فاضل السلطاني
المنوّر الأكبر فولتير كان هنا في زمن سحيق. فر إليها من نظام لويس الخامس عشر المطلق. قضى فيها ثلاث سنوات من 1725 إلى 1728 كانت حاسمة في حياته من تعرفه على أعمال شكسبير، الذي لم يكن معروفاً آنذاك في أوروبا، إلى تعرفه على طبيعة النظام السياسي البريطاني، الذي ناضل من أجل تطبيقه في فرنسا، فقد اعتبر أن الملكية الدستورية أكثر تقدماً واحتراماً لحقوق الإنسان من نظيرتها الفرنسية، وسجل آراءه هذه في كتابه «رسائل فلسفية». لكن سلطات لويس الخامس عشر أحرقت الكتاب. وماركس كان هنا. جاءها هارباً من وطنه ألمانيا، وأمضى فيها بقية حياته في أمان وسلام.
يعود القارئ الغربي في هذه الأيام المظلمة إلى عملين حفرا عميقاً في اللاوعي الجمعي في فترتين يفصل بينهما نحو ربع قرن. نشر العمل الأول عام 1922، بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بأربع سنوات. والثاني عام 1949 بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بأربع سنوات أيضاً. الأول هو «الأرض اليباب»، تي. إس. إليوت، والثاني «1984»، لجورج أورويل. نادراً ما نجد أعمالاً عكست الأهوال التي عرفتها البشرية في تلك الفترتين مثل هذين العملين. لقد مر على صدور العمل الأول، الذي تزامن مع صدور مع «يوليسيس» لجيمس جويس فقلبا العالم الأدبي رأساً على عقب، قرن إلا ثلاث سنوات. وتمر هذه الأيام سبعون سنة على صدور «1984».
هل ظاهرة «الأنا المتضخمة»، التي يذكرنا بها دائماً كثير من المثقفين العرب، هي نتاج المجتمعات المتخلفة؟ نستطيع أن نقول بلا تردد: نعم. الذات تحتل نقطة مركزية في المجتمعات الراكدة، التي تفتقر إلى التطور الفكري والثقافي، إذا لم نتحدث عن التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. وهي ظاهرة موروثة أيضاً من القيم العشائرية التي تسود في مثل هذه المجتمعات بأشكال صريحة أو مخفية، لكنها مترسخة في لا وعينا بصورة أو بأخرى، وإن أنكرنا ذلك. وتتضخم هذه الذات بشكل خاص عند أولئك الذين يشعرون بأنهم متقدمون على مجتمعاتهم بخطوة واحدة، أو يوهمون أنفسهم بذلك.
يسخر فيودور دوستويفسكي في معظم رواياته من أولئك الذين يرطنون، أو يطعمون كلامهم باللغة الفرنسية، من الطبقة الأرستقراطية الروسية وأشباه المتعلمين في آنٍ واحد. الصنف الأول يفعل ذلك ليوحي من خلال استخدام لغة أجنبية على علو منزلته الطبقية والاجتماعية والثقافية. والصنف الثاني يمارس الوسيلة نفسها ليقول للأول أنا لست أقل شأناً منك، رغم انحداري الطبقي والاجتماعي. وبالطبع، الفرنسية التي يستخدمها هؤلاء ليست لغة موليير وفلوبير وهيغو، بل لغة المقاهي والشوارع الباريسية، بلكنة روسية.
كان أرنست همنغواي ينصحنا بأن لا نكتب إذا كنا نستطيع أن لا نكتب. هذه الاستطاعة تعني أن الكتابة عندنا ليست سبب وجودنا وجوهره. قد تكون ملحقا جميلا بهذا الوجود، شيئا إضافيا أردناه عن وعي أو نصف وعي، أو ديكورا خارجياً يزين ذواتنا. لكنه ليس هناك في النخاع، ليس هو ما يشكل دمنا وأعصابنا، وخلايا أدمغتنا. إنها ليست نحن. أول من طبق ذلك هو همنغواي نفسه. حاول أن لا يكتب نسخة أخرى من «وداعا للسلاح» أو «الشمس لا تزال تشرق» أو «العجوز والبحر»... حاول ذلك صادقاً. أصبحت الكتابة عصية عليه. ولكن همنغواي ليس شيئا آخر سوى الكتابة. ظل ذلك العجز يحفر في أعماقه عميقاً.
يستغرب المرء من أولئك المثقفين والكتاب الصحافيين، الذين لا يتركون فرصةً، منذ 2011 إلى الآن، إلا وصبوا لعناتهم على ما بتنا نسميه «الربيع العربي» - وهو ربيع حقاً معنى ومبنى - ملقين كل ويلاتنا ومآسينا وخرابنا على رأس هذا الربيع الحزين، الذي ما كاد يرفع رأسه قليلاً حتى استخدموا كلَّ ما في الأرض من أسلحة فتاكة، وكلَّ ما هو موجود في قواميس اللغة من صفات بذيئة حتى ألصقوها باسمه، وكأننا كنا في نعيم مقيم قبله، واستعدنا الفردوس المفقود بعده.
كان كارل ماركس يقول إن البشرية لا تطرح على نفسها إلا الأسئلة القادرة على حلها. والسؤال الأكبر المطروح الآن على البشرية - ونحن بعدُ في بداية القرن الواحد والعشرين، وهي بداية تجمعت فيها كل الكوارث الإنسانية - كيف يمكن مواجهة هذا الصعود المخيف والسريع لليمين المتطرف؟ وما العوامل التي قادت إلى عودة الروح إليه، منذ هزيمته التاريخية الكبرى في الحرب العالمية الثانية، فيبدو العالم كأنه يستدير استدارة كبرى، وبسرعة قياسية، ليعود إلى حيث ما انطلق؟ وقبل ذلك؛ ما ملامح هذا اليمين المتطرف، الذي يفتقد لأي آيديولوجيا يمكن مواجهتها بسلاحها؟ يتعب من يبحث عن ملمح واحد لليمين المتطرف، وعن هدف وحيد لكراهيته.
رحل صباح أمس عن 91 عاماً الشاعر الأميركي دبليو إس مروين أحد أبرز الشعراء الأميركيين المعاصرين، والحائز على جائزة بوليتزر، وشاعر الولايات المتحدة عام 2010، مخلفاً أكثر من 20 مجموعة شعرية، وترجمات لا تقل عدداً لكبار الشعراء العالميين، ومنهم أوسيب ماندلشتام وبابلو نيرودا، إضافة إلى عدة كتب نثرية. واشتهر مروين بمواقفه الإنسانية المناهضة للعنف والحرب واللامساواة، حتى لقب بشاعر الضمير الإنساني. ولم يتهادن مرة في مواقفه تلك. وتجسد ذلك في رفضه جائزة بوليتزر عام 1971، قائلاً إنه «لن يشعر بالفخر كأميركي بتتويجه هذا» بعدما فعلت أميركا ما فعلت في فيتنام.
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
