أزمة الإعلام العربي الرسمي.. «السعودية مثالا»

أزمة الإعلام العربي الرسمي.. «السعودية مثالا»
TT

أزمة الإعلام العربي الرسمي.. «السعودية مثالا»

أزمة الإعلام العربي الرسمي.. «السعودية مثالا»

إذا كان هناك اقتناع بأن وسائل الإعلام الرسمية في سائر أنحاء الوطن العربي لا تحقق طموحات مجتمعاتها، وأن هناك عزوفا عن الإعلام الحكومي من قبل شرائح مختلفة من العامة والنخب على حدٍ سواء، وأن وسائل الإعلام الخارجية صارت تنافس الوسائل الوطنية، وأن الصحافة المحلية بقيت تراوح مكانها منذ عقود، وأن المجتمعات صارت تتجه إلى وسائل التواصل الاجتماعي من أجل استقاء الخبر بفورية؛ إذا صح ذلك كله أو معظمه على مستوى العالم العربي، جله أو بعضه، فإن الإعلام الرسمي فيه يعيش أزمة لا ينبغي لها أن تدوم، وإنه يمر بإشكالية يجب البحث لها عن حلول، وتنطلق هذه الخواطر - التي تتتبع ملامح الظاهرة وتجتهد في طرح بعض الحلول بعيدا عن الأشخاص والعهود - من أن معظم الأجهزة الرسمية تمارس عملها اليوم بعقلية الماضي مرتدية ثوب الحاضر وتقنيته، وبالتالي فإن التطور الحقيقي لن يتحقق إلا بتجديد الفكر وتغيير الأساليب وتحريك المياه الراكدة، وعندما يستشعر العنوان وجود أزمة فإنه يعني التسليم بوجود خلل وقصور، كما لا ينكر في الوقت نفسه ما يحتويه هذا الإعلام الرسمي من إيجابيات.

لقد أثبتت نماذج معيشة أن التأثير لا يتأتى بالضرورة مع المقرات الزاهية أو بتحديث المعدات، وأن تضخيم الكوادر لم يعد المعادلة الأهم في التفوق، بل لعله يصبح أحيانا عبئا على عمليات التطوير.
والأمر الثاني، أن كثرة التلويح بخصوصية المجتمع وثوابته، وأن المبالغة في تقدير العناصر الإيجابية في إعلام أي دولة، تشكلان أحيانا أعذارا للإبقاء على الحالة الراهنة، وأسبابا للإحجام عن التغيير ولتخدير العزائم عن التفكير في الإصلاح.

* السعودية مثالا: خلفية تاريخية
* كانت الإذاعة والتلفزيون في المملكة العربية السعودية في الستينات والسبعينات، وفي حدود إمكانات متواضعة، أكثر استجابة لتوفير الترفيه عبر الشاشة الصغيرة والترانزستور، وكان الإعلام الخارجي – عبر الكتب والأفلام الإعلامية عالية الإنتاج - يقوم بدور نشط للوصول إلى الخارج، ولدعوة الصحافيين الأجانب بالعشرات سنويا، ثم جدت بالتدريج ظروف إدارية وسياسية واجتماعية عدة، جعلت وسائل الإعلام المحلية تتراجع إلى مستويات أقل، وتبدى هذا الواقع بخاصة على صعيد الإعلام الخارجي، الذي أصبح، ولا يزال، الحلقة الأضعف، وبدا أداؤه متواضعا عند الملمات السياسية الطارئة، وهو ما دعا الحكومة بدءا من أواخر السبعينات إلى مباركة اتجاه رأس المال الخاص إلى الاستثمار في وسائل إعلام مقروءة ومسموعة ومرئية تسجل في الخارج، وتتحلّل من بعض قيود الرقابة التي كانت تفرضها الخصوصية المحلية، ويكون لديها المرونة في التصرف المالي والإداري، فظهرت على مدى العقود القليلة الماضية في لندن والقاهرة ودبي وقبرص جملة من الصحف والقنوات الإذاعية والتلفزيونية التي استهدفت الداخل والخارج على حد سواء، ساعد في تلك الفترة دخول الأقمار الصناعية بما كانت توفره من إشارات استقبال إذاعية وتلفزيونية وصحافية ذات ترددات عالية الجودة في كل أنحاء البلدان دون وساطات أرضية، وكانت تلك الوسائل المسجلة باسم مؤسسات خارجية، تلبي رغبات بعض شرائح المجتمع السعودي من الترفيه والمعلومات والأخبار بالقدر نفسه الذي توفره للمجتمعات العربية الأخرى، ومنذ ذلك الوقت انصرف معظم الجمهور المحلي والعربي إليها، بما صار يكفيه عن متابعة وسائل الإعلام المحلية التي صارت تنعت بنعوت لا تزال عالقة في الذهن إلى الآن.
ونتيجة لذلك، لم يبق من متابعي وسائل الإعلام المحلية، خاصة الإذاعة والتلفزيون، سوى فئة لا تميل أصلا إلى الصيغ البرامجية التي تقدمها الوسائل الأخرى، وفئة أخرى تحرص على متابعة الأخبار المحلية ساعة تقديمها، وصارت المادة الوحيدة التي لا تستطيع وسيلة إعلام خارجية الدخول في منافسة فيها مع وسائل الإعلام المحلية هي احتكار البث من الحرمين الشريفين في المناسبات الدينية وعلى مدار العام، وقد بلغ من عدم قبول فئة محافظة في المجتمع لما توفره قنوات التلفزيون المحلي أن انكفأت على قنوات مشفرة تسيدت المشهد الإعلامي الداخلي عبر عقود ثلاثة ماضية.
ومع ظهور وسائل إعلامية خارج الحدود متحررة من القيود الرقابية المتشددة، ولديها من المرونة النسبية ما يمكّنها من تقديم نشرات إخبارية لا تلتزم بالمعايير التي سارت عليها تقليديا وكالات الأنباء الرسمية، ساد شعور بخيبة الأمل وسائل الإعلام الرسمية في كل أنحاء العالم العربي، وصار الانطباع العام أن مخرجات الإعلام الحكومي ضعيفة متشابهة السمات ولا تقدر على المنافسة، لكن هذا الحكم سرعان ما تبدد، بعد أن ظهر نموذجا «أبوظبي» و«الجزيرة» المختلفان ليثبتا أن الحكومات إذا ما أرادت لأمر ما أن يتم فإنها تستطيع أن توفر له شروط الانطلاق.
فقبل أكثر من 10 سنوات أرادت أبوظبي لإعلامها المرئي أن يكون مختلفا، فتحقق لها ذلك، وأرادت قطر أن تصنع محطة تلفزيونية إخبارية متميزة تنافس أيقونة المحطات الإخبارية العالمية «CNN»، وكان لها ذلك، فأثبتت تلكما التجربتان أن الإشكالية لا تكمن في الانتماء للحكومة من عدمه، وإنما في توفير المرونة مهما كان مصدرها، وهنا، في المملكة العربية السعودية، كان لنا تجارب عدة في تحريك الركود الإداري في قطاعات الحكومة، بدءا من «أرامكو»، التي تعد نموذجا متحررا من البيروقراطية الحكومية، مع أنها مملوكة بالكامل للدولة، وكانت لنا تجارب أخرى مع المؤسسات والهيئات العامة، لكن الأجهزة الإعلامية بقيت في شكل مديريات خاضعة لوزارة الإعلام منذ تأسيسها.
أتت النجاحات التي حققها الإعلام السعودي الرسمي في فتراته الذهبية المبكرة، نتيجة وجود كفاءات وطنية جمعت بين الحماسة والتدريب الجيد، واستطاعت الإذاعة السعودية في الستينات الدخول في منافسة مع الإذاعات العربية الأخرى بجدارة معقولة، وخضعت الصحافة لتجربة جديدة لتوسيع قاعدة الملكية الفردية بتحويلها إلى ملكية مؤسسات جماعية أهلية، في محاولة للرفع من مستواها، وتمكينها من النهوض بقدراتها الفنية والتحريرية، وكان التلفزيون السعودي في الستينات سيد الموقف محليا على صعيد الترفيه ومصدرا للأخبار على الرغم من أنها كانت تأتي متأخرة وباهتة، وحقق التلفزيون بفضل التدريب ورفع طاقة الإنتاج المحلي في تلك الفترة نقلة كمية ونوعية عالية توازي ما كانت عليه حال المحطات العربية العاملة آنذاك، وبغض النظر عن مدى الاتفاق من عدمه على النهج الذي كان يسير عليه الإعلام الرسمي المسموع والمرئي آنذاك، فإنه كانت تربطه مع المجتمع حالة من التعايش الرضي، ببث لم يكن يزيد على ساعات محدودة، وبإمكانات تقنية صعبة.

* الحالة الراهنة
* بدأ هذا المشهد يتغير عبر العقود القليلة الماضية، فلقد خسر الإعلام الرسمي عددا من قياداته الناجحة، وانحسرت مشاركات المثقفين في وسائل الإعلام، وانكمشت برامج التدريب، وتقلص الإنتاج المحلي من الدراما والمنوعات بدخول شركات إنتاج لا تخدم إلا مصالحها، وأخذ الإعلام المسموع والمرئي يقتصر في إنتاجه المحلي على أبسط صيغ الإنتاج وأضعفها وأقلها احترافا ومهنية، وكان من نتائج هذه الأوضاع المتراكمة، سطحية في الأداء المهني، وضعف في العرض، وضحالة في المضمون، وغياب ملحوظ في التدريب، وفي عدم تعويض الكفاءات المتسربة بمثلها أو بأفضل، أدت جميعها بالتالي إلى انحسار المستمع والمشاهد عن وسائل الإعلام المحلية المرئية والمسموعة، مع عجز الوسائل المقروءة عن اجتياز الحدود الجغرافية، وعندما تفقد الوسيلة الإعلامية جاذبيتها وتأثيرها تخسر أهم أسباب البقاء، ألا وهو تعلق المتابع وارتباطه بها، وهي لا يمكن أن تستعيد مكانتها إلا عبر جهد أصيل، يسبقه تشخيص واقعي، ورغبة صادقة في إثبات الوجود.
من اليسير على أي ناقد إعلامي أن يرصد ضعف الاحتراف المهني بمختلف صوره، في مقابل انبهار واضح بما تمتاز به وسائل إعلام منافسة عربية وعالمية من مهنية عالية، جعلت المواطن يتعلق بها على الرغم مما له من ملاحظات عليها، ولأن الأخبار قد ظلت أهم ما تبقى عند الأوفياء من المواطنين للارتباط بوسائل الإعلام المحلي، فقد وجدوا في تأخرها عن مواكبة الأحداث الداخلية، وفي تطويل بعضها، وفي تركيزها على الأشخاص قبل المضمون، بعض أسباب العزوف عن متابعتها، ناهيك عن التندر عليها، ولقد لحقت بهذه المجموعة من وسائل الإعلام الأهلية قنوات إذاعية رخصت من الداخل، صارت غير ذات هوية، وغير ذات مضمون، وغير ذات مستوى، ولا تضيف إلى الإعلام الوطني أي قيمة.
وأمام هذا المشهد الذي وظفت فيه التقنية لتختلط فيها المهنية العالية مع الإسفاف، صار المتابع لوسائل الإعلام بوجه عام، والرسمي منها بوجه خاص، لا يجد فيها ما يشبع غليله من المضمون الإعلامي الجيد المتوازن، في حال يمكن أن يقال عنها إنها انحدار في الذوق العام وسيادة الزمن الرديء للإعلام العربي، وصارت النخب تفضل قنوات ووسائل لا تنتمي إلى المنظومة الإعلامية العربية والمحلية، ولم تعد المنظمات الإعلامية العربية، كاتحاد الإذاعات العربية وأمثاله من الاتحادات بالفاعلية التي بدأت بها، وصارت اجتماعاتها رتيبة مكرورة.
ثم جاء الإعلام المصاحب لموجة ما أطلق عليها «الربيع العربي»، وكان المظنون أن الزمن العربي لن يأتي بأردأ من تلك الصور التي اكتسبت السمعة السيئة فيما مضى من عقود الانقلابات العربية، فإذا بنا نكتشف أن الإعلام أصبح أسوأ من السياسة، وأنه بدلا من أن يقرب ويداوي ويعمل على توحيد القلوب وعلى وحدة الصف العربي وتقويته، صار يصب الزيت على بؤر التوترات، ويهيج الأحقاد، ويشعل الفتن داخل الوطن الواحد، ويصبح منبرا لمن لا منبر له، وكان المظنون أيضا أن زمن الضجيج والصراخ والردح قد ولى، وأن الوقت هو وقت المعلومة والطرح المتزن، وأن القائمين على الإعلام قد تعلموا أن عدم الرد هو أحيانا الرد الأبلغ والأوقع، كي يبقى الباب مفتوحا أمام القنوات الدبلوماسية لمعالجة أسباب الاختلافات وتباين وجهات النظر.
لقد تعلمنا أن رسالة الإعلام عامة (والرسمي منه خاصة) هي الارتقاء بالذوق العام وصون العفة والحياء والتزام الوقار، وأنه المتمم لرسالة التربية والتعليم، وتفاءل الجمهور العربي بتعدد القنوات، واستبشر أكثر عندما استطاع الإعلام العربي امتلاك التقنية الحديثة في الصحافة والإذاعة والتلفزة، فإذا ببعض من تلك التقنية المتطورة تنتهي بأكملها إلى الإسفاف وتأصيل الخواء الفكري.
كانت المشكلة الأساسية (في نظر المحاضر) مشكلة إدارة، أفقدت الإعلام الرسمي الدينامية والحركة والعمل المؤسسي، وتولد عنها جملة من المشكلات الأخرى، لعل من أبرز ملامحها تردي الاحتراف والإبداع وغياب الإنتاج الفني، وزيادة الكم على حساب الكيف بتدشين قنوات تلفزيونية وإذاعية غير ذات طعم، وكانت تلك الملحوظات محور كثير من كتابات المحاضر، يبديها بصراحة ناعمة، يحدوها تحرج شديد من أن ينتقد جهة كانت تربطه معها علاقة وظيفية سابقة، وعلاقة أخرى مستمرة من خلال عضوية المجلس الأعلى للإعلام.

* في سبيل البحث عن الحلول
* كان المظنون أن الحل سيكون في تحويل الأجهزة الإعلامية الثلاثة إلى مؤسسات عامة، يوم أن كانت المؤسسات العامة هي الحل الأمثل المتاح للبيروقراطية الإدارية الحكومية، ثم لما تحولت الحكومة في العقدين الماضيين نحو الهيئات العامة، نادى المحاضر بالتوجه نحوها بعدد من المقالات، وقد تحقق في العامين الماضيين وبعد نحو أربعة عقود، تحويل الإذاعة والتلفزيون معا ووكالة الأنباء إلى هيئتين عامتين من المبكر الحكم عليهما، إلا أن بوادر الأمور لا تبشر بالتغيير.
لقد دخل الإعلام الجديد بقوة في السنوات القليلة الماضية منافسا قويا لوسائل الإعلام التقليدية، ولم يعد بمقدور الحكومات التحكم بما يصدر عنه من فكر، أو السيطرة على مدخلاته ومخرجاته، وأضحت مؤسسات المجتمع المدني في العالم تنتظر من الحكومات أن تمنح الحرية لمستخدميه، معتبرة هذه المسألة من حريات التعبير، ولهذا فإن أمر التعامل معه يتطلب فكرا مرنا مستنيرا لا ضرر فيه ولا ضرار، لكن الأمر لا يمكن التغاضي عنه في زمن صارت استخدامات الإعلام الجديد تزيد من الشتائم وإثارة النعرات وكشف العورات، وتشارك مع برامج البث المباشر في بث الأحقاد، وفي فوضى الفتاوى الشرعية من كل من هب ودب.
لسنا في هذا المقام بصدد مناقشة ما يدور في مجتمعات أخرى حول جدوى بقاء وزارات الإعلام، بعد عقود من الوصاية والاحتكار، لكن أجهزة الإعلام من إذاعة وتلفزيون ووكالات أنباء التي ظلت تحافظ على تنظيمها التقليدي نفسه منذ تأسيسها قبل عقود، ثم حازت مؤخرا على سمة الهيئات العامة، هي اليوم أشد ما تكون - على وجه الخصوص - إلى أن جهة إشرافية تنظيمية تشريعية تعمل على تنظيم قطاع الإعلام ورسم تشريعاته وسياساته، وتحل محل المجلس الأعلى للإعلام وربما محل وزارة الإعلام نفسها، وهو إجراء اتجهت إليه بعض دول عربية في الخليج والمشرق والمغرب العربي، وعملت به دول متقدمة من قبل لقد كان مجال الخدمات الإعلامية كالصيانة والإعلان والإنتاج من المجالات التي فتحت مبكرا للقطاع الخاص، لكن إعادة الهيكلة يمكن أن تفتح مزيدا من عمليات الخصخصة والتعددية الإعلامية، التي تخفف العبء عن الجهاز الإداري، وتمنحه المزيد من الوقت للإشراف والتنظيم، وإن فتح المجال - بضوابط - للمؤسسات الثقافية والاقتصادية الوطنية الموثوقة للدخول في استثمارات الصحافة والمحطات الإذاعية والتلفزيونية الأهلية، في ميادين الثقافة أو الترفيه أو الرياضة أو نحوها، يمكن أن يخفف الضغط على متطلبات المجتمع من وسائل الإعلام الرسمية المركزية، ويوجد التنافس معها، وهو أمر لا ينازعها - في الوقت نفسه - في اعتبارات السيادة السياسية، فضلا عن كونه يعيد الاستثمارات السعودية في الخارج إلى موطنها، ويخلق فرص التوظيف والتدريب فيها للمواطنين.
لقد نجح القطاع الأهلي الخاص أفرادا وشركات، وبمباركة من الدولة ودعمها، في اقتحام عالم الإعلام، الإخباري والترفيهي والرياضي والثقافي في الخارج، وأسس إمبراطوريات عملاقة، أسهمت بنصيب وافر في دعم جهود إعلامنا الخارجي، لكن نجاحه هذا هو شهادة إثبات على عدم فاعلية إعلامنا الرسمي، ودليل على قصوره وضعفه، وكان الأحرى بنا أن نبحث في أسباب ذلك، وأن نستفيد من تجربة إعلامنا المهاجر، لتعزيز قدرات وسائل الإعلام الوطنية، بل الأحرى أن نسعى لتوطينه وإنهاء هجرته، في وقت يعرف الجميع انتماءه إلى هذه البلاد.
إن الإعلام الرسمي السعودي خاصة، والإعلام العربي عامة، يواجه اليوم - أمام بضع وسائل غير تقليدية في عالم الإعلام منذ انطلاقة «CNN» الأميركية عام 1980م - مأزقا حادا، لا يكفي لمواجهته الاستمرار في إغماض العيون، بل ينبغي أن يواجه بالمنافسة والإبداع، فتلك الوسائل الجديدة لا تمتلك عصا سحرية، لكنها عثرت على مكمن السر في التفوق، ثم تنبهت بعض دول خليجية إلى قوانين هذه اللعبة الإعلامية، فانخرطت فيها بذكاء وإيجابية، واستعادت قسطها من الإقبال والقدرة على المنافسة، ووضعت لنفسها مكانا في خارطة الإعلام المتقن الصنع.
إن التحديات التي تواجه وسائل الإعلام في محيطنا العربي، والدور المرتقب لإعلامنا في مثل هذه الظروف، التي أحصرنا بها منذ غزو العراق للكويت، لا يمكن أن يباشَر بأداة الأمس، فإذاعات الأمس وصحافته ومحطاته التلفزيونية لم تعد تتناسب وظروف اليوم، والجغرافيا لم تعد هي الجغرافيا، وأسقط الإنترنت والأقمار الصناعية الحدود والحواجز الرقابية والمكانية، حتى بدأت الإذاعات المتوسطة والقصيرة التقليدية في الانهيار والاضمحلال، وتداخل الليل والنهار، ولم يعد هناك فارق بين مفهوم المحلي والإقليمي والعالمي في الإعلام، وحلت الرقابة الذاتية محل الرقابة الحكومية المركزية، وصار البقاء والاستمرار يحكمان بعوامل الجودة والنوعية، لأن الخيارات تعددت، وأذواق المجتمعات تغيرت وتطلعاتها كبرت وأحوالها تبدلت، والأوضاع السياسية تعرضت للتحولات، وصارت المعلومة والتقنية متاحة بذات المقدار والصفاء لراعي الغنم في البادية ولأستاذ الجامعة، على حد سواء.
لقد بلغ الإعلام الرسمي العربي بكل وسائله ووزاراته، ومنذ نشأة معظمها، مرحلة متقدمة من النضج العمري بما يجعله يرتفع عن التجارب والتنازلات، وأن لا يرتضي من الاحتراف بأقل من الكمال. إن كلاما أطول يمكن أن يصرف في الحديث عن واقع الإعلام السعودي، الذي مضى على صحافته 90 عاما وعلى إذاعاته ومحطاته التلفزيونية ووزارته أكثر من نصف قرن، ونريد له أن يرتقي بارتقاء البلاد، ويلحق بالزمن المعيش اليوم، ويواكب التطور الإبداعي الذي نراه من حولنا، لأن قَدَرَه أن يطلب منه المزيد من التجديد والتغيير، فهو مرآة أمة تمتلك من عناصر المجد والقوة والفخر ما يجعل إعلامها متواضعا مهما عمل.
إن مساعي مشكورة قد بدت في الأفق للانفتاح، لكن إيقاعها لا يسير بالوتيرة المتسارعة التي تعمّ حياتنا الثقافية والاقتصادية، وهي مساعٍ ينقصها التخطيط واستشراف الآفاق الإعلامية الأحدث، وجهود تسير بقوة دفع تحركها آلة الضرورة التي لا تعرف التوقف، والنتيجة أن ما كل ما يدور يسير في اتجاه الأفضل. إنها دعوة مخلصة لوضع نظام إعلامي سعودي جديد، يأخذ في الحسبان أصالة الماضي وقيمه، ولغة إعلام الحاضر والمستقبل وإبداع الآلة وابتكار العقل، أما ما لم يدركه الوقت في هذا المقام فإن له مكانا آخر، بإذن الله، والحقيقة التي لا تغيب عن الذهن أن دولة بمثل المملكة العربية السعودية وشعبها جديران بإعلام راقٍ رفيع المستوى يليق بمكانتهما الإقليمية والدولية، الدينية والحضارية والسياسية والاقتصادية، ويتناسب مع ما ينفق عليه من أموال.
* إعلامي سعودي..
والموضوع محاضرة ألقيت
في منتدى عبد الرحمن السديري للدراسات السعودية.. 9 نوفمبر 2013



«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
TT

«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)

خرج العشرات من موظفي قناة «دويتشه فيله» التلفزيونية الألمانية في مظاهرة في برلين، الخميس الماضي، رفضاً لاقتطاع 21 مليون يورو من ميزانية القناة المموّلة من ميزانية الحكومة السنوية، ما سيؤثر على عشرات الوظائف داخل القناة. وللمرة الثانية خلال سنتين، تقرّر الحكومة الألمانية تخفيض ميزانية تمويل القناة بعدما اقتطعت قبل سنتين 20 مليون يورو، ما تسبب بعمليات طرد جماعية آنذاك لتحقيق أهداف خفض الميزانية.

الاقتطاع الجديد في ميزانية القناة، التي تبث بـ32 لغة مختلفة، سيؤدي إلى إغلاق الخدمة اليونانية بشكل كامل بعد أكثر من 60 سنة على عملها. وحقاً، أثار إغلاق الخدمة اليونانية جدلاً في العاصمة اليونانية أثينا، خاصة أن القناة لعبت دوراً مهماً في التخلص من الديكتاتورية العسكرية في اليونان عام 1974، باصطفافها الواضح إلى جانب اليونانيين الذين كانوا يناضلون في سبيل الديمقراطية.

ثم لعبت القناة، مجدداً، دوراً مهماً إبّان أزمة اليورو عام 2015، وكانت تبث وجهة نظر ألمانيا إلى اليونانيين. ولقد برّر مجلس إدارة القناة قرار إغلاق الخدمة اليونانية بالكامل بالقول إن «اليونان بات بلداً ديمقراطياً وجزءاً من الاتحاد الأوروبي منذ سنوات».

وقف عدد من البرامج

إضافة إلى سبق، سيصار إلى وقف عدد من البرامج في مختلف الخدمات واللغات، ومن أبرزها البرامج الحواري «بتوقيت برلين» الذي يبث بـ4 لغات من بينها العربية. ويستضيف هذا البرنامج صحافيين ومحللين أسبوعياً لتحليل أبرز حدث في الأسبوع. وبإلغاء هذا البرنامج لا يبقى للخدمة للعربية سوى برنامج واحد هو إخباري مسائي يومي، علماً بأن الخدمة ألغت أيضاً نشرات الأخبار التقليدية.

من جهة ثانية، على الرغم من تعهد القناة بأن تخفيض الميزانية إلى 395 مليون يورو، لن يؤدي إلى عمليات طرد جماعية، فإنه سيؤثر على قرابة 160 وظيفة، معظم شاغليها لا يعملون بعقود دائمة. وسيعاد من ثم توزيع هؤلاء وربما تخفيض مرتباتهم.

أيضاً، قد يخسر قرابة 200 موظف يعملون بالدوام الحر (فريلانسر) عملهم نتيجة تخفيض الميزانية، بحسب نقابة «فيردي» التي دعت للمظاهرة الأسبوع الماضي. وذكرت النقابة، وهي الأكبر في ألمانيا، أن الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي «إلى التخلي عن 200 موظف، بشكل أساسي من الذين يعملون بنظام العمل الحر». وانتقدت قرار تخفيض التمويل بالقول إن «هذا سيؤدي إلى خسارة كبيرة في مدى الوصول، وإلى تقوية الأصوات التي تنشر المعلومات المضللة». وبالتالي، اعتبرت أن هذا الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي إلى «خسارة ألمانيا للمنافسة الدولية، كما أن الأصوات التي تدعم القوى الديمقراطية في العالم ستصبح أكثر هدوءاً».

شعار القناة (دويتشه فيله)

من البنية التحتية والإدارة

بحسب مجلس إدارة «دويتشه فيله»، سيأتي أكثر من ثلث إجمالي التخفيضات من البنية التحتية والإدارة، بالإضافة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي. وللعلم، يعطي تمويل القناة من ميزانية الحكومة بُعداً سياسياً لا تحمله القنوات الألمانية الأخرى التابعة للدولة والمموّلة من ضريبة البث التي يدفعها المواطنون ولا تتأثر بالميزانيات السنوية للحكومة.

كارل يونغستين، رئيس مجلس البث في القناة، انتقد قرار الحكومة تخفيض الميزانية المخصصة للقناة، واصفاً القرار بالـ«مؤسف»، وأردف: «بسبب هذا القرار يجب على القناة أن تتوقع انخفاضاً كبيراً في مدى وصولها إلى المشاهدين، وهذا أمر مؤسف للغاية، خاصةً أن روسيا والصين تتوسعان بشكل ضخم في قنوات البروباغندا التابعة للدولة، وانسحاب الولايات المتحدة من البث الدولي يخلق فجوة متزايدة».

ورأى يونغستين أن تخفيض الميزانية «سيضعف وجهات النظر الألمانية والأوروبية دولياً في وقت تسعى فيه أوروبا بشكل طارئ للحصول على شركاء وحلفاء جدد».

كذلك، وصف أشيم ديرك، أمين عام مجلس إدارة قناة «دويتشه فيله»، قرار تخفيض ميزانية القناة بأنه «يتعارض» وتعهدات الحكومة «بتقويتها»، كما يذكر بيان الحكومة الائتلافية التي تشكلت العام الماضي بقيادة حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» بزعامة المستشار فريدريش ميرتس.

وأضاف ديرك أنه «من دون زيادة الميزانية العام المقبل، فإن ارتفاع التكلفة في كل المجالات سيؤثر على نوعية العمل الصحافي والبنية التحتية ومدى الوصول الذي تتمتع به القناة». واعتبر أنه «فقط من خلال تمويل مناسب يمكن لقناة (دويتشه فيله) أن تقدم مساهمة أساسية ناجحة في الصحافة الحرة ومواجهة المعلومات المضللة».

التخفيض يقتصر على السنة الحالية

تخفيض ميزانية القناة يقتصر الآن على العام الحالي، ومن غير المعروف ما إذا كانت الحكومة ستزيد من مخصصاتها لها في ميزانية العام المقبل. ولا تستهدف الحكومة الألمانية ميزانية القناة بحد نفسها، بل تقول إن كل الوزارات عليها تخفيض ميزانياتها بهدف إعادة تحويل بعض التمويل إلى استثمارات تتعلق بالأمن والنمو.

في المقابل، يتعين على إدارة القناة تعديل إنفاقها سنوياً بحسب الميزانية المخصصة لها. وفي العام الماضي مثلاً، خصّصت لها ميزانية أعلى بـ15 مليون يورو عن العام الذي سبق. ولكنها في عام 2024 اضطرت لاتخاذ خطوات بعدما قلصت الحكومة ميزانيتها من 413 مليون يورو إلى 410 ملايين يورو. وأنهيت حينذاك عقود أكثر من 50 موظفاً وتم تقليص ساعات عمل أكثر من 100 موظف آخر. وهذا مع الإشارة إلى أن القناة توظف حالياً أقل بقليل من 4 آلاف موظف.

أخيراً، يبقى أن نذكر أن «دويتشه فيله» تحوّلت في السنوات الماضية، أكثر من مرة، إلى مادة إخبارية دسمة بعد سلسلة من الفضائح ارتبطت بها، خاصة في الخدمة العربية. وإثر فضائح تتعلق بتحرّشات داخل القناة، خرجت قبل 4 سنوات اتهامات لموظفين بـ«معاداة السامية»، وطرد عدد منهم خاصة من الفلسطينيين.

ولكن القناة نفسها اتهمت بعد ذلك بتسييس الاتهامات، وبالحد من حرية التعبير عن الرأي داخل القناة، خاصة فيما يتعلق بانتقاد إسرائيل. وبالفعل، لجأ بعض الموظفين الذين طُردوا واتهموا بـ«معاداة السامية» إلى المحاكم، وكسب منهم معركته ضد القناة التي على الأثر اتهمت بالطرد التعسفي، وفاز عدد منهم بتعويضات مالية.


توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)
TT

توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)

أثار توجه مؤسسات إعلامية للتعاون مع «منصات التنبؤ» تساؤلات مهنية وأخلاقية عدة. وفي حين رأى خبراء أن الاتجاه إلى «أسواق التنبؤ» يعكس رغبة في جذب الجمهور المتعطش للمعرفة، فإنهم حذّروا من «تأثير هذا الانخراط على المصداقية»، مطالبين بوضع أطر قانونية وأخلاقية لتقنين استخدامها.

«أسواق التنبؤ» هي منصات رقمية تتيح للمستخدمين المراهنة على احتمالات وقوع أحداث مستقبلية، من نتائج الانتخابات إلى المؤشرات الاقتصادية. وهي قد تكون «شكلاً خطيراً من أشكال المقامرة، يتيح المراهنة على أحداث واقعية دون قيود أو قواعد اقتصادية وقانونية»، أو «قد تكون بديلاً جيداً لاستطلاعات الرأي إذا ما اعتمدت أطراً قانونية»، وفق تقرير لمعهد «نيمان لاب» المتخصص في دراسات الإعلام.

للعلم، شهدت الفترة الأخيرة اتجاهاً إعلامياً متزايداً لدمج «أسواق التنبؤ» في غرف الأخبار؛ إذ أعلن عن اتفاقات شراكة بين منصة «كالشي» (كل شيء) للتنبؤ في نيويورك، ومؤسسات إعلامية مثل «سي إن إن»، و«سي إن بي سي»، و«فوكس»، و«أسوشييتد برس»، كما وقعت اتفاقات مماثلة بين منصة «بولي ماركت» وكل من «سبستاك» و«داو جونز».

معهد «نيمان لاب» أفاد بأن منصتي «كالشي» و«بولي ماركت» تعملان على ترسيخ وجودهما في سوق صناعة الأخبار. وعادة ما تستخدمان لغة إخبارية في الترويج للمحتوى على منصات التواصل الاجتماعي مثل «عاجل» و«يحدث الآن»، متبوعة بروابط تتيح للمستخدمين المراهنة على الأخبار، لكن «الكثير منها ينطوي على معلومات مضللة».

ليلى دومة، الباحثة الجزائرية في علوم الإعلام والاتصال، عدّت تنامي اهتمام وسائل الإعلام بما يُعرف بـ«أسواق التنبؤ» انعكاساً لمساعي وسائل الإعلام مواكبة جمهور متعطش للمعلومة الفورية والتحليل الاستباقي، في بيئة تتسم بتسارع الإيقاع الإخباري واحتدام المنافسة.

وقالت دومة في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إن «أسواق التنبؤ تبدو أداة جذابة؛ إذ تقدم مؤشرات آنية ومُجمَّعة تستند إلى الحكمة، ما يمنحها جاذبية تحليلية وإمكانات تفاعلية تعزز انخراط الجمهور». وذكرت أن تلك المنصات «توفّر للمؤسسات الإعلامية وسيلة جديدة للرصد الاستراتيجي، تساعدها على استشراف الاتجاهات وتغذية تغطياتها بمقاربات قائمة على الاحتمالات».

إلا أن الباحثة الجزائرية تطرّقت إلى «تحديات عميقة» تواجه الانخراط في «أسواق التنبؤ»، تأتي «المصداقية» في صدارتها. وأوضحت أن «أسواق التنبؤ بطبيعتها، لا تُنتج حقائق مؤكدة، بل تقديرات احتمالية قد تتأثر بعوامل نفسية وسلوكية أو حتى بحملات تضليل منظمة، ما يبرز خطر الخلط بين الخبر والتحليل، أو بين المعلومة والتكهن، وهو ما قد يؤدي إلى إرباك المتلقي وتقويض ثقته بالوسيلة الإعلامية».

دومة شددت أيضاً على «ضرورة وضع تأطير صارم لاستخدام هذه الأدوات داخل غرف الأخبار، من خلال تبني معايير واضحة تضمن الشفافية في عرض المعطيات، وتُبرز طبيعتها الاحتمالية، إلى جانب الحفاظ على مسافة نقدية تحول دون الانزلاق نحو الترويج غير الواعي لنتائج غير مؤكدة».

وأردفت: «يمكن لأسواق التنبؤ أن تشكل إضافة نوعية للعمل الصحافي إذا ما أُحسن توظيفها ضمن مقاربة مهنية متوازنة، تجمع بين الابتكار والمسؤولية»، وشددت على أنه «في حال غياب الضوابط، فإنها قد تتحول من أداة تحليل إلى مصدر تشويش ما يهدد أحد أهم أصول الإعلام الموثوق».

وللعلم، تتيح الشراكات الإعلامية مع «أسواق التنبؤ» ظهور بيانات «منصات التنبؤ» على شاشات المؤسسات الإعلامية، ما يقدّم للمشاهد نظرة على ما يمكن أن يحدث مستقبلاً في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصاد، استناداً لتوقعات الجمهور.

من ناحية ثانية، رأى الدكتور أشرف الراعي، الخبير في الجرائم الإلكترونية وتشريعات الإعلام، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «تصاعد اهتمام المؤسسات الإعلامية العالمية بأسواق التنبؤ لا يُعد مجرد تطور تقني، بل يمثل تحولاً بنيوياً في فلسفة العمل الصحافي».

وأردف أن «الإعلام انتقل من موقع نقل الوقائع إلى دور أكثر تعقيداً يقوم على تحليل الاتجاهات واستشراف السيناريوهات المستقبلية، بالاستناد إلى بيانات جماعية ديناميكية تتشكل في الزمن الحقيقي... وأسواق التنبؤ تمنح وسائل الإعلام مؤشرات، قد تسبق الإعلان الرسمي أو النتائج النهائية، ما يخلق ميزة تنافسية كبيرة في بيئة إعلامية تقوم على السرعة والتأثير»، محذراً من أن «هذا التفوق قد يتحول إلى مصدر مخاطر إذا لم يُضبط ضمن أطر مهنية وقانونية واضحة».

وأشار الراعي إلى أن «التحدي الأبرز يتمثل في تآكل الحدود الفاصلة بين الخبر والتوقع، ما قد يؤدي إلى تضليل الجمهور أو خلق تصورات غير دقيقة عن الواقع، لا سيما إذا قُدّمت مُخرجات أسواق التنبؤ بصيغة حقائق مؤكدة».

ولفت إلى أن «هذه الأسواق قد تكون عرضة للمضاربات المنظمة أو التلاعب بالمعلومات، ما يثير تساؤلات جدية حول مسؤولية المؤسسات الإعلامية حال نشر بيانات أو مؤشرات غير موثوقة».

هذا، ولا يقتصر الأمر فقط على إشكاليات مهنية؛ بل يمتد إلى إشكاليات أخرى قانونية، تتضمن، بحسب الراعي، «المسؤولية المدنية والجزائية عن نشر معلومات مضللة أو غير دقيقة، لا سيما إذا ترتب عليها ضرر بالأفراد أو الأسواق. وقضايا حماية البيانات؛ إذ تعتمد بعض منصات التنبؤ على تحليل بيانات المستخدمين وسلوكهم، ما يفرض الالتزام بالتشريعات الخاصة بحماية الخصوصية وعدم إساءة استخدام البيانات. إضافة إلى إشكالية التلاعب بالأسواق؛ حيث قد تُستغل التغطيات الإعلامية نفسها للتأثير على اتجاهات التنبؤ، ما يخلق دائرة مغلقة من التأثير المتبادل بين الإعلام وهذه الأسواق».

ونبّه الراعي، من ثم، إلى أن هناك بعداً تنظيمياً يتعلق بضرورة تحديد الطبيعة القانونية لـ«أسواق التنبؤ»؛ هل تُعامل كمنصات مالية، أم كأدوات تحليل بيانات، أم كمساحات تعبير؟ وقال إن هذا «التصنيف يترتب عليه خضوعها لأطر رقابية مختلفة، سواء من (هيئات تنظيم الإعلام)، أو الأسواق المالية، أو الجهات المختصة بحماية البيانات».

وشدد على أن «الحفاظ على مصداقية الإعلام في ظل هذا التحوّل يتطلب إعادة تأطير العلاقة مع أسواق التنبؤ، بحيث تُستخدم بوصفها مصدراً تحليلياً داعماً لا بديلاً عن العمل الصحافي القائم على التحقق والتدقيق». ثم دعا إلى «تطوير مدونات سلوك مهنية واضحة، تلزم المؤسسات الإعلامية بالإفصاح عن طبيعة هذه البيانات وحدودها، وعدم تقديمها بوصفها حقائق نهائية».

واختتم الراعي بالقول إن «المرحلة المقبلة تستدعي تدخلاً تشريعياً متوازناً يحقق معادلة دقيقة بين تشجيع الابتكار في الإعلام الرقمي، ومنع إساءة استخدام أدوات التنبؤ، ما يضمن حماية الرأي العام وصون الثقة في وسائل الإعلام، باعتبارها ركيزة أساسية في تشكيل الوعي المجتمعي».


آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
TT

آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي»، وهو عمر النضج لهذه المؤسّسة الثقافية الفريدة من نوعها في العالم، والتي تحتلّ موقعاً جغرافياً متميّزاً في العاصمة الفرنسية، حيث تطلّ على كاتدرائية «نوتردام» ونهر السين وباريس التاريخية. ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، كان لا بدَّ من اللقاء بالرئيسة الجديدة الشابة التي تجيد اللغة العربية وتُبدي اهتماماً بالعالم العربي. ولوجاندر هي أول امرأة تُسند إليها هذه المهمّة البالغة الأهمية، نظراً إلى الدور الذي يضطلع به المعهد، ليس فقط على الصعيد الثقافي والفني واجهةً للثقافة والحضارة العربيتَيْن، وإنما أيضاً لما له من امتدادات على الصعيدين الدبلوماسي والاستراتيجي. من هنا، سعت «الشرق الأوسط» إلى التعرّف على رؤية الرئيسة الجديدة لدور المعهد، وكيفية تحديث صورته وتمكينه من تعميق وظيفته مركز إشعاع ثقافياً وحضارياً في «عاصمة النور»، وجسراً للتواصل والتلاقح بين ضفاف البحر الأبيض المتوسّط وما وراءها، وصولاً إلى الخليج وحتى البحر الأحمر.

مساحةٌ تلتقي فيها الثقافات بلا حواجز (أ.ف.ب)

روابط عضوية بين الفاعلين ثقافياً

تقول الرئيسة الجديدة: «الدول المعنية من الجانبين في (معهد العالم العربي) تستحق فتح فصل جديد. ونحن نأمل، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة. والمهم بالنسبة إليّ هو إعادة بناء علاقة أقوى مع الدول المؤسّسة في العالم العربي. وخلال الـ40 عاماً الماضية، تطوَّرت المَشاهد الثقافية في هذه الدول بشكل كبير. ولذا، أودّ أن نتوصل إلى إقامة روابط وثيقة جداً، بل عضوية، مع جميع الفاعلين في المشهد الثقافي لهذه البلدان». واستطردت: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة، وأصبح له موقعه ودوره، ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

قيادة جديدة لمعهد يبحث عن أفق أوسع (أ.ف.ب)

ومن التحوّلات التي تتوقَّف عندها، عودة سوريا إلى الفضاء الثقافي الذي يُعاد بناؤه، مشيرة إلى أنّ سوريا ستكون حاضرة للمرة الأولى منذ 15 عاماً في «بينالي البندقية للفنّ المعاصر» بجناح يضمّ مجموعة من الفنانين السوريين. ولذا، فإنّ المعهد لا يريد أن يكون بعيداً عن هذه العودة، وهو راغب في مساندتها والتفاعل معها.

أهمية تعليم اللغة العربية

ثمة هدف ثانٍ تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. ففي فرنسا، تُعد اللغة الثانية الأكثر تداولاً، ولها علاقات تاريخية وثيقة بالبلد وباللغة الفرنسية، وكانت لقرون رافداً ثقافياً رئيسياً في أوروبا. وثمة حاجة حقيقية في فرنسا وفي عدد من الدول الأوروبية، حيث الجاليات العربية الراغبة في أن يتعلّم أبناؤها اللغة العربية في معاهد واضحة وشفّافة وحديثة. وبنظرها، فإنّ «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة. وما تريده لوجاندر، في مواجهة الصور النمطية السلبية عن اللغة العربية، التي تعكس إما جهلاً بحامليها أو دوافع سياسية، هو أن يتولّى «المعهد» مهمّة الإسهام في انتشارها، خصوصاً أنه يحتضن مركزاً مُعتَرفاً به لتعليمها، وهو مؤهَّل لمنح شهادات مقبولة رسمياً. وطموحها يذهب أبعد من ذلك؛ إذ تريد أن يُعتَرف بإرث هذه اللغة، وأن يجري «تبنّيها» على المستوى الفرنسي. وقالت حرفياً: «لدينا دور نؤدّيه في هذا المجال، يتمثَّل في إظهار أنه ضمن إطار جمهوري، يمكن لهذا التاريخ واللغة والثقافة أن تجد أبهى صور العرض والتقدير، وهو تقدير لا يزال ينقصها اليوم على الساحة الفرنسية».

لوجاندر في الواجهة... والمعهد على طريق التحوُّل (غيتي)

العالم العربي اليوم

لا يستطيع «المعهد» أن يعيش مع محيطه أو يؤثّر فيه أو يتفاعل معه من دون تقديم إنتاج ثقافي. وما تريد لوجاندر الدفع باتجاهه هو بالفعل «تعزيز الإنتاج الثقافي المشترك»، سواء من خلال المعارض أو الأنشطة الثقافية المتنوّعة، بما يعني «تقديم المساعدة للفنانين الشباب العرب على إيجاد فرص، ومساعدتهم على إنتاج أعمال جديدة، وضمان تداخُل المشهدين الثقافيين (هنا وهناك) من خلال تواصل حقيقي». وتأسف لوجاندر لأنه «لا يزال هناك قدر من الجهل في فرنسا وأوروبا بشكل عام تجاه هذه المَشاهد الثقافية العربية الجديدة. وأنا واثقة أننا قادرون على بناء حداثة جديدة معاً، و(المعهد) هو المكان المناسب لذلك». ولأنّ رئيسته لا تريد إثارة الجدل بشأن فكرتها، فإنها تحرص على توضيحها بشكل كافٍ، وتقول: «ما يهمنا هو الرؤية التي يحملها العالم العربي اليوم، والتي يمكن أن تتفاعل مع المشهد الثقافي الأوروبي والفرنسي. وهذا يمرّ، في نظري، عبر بناء روابط أوثق مع المؤسّسات الثقافية في الجانبين، وليس فقط مع الدول على أنها كيانات سياسية، بل أيضاً مع الفاعلين الثقافيين فيها ومؤسّساتها الكبرى، من أجل إنشاء شبكة تعاون في خدمة الثقافة».

الفكرة طَموحة والهدف واضح، لكن ترجمتها إلى واقع تطرح تحدّي التمويل. رئيسة «المعهد»، التي تعمل على إنضاج خطّتها، لديها منذ الآن مجموعة من الأفكار، من بينها استقدام فنانين وعرض أعمالهم، وتأهيل قيّمين على المعارض من المشهد الثقافي العربي، بدلاً من حصر هذه المهمّة بالفرنسيين أو الأوروبيين. وأكثر من ذلك، تشير لوجاندر إلى أنّ «المعهد» بصدد العمل على استحداث مجموعة من الجوائز في قطاعات فنّية متنوّعة، مثل التصميم والأدب والرسم وحتى الموضة، مع توفير إمكانات للإنتاج للفائزين، وإتاحة فضاءات وفرص للعرض، وبناء شراكات مع مؤسّسات فرنسية وغير فرنسية، إضافة إلى توفير إقامات فنيّة للفائزين في فرنسا وأوروبا. والهدف «اكتشاف مواهب ورؤى جديدة ورعايتها، وربطها بالمشهد الثقافي الفرنسي والأوروبي، وفتح آفاق جديدة أمامها».

هنا... تصبح الثقافة لغة مشتركة (أ.ف.ب)

إبراز المنطقة الخليجية

تشمل هذه الرؤية أيضاً دول الخليج، التي لم تحظَ بالقدر الكافي من اهتمام «المعهد»، وهو ما تسعى الرئيسة الجديدة إلى معالجته؛ إذ تؤكد تشجيع التعاون الوثيق مع المنطقة، مشيرة إلى وجود «إمكانات كبيرة للتعاون مع المتاحف الخليجية وإقامة شراكات معها». وتلاحظ أنّ المتاحف التي نشأت في السنوات الأخيرة «رائعة، لكنها تفتقر إلى برمجة واضحة للمعارض أو للأنشطة». كما ترصد معرض الرياض الدولي بوصفه فرصة للتعاون، مشدِّدة على رغبتها في «دخول المعهد إلى الفضاء الخليجي ومشهده الثقافي». وفي هذا السياق، تسعى لوجاندر إلى نفض الغبار عن المتحف وتحديثه.

تحدّي التمويل

كلما كبرت المشاريع، تضاعفت الحاجة إلى تمويلها. ويعيش «المعهد» تاريخياً حالة عجز مالي دأبت وزارة الخارجية الفرنسية على تغطيته. وإنما لوجاندر تؤكد ثقتها باستدامة وضعه المالي، مشيرة إلى نجاحه في تطوير موارده الذاتية من خلال المعارض والأنشطة؛ إذ بات ضمن أبرز 5 متاحف في باريس، ويستقبل ما لا يقلّ على مليون زائر سنوياً. وإلى جانب الدعم المالي السنوي من الدولة الفرنسية، يمتلك «المعهد» صندوقاً بقيمة 51 مليون يورو موظّفاً في أحد البنوك، يوفّر عائدات سنوية، وقد تكوَّن هذا الصندوق من إسهامات الدول العربية.

وتسعى الرئيسة إلى تطوير الموارد المالية لتمويل الأنشطة الجديدة، مع الحرص على أعلى درجات الشفافية في إدارة الميزانية. ومن هنا، تدفع نحو حوكمة جديدة ونظام إداري محدَّث، مع طرح فكرة إنشاء «مجلس أمناء» أسوة بالمؤسسات الأميركية الكبرى، وتعزيز شبكة الداعمين، عبر إشراك شخصيات وهيئات فاعلة في المشهد الثقافي من المجتمع المدني في الجانبين.

صورة «المعهد» بعد 10 سنوات

سؤال أخير لرئيسة المعهد يتناول رؤيتها له بعد 10 سنوات. ويأتي ردها حاملاً كثيراً من الطموحات؛ إذ ترى فيه «محوراً نتمكن من خلاله من ربط مختلف هذه الفضاءات الفنّية والثقافية العربية والفرنسية والأوروبية»، بحيث «يوفّر مساحة تتيح التلاقي والتفاعل». كما تسعى إلى تطوير المتحف الذي يضمه «المعهد» وفق «مفهوم جديد وحديث، يدمج بشكل أفضل الفنون المعاصرة والحديثة (من الجانب العربي)، التي لم نُبرزها بما يكفي حتى الآن. ومن أولوياتنا أن نمنحها حقّها من الاهتمام».

وتضيف لوجاندر: «أرنو إلى أن نستضيف هذا الإبداع المعاصر داخل مؤسّستنا، ثم نعمل على نشره وتشجيعه خارجها أيضاً. ومنطق الجوائز يوفّر دعماً ملموساً للفنانين الشباب». لذلك، ستعمل على «اقتناء أعمال المبدعين العرب الشباب وإنتاجاتهم، فيكون «المعهد» أفضل واجهة لعرض إنتاج هذا الجيل المعاصر».

وأخيراً، ترى في «المعهد» «فضاءً يشعر فيه الفرنسيون بالراحة، فيجدون فيه ما يعكس جانباً من هويتهم، ويجعلهم يتعرَّفون إلى أنفسهم من خلاله».