السينما السورية تعيش الحرب بلحظاتها الحرجة

أفلام مع النظام وأخرى ضده والصراع جار

«ذاكرة باللون الكاكي» - «تسعة أيام  من نافذتي في حلب»
«ذاكرة باللون الكاكي» - «تسعة أيام من نافذتي في حلب»
TT

السينما السورية تعيش الحرب بلحظاتها الحرجة

«ذاكرة باللون الكاكي» - «تسعة أيام  من نافذتي في حلب»
«ذاكرة باللون الكاكي» - «تسعة أيام من نافذتي في حلب»

إذ تستمر الحرب في سوريا عاماً بعد عام مع ضحايا معظمهم من الأبرياء، وبطرفي نزاع كل يتبنّى خطاً مناهضاً للآخر وينادي بإبادة الآخر دون أن يقدر عليه، ترتفع الأفلام السورية الحديثة حول هذه الحرب فوق الكثير من الإنتاجات العربية الأخرى وتتنوّع بين أفلام مع وأفلام ضد وأفلام غير منحازة. سبب ارتفاع هذه الأفلام عن سواها يعود إلى أنها تروي قصص حرب دامية لا تريد أن تنتهي. ليست الأولى (الحرب الأهلية اللبنانية سبقتها) وليست الوحيدة (العراقية توازيها) لكنها الحرب الأهم والأكبر ومصيرها مجهول بعد 6 سنوات من الطحن.
الأفلام التي دارت حولها تختلف عن تلك التي دارت حول الحرب العراقية مثلاً. بالتأكيد تختلف عن كل ما يتم إنتاجه من أفلام عربية هذه الأيام كون هذه الأفلام بعيدة عن التعاطي مع هذا الوضع إلا فيما ندر. إنها أفلام في الحرب وعن الحرب وتأتي لكي تحمل شهادة أو تدلي بتعليق أو تصوّر وضعاً مأساوياً تلو الآخر. هي أفلام معارك طاحنة وذكريات منهكة. ما يميل منها لطرح موقف ضد النظام، وتلك التي تميل لطرح موقف ضد المعارضة تتشاركان في الانقسام الحاضر ذاته، ولا تضيف إليه شيئا يذكر على الصعيد الدرامي، وعلى مستوى أحداث الفيلم كخط سياسي.
كله بات معروفاً وكله بات سهل التعليق عليه والأصوات دوماً ترتفع بما يناسب الطرف الذي ترتفع منه. ما يميّز فيلم عن آخر هو مستواه الفني. تلك القيمة التي إن وجدت حفظت الفيلم للأبد بصرف النظر عن موقفه، وإن لم تتواجد دفعت الفيلم بعيداً عن الذاكرة صوب نسيان سريع.

رجال حلب
منذ البداية وردت الأفلام التي تحمل تعابير مختلفة حول الحرب السورية. فيلم محمد سويد «بلح تعلق تحت قلعة حلب» وفيلم محمد ملص «سلم إلى دمشق» وقبلهما فيلم «مياه الفضة» لأسامة محمد، هي من بين تلك التي وردت باكراً وعزفت على ألحان مختلفة. أفضلها فيلم محمد ملص الذي رمز إلى تطلعات الشعب إلى الحرية.
الفارق الأهم بين تلك الأفلام الأولى وسواها هي أن أفلام العامين الماضيين شهدت تكاملاً أكبر لعناصر العمل. الحرب الدائرة باتت واضحة الأسباب والغايات، وإن ما زالت النتائج النهائية غامضة. لكن في ذلك الوضوح ما يكفي لاتخاذ موقف والدفاع عنه أو اتخاذه والمتاجرة به. وإذا كان فيلم «ماء الفضة» في نهاية أمره عن مخرجه أكثر مما هو عما وقع و«بلح تعلق تحت قلعة حلب» بدا تجميع مشاهد مصوّرة من أكثر من فريق عمل، فإن الأفلام التي وقفت - مثلهما - في صف المعارضة استفادت من الزمن المطوي وسعت لتقديم أعمال مدروسة حول الوضع القائم. ليس كلها بالطبع لكن فيلم «آخر رجال في حلب» لفراس فيّاض و«ذاكرة باللون الكاكي» للمخرج ألفوز طنجور، هما مثالان رائعان في كيفية تحقيق فيلم يفي بالمطلوب طرحه فكرياً من دون خلل فني يعيق تميّز العمل وانتسابه إلى السينما وليس إلى المنشور الخطابي.
في «ذاكرة باللون الكاكي» يأتي المضمون السياسي والإنساني، الذي يعيد الحرب القائمة إلى الثمانينات حين وقعت مجزرة حماة، قوياً ومدهماً لكن هذا الموقف لم يكن ليتبدى بهذا القدر من القوّة والتأثير لولا نجاح المخرج في رفع أدواته الفنية وقدرته على متابعة ما يرد على ألسنة شهود عيان بالتوازي مع شهادات بصرية صامتة وجماليات باهرة يستنتجها حتى من دكانة الواقع.
أما «آخر رجال حلب» لفراس فياض، الفيلم الذي فاز بالجائزة الكبرى للجنة التحكيم في مهرجان صندانس، مطلع هذا العام، فإنه عرض مؤلم لرجال الدفاع المدني الذين يخوضون المخاطر خلال المعارك الطاحنة التي شهدتها مدينة حلب. سياسياً، الفيلم معاد للنظام، لكن هذا، ضمن شروط السينما، لا قيمة له (أو أن قيمته محدودة جداً ولفريق معين فقط) من دون تلك الدراية بكيفية معالجة الفيلم إبداعياً وإيصال صوره إلى المستوى المفترض بها. وهذا ما يميّزه عن أي فيلم لقطات إخبارية من تلك التي تم تحقيقها في السنوات الثلاث الأخيرة.
هو أفضل بكثير من «الخوذات البيض» الذي نال أوسكار أفضل فيلم تسجيلي قصير في فبراير (شباط) الماضي من إخراج الأجنبي أورلاندو إينسايدل. الفيلم البريطاني الذي اعتمد على أشرطة تسجيلية قام بها مصوّرون سوريون محترفون حول الموضوع نفسه. المخرج في الاستديو في دار الشركة البريطانية لم يكن عليه سوى توليف ما تسلمه من أشرطة ووضع اسمه على عمل لم يشترك عضوياً فيه. نعم يتحدث عن معاناة رجال الدفاع المدني لكن على نحو من يوزّع الأوسمة وليس من يبحث عمقاً فيما يؤلف ويصون هذه البطولات الإنسانية.

في حلب
«9 أيام: من نافذتي في حلب» لعيسى توما هو من الأفلام القليلة التي لم تكترث لموقف مؤيد أو معارض بل نقلت وضعاً يعبر عن الحصار الذي يعانيه الفرد. صحيح أن المخرج هو الفرد المعني، لكن من دون أن يشطح الخيال بعيداً بالإمكان الإدراك بسهولة أن معظم السوريين في حلب أو في سواها من قبل ومن بعد عاشوا محاصرين بين فريقين متقاتلين.
هو فيلم صغير وقصير (نال جائزة الفيلم القصير في جوائز الاتحاد الأوروبي) مصوّر بأكمله داخل الشقة التي يعيش فيها المخرج ويحمل النفس المحبوس لصاحبها. تتوقع أن يراه أحد المسلحين فيطلق صوبه رصاصة قاتلة. أو أن يصعد المسلحون إلى الشقق، وكثير منها بات خالياً من الساكنين، كما يقول عيسى، فيطرقون بابه أو يخلعونه.
لكن من حسن حظه أن أحداً لم يفعل ذلك. هذا الخطر الجاثم لا يغادر الفيلم لحظة واحدة، لأن المخرج وكاميراته في خندق واحد. هي تصوّره وهو يصوّر الآخرين من شق موارب في نافذته. على أن هذا المقدار الضئيل المتاح من زاوية التصوير ومكانه كاف لتجسيد الخطر في حين يعمل الفيلم ككل على تجسيد الحالة وبعض القتال وأصوات المعارك في عموم فحواه.
رغم حياديته، إلا أن المرء يشعر بأن الرجل لا يريد «للرجال الملتحين»، على حد قوله، أن يبقوا في ذلك المكان. يقول المخرج إنه لا يكترث من يحتل الرقعة التي يتقاتل فيها الفرقاء، لكنك تدرك أنه في نهاية الأمر يكترث.
هذا ما ينقلنا إلى فيلم آخر لا يلتصق بالنظام لكنه يعادي المقاتلين ضده في الوقت ذاته. الفيلم هو «مطر حمص» لجود سعيد. الحقيقة الدامغة هي أنه بصرف النظر عن موقف الفيلم من كل هذه القضايا المطروحة بسبب الحرب فإن الفيلم يقص الحكايات اليومية التي توفرها شخصيات بسيطة تجمعها المحنة وقد علقت في حي مهدم بين طرفي النزاع.
قسّم المخرج فيلمه إلى فصول، وفي كل فصل حكاية مرتبطة بما يسبقها أو يليها. الأولى تمهد بقصّة حب بين شاب وفتاة، وفي الثانية يتم القبض عليهما وعلى الراهب الذي قرر البقاء في المنطقة المهجورة. في الفصل الثالث يفرز الفيلم تلك الحكايات ويحدد أكثر وجهة نظر الفيلم في الأحداث الواقعة. هو ضد الإرهابيين والمتطرفين ومع ثورة بدأت سلمية ضد أخطاء في النظام الماثل كان يمكن لها أن تعالج من دون محاولة كسر رأس. في بعض نواحيه يأخذ الفيلم شكل ذكريات وفي أحد المشاهد يقول بطل الفيلم لمقاتل: «أنا الذي نزلت للشارع لأجل مستقبل أفضل لي ولك».
أكثر من مرّة نجد المخرج جود سعيد أمام تحديات فنية كبيرة. لديه فيلم عليه أن يصوغه بانضباط صحيح من بدايته وحتى نهايته في الوقت الذي على الفيلم سرد حكايات متعددة وإن كانت جميعاً تلتقي في حدود المكان. عليه أن يبث رسالة معادية للحرب، في الوقت الذي عليه ألا يكون ساذجاً في طروحاته ومدى قدرته على الاحتفاظ بواقعية الحدث وجنون الحرب.
جماليات العنف أخاذة ورهيبة في آن واحد وهي ائتلاف بين الكتابة والإخراج والتصوير في أكثر عناية ممكنة. مشهد مثل الرقص على لحن «أنا قلبي دليلي» لليلى مراد مبهر. المشاهد المختارة للمدني المختبئ خلف ساعة الميدان غير قادر على مغادرة مكمنه خوفاً من القناص المتربص، ثم مشهد مقتله وحدها تحكي حكاية. مشاهد القصف ذاتها رائعة. حقيقية. شاهدنا مثيلاً لها في كلاسيكيات عن الحرب أكثر من مرّة لكنها هنا تحاكينا على نحو قريب.
السينما العربية خارج سوريا وبعيداً عن إنتاجات لبنانية معيّنة، بقيت بعيدة باستثناء فيلم للمخرج التونسي رضا الباهي عنوانه «زهرة حلب» حققه في العام الماضي حول المرأة التي تلحق بولدها المتطوع في إحدى الفرق المتطرفة. المشكلة هنا هي أن نظرة المخرج تبقى بعيدة عن الواقع ومشغولة بخدمة الفكرة (الأم التي تحاول إنقاذ ابنها). كذلك في أن ما عال عليه المخرج في أعماله السابقة من عمق المعالجة متأثر هنا بحكاية عليها أن تداوم الانتقال من مكان لآخر، وأن تنتهي بمفاد مستمد من الموقف وليس فقط من الفكرة.



جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
TT

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» (It Was Just an Accident) مهرجانات عديدة (39 مهرجاناً بالتحديد)، حصد فيها، وفي مناسبات احتفائية أخرى، ما يزيد على 35 جائزة. ما هو بالقدر نفسه من الأهمية أن الفيلم (الذي دخل مسابقتي بافتا والأوسكار أيضاً) تربَّع في قوائم عشرات النقاد حول العالم بوصفه واحداً من أفضل أفلام السنة الماضية.

حين شاهد الناقد كاتب هذه السطور الفيلم خلال عرضه في ذلك المهرجان، تبلور لديه تأثير سلبي مردُّه تكرار مشاهد أكثر من التقدّم بها فعلياً، ما جعل الفيلم يبدو حوارياً أكثر منه حدثياً. كذلك لم يكن بإمكان بناهي (على الأرجح) أن ينبري لتحقيق فيلم يقطع المسافة كاملة ما بين الإيحاء والاتهام، بانياً نهاية فيلمه على أساس أن المجموعة التي اختطفت رجلاً لاعتقادها بأنه هو من كال لهم التعذيب في أحد سجون طهران بناءً على مواقفهم السياسية عادت عن اعتقادها في النهاية وتركت الرجل وشأنه.

المخرج جعفر بناهي (MK2 بيكتشرز)‬

مخرج وحيد

أبقى المخرج الدراما دون مستوى التفعيل. هذا القرار يلتقي تلقائياً مع أفلامه السابقة مثل «تاكسي» و«هذا ليس فيلماً» و«دائرة»، ومع أسلوب عمله. من هذه الزاوية يلتقي وأسلوب الراحل عبّاس كياروستمي والمعتزل محسن مخملباف، لكن هذا الالتقاء لا يتجاوز الهامش العريض لأن لكل واحد من هؤلاء أسلوبه الخاص ضمن ذلك الأسلوب العام.

في حين أن تقتير الدراما في أفلام بناهي قد لا يلتقي وحب كثيرين (بينهم هذا الناقد) لسينما تجمع حسنات العناصر الفنية كاملة (سيناريو وتصوير وتمثيل وتوليف وموسيقى وإخراج شامل مع تصميم فني ملتحم وفاعل)، غير أنه تعبير ذاتي ليس فقط في المضمون، بل في طريقة توظيف اللغة السينمائية المستخدمة أيضاً.

بناهي هو المخرج الوحيد عالمياً الذي خرج من المهرجانات الرئيسية الأربعة، كان و«برلين» و«ڤينيسيا» و«كارلوڤي ڤاري»، بجائزة أولى من كل واحد منها: «البالون الأبيض» نال جائزة «الكاميرا الذهبية» في 1995، و«الفهد الذهبي» في «لوكارنو» عن «المرآة» 1997، و«الأسد الذهبي» في مهرجان «ڤينيسيا» عن «الدائرة» سنة 2000، و«الدب الذهبي» في مهرجان «برلين» عن «تاكسي» (2015).

ألا يُنظر إلى هذا الإنجاز بتقدير كبير هو نوع من الجهل أو التجاهل، لكن حقيقة أن كل واحد من هذه الأفلام (لجانب «مجرد حادثة») ارتبط بموقف سياسي ضد السلطة الإيرانية تساهم في طرح سؤال حول ما إذا كانت الجوائز سياسية أكثر منها فنية، خصوصاً حين النظر إلى ما عرضه كل مهرجان من أفلام في السنة التي شهدت عرض أحد أفلام بناهي. القول إنه لم يكن هناك أفلام أفضل صُنعاً هو بدوره غير صحيح.

كمثال لا بدّ منه، هل كان «تاكسي» فعلاً أهلاً للجائزة؟ فيلم عن بناهي يقود سيارة تاكسي يصعد إليها ويخرج منها زبائن، كلّ يحكي شيئاً عن نفسه؟ هل يبرر الموقف السياسي الغربي (إليه ينتمي معظم أفراد لجان التحكيم) منح هذه الأفلام الجائزة الكبرى، أم أن هناك بنوداً غير معلنة تتبعها بعض هذه المهرجانات؟

«ذهب قرمزي» (جعفر بناهي برودكشنز)

جوانب شخصية

كثيراً ما وصف بناهي أفلامه بأنها «مجتمعية وليس سياسية» رغم أن الخيط رفيع بين هذين الجانبين، طالما أن ما طرحه في تلك الأفلام، وفي أخرى من بينها «ذهب قرمزي» (2003)، لا يعرض لما تفضّل السلطة أن تراه، بل لما يريد هو عرضه عن حالات الناس في بلده.

«ذهب قرمزي» (Crimson Gold) الذي فاز بجائزة أفضل فيلم في قسم «نظرة ما» في «كان» في سنة إنتاجه، هو الوحيد بين أفلامه الذي يختلف في طريقة سرده مقترباً من تفعيل الأحداث حسب وقائع درامية وليس وصفية. فيلم ممتاز من حيث حبكته (شاب في مواجهة فساد شائع ما يدفع به لارتكاب جريمة) وينتمي إلى السنوات الأولى من مهنة المخرج، تلك التي كان يعمل فيها على ملاحقة قضايا إنسانية. لاحقاً، ومنذ «هذا ليس فيلماً» (2011)، وهو ينتقي أن يتكلم ذاتياً حتى عندما يضع في البطولة ممثلين آخرين كما الحال مع «ستارة مسدلة» (Closed Curtain) في 2013.

الفيلم المحتفى به حالياً حُقِّق بعد السماح لبناهي بالإخراج والسفر، لكن بناهي صوّر الفيلم بلا إذن رقابي، مدركاً أنه لن يحصل عليه لو تقدّم بالسيناريو إلى الجهات المعنية. هذا ما أعاده إلى دائرة المواجهة مع السلطة التي تنتظر عودته إلى البلاد لمحاكمته (حالياً متنقّلاً ما بين أوروبا والولايات المتحدة، منتظراً نتائج جوائز بافتا والأوسكار).

يتكلم «مجرد حادثة» عن سنوات التعذيب في السجن. ليس حكاية ذاتية كون بناهي لم يدخل بنفسه هذه التجربة، بل عبر شخصيات خرجت بذاكرة موجوعة مما حدث لها، وعندما يُتاح لها خطف من اعتقدت أنه هو الذي كان يعذّبها تبحث في أمر تعذيبه أو قتله. لكنها في النهاية ليست موقنة بأنه الفاعل، والفيلم يترك شخصياته من دون يقين، وكذلك جمهوره.

ما لم يدخل في اعتبار السلطة والرقابة الإيرانية حين توعَّدت بمعاقبة المخرج (وألقت القبض مؤخراً على محمد محموديان، أحد المشاركين في كتابة السيناريو) حقيقة أن الفيلم يصوّر شخصياته التي تريد الانتقام في ضوءٍ اتهاميٍ مماثل. ليس فقط على أساس أنهم في النهاية ليسوا واثقين من الرجل الذي كاد أن يموت بين أيديهم، بل أيضاً لأنهم شخصيات ذات عواطف هشّة وبلا خصال يمكن الإعجاب بها. يحملون قضية، لكنهم أقل قدرة على الدفاع عنها. من ناحية يضع بناهي أبطاله في موقع الضحية، وفي ناحية أخرى لا يرفعهم إلى درجة منحهم حق الانتقام، ويتركهم في النهاية بعيدين عن قرار بعدما دخلوا التجربة بثقة وخرجوا منها ملتبسين.


شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
TT

شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)

WHO IS STILL ALIVE

★★★1/2

إخراج:‫ نيكولاس واديموف‬

سويسرا | تسجيلي غربي بقلب فلسطيني

خلال زيارة للقاهرة في مطلع سنة 2025، وجد المخرج السويسري نيكولاس واديموف نفسه في واجهة المأساة الفلسطينية. سمع وشاهد كل ذلك الدمار الذي لحق بغزّة والضحايا التي كانت قد بدأت تتساقط منذ ذلك الحين. فكّر مع صديق فلسطيني له نزح إلى القاهرة في تحقيق فيلم عن الموضوع، وارتأى أن يكون فيلماً يجمع في أحد الاستوديوهات مجموعة من النازحين الفلسطينيين ليتحدّث كل منهم عن آلامه وما حدث له أو لعائلته.

بعض هؤلاء خرج بثيابه التي كان يرتديها، والبعض كان ناجياً وحيداً أو برفقة فرد واحد من عائلته. يقول واديموف إن شريكه الفلسطيني في الفيلم (جودت خضري)، الذي كان يعرفه منذ سنوات، بدا شخصاً مختلفاً: «للمرّة الأولى كنت أمام شخص يعكس الإبادة الجماعية».

جمع هؤلاء لم يكن سهلاً، والمخرج رغب في نقلهم إلى بلد آخر لضمان عمل مستقل. تبعاً لحقيقة أن معظم دول الأرض لا تمنح تأشيرات دخول للفلسطينيين، توجَّه المخرج بمجموعته إلى دولة جنوب أفريقيا، التي هي شبه الوحيدة التي يمكن للفلسطيني دخولها من دون «فيزا» مسبقة.

نتيجة اللقاء هي تحقيق فيلم يقوم على 9 أشخاص فلسطينيين نازحين يتحدّثون، لنحو ساعة و10 دقائق، عن كيف استيقظوا يوماً من دون مأوى نتيجة القصف، وكيف كان وقع ذلك على حياتهم وما بعد نزوحهم. خسروا البيت كما الحياة الآمنة (نسبياً)، ليجدوا أنفسهم في العراء.

الفيلم ليس عبارة عن مقابلات منفردة مزوّدة بمشاهد من غزّة كما قد يتوقّع البعض، بل عمد المخرج إلى مقابلات جماعية، حيث يقوم كل من هؤلاء برسم مربّعات ودوائر وخطوط ليشرح ما حدث له.

بساطة هذا اللجوء إلى هذا الحل تبدو دخيلة في البداية، قبل أن تبدأ بتأسيس رابط بين الذاكرة المروية كلاماً والمرسومة تنفيذاً.

الطباشير والأقلام المستخدمة هي اللون الأبيض الوحيد في الفيلم، إلى جانب ألوان الملابس الداكنة، لأن كل شيء آخر (الخلفية والأرض والصورة نفسها) أسود. هذا فيلم ليس مهتماً بأصوات الطائرات والقذائف وصراخ الضحايا، بل بالمضيّ عميقاً في التجربة الإنسانية لمن استطاع البقاء حياً محمّلاً بتلك الذكريات وآلامها. الأسلوب المعتمد لا ينجو من التبسيط بصرياً، لكن البساطة في الشكل هي التي تمضي عميقاً في البال من كلمات شخصياته الأولى وحتى النهاية.

:GREENLAND2

MIGRATION ★★★ إخراج:‫ رِك رومان ووف‬

الولايات المتحدة | عن الأرض

والمجتمعات بعد هجوم النيازك

على عكس المتوقَّع، لن تنتهي الحياة على الأرض بسبب حرب نووية ولا بسبب وباء يحوّل البشر إلى وحوش، بل لأن أمطاراً من النيازك ستهاجم كوكبنا الصغير وتفتك به. بعض ذلك شوهد في الجزء الأول Greenland، حيث بدأ هطول النيازك الآتية من عمق السماء. ذلك الجزء كان بداية تصوير الخراب الذي ستسبّبه النيازك بأحجامها المختلفة. كل واحد منها سيدمّر جسراً أو مدينة أو أكثر

«غرينلاند 2: هجرة» (ليونز غايت)

الجزء الجديد يُكمل من حيث انتهى الأول. الناجون مختبئون في ملاجئ يعدّونها محصّنة، إلى أن يقرّر السيناريو أن ذلك ليس صحيحاً. جون غاريتي (جيرالد بتلر) وعائلته (زوجته بكارين وابنهما الشاب ناتان) وقلّة آخرون يفرّون عندما يُصيب الدمار ذلك الملجأ إلى مركب كبير لقطع المسافة بين القارتين الأميركية والأوروبية. لا مانع إذا ما نفد الوقود في عرض البحر، فلربما أدَّت النيازك إلى تقريب القارّتين من بعضهما. المهم أنهم تركوا أرضاً مدمّرة إلى أخرى.

بعد ذلك سيحصر الفيلم اهتمامه في تلك العائلة بعد أن قدّم شخصيات أخرى تعيش التراجيديا نفسها. سيقود جون عائلته الصغيرة صوب مدينة نموذجية آمنة (لسبب يتعلّق بوجودها وسط مرتفعات فرنسية) من خلال رحلة خطرة تنطوي، مثلاً، على المشي فوق جسر من الحبال فوق ما كان يُعرف ببحر المانش ما بين إنجلترا وفرنسا، الذي أصبح الآن مجرّد وادٍ عميق.

رغم سذاجة المواقف وثغرات الكتابة، يوفِّر الفيلم دراما حول وحدة العائلة وصلابتها رغم المخاطر، إلى جانب أن مؤثّراته البصرية جيّدة في غالبيّتها. ترفيه يشترط القبول به مع ثغراته غير العلمية وغير المنطقية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
TT

«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)

بعد أكثر من 4 عقود على عرضه الأول، يصل فيلم «ذا شاينينغ» (The Shining) إلى دور السينما السعودية في إطار عرض محدودة، يبدأ يوم الخميس المقبل؛ ما يمنح الجمهور المحلي فرصة التفاعل مع أحد أكثر أفلام الرعب النفسي تأثيراً، بتقنية «آيماكس (IMAX)»، وذلك ضمن تجربة مشاهدة كاملة على الشاشة الكبيرة، حيث تتجلى قوته البصرية والفكرية كما صُممت في الأصل.

وربما حتى الذين لم يشاهدوا الفيلم، مرُّوا بلقطات أيقونية منه، حيث يترسخ حضور «ذا شاينينغ» من خلال مشاهد عدة، يتقدمها المشهد الشهير الذي يُعد من أكثر اللقطات تداولاً في تاريخ السينما، ويظهر فيه الممثل جاك نيكلسون وهو يكسر باب الحمام بفأسه، قبل أن يُدخل رأسه من الفتحة الخشبية مبتسماً بجنون. وتحوَّلت هذه اللقطة إلى رمز بصري يُستعاد باستمرار في وسائل التواصل الاجتماعي، مع حضور الفيلم الدائم في قوائم أفضل الأفلام، وفي الكتابات النقدية؛ ما يعكس قدرته على التجدّد والتفاعل مع تحولات الذائقة السينمائية.

كذلك أصبح الرقم 237 خالداً في ذاكرة عشاق السينما، وهو رقم أهم غرفة في الفيلم، وواحدة من أكثر عناصره رسوخاً في الأذهان، لارتباط هذا الرقم بمشهد بالغ الكثافة النفسية، واستمر تداول الرقم في النقاشات والتحليلات السينمائية، ليصبح علامة على قدرة الفيلم على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى رموز ذات دلالات مفتوحة.

ويمثل عرض «ذا شاينينغ» في السعودية جزءاً من حركة أوسع لإعادة قراءة السينما الكلاسيكية بعيداً عن الحنين العاطفي، وبمنظور نقدي معاصر يضع الفيلم في سياقه التاريخي والجمالي، حيث يفتح حضور هذا العمل المجال أمام جيل جديد لاكتشافه، وأمام جمهور أقدم لإعادة تأمله ضمن شروط مشاهدة مختلفة، تُبرز تفاصيله الدقيقة وإيقاعه المتأمل.

الممثلة شيلي دوفال في مشهد من الفيلم (المصدر: IMDb)

ستانلي كوبريك.. سينما التفاصيل

الفيلم الذي أُنتج عام 1980، من إخراج المخرج الأميركي ستانلي كوبريك، أحد أبرز صُناع السينما في القرن العشرين، وصاحب مسيرة اتسمت بالتنوع والصرامة الفنية؛ إذ عُرف كوبريك الذي توفي عام 1999 باهتمامه الشديد بكل تفصيلة في العمل السينمائي، من حركة الكاميرا إلى تصميم الديكور، ومن الإيقاع السردي إلى اختيار الموسيقى، وفي «ذا شاينينغ»، بلغ هذا الهوس بالكمال ذروته، حيث تحولت كل لقطة إلى جزء من بناء نفسي متكامل.

واستند كوبريك في عمله إلى رواية الكاتب «ستيفن كينغ» التي تحمل العنوان نفسه، لكنه قدّم معالجة سينمائية مستقلة ركزت على الأبعاد الذهنية للشخصيات أكثر من التزامها بحبكة رعب تقليدية، وهذه المقاربة جعلت الفيلم عملاً قابلاً لإعادة القراءة عبر أزمنة مختلفة.

قصة العزلة والانهيار النفسي

تدور أحداث الفيلم حول الكاتب جاك تورانس، الذي ينتقل مع زوجته ويندي وابنهما داني إلى فندق معزول في جبال كولورادو، لتولي مهمة الإشراف عليه خلال فترة الإغلاق الشتوي، والعزلة الطويلة، والطقس القاسي، والتاريخ الغامض للفندق، بيئة نفسية ضاغطة تتكثف فيها الهواجس والمخاوف، ليتحوّل الكاتب فيها إلى شخص مختلف عن صورة الزوج والأب الذي اعتادت عليه أسرته.

في حين يمتلك الطفل داني قدرات نفسية تتيح له رؤية أحداث من الماضي واستشراف ما سيقع، لتتحول إقامته في الفندق إلى تجربة قاسية تضع الأسرة أمام اختبارات متتالية، وهذه القصة، رغم بساطتها، تُستخدم مدخلاً لتفكيك مفاهيم الجنون، والذاكرة، والعنف الكامن في العلاقات الإنسانية.

يتناول الفيلم الانهيار النفسي الذي يعيشه كاتب يُدعى جاك تورانس، في مكان معزول (المصدر: IMDb)

أداء صنع أيقونة سينمائية

وجسّد دور البطولة الممثل جاك نيكلسون، في أداء أصبح علامة فارقة في مسيرته الفنية، مقدّماً شخصية الكاتب جاك تورانس بتدرج نفسي حاد، ينتقل من الاتزان الظاهري إلى الانفجار الداخلي، وأسهم هذا الأداء في ترسيخ الشخصية كإحدى أكثر الشخصيات حضوراً في تاريخ السينما.

كما شاركت شيلي دوفال، في دور زوجته ويندي، في أداء ركّز على الهشاشة والقلق والخوف، وقدّم الطفل داني لويد شخصية ابنهما داني بأداء هادئ وغامض، جعل منه عنصراً محورياً في بناء التوتر النفسي للفيلم، حيث منح تكامل هذه الأداءات العمل عمقاً إنسانياً تجاوز حدود الرعب التقليدي.

أصداء العرض الأول

عند عرضه الأول مطلع الثمانينات، أثار «ذا شايننغ» نقاشاً واسعاً بين النقاد والجمهور، ولفت الانتباه بأسلوبه المختلف وإيقاعه المتأني. ومع مرور السنوات، تزايد حضوره في الدراسات النقدية والجامعية، وظهرت قراءات متعددة تناولته من زوايا نفسية واجتماعية وثقافية وتاريخية. وهذا التحول في الاستقبال النقدي أسهم في ترسيخ مكانته كعمل سينمائي متجدد، يُعاد اكتشافه مع كل جيل، ويُقرأ وفق سياقات فكرية مختلفة، ما جعله أحد أكثر الأفلام تحليلاً في تاريخ السينما الحديثة.

الأم وطفلها يحاولون النجاة من الأمور الغريبة التي تحدث في فندق أوفرلوك داخل الفيلم (المصدر: IMDb)

الفندق... قلب القصة

ويحتل «فندق أوفرلوك» في «ذا شاينينغ» موقعاً مركزياً في السرد، حيث تعامل معه كوبريك بوصفه كياناً حياً، لا مجرد فضاء للأحداث، بما يشمله من الممرات الطويلة، والهندسة المتناظرة، وحركة الكاميرا الانسيابية، حيث بدت كلها عناصر صُممت بعناية لتعزيز الإحساس بالضياع والاختناق النفسي.

ولعبت الموسيقى التصويرية دوراً محورياً في بناء التوتر، عبر نغمات تجريبية حادة تتناغم مع التحولات النفسية للشخصيات، وهذا التوظيف الصوتي والبصري جعل من الفيلم تجربة حسية كاملة، تتضاعف قوتها عند مشاهدته على الشاشة الكبيرة.

الأفلام الكلاسيكية

يأتي عرض «ذا شاينينغ» في دور السينما السعودية ضمن توجُّه متصاعد لبرمجة الأفلام الكلاسيكية وأعمال الرعب النفسي ذات القيمة الفنية العالية، إلى جانب الإنتاجات الجديدة. ويعكس هذا التوجه تطور ذائقة الجمهور المحلي، واتساع مساحة الخيارات السينمائية، حيث باتت الصالات تستضيف عروضاً خاصة لأعمال مفصلية في تاريخ السينما العالمية، وحضور فيلم من وزن «ذا شايننغ» على الشاشة الكبيرة في السعودية يضع الجمهور أمام تجربة سينمائية جديرة بالتوقف والتذكّر.