أية حداثة نعيش؟

مفكرون يرون أنها انحرفت عن طريقها المستقيم

أية حداثة نعيش؟
TT

أية حداثة نعيش؟

أية حداثة نعيش؟

بعد أن شبعت من القراءات الشعرية انتقلت إلى الفكر والفلسفة لتغذية نفسي وتثقيف حالي وتقليص جهلي أو جهالاتي. أمامي على الطاولة الآن خمسة كتب تستحق الاهتمام. ثلاثة من هذه الكتب لمؤلف واحد ابتدأتُ الاهتمام به أخيراً هو: البروفسور ريمي براغ. وهو أستاذ الفلسفة العربية والمسيحية واليهودية في جامعتي السوربون وميونيخ بألمانيا. إنه شخص موسوعي الثقافة راسخ العلم يعرف عما يتحدث بالضبط.
ومنذ البداية سأقول لكم إنه بأنه فيلسوف مؤمن لا ملحد على عكس معظم فلاسفة فرنسا المعاصرين. وكتبه الثلاثة هي في نقد الحداثة لا في تمجيدها على طول الخط، كما يفعل الآخرون. هذا لا يعني أنه لا يعترف بإنجازاتها وإيجابياتها. أبداً... لا. فهو يعترف بالتقدم الكبير الذي حققه علم الطب والصحة العامة والنظافة في المجتمعات الحداثية المتطورة. ويعترف بأن مستوى المعيشة قد ارتفع وتحسَّنَت أحوال الناس بشكل ملحوظ قياساً إلى العصور الوسطى، أو قياساً إلى مجتمعات ما قبل الحداثة في الدول الأخرى، خصوصًا في عالمنا العربي الإسلامي السائر نحو حداثته الخاصة وتنويره المبدع بإذن الله. وبالتالي فالحداثة ليست كلها سلبيات في نظره. ولكنه يعني أنها انحرفت عن الطريق المستقيم وأسرفت في الشطط والغلو وبلغ السيل الزبى. بالله عليكم هل تعتقدون أن زواج الرجال بالرجال حداثة؟! هم يعتقدونه قمة الحداثة والمؤلف - وأنا معه - نعتبره قمة الانحطاط. وهل تعتقدون أن استئجار بطون الأمهات من قبل الشواذّ الذين لا يستطيعون الإنجاب بطبيعة الحال حداثة؟ نحن نعتبره بدعة شيطانية وزندقة كبرى وشرّاً مستطيراً. ليقولوا عني في الأوساط الباريسية ما يشاءون بعد نشر هذا المقال. ليرجموني بالحجارة. فأنا شخص رجعي قلباً وقالباً. ولا أستطيع أن أتطور بأي شكل من الأشكال. حاولتُ فلم أُفلِح. هل أشنق حالي؟ هل أنتحر؟ حتى الآن جوبيه اعترف بأنه يجد صعوبة بالغة في القبول بذلك. هذا لا يعني بطبيعة الحال أني لا أعترف بحق المثليين في العيش بسلام وأمان. هذا لا يعني احتقاراً لكرامة أي إنسان. ربما قال قائل متعجباً ومندهشاً: لم يطبل أحد للحداثة ولم يزمر أكثر مما فعلت أنت على مدار ثلاثين سنة متواصلة فما عدا فيما بدا لكي تنقلب عليها الآن؟ ألن تفقد مصداقيتك إذ تنقلب على مواقعك السابقة بمائة وثمانين درجة؟ وأجيب فورا: لم أنقلب على التنوير والحداثة على الإطلاق وإنما على المبالغة في الشذوذ والصرعات الفاسدة. نقطة على السطر. لا أزال مغرماً بالحداثة، ولكن ليس بانحرافاتها وشططها وغلوها. اللهم قد بلغت.
الكتاب الأول لريمي براغ يحمل العنوان التالي: «حداثي باعتدال. الأزمنة الحديثة أو اختراع حيلة وخداع وغش». العنوان قوي وربما عدواني إلى حد كبير. ولكنه صادر عن مفكر مسيحي كاثوليكي يؤمن بأن الدين لم يقل كلمته الأخيرة بعد. يقول المؤلف بكل صراحة ووضوح: ينبغي أن نكون حداثيين باعتدال لا بشكل مطلق كما قال رامبو في عبارة شهيرة. وينبغي أن نتخذ مسافة كافية عن هذا المرض المدعو بالحداثة. ماذا يمكن أن يقول فيلسوف قرر ألا يتقدم مقنعاً عن هذه الأزمنة الشهيرة المدعوة: بالأزمنة الحديثة؟
إنها حداثة تفتخر بالقطيعة المطلقة مع كل شيء: مع التراث والماضي والأقدمين. ولكن ماذا اخترعت هذه الحداثة؟ بالله عليكم قولوا لي: ماذا أنجبت وابتكرت؟ هل تعلمون بأن الأفكار الحديثة ليست إلا أفكاراً قديمة سابقة على الحداثة، ولكنهم موَّهوها تحت اسم آخر كسلعة مسروقة؟
هذه الكلمات قد تبدو مسرفة وقاسية جداً، وأنا شخصياً لا أتحمل مسؤوليتها. ولكن يحق للمؤلف أن يعبِّر عن رأيه. فنحن في بلد ديمقراطي لا توجد فيه حقيقة مطلقة معصومة ينبغي أن يخضع لها الجميع دون نقاش. ولا يوجد رأي واحد في القضايا العامة، وإنما رأيان، أو قل آراء كثيرة متنوعة. توجد تيارات فكرية متعددة لا تيار واحد مفروض عليك من فوق. التعددية مشروعة هنا وهي تعتبر نعمة لا نقمة. وعلى أي حال، فإن المؤلف يستعرض مفاهيم من نوع الحداثة، والثقافة، والتاريخ، والعلمانية، والتقدم، ويكشف عنها الستار. قد يكون يمشي ضد التيار السائد والجارف في فرنسا ولكن هذا شيء مفيد ومضيء حتى ولو لم نتبعه في كل شيء. وعلى أي حال فهو يمتعنا إذ يتحدث عن مفكري الماضي الذين خرجوا على الإجماع العام والدروب المطروقة، وعن الأفكار المنسية. كما يقدم لنا المقارنات المضيئة التي تجعلنا نتقدم إلى الأمام.
أما الكتاب الثاني لهذا المؤلف ذي الخلفية المسيحية الكاثوليكية فهو بعنوان: «إلى أين يذهب التاريخ؟»، وهو جملة مقابلات معمقة مع الباحث الإيطالي غيليو بروتي. إنه كتاب يتحدث عن فلسفة التاريخ. وفيه أشياء كثيرة عنا نحن. أقصد عن تراثنا العربي الإسلامي وفلاسفتنا الكبار من أمثال الفارابي وابن سينا وابن رشد وأبي بكر الرازي. ويبدو أنه معجب بالفارابي وابن سينا والرازي أكثر بكثير من ابن رشد الذي بقي أصوليّاً في أعماقه. والدليل على ذلك كما يقول ريمي براغ هو أن ابن رشد كتب في تهافت التهافت ما معناه: «إن إنكار المبادئ الدينية أو مجرد مناقشتها يضع وجود الإنسان ذاته في حالة خطر. ولهذا السبب فينبغي قتل الزنادقة». كلام ابن رشد الحرفي هو التالي: «ولذلك يجب على كل إنسان أن يسلم بمبادئ الشريعة فإن جحدها والمناظرة فيها مبطل لوجود الإنسان، ولذلك وجب قتل الزنادقة. فالذي يجب أن يقال فيها: إن مبادئها هي أمور إلهية تفوق العقول الإنسانية فلا بد أن يعترف بها مع جهل أسبابها». يعلق ريمي براغ على ذلك قائلاً: «ولذا عندما أسمع بعضهم يتحدث عن ابن رشد كمفكر حرّ ومحامٍ كبير عن التسامح والحرية الاعتقادية فإنني أبتسم بهدوء». ونحن نعلق على كلامه قائلين: تسامح ابن رشد كان تحت سقف العصور الوسطى، يا أستاذ، لا تحت سقف العصور الحديثة. وبالتالي فلا ينبغي أن نبالغ في أهميته ولا أن ننتقص منها. لا ينبغي أن نطالبه بالمستحيل. فالحرية الاعتقادية الكاملة كانت تشكل اللامفكر فيه أو المستحيل التفكير فيه بالنسبة لتلك العصور. وفهمكم كفاية. ولكن ينبغي الاعتراف بأن ابن رشد كان أصوليّاً حقيقيّاً على عكس الفارابي وابن سينا اللذين لم يدعوا إلى قتل أحد بسبب اعتقاده أو عدم اعتقاده. هذا لا يعني إنكار أهميته كشارح للفلسفة الأرسطوطاليسية ومدافع عنها. ولكنه كان يحجم الفلسفة بالدين. وبالتالي فالحرية الفكرية ملجومة عنده وتتوقف عند حدود معينة لا ينبغي تخطيها بأي شكل. ذلك أن الكلمة الأخيرة تبقى للشرع والدين.
انتقل إلى الكتاب الثالث من كتب ريمي براغ. وهو الأهم والأضخم. وهو الذي كرس شهرته الفلسفية أخيرا. عنوانه الرئيسي هو التالي: «عهد سيطرة الإنسان». وعنوانه الثانوي هو: «منشأ المشروع الحديث (أو مشروع الحداثة) وفشله».
هكذا تلاحظون أنه يلاحق الحداثة ملاحقة ضارية بلا هوادة. بالطبع لا تنتظروا مني أن ألخص لكم كتاباً عويصاً يحاذي الأربعمائة صفحة من القطع الكبير بكلمات معدودات. يكفي أن أقول ما يلي: يرى المؤلف أن الإنسان كان في الماضي يعتبر نفسه من مخلوقات الله أو الطبيعة. ولكنه منذ الآن فصاعداً بلغ به الغرور مبلغه فأصبح يعتقد أنه هو خالق نفسه بنفسه! لم يتجرأ في أي فترة سابقة على هذا التبجح. فقط في عصر الحداثة أصبح يعتقد أنه هو خالق قِيَمِه وإنسانيته وعوالمه الخاصة. وهو يريد أن يتحكم بالطبيعة من جهة ويتحرر من الإيمان بالله من جهة أخرى. إنه يريد أحداث القطيعة المطلقة مع الماضي عن طريق تشكيل قوانينه بذاته خارج أية إشارة إلى التعالي السماوي..
كان ديكارت يحلم بأن يسيطر الإنسان على الطبيعة تكنولوجيا. وهذا ما حصل لاحقاً. ولكن بعد قرنين ظهر نيتشه وأعلن الإلحاد المطلق بل، وقال إنه ينبغي تجاوز الإنسان عن طريق ظهور مخلوق جديد أقوى وأعلى هو السوبرمان. هذه الأفكار وكثير غيرها هي التي يناقشها ريمي براغ في هذا الكتاب. إنه يحفر أركيولوجيا على جذور مشروع الحداثة لكي يعرف كيف تشكل لأول مرة.
بقي أن أتحدث لكم بسرعة عن كتابين آخرين الأول لتودوروف والثاني لمفكر غير معروف يدعى فيليب بينيتون. ولنبتدئ به. عنوان كتابه: «الاختلال الأخلاقي للغرب». والمؤلف هو أستاذ العلوم السياسية في جامعة رين غرب فرنسا، كما أنه أستاذ في المعهد الكاثوليكي للدراسات العليا. وكذلك فهو أستاذ زائر في جامعة جنيف. ونلاحظ أنه مثل ريمي براغ يشنّ هجوماً عنيفاً على انحرافات الحداثة وإفرازاتها المرَضِية التي ظهرت للعيان أخيراً. فهو يدين الإباحية العامة المعممة التي تهيمن على المجتمعات الغربية حاليا. كما يدين النزعة النسبوية العدمية التي تقول إن كل شيء يتساوى مع كل شيء. فالشاذ والطبيعي سيان. وهذا شيء خطير ويهدد أسس الحداثة التي كانت رائعة إبان انطلاقتها الأول في عصر النهضة والتنوير. ولكنها انقلبت الآن على ذاتها وأصبحت مريضة فعلاً.
أخيراً اسمحوا لي بكلمة واحدة عن كتاب تودوروف: «الخوف من البرابرة: فيما وراء صدام الحضارات». أولا ينبغي القول إننا نفتقد تودوروف الآن بعد أن رحل عنا قبل أشهر. نفتقد صوته الحميمي الدافئ ونزعته الإنسانية الحقيقية التي تتجلى في هذا الكتاب المهدى إلى إدوارد سعيد.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.