُعد مضيق هرمز المنفذ البحري الرئيسي لصادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية، ما يجعل إعادة فتحه عاملاً حاسماً في عودة تدفقات الغاز إلى مستوياتها الطبيعية. وكانت بيانات حديثة قد أظهرت عودة عدد محدود من ناقلات الغاز إلى المنطقة، مع بقاء حركة العبور دون متوسطها المعتاد.


قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
TT

قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)

تتجه قطر إلى توسيع حضور «جهاز قطر للاستثمار» في السوق المحلية، عبر منصة استثمارية جديدة تتولى إدارة وتنمية أصول الجهاز داخل البلاد، في خطوة تعكس إعادة صياغة لاستراتيجيته الاستثمارية، وتفتح قناة جديدة لتوظيف رأس المال السيادي في مشروعات الاقتصاد المحلي.

وكشف رئيس الوزراء القطري عن «منصة الدوحة الاستثمارية»، موضحاً أنها ستكون مخصصة للاستثمار في الصفقات المحلية، وستتولى إدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وقال إن المنصة تأتي في إطار إعادة صياغة استراتيجية الجهاز وتعزيز جهوده في الاستثمار داخل قطر، وذلك خلال مشاركته في النسخة الخاصة من «منتدى قطر الاقتصادي» التي تُعقد في نيويورك، بالتزامن مع أسبوع الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي يناقش التحولات في حركة رأس المال والاستثمار والمخاطر الجيوسياسية والمرونة الاقتصادية.

ويأتي التوجه الجديد في وقت تتوقع فيه الدوحة تدفق استثمارات كبيرة إلى قطاعات البنية التحتية والعقارات والضيافة، مع تقديرات بترسية مشاريع بنية تحتية بقيمة 38.5 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، بينما يُتوقع أن تجذب مشاريع العقارات والضيافة استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار.

وتشير هذه الأرقام، مجتمعة، إلى فرص استثمارية محتملة بنحو 61 مليار دولار في قطاعين رئيسيين خلال السنوات الخمس المقبلة، وإن كانت لا تعني بالضرورة أن هذه القيمة ستُموَّل مباشرة من جهاز قطر للاستثمار أو من المنصة الجديدة.

رأس المال السيادي في السوق المحلية

ويضع إنشاء المنصة الجديدة جهاز قطر للاستثمار أمام دور أكثر مباشرة في تطوير الأصول والفرص الاستثمارية المحلية، بدلاً من اقتصار دوره على تخصيص رأس المال في الأسواق والأصول العالمية.

ومن شأن وجود منصة متخصصة في الصفقات المحلية، أن يتيح للجهاز التعامل بصورة أكثر تركيزاً مع الفرص الناشئة من توسع البنية التحتية ونمو قطاعي العقارات والضيافة، فضلاً عن إمكانية إدارة وتنمية الأصول المحلية القائمة ضمن إطار استثماري أكثر تخصصاً.

ويأتي ذلك في وقت تتعامل فيه الاقتصادات الخليجية مع مرحلة تتطلب زيادة كفاءة رأس المال السيادي، وتوجيه جزء منه إلى القطاعات القادرة على توليد نمو محلي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تنويع المحافظ الاستثمارية خارج الأسواق المحلية.

وتشكِّل مشاريع البنية التحتية الجزء الأكبر من الفرص المعلنة؛ إذ تتوقع قطر ترسية مشاريع بقيمة 38.5 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة.

ويمتد أثر هذه المشاريع إلى قطاعات متعددة من الاقتصاد، من الإنشاءات والخدمات الهندسية إلى النقل والخدمات والمقاولات وسلاسل الإمداد، ما يخلق مجالاً أمام المستثمرين المحليين والدوليين للمشاركة في دورة إنفاق طويلة الأجل.

أما قطاعا العقارات والضيافة، فتتوقع الدوحة أن يجذبا استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار، في مؤشر إلى استمرار الرهان على هذه الأنشطة، كجزء من توسع الاقتصاد غير المرتبط بالطاقة.

من جذب رأس المال إلى إدارة الأصول

ويمنح إنشاء «منصة الدوحة الاستثمارية» التوجه القطري بعداً مختلفاً عن مجرد استقطاب الاستثمارات الأجنبية. فالمنصة -وفق ما أعلنه رئيس الوزراء- ستكون مسؤولة عن الاستثمار في الصفقات المحلية، وإدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وهذا يعني أن الهدف لا يقتصر على جذب رأس المال إلى قطر؛ بل يشمل أيضاً توظيف رأس المال السيادي داخل الاقتصاد، والمشاركة في تطوير أصول وفرص استثمارية محلية، يمكن أن تنمو قيمتها مع توسع القطاعات غير النفطية.

وتشير الخطوة القطرية إلى محاولة بناء حلقة أكثر مباشرة بين رأس المال السيادي ومشروعات الاقتصاد المحلي، بحيث لا يكون جهاز الاستثمار مجرد مالك للأصول؛ بل يكون طرفاً في إدارة وتنمية جزء من الفرص الاستثمارية داخل البلاد.