موسكو تعلن هدنة في ريف حمص... والمعارضة تتحفظ شكلاً وتقبل بالمضمون

نشر شرطة عسكرية روسية وإدخال مساعدات

بلدة تلبيسة في ريف حمص الشمالي في أول أيام الهدنة أمس (أ.ف.ب)
بلدة تلبيسة في ريف حمص الشمالي في أول أيام الهدنة أمس (أ.ف.ب)
TT

موسكو تعلن هدنة في ريف حمص... والمعارضة تتحفظ شكلاً وتقبل بالمضمون

بلدة تلبيسة في ريف حمص الشمالي في أول أيام الهدنة أمس (أ.ف.ب)
بلدة تلبيسة في ريف حمص الشمالي في أول أيام الهدنة أمس (أ.ف.ب)

أعلنت روسيا عن التوصل لاتفاق مع المعارضة السورية حول منطقة ثالثة لخفض التوتر على الأراضي السورية، نص على مجالس محلية تدير شؤون المنطقة ونشر مراقبين من الشرطة العسكرية الروسية. وتحفظت فصائل المعارضة المسلّحة شكلاً على الاتفاق باعتبار أن «الجانب الروسي الحليف لنظام بشار الأسد والمنحاز دائماً له، هو الضامن الوحيد للاتفاق»، لكنها أيدته في المضمون، ما دام «يوقف آلة القتل ويحقن دماء السوريين، ويوصل المساعدات إلى المدنيين المحاصرين»، بحسب قول معارضين.
وتتوافق هدنة حمص مع مسودة الاتفاق التي انفردت «الشرق الأوسط» بنشرها في عددها يوم 2 أغسطس (آب) الحالي. وقال إيغور كوناشينكوف، المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الروسية في تصريحات أمس، إن ممثلي الوزارة أجروا جولة جديدة من المحادثات مع المعارضة السورية المعتدلة في القاهرة يوم 31 يوليو (تموز) الماضي، و«نتيجة تلك المحادثات تم التوصل لاتفاق حول آليات عمل منطقة خفض التوتر الثالثة، شمال مدينة حمص»، وأضاف أن مجالس محلية ستقوم بإدارة الشؤون اليومية لتلك المنطقة، وكشف في السياق ذاته عن إطار باسم «هيئة العدالة الوطنية» سيتم تشكيله للمشاركة في إدارة شؤون المنطقة، وتضم الهيئة ممثلين عن المعارضة وعن المجموعات العرقية والدينية الرئيسية، وعن كل القوى السياسية في منطقة خفض التوتر.
ودخل الاتفاق حيز التنفيذ بدءا من منتصف أمس الخميس (أمس) 3 أغسطس، وأكد كوناشينكوف: «بموجب الاتفاق، فإن مجموعات المعارضة المعتدلة ووحدات القوات الحكومية تعلن وقفا شاملا لإطلاق النار من كل أنواع الأسلحة، اعتباراً من منتصف نهار 3 أغسطس». وأوضح أن الاتفاق يشمل 84 منطقة سكنية في المنطقة، يعيش فيها أكثر من 147 ألف نسمة، لافتاً إلى أن الاتفاق الحالي، كما هي الحال بالنسبة للاتفاق السابق، حول منطقة الغوطة، لا يشمل التنظيمين الإرهابيين «داعش» و«جبهة النصرة»، فضلا عن ذلك، فإن المعارضة المعتدلة ستقوم بفتح الجزء من طريق حمص - حماة، الواقع ضمن منطقة سيطرتها، وتعهدت أيضاً بموجب الاتفاق بأن «تقوم بطرد كل المجموعات المسلحة المرتبطة بالتنظيمين الإرهابيين، من المناطق في ريف حمص، الخاضعة لسيطرة المعارضة».
كما عرض المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الروسية بعض المسائل التنفيذية لإقامة منطقة خفض التوتر في حمص، وأكد أن الشرطة العسكرية الروسية ستقوم بدءا من يوم 4 أغسطس (اليوم) بنشر حاجزين للمراقبة والعبور على طول خطوط التماس في المنطقة، موضحاً أن الحواجز ستكون في منطقتي «حر بنفسه» والدوير، هذا فضلا عن 3 نقاط مراقبة في مناطق الحميرات، والقبيبات، وتل عمري. وسيقوم عناصر الشرطة العسكرية بمهام الفصل بين الأطراف المتنازعة، ومراقبة الالتزام بوقف إطلاق النار، وضمان الوصول الإنساني، وخروج المصابين والمرضى، ولفت إلى أن «كل المرضى والمصابين (من داخل منطقة خفض التوتر) ستتاح لهم إمكانية لتلقي العلاج إما في المشافي العسكرية الروسية أو في المشافي الحكومية».
يذكر أن هذا ثاني اتفاق من نوعه يتم توقيعه بين المعارضة السورية ووزارة الدفاع الروسية في القاهرة. وسبق أن وقع الجانبان نهاية الشهر الماضي اتفاقا حول آليات تنفيذ منطقة خفض التوتر في مناطق من الغوطة الشرقية بريف دمشق، دخل حيز التنفيذ بدءا من منتصف يوم 22 يوليو (تموز) الماضي. وقبل ذلك، توصلت روسيا مطلع الشهر الماضي إلى اتفاق مع الولايات المتحدة والأردن حول إقامة منطقة خفض التوتر في جنوب غربي سوريا. واللافت أن الاتفاق على إقامة تلك المناطق يجري بعيداً عن عملية «آستانة» ودون مشاركة من الدول الضامنة الراعية لتلك العملية، والتي كانت قد تبنت خلال لقاء «آستانة» في 4 مايو (أيار) الماضي مذكرة حول إقامة 4 مناطق لخفض التصعيد في سوريا. وحتى الآن قامت روسيا لوحدها مع أطراف من خارج عملية آستانة بإقامة تلك المناطق، بينما تستمر المحادثات حول إقامة المنطقة الرابعة في إدلب.
ورغم التحفظات التي تبديها فصائل المعارضة، فإن إيجابيات هذا الاتفاق تطغى على سلبياته، وفق تعبير المقدم علي أيوب، القائد العسكري لـ«حركة تحرير الوطن»، وهي من التشكيلات العسكرية المعارضة في ريف حمص، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»: «نحن غير راضين عن هذا الاتفاق، لأن الجانب الروسي تفرّد بالقرار، ونصّب نفسه الضامن الوحيد، علما بأنه طرف في الحرب السورية، ومنحاز دائماً لصالح لبشار الأسد ونظامه، وكان شريكاً أساسيا في قتل الشعب السوري». لكنه أوضح أن «الثوار لن يرفضوا ما يخفف من معاناة المدنيين في هذه المنطقة (ريف حمص)، ويؤدي إلى رفع كابوس القتل والتدمير عنهم، من دون المساس بمبادئ الثورة»، مؤكداً أن «(جيش التوحيد) هو الفصيل الوحيد الذي وقّع على الاتفاق دون سواه، بينما تحفظت الفصائل الأخرى، لكن هذا التحفظ لا يعني رفض الاتفاق أو محاولة إسقاطه»، علما بأن فصائل عدة تقاتل النظام في ريف حمص الشمالي، أبرزها «جيش التوحيد»، و«حركة أحرار الشام»، «حركة تحرير الوطن» و«جيش العزة».
ويفترض أن تبدأ يوم الاثنين المقبل، عملية إدخال قافلة أدوية وأغذية، إلى ريف حمص الشمالي، على أن تدخل بعد أيام قليلة قافلة محمّلة بمواد بناء، وفق مقتضيات بنود الاتفاق، تلي ذلك إعادة المهجرين إلى قراهم عن طريق المجالس المحلية سواء كانوا داخل سوريا أو خارجها.
وتترقب فصائل المعارضة المرحلة التي تلي تنفيذ وقف النار، حيث رأى المقدم أيوب، أنه «ما دام الاتفاق ينص على وقف التصعيد، وإيصال المساعدات للناس، فنحن نرحب بذلك». وتابع: «لكن إذا وجدنا أن الطرف الروسي يسعى من خلال هذا الاتفاق إلى تسليم البلد إلى بشار الأسد، فسنقف ضدّه»، مشدداً على أن «الهدنة مسألة إيجابية وضرورية، لكن يجب أن تكون المدخل للعودة إلى قرار مجلس الأمن الدولي (2254) ومخرجات (جنيف1)، والذهاب نحو الحل السياسي الشامل».
أما بالنسبة للشقّ المتعلق بوجود عناصر «حركة تحرير الشام»، (جبهة النصرة)، فيمنع الاتفاق توجيه أي ضربة عسكرية لها، قبل 9 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، على أن يتم إبعادهم عن مناطق الاتفاق، كما لا يحق ضرب أي نقطة لأي فصيل، إلا بموجب طلب خطي من أي فصيل بشرط ضمان سلامة المدنيين، ويسمح بدخول مندوب الأحوال المدنية والعقارات وتسجيل الأولاد وجوازات السفر بعد طلب المعارضة، بحسب وثيقة وزعتها فصائل معارضة.
من جهته، أعلن عضو «تجمّع ثوار سوريا» في ريف حمص «أبو البراء» أن الناس «لم تعد تثق بنظام الأسد، لأنه لا يلتزم بالاتفاقات والمواثيق». لكنه رأى أن «دخول الروس ضامنا لهذا الاتفاق يعطي شيئا من الطمأنينة، ما دام الروسي يحتل البلد ويمسك بالقرار». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «المدنيون في ريف حمص، يتوقون إلى وقف النار، وعودة الحياة إلى طبيعتها، ولكن ليس على حساب دم الشهداء وحق المعتقلين، ولا على حساب الثورة وأهدافها».
وأشار «أبو البراء» إلى أن «حظوظ نجاح وقف النار، لا تتعدى 50 في المائة، لكن الشيء الإيجابي في الأمر أن الثوار لن يتركوا أسلحتهم، ولن يتخلّوا عن المبادئ التي أسست لهذه الثورة، وإذا حاول النظام خرق الهدنة واقتحام مناطق سيطرة المعارضة، فلن يتأخر الثوار بالردّ عليه». وأضاف عضو «تجمّع ثوار سوريا»، أن «الغاية من قبول الهدنة هو وقف نزف الدماء في حمص وفي كلّ سوريا، لكننا لن نقبل بأن تبقى الأمور مجمدة، بل المطلوب إعطاء دفع للعملية السياسية، التي تخرج نظام الأسد من حياة الشعب السوري»، لافتاً إلى أنه «مع بدء تطبيق اتفاق خفض التصعيد، ستعود المظاهرات إلى وتيرتها القوية وتطالب بإسقاط هذا النظام بكل رموزه».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.