المرأة أقوى من الرجل في أفلام كاثرين بيغلو

على أعتاب فيلمها الجديد «ديترويت»

المخرجة خلال تصوير «خزنة الألم» - من «بلو ستيل»
المخرجة خلال تصوير «خزنة الألم» - من «بلو ستيل»
TT

المرأة أقوى من الرجل في أفلام كاثرين بيغلو

المخرجة خلال تصوير «خزنة الألم» - من «بلو ستيل»
المخرجة خلال تصوير «خزنة الألم» - من «بلو ستيل»

بعد منتصف ليلة الخامس والعشرين من يوليو (تموز) سنة 1967 داهمت قوّة من رجال البوليس والحرس الوطني فندقاً صغيراً اسمه «ألجيرز» (الجزائر) بحثاً عن قناصة محتملين أطلقوا النار على البوليس في ليلة من ليالي الشغب في مدينة ديترويت الأميركية.
تم إيقاف مجموعة من الشبان السود وتفتيش الفندق حجرة حجرة؛ بحثاً عن القناص أو القناصة. عندما لم يجد رجال القانون شيئا يثبت حتى أن الفندق كان مصدر القنص، غادروا المكان، لكنهم خلفوا وراءهم ثلاثة أفرو - أميركيين أبرياء. خلفوهم جثثاً على الأرض.
وضع المؤلف جون هيرسي كتاباً حول هذه الحادثة نشره سنة 1968، أي في منتصف سنوات مهنته التي كانت بدأت في العام 1942 وتوقفت بوفاته سنة 1993. قيامه هو بالتحقيق مفهوم لأن معظم ما وضعه هيرسي من مؤلفات كان عن أحداث حقيقية بدءاً من معركة جزيرة «باتان» وبما فيها كتابه عن كارثة هيروشيما وصولاً إلى «حادثة فندق ألجيرز» وما بعد. حتى رواياته الخيالية مالت إلى أسلوب تسجيلي يمنحها غطاءً واقعياً في أغلب الأعمال.

مواضيع زاخرة

في يناير (كانون الثاني) من العام الماضي، سعت المخرجة كاثرين بيغلو لتحويل كتاب هيرسي إلى فيلم سينمائي، لكن ورثة الكاتب امتنعوا عن بيع الحقوق. هذا ما قادها للتعاون مع كاتب السيناريو شبه الدائم لها، مارك بول، للقيام بتحرياتهما الخاصّـة حول الموضوع، ثم البدء في تصويره في منتصف السنة الماضية على نحو مستقل تحت عنوان «ديترويت»، الذي لا يقص فقط حكاية ما حدث في ذلك الفندق، بل يحيط بالمواجهة التي شهدتها المدينة في ذلك الوقت بين المناهضين للتفرقة العنصرية وبين رجال البوليس. جهتان كانتا تواجهتا مراراً وتكراراً من قبل ومن بعد (وحتى العام الماضي). في الصف الأول حشد من الرجال والنساء السود. وفي الصف المقابل حشد من رجال البوليس، معظمهم من البيض.
كاثرين بيغلو كعادتها تنبش في المواضيع الصعبة والمهام التي عادة ما يتولاها مخرجون رجال. هذا تمثل في السنوات الأخيرة بأفلام مثل «خزنة الألم» و«زيرو دارك ثيرتي»، لكن حتى من قبل أن تبلغ شهرتها بتحقيقيهما كانت أمّـت تلك المواضيع الخشنة في «قرب الظلام» و«بلو ستيل» و«بوينت بريك» و«أيام غريبة».
ليس فقط أن هذه الأفلام تطلب جهداً بدنياً يقبل عليه المخرجون دون المخرجات في معظم الأحوال، بل إن المواضيع ذاتها تشويقية تزخر بمشاهد الحركة والقوة التي تتحاشاها المخرجات النساء، في معظمهن، في ميلهن إلى ما هو دراما اجتماعية أو عاطفية، أو كوميديات من أصناف مختلفة. هذا لا يمنع من أن أعمالها دائماً ما هي نتيجة تفكير وتحمل مستوى من التنفيذ يعلو كثيراً عن مجرد تنفيذ أفلام حركة و«أكشن». بيغلو نفّـذت معظم أفلامها بأسلوب عمل فني راق. إلى حد بعيد هي كلينت ايستوود جنسها. المقابل النسائي لأمثاله من الذين يدمجون البطولة بالنوع الذي يجسد قوتها الذكورية من دون أن يمنع ذلك من أن تكون المرأة (كما في «يلو ستيل» عند بيغلو و«استبدال» عند ايستوود) هي التي تواجه المصاعب وتتحمل المحنة التي عادة ما يتبناها الرجل.
«يلو ستيل» (1990)، بالمناسبة، مبني على «الفورميلا» المعهودة: امرأة في خطر. هناك قاتل يهدد حياتها وتحاول النيل منه قبل أن ينال منها، لكنه أدهى من أن تستطيع ذلك. هي ليست أي امرأة، بل هي أنثى تعمل في السلك البوليسي (العنوان يرمز إلى المسدس الذي تستخدمه). بطلته جايمي لي كيرتس التي كانت دافعت عن حياتها قبل أعوام قليلة من ذلك التاريخ كبطلة فيلم جون كاربنتر «هالووين» تعيد هنا تجسيد الخطر الذي تعايشه. ثياب الشرطة التي ترتديها والمسدس الذي تحمله لا يمنع من أنها ما زالت امرأة ولا يحد من الخطر الماثل عليها تبعاً لجنسها.
المزيد من الإثارة ناتج من أن هذا القاتل الذي يهددها تسلل إلى حياتها متظاهراً بأن الصدفة قادت كلا منهما إلى الآخر. لكن ذلك بأسره ينضوي على طرح صورة امرأة أقوى من الرجل وليست فقط ضحية له.
بعد عام واحد على هذا الفيلم انتقلت من أكشن ذي بطولة نسائية إلى آخر غالب أبطاله من الرجال. «نقطة الانهيار» (Point Break) هو أيضاً فيلم بوليسي، لكنه شبابي حول عصابة يتولاها بودي (باتريك سوايزي) ويحقق في نشاطاتها شاب من الـ«أف بي آي» هو جني (كيانو ريفز). لا هو رجل القانون المعتاد ولا العصابة هي تلك التي تزرع الخوف في المدينة. إنها عصابة من هواة رياضة ركوب الأمواج على شواطئ كاليفورنيا الكسولة؛ ولكي ينجح جوني في عمله عليه أن ينضم إليها.
يكفي أن تتم المقارنة بين فيلم بيغلو هذا وبين النسخة المعادة التي تم إنجازها قبل عامين لمعرفة أي مستوى من ذكاء المعالجة تميّـز به الفيلم السابق.

عتمة داكنة

من هذا الفيلم انطلقت، سنة 1996، لتنفذ فيلم تشويق مستقبلي بطله رجل أسمه ليني (راف فاينس) يبحث عن الرجل الذي سينتقم منه الذي يعرف عنه أكثر مما يعرفه ذاك عن نفسه. لكن ليني ليس بطلاً، ولا هو يجيد القتال ونراه يُـطارد ويُـضرب، لكن لديه تلك الخامة التي في داخله التي لا تقل «بطولة» عن قدرات البطل التقليدي المعتمد على قواه البدنية أو مهاراته القتالية. هو، وجوني في الفيلم السابق بطلا الزمن المعاصر الذي يجيد التفكير ويجيد الكلام وأضعف شأناً في ترجمة ذلك إلى قوة بدنية.
هذه الأفلام وأخرى سواها حققتها المخرجة ما بين 1987 («قرب الظلام») وسنة 2000 («وزن الماء») حظيت بالاهتمام النقدي وبعض النجاح الشعبي، لكن فيلمها المقبل «خزنة الألم» سنة 2012 هو ما جعلها تتبوأ النجومية بين مخرجي السينما الأميركية. وهو فيلم مختلف عن كل ما حققته السينما الأميركية من أفلام دارت حول الحرب العراقية من حيث إنه يدور حول الجندي الأميركي في أرض الآخر يحاول حماية نفسه، وإذا ما استطاع حماية الآخرين، ومن حيث إن المخرجة تدلو بدلوها في مجرى نهر سياسي ما زادها ابتعاداً عن اختيارات مثيلاتها حول العالم. هو أيضاً فيلم يستحوذ على جهد بدني خلال تنفيذه وينبض بجهد آخر بين ممثليه. في بحث بطله (جيريمي رَنر في أول دور بارز له) عن مشتبه به ما يذكر ببحث ليني وكلاهما يبحث في أجواء غريبة عليه.
عملها هذا تميّز كذلك بأسلوب عملها الدؤوب، حيث فعل الكاميرا هو مواكبة الحدث بإيقاعه المفترض. هنا هي كاميرا محمولة من نوع Aaron A‪ - ‬Minima، التي كانت لا تزال جديدة آنذاك، مع علم المخرجة بأن الكاميرا لا تخلق فيلماً، ناهيك عن جودته، بل تشارك في توفير الهدف البصري من ورائه وفي صياغة المعنى المراد تضمينه. و«خزنة الألم» كان تعاونها الأول مع الكاتب مارك بول والأول أيضاً مع مدير التصوير باري أكرويد.
بعد عام نافست زوجها السابق المخرج جيمس كاميرون على أوسكار أفضل فيلم وحظيت به لجانب خمسة أخرى، من بينها أوسكار أفضل مخرج. ثم عادت بعد ثلاث سنوات وقدّمت فيلماً يتعاطى أيضاً والسياسة وحروب الأميركيين بأنواعها المباشرة والخفية، وذلك في «زيرو دارك ثيرتي» (باللغة العسكرية: الثانية عشرة والنصف ليلاً).
يبدأ هذا الفيلم بنحو دقيقة ونصف الدقيقة من العتمة الداكنة، ليس تيمـنا بالعنوان الذي هو التعبير العسكري عن ساعة الحسم المختارة لإنهاء حياة زعيم القاعدة، بل لوضع المشاهد في جو خانق بدكانته وخطره. لا نرى فيها شيئا، كحال مئات ملايين البشر المغيّـبة عن العلم بما يدور في عالم الحروب الحديثة، بل نسمع رنين الهواتف النقالة لأفراد بين ركامات وأنقاض مركز التجارة العالمي في الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) الماضي. هذه البداية تضع المشاهد أمام اختيار الانحياز مع أو ضد الفيلم؛ لأن رسالته بعد ذلك تسير في وجهة مناهضة: إذا ما كانت كارثة نيويورك الكبرى تلك حافزاً كافياً لشحن المشاهدين بخلفية الحدث الذي سيلي، وبتتويج مشاعرهم ضد مرتكبيها، فإن باقي الفيلم هو عن المنهج الذي اتبعته عميلة المخابرات مايا (جسيكا شستين) خصوصاً، والـ«سي آي إيه» عموماً للوصول إلى من أعطى الضوء الآخر (باعترافه) للهجوم الإرهابي، وهو منهج سيسحب بعض ما اختزنته البداية من تبريرات.
سينما بيغيلو، مهما اختلف بطولاتها، تبحث في جنس أبطالها: تبحث في أنوثة النساء وقد التحفن بالعنف الذي يعشنه وذكورة الرجال الذين عليهم إما نبذ العنف أو نبذ الإنسانية، ودائما ما هم على الحافة في هذا الاختيار أو ذاك.



جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
TT

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» (It Was Just an Accident) مهرجانات عديدة (39 مهرجاناً بالتحديد)، حصد فيها، وفي مناسبات احتفائية أخرى، ما يزيد على 35 جائزة. ما هو بالقدر نفسه من الأهمية أن الفيلم (الذي دخل مسابقتي بافتا والأوسكار أيضاً) تربَّع في قوائم عشرات النقاد حول العالم بوصفه واحداً من أفضل أفلام السنة الماضية.

حين شاهد الناقد كاتب هذه السطور الفيلم خلال عرضه في ذلك المهرجان، تبلور لديه تأثير سلبي مردُّه تكرار مشاهد أكثر من التقدّم بها فعلياً، ما جعل الفيلم يبدو حوارياً أكثر منه حدثياً. كذلك لم يكن بإمكان بناهي (على الأرجح) أن ينبري لتحقيق فيلم يقطع المسافة كاملة ما بين الإيحاء والاتهام، بانياً نهاية فيلمه على أساس أن المجموعة التي اختطفت رجلاً لاعتقادها بأنه هو من كال لهم التعذيب في أحد سجون طهران بناءً على مواقفهم السياسية عادت عن اعتقادها في النهاية وتركت الرجل وشأنه.

المخرج جعفر بناهي (MK2 بيكتشرز)‬

مخرج وحيد

أبقى المخرج الدراما دون مستوى التفعيل. هذا القرار يلتقي تلقائياً مع أفلامه السابقة مثل «تاكسي» و«هذا ليس فيلماً» و«دائرة»، ومع أسلوب عمله. من هذه الزاوية يلتقي وأسلوب الراحل عبّاس كياروستمي والمعتزل محسن مخملباف، لكن هذا الالتقاء لا يتجاوز الهامش العريض لأن لكل واحد من هؤلاء أسلوبه الخاص ضمن ذلك الأسلوب العام.

في حين أن تقتير الدراما في أفلام بناهي قد لا يلتقي وحب كثيرين (بينهم هذا الناقد) لسينما تجمع حسنات العناصر الفنية كاملة (سيناريو وتصوير وتمثيل وتوليف وموسيقى وإخراج شامل مع تصميم فني ملتحم وفاعل)، غير أنه تعبير ذاتي ليس فقط في المضمون، بل في طريقة توظيف اللغة السينمائية المستخدمة أيضاً.

بناهي هو المخرج الوحيد عالمياً الذي خرج من المهرجانات الرئيسية الأربعة، كان و«برلين» و«ڤينيسيا» و«كارلوڤي ڤاري»، بجائزة أولى من كل واحد منها: «البالون الأبيض» نال جائزة «الكاميرا الذهبية» في 1995، و«الفهد الذهبي» في «لوكارنو» عن «المرآة» 1997، و«الأسد الذهبي» في مهرجان «ڤينيسيا» عن «الدائرة» سنة 2000، و«الدب الذهبي» في مهرجان «برلين» عن «تاكسي» (2015).

ألا يُنظر إلى هذا الإنجاز بتقدير كبير هو نوع من الجهل أو التجاهل، لكن حقيقة أن كل واحد من هذه الأفلام (لجانب «مجرد حادثة») ارتبط بموقف سياسي ضد السلطة الإيرانية تساهم في طرح سؤال حول ما إذا كانت الجوائز سياسية أكثر منها فنية، خصوصاً حين النظر إلى ما عرضه كل مهرجان من أفلام في السنة التي شهدت عرض أحد أفلام بناهي. القول إنه لم يكن هناك أفلام أفضل صُنعاً هو بدوره غير صحيح.

كمثال لا بدّ منه، هل كان «تاكسي» فعلاً أهلاً للجائزة؟ فيلم عن بناهي يقود سيارة تاكسي يصعد إليها ويخرج منها زبائن، كلّ يحكي شيئاً عن نفسه؟ هل يبرر الموقف السياسي الغربي (إليه ينتمي معظم أفراد لجان التحكيم) منح هذه الأفلام الجائزة الكبرى، أم أن هناك بنوداً غير معلنة تتبعها بعض هذه المهرجانات؟

«ذهب قرمزي» (جعفر بناهي برودكشنز)

جوانب شخصية

كثيراً ما وصف بناهي أفلامه بأنها «مجتمعية وليس سياسية» رغم أن الخيط رفيع بين هذين الجانبين، طالما أن ما طرحه في تلك الأفلام، وفي أخرى من بينها «ذهب قرمزي» (2003)، لا يعرض لما تفضّل السلطة أن تراه، بل لما يريد هو عرضه عن حالات الناس في بلده.

«ذهب قرمزي» (Crimson Gold) الذي فاز بجائزة أفضل فيلم في قسم «نظرة ما» في «كان» في سنة إنتاجه، هو الوحيد بين أفلامه الذي يختلف في طريقة سرده مقترباً من تفعيل الأحداث حسب وقائع درامية وليس وصفية. فيلم ممتاز من حيث حبكته (شاب في مواجهة فساد شائع ما يدفع به لارتكاب جريمة) وينتمي إلى السنوات الأولى من مهنة المخرج، تلك التي كان يعمل فيها على ملاحقة قضايا إنسانية. لاحقاً، ومنذ «هذا ليس فيلماً» (2011)، وهو ينتقي أن يتكلم ذاتياً حتى عندما يضع في البطولة ممثلين آخرين كما الحال مع «ستارة مسدلة» (Closed Curtain) في 2013.

الفيلم المحتفى به حالياً حُقِّق بعد السماح لبناهي بالإخراج والسفر، لكن بناهي صوّر الفيلم بلا إذن رقابي، مدركاً أنه لن يحصل عليه لو تقدّم بالسيناريو إلى الجهات المعنية. هذا ما أعاده إلى دائرة المواجهة مع السلطة التي تنتظر عودته إلى البلاد لمحاكمته (حالياً متنقّلاً ما بين أوروبا والولايات المتحدة، منتظراً نتائج جوائز بافتا والأوسكار).

يتكلم «مجرد حادثة» عن سنوات التعذيب في السجن. ليس حكاية ذاتية كون بناهي لم يدخل بنفسه هذه التجربة، بل عبر شخصيات خرجت بذاكرة موجوعة مما حدث لها، وعندما يُتاح لها خطف من اعتقدت أنه هو الذي كان يعذّبها تبحث في أمر تعذيبه أو قتله. لكنها في النهاية ليست موقنة بأنه الفاعل، والفيلم يترك شخصياته من دون يقين، وكذلك جمهوره.

ما لم يدخل في اعتبار السلطة والرقابة الإيرانية حين توعَّدت بمعاقبة المخرج (وألقت القبض مؤخراً على محمد محموديان، أحد المشاركين في كتابة السيناريو) حقيقة أن الفيلم يصوّر شخصياته التي تريد الانتقام في ضوءٍ اتهاميٍ مماثل. ليس فقط على أساس أنهم في النهاية ليسوا واثقين من الرجل الذي كاد أن يموت بين أيديهم، بل أيضاً لأنهم شخصيات ذات عواطف هشّة وبلا خصال يمكن الإعجاب بها. يحملون قضية، لكنهم أقل قدرة على الدفاع عنها. من ناحية يضع بناهي أبطاله في موقع الضحية، وفي ناحية أخرى لا يرفعهم إلى درجة منحهم حق الانتقام، ويتركهم في النهاية بعيدين عن قرار بعدما دخلوا التجربة بثقة وخرجوا منها ملتبسين.


شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
TT

شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)

WHO IS STILL ALIVE

★★★1/2

إخراج:‫ نيكولاس واديموف‬

سويسرا | تسجيلي غربي بقلب فلسطيني

خلال زيارة للقاهرة في مطلع سنة 2025، وجد المخرج السويسري نيكولاس واديموف نفسه في واجهة المأساة الفلسطينية. سمع وشاهد كل ذلك الدمار الذي لحق بغزّة والضحايا التي كانت قد بدأت تتساقط منذ ذلك الحين. فكّر مع صديق فلسطيني له نزح إلى القاهرة في تحقيق فيلم عن الموضوع، وارتأى أن يكون فيلماً يجمع في أحد الاستوديوهات مجموعة من النازحين الفلسطينيين ليتحدّث كل منهم عن آلامه وما حدث له أو لعائلته.

بعض هؤلاء خرج بثيابه التي كان يرتديها، والبعض كان ناجياً وحيداً أو برفقة فرد واحد من عائلته. يقول واديموف إن شريكه الفلسطيني في الفيلم (جودت خضري)، الذي كان يعرفه منذ سنوات، بدا شخصاً مختلفاً: «للمرّة الأولى كنت أمام شخص يعكس الإبادة الجماعية».

جمع هؤلاء لم يكن سهلاً، والمخرج رغب في نقلهم إلى بلد آخر لضمان عمل مستقل. تبعاً لحقيقة أن معظم دول الأرض لا تمنح تأشيرات دخول للفلسطينيين، توجَّه المخرج بمجموعته إلى دولة جنوب أفريقيا، التي هي شبه الوحيدة التي يمكن للفلسطيني دخولها من دون «فيزا» مسبقة.

نتيجة اللقاء هي تحقيق فيلم يقوم على 9 أشخاص فلسطينيين نازحين يتحدّثون، لنحو ساعة و10 دقائق، عن كيف استيقظوا يوماً من دون مأوى نتيجة القصف، وكيف كان وقع ذلك على حياتهم وما بعد نزوحهم. خسروا البيت كما الحياة الآمنة (نسبياً)، ليجدوا أنفسهم في العراء.

الفيلم ليس عبارة عن مقابلات منفردة مزوّدة بمشاهد من غزّة كما قد يتوقّع البعض، بل عمد المخرج إلى مقابلات جماعية، حيث يقوم كل من هؤلاء برسم مربّعات ودوائر وخطوط ليشرح ما حدث له.

بساطة هذا اللجوء إلى هذا الحل تبدو دخيلة في البداية، قبل أن تبدأ بتأسيس رابط بين الذاكرة المروية كلاماً والمرسومة تنفيذاً.

الطباشير والأقلام المستخدمة هي اللون الأبيض الوحيد في الفيلم، إلى جانب ألوان الملابس الداكنة، لأن كل شيء آخر (الخلفية والأرض والصورة نفسها) أسود. هذا فيلم ليس مهتماً بأصوات الطائرات والقذائف وصراخ الضحايا، بل بالمضيّ عميقاً في التجربة الإنسانية لمن استطاع البقاء حياً محمّلاً بتلك الذكريات وآلامها. الأسلوب المعتمد لا ينجو من التبسيط بصرياً، لكن البساطة في الشكل هي التي تمضي عميقاً في البال من كلمات شخصياته الأولى وحتى النهاية.

:GREENLAND2

MIGRATION ★★★ إخراج:‫ رِك رومان ووف‬

الولايات المتحدة | عن الأرض

والمجتمعات بعد هجوم النيازك

على عكس المتوقَّع، لن تنتهي الحياة على الأرض بسبب حرب نووية ولا بسبب وباء يحوّل البشر إلى وحوش، بل لأن أمطاراً من النيازك ستهاجم كوكبنا الصغير وتفتك به. بعض ذلك شوهد في الجزء الأول Greenland، حيث بدأ هطول النيازك الآتية من عمق السماء. ذلك الجزء كان بداية تصوير الخراب الذي ستسبّبه النيازك بأحجامها المختلفة. كل واحد منها سيدمّر جسراً أو مدينة أو أكثر

«غرينلاند 2: هجرة» (ليونز غايت)

الجزء الجديد يُكمل من حيث انتهى الأول. الناجون مختبئون في ملاجئ يعدّونها محصّنة، إلى أن يقرّر السيناريو أن ذلك ليس صحيحاً. جون غاريتي (جيرالد بتلر) وعائلته (زوجته بكارين وابنهما الشاب ناتان) وقلّة آخرون يفرّون عندما يُصيب الدمار ذلك الملجأ إلى مركب كبير لقطع المسافة بين القارتين الأميركية والأوروبية. لا مانع إذا ما نفد الوقود في عرض البحر، فلربما أدَّت النيازك إلى تقريب القارّتين من بعضهما. المهم أنهم تركوا أرضاً مدمّرة إلى أخرى.

بعد ذلك سيحصر الفيلم اهتمامه في تلك العائلة بعد أن قدّم شخصيات أخرى تعيش التراجيديا نفسها. سيقود جون عائلته الصغيرة صوب مدينة نموذجية آمنة (لسبب يتعلّق بوجودها وسط مرتفعات فرنسية) من خلال رحلة خطرة تنطوي، مثلاً، على المشي فوق جسر من الحبال فوق ما كان يُعرف ببحر المانش ما بين إنجلترا وفرنسا، الذي أصبح الآن مجرّد وادٍ عميق.

رغم سذاجة المواقف وثغرات الكتابة، يوفِّر الفيلم دراما حول وحدة العائلة وصلابتها رغم المخاطر، إلى جانب أن مؤثّراته البصرية جيّدة في غالبيّتها. ترفيه يشترط القبول به مع ثغراته غير العلمية وغير المنطقية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
TT

«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)

بعد أكثر من 4 عقود على عرضه الأول، يصل فيلم «ذا شاينينغ» (The Shining) إلى دور السينما السعودية في إطار عرض محدودة، يبدأ يوم الخميس المقبل؛ ما يمنح الجمهور المحلي فرصة التفاعل مع أحد أكثر أفلام الرعب النفسي تأثيراً، بتقنية «آيماكس (IMAX)»، وذلك ضمن تجربة مشاهدة كاملة على الشاشة الكبيرة، حيث تتجلى قوته البصرية والفكرية كما صُممت في الأصل.

وربما حتى الذين لم يشاهدوا الفيلم، مرُّوا بلقطات أيقونية منه، حيث يترسخ حضور «ذا شاينينغ» من خلال مشاهد عدة، يتقدمها المشهد الشهير الذي يُعد من أكثر اللقطات تداولاً في تاريخ السينما، ويظهر فيه الممثل جاك نيكلسون وهو يكسر باب الحمام بفأسه، قبل أن يُدخل رأسه من الفتحة الخشبية مبتسماً بجنون. وتحوَّلت هذه اللقطة إلى رمز بصري يُستعاد باستمرار في وسائل التواصل الاجتماعي، مع حضور الفيلم الدائم في قوائم أفضل الأفلام، وفي الكتابات النقدية؛ ما يعكس قدرته على التجدّد والتفاعل مع تحولات الذائقة السينمائية.

كذلك أصبح الرقم 237 خالداً في ذاكرة عشاق السينما، وهو رقم أهم غرفة في الفيلم، وواحدة من أكثر عناصره رسوخاً في الأذهان، لارتباط هذا الرقم بمشهد بالغ الكثافة النفسية، واستمر تداول الرقم في النقاشات والتحليلات السينمائية، ليصبح علامة على قدرة الفيلم على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى رموز ذات دلالات مفتوحة.

ويمثل عرض «ذا شاينينغ» في السعودية جزءاً من حركة أوسع لإعادة قراءة السينما الكلاسيكية بعيداً عن الحنين العاطفي، وبمنظور نقدي معاصر يضع الفيلم في سياقه التاريخي والجمالي، حيث يفتح حضور هذا العمل المجال أمام جيل جديد لاكتشافه، وأمام جمهور أقدم لإعادة تأمله ضمن شروط مشاهدة مختلفة، تُبرز تفاصيله الدقيقة وإيقاعه المتأمل.

الممثلة شيلي دوفال في مشهد من الفيلم (المصدر: IMDb)

ستانلي كوبريك.. سينما التفاصيل

الفيلم الذي أُنتج عام 1980، من إخراج المخرج الأميركي ستانلي كوبريك، أحد أبرز صُناع السينما في القرن العشرين، وصاحب مسيرة اتسمت بالتنوع والصرامة الفنية؛ إذ عُرف كوبريك الذي توفي عام 1999 باهتمامه الشديد بكل تفصيلة في العمل السينمائي، من حركة الكاميرا إلى تصميم الديكور، ومن الإيقاع السردي إلى اختيار الموسيقى، وفي «ذا شاينينغ»، بلغ هذا الهوس بالكمال ذروته، حيث تحولت كل لقطة إلى جزء من بناء نفسي متكامل.

واستند كوبريك في عمله إلى رواية الكاتب «ستيفن كينغ» التي تحمل العنوان نفسه، لكنه قدّم معالجة سينمائية مستقلة ركزت على الأبعاد الذهنية للشخصيات أكثر من التزامها بحبكة رعب تقليدية، وهذه المقاربة جعلت الفيلم عملاً قابلاً لإعادة القراءة عبر أزمنة مختلفة.

قصة العزلة والانهيار النفسي

تدور أحداث الفيلم حول الكاتب جاك تورانس، الذي ينتقل مع زوجته ويندي وابنهما داني إلى فندق معزول في جبال كولورادو، لتولي مهمة الإشراف عليه خلال فترة الإغلاق الشتوي، والعزلة الطويلة، والطقس القاسي، والتاريخ الغامض للفندق، بيئة نفسية ضاغطة تتكثف فيها الهواجس والمخاوف، ليتحوّل الكاتب فيها إلى شخص مختلف عن صورة الزوج والأب الذي اعتادت عليه أسرته.

في حين يمتلك الطفل داني قدرات نفسية تتيح له رؤية أحداث من الماضي واستشراف ما سيقع، لتتحول إقامته في الفندق إلى تجربة قاسية تضع الأسرة أمام اختبارات متتالية، وهذه القصة، رغم بساطتها، تُستخدم مدخلاً لتفكيك مفاهيم الجنون، والذاكرة، والعنف الكامن في العلاقات الإنسانية.

يتناول الفيلم الانهيار النفسي الذي يعيشه كاتب يُدعى جاك تورانس، في مكان معزول (المصدر: IMDb)

أداء صنع أيقونة سينمائية

وجسّد دور البطولة الممثل جاك نيكلسون، في أداء أصبح علامة فارقة في مسيرته الفنية، مقدّماً شخصية الكاتب جاك تورانس بتدرج نفسي حاد، ينتقل من الاتزان الظاهري إلى الانفجار الداخلي، وأسهم هذا الأداء في ترسيخ الشخصية كإحدى أكثر الشخصيات حضوراً في تاريخ السينما.

كما شاركت شيلي دوفال، في دور زوجته ويندي، في أداء ركّز على الهشاشة والقلق والخوف، وقدّم الطفل داني لويد شخصية ابنهما داني بأداء هادئ وغامض، جعل منه عنصراً محورياً في بناء التوتر النفسي للفيلم، حيث منح تكامل هذه الأداءات العمل عمقاً إنسانياً تجاوز حدود الرعب التقليدي.

أصداء العرض الأول

عند عرضه الأول مطلع الثمانينات، أثار «ذا شايننغ» نقاشاً واسعاً بين النقاد والجمهور، ولفت الانتباه بأسلوبه المختلف وإيقاعه المتأني. ومع مرور السنوات، تزايد حضوره في الدراسات النقدية والجامعية، وظهرت قراءات متعددة تناولته من زوايا نفسية واجتماعية وثقافية وتاريخية. وهذا التحول في الاستقبال النقدي أسهم في ترسيخ مكانته كعمل سينمائي متجدد، يُعاد اكتشافه مع كل جيل، ويُقرأ وفق سياقات فكرية مختلفة، ما جعله أحد أكثر الأفلام تحليلاً في تاريخ السينما الحديثة.

الأم وطفلها يحاولون النجاة من الأمور الغريبة التي تحدث في فندق أوفرلوك داخل الفيلم (المصدر: IMDb)

الفندق... قلب القصة

ويحتل «فندق أوفرلوك» في «ذا شاينينغ» موقعاً مركزياً في السرد، حيث تعامل معه كوبريك بوصفه كياناً حياً، لا مجرد فضاء للأحداث، بما يشمله من الممرات الطويلة، والهندسة المتناظرة، وحركة الكاميرا الانسيابية، حيث بدت كلها عناصر صُممت بعناية لتعزيز الإحساس بالضياع والاختناق النفسي.

ولعبت الموسيقى التصويرية دوراً محورياً في بناء التوتر، عبر نغمات تجريبية حادة تتناغم مع التحولات النفسية للشخصيات، وهذا التوظيف الصوتي والبصري جعل من الفيلم تجربة حسية كاملة، تتضاعف قوتها عند مشاهدته على الشاشة الكبيرة.

الأفلام الكلاسيكية

يأتي عرض «ذا شاينينغ» في دور السينما السعودية ضمن توجُّه متصاعد لبرمجة الأفلام الكلاسيكية وأعمال الرعب النفسي ذات القيمة الفنية العالية، إلى جانب الإنتاجات الجديدة. ويعكس هذا التوجه تطور ذائقة الجمهور المحلي، واتساع مساحة الخيارات السينمائية، حيث باتت الصالات تستضيف عروضاً خاصة لأعمال مفصلية في تاريخ السينما العالمية، وحضور فيلم من وزن «ذا شايننغ» على الشاشة الكبيرة في السعودية يضع الجمهور أمام تجربة سينمائية جديرة بالتوقف والتذكّر.