«الشرق الأوسط» تلتقي عائلات أجنبية فرت من «داعش» في الرقة

سوق للسبايا على «تلغرام»... وحامل قصاصات الطائرات الأميركية «بأمان»

العائلات الإندونيسية في مخيم عين عيسى وإلى اليسار نورا خيرت دنيا التي قطعت عائلتها مسافة 8500 كيلومتر بحثاً عن سراب («الشرق الأوسط»)
العائلات الإندونيسية في مخيم عين عيسى وإلى اليسار نورا خيرت دنيا التي قطعت عائلتها مسافة 8500 كيلومتر بحثاً عن سراب («الشرق الأوسط»)
TT

«الشرق الأوسط» تلتقي عائلات أجنبية فرت من «داعش» في الرقة

العائلات الإندونيسية في مخيم عين عيسى وإلى اليسار نورا خيرت دنيا التي قطعت عائلتها مسافة 8500 كيلومتر بحثاً عن سراب («الشرق الأوسط»)
العائلات الإندونيسية في مخيم عين عيسى وإلى اليسار نورا خيرت دنيا التي قطعت عائلتها مسافة 8500 كيلومتر بحثاً عن سراب («الشرق الأوسط»)

في صيف العام 2015، قطعت نورا خيرت دنيا الفتاة الإندونيسية مع عائلتها مسافة تقدر بنحو 8500 كيلومتر؛ في رحلة جوية أقلعت من العاصمة جاكرتا مسقط رأسها، متجهين نحو مدينة إسطنبول التركية، ومنها أكملوا رحلتهم براً على متنِ حافلة حديثة، قاصدين مدينة كِلس التركية الحدودية مع سوريا. عبرت نورا وعائلتها سراً من خلال منفذ بلدة الراعي الحدودي على الطرف السوري الذي كان يخضع آنذاك لسيطرة عناصر تنظيم داعش المتشدد، متجهين إلى بلدة منبج بريف حلب الشرقي، ثم وصلوا لمدينة الرقة الوجهة المقصودة لهم بعد رحلة استغرقت ثلاثة أيام، حينذاك كانت أبرز معاقل تنظيم داعش في سوريا، آملين العيش في ظل «دولة الخلافة الإسلامية» المزعومة.
تشرح نورا لـ«الشرق الأوسط» أنها تعرفت على بعض عناصر التنظيم في إندونيسيا، عبر شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وقالت: «قرأت الكثير عن التنظيم ومناطق سيطرته التي كنا نظن أنها ستكون المكان الأفضل لنعيش فيه، حيث بإمكاني ارتداء اللباس الشرعي دون قيود، وأستطيع أن أعبر بحرية عن مظهري كفتاة مسلمة».
وبلغة عربية فصحى وجمل ركيكة تخللتها بعض الكلمات الإنجليزية، تابعت نورا البالغة من العمر عشرين سنة حديثها، لتقول: «أرشدنا عناصر تنظيم عبر الإنترنت كيف نصل إلى سوريا، ووعدونا بدفع نفقات السفر وتذكرة الطيران، كما وعدونا بأن يحصل أبي وأقربائي الرجال على عمل برواتب عالية».
وبحسب رواية نورا وبعدما وصلت عائلتها إلى الرقة، فصل عناصر التنظيم الرجال عن النساء، وكانت هذه أول حادثة زرعت الشك في نفوسهم، وبعد رفض والدها وشقيقها القتال في صفوف التنظيم، تم زجهم في السجن لمدة ثلاثة أشهر.
ويسيطر مقاتلو تنظيم داعش على مدينة الرقة منذ أغسطس (آب) 2014. وكان سكانها يخشون من أحكام عناصرها المتشددين، كالإعدامات والعقوبات التي تصل إلى بتر أحد الأطراف، أو الجلد وغيرها من الأحكام التي ينفذونها على كل من يخالف أوامرهم أو يعارضها.
تعبر نورا عن صدمتها بالقول: «الواقع كان عكس الكلام الافتراضي، اكتشفنا كذب ادعاءاتهم وزيف وعودهم، عايشنا ظلمهم وشاهدنا كيف كانوا يعاقبون الناس»، وتضيف: «قالوا لنا بأن الطبابة بالمجان والعلاج في المشفى على نفقة التنظيم، وحتى الأدوية تعطى للمريض مجاناً، كل ذلك كان كذبا بكذب». تقول والدة نورا وتدعى دي فانسه رحماني (52 سنة)، بأنّ الكثير من عناصر التنظيم طلبوا ابنتها للزواج، لكنها أصرت على الرفض، ذلك أن جميعهم كانوا غير صالحين للزواج، يتزوجون لمدة شهر أو شهرين ثم إما يقتلون في المعارك أو يطلّقون نساءهم ويتزوجون مرة ثانية.
وتتابع دي فانسه حديثها بالقول، بأن عائلتها قررت الفرار من مناطق التنظيم بعد حادثة اعتقال زوجها وابنها، فقامت ببيع كل ما يمتلكون من الذهب «لندفع أجرة المهرب الذي طلب منا مبلغ 4 آلاف دولار أميركي، مقابل إيصالنا إلى المناطق المحررة».
وفي بداية شهر يوليو (تموز) الماضي وعلى وقع تقدم قوات سوريا الديمقراطية داخل أحياء الرقة، فرت نورا وأسرتها مع عائلات إندونيسية أخرى هرباً من قبضة مقاتلي تنظيم داعش، وانتهى بهم المطاف اليوم في مخيم عين عيسى الواقع على بعد نحو 50 كيلومتراً شمال مدينة الرقة.
وبحسب نورا وأمها، فإن والدها وشقيقها وأقرباءهم الرجال، محتجزون الآن لدى قوات سوريا الديمقراطية. وكشفت فيروز خليل نائبة مدير مخيم عين عيسى في تصريحها لـ«الشرق الأوسط» أنّ القوات تحقق مع الإندونيسيين وعددهم خمسة رجال، وقالت: «بعد انتهاء التحقيق معهم، سيتم ترحيلهم إلى إقليم كردستان العراق لتسليمهم لاحقاً إلى سفارة بلادهم في العراق».
في بيت عربي صغير داخل مخيم عين عيسى تناوب على حراسته مقاتلون من قوات سوريا الديمقراطية، يمنعون دخول أي شخص إلاّ بإذن خطي من إدارة المخيم، فيما يبدو أنه المكان الخاص باحتجاز نساء مقاتلي «داعش»، إحداهنّ لبنانية واثنتان من تونس وشيشانية وفرنسية من أصول مغاربية وامرأتان من سوريا.
وبعين الشك والريبة رفضت بعضهنّ الحديث إلينا، بينما استرسلت نساء أخريات في الكلام والدفاع عن أزواجهن، وكيف أنهم وقعوا ضحية ادعاءات وأكاذيب التنظيم.
نور الهدى (20 سنة) لبنانية تتحدر من مدينة طرابلس من منطقة التبانة، كشفت أن زوجها الأول اللبناني كان عضواً في خلايا التنظيم بلبنان، سافر إلى مناطق «داعش» في سوريا وبعد عودته أقنعها بالسفر إلى الرقة. تقول نور الهدى: «المرأة تقتنع بكلام زوجها، لكن السبب المباشر لسفري إلى هناك، هو أن بعض الناس من طوائف أخرى في طرابلس كانوا يستهزئون بلباسي الشرعي ويقولون عني (داعشية) عندما يشاهدونني أمشي في الطريق».
في بداية سنة 2015 ومن دون علم أهلها؛ سافرت هدى وزوجها إلى تركيا ومنها دخلا إلى سوريا عبر بوابة بلدة تل أبيض، وسكنا في مدينة الرقة. والتحق زوجها بالقتال مع التنظيم، وبعد نحو عام قتل في غارة جوية من طيران التحالف الدولي، وكانت قد أنجبت منه ثلاثة أطفال.
وتضيف نور الهدى: «بعد مقتل زوجي وضعوني في مضافة النساء التي كانت عبارة عن غرفة صغيرة تتواجد فيها أكثر من 30 امرأة، كل واحدة منهن كانت معها طفل أو أكثر، المرحاض كان صغيرا ولا توجد فيه حمامات والجميع أصيب بأمراض معدية».
وبحسب نور الهدى كانت المضافة عبارة عن سجن يحرسه عناصر التنظيم، يقفلون الأبواب ويمنعون النساء والأطفال من الخروج. وتزيد إيمان: «كنت ممنوعة من التواصل مع أهلي. في البداية ظنوا أني مت».
بعد فترة زمنية قصيرة، تقدم لها مقاتل تونسي الجنسية، فوافقت دون تردد، كي تخرج من الحبس الذي وضعت فيه. تصف «داعش» في مناطق التنظيم بقولها: «إنهم دولة الأصنام في العراق والشام، لأن كل من يعيش تحت قبضتهم عبارة عن أشباح، أما الأمنيون والقادة العسكريون فهم فقط الذين يهنأون بحياتهم ولهم كل المزايا».
ولم يكن قد مضى عامان على وصول نور الهدى إلى الرقة، حتى قررت الهروب من قبضة التنظيم المرعبة، رفقة زوجها التونسي، إلاّ أن التنظيم أرسله في مهمة إلى المناطق الحدودية مع العراق، وبعد إعلان معركة تحرير الرقة الشهر الفائت، فرت نور الهدى إلى مناطق الاشتباكات وسلمت نفسها مع عائلتين من تونس إلى قوات سوريا الديمقراطية، حيث تم ترحيلهم إلى مخيم عين عيسى، ولم تعد تعلم أي شيء عن زوجها التونسي.
تقول نور الهدى: «لا أعرف ما هو موقف أهلي مني الآن، ولا أعرف ما إذا كان سيسمح لي بالعودة إلى لبنان. أعيش أصعب لحظات حياتي اليوم ومصيري مجهول».
إيمان عثماني تتحدر من تونس العاصمة، وعمرها 25 سنة، تزوجت بعد إنهاء دراستها الثانوية، من شاب تونسي ملتزم دينياً في أوائل 2014. تروي أنها عاشت حياة طبيعية بين أهلها، وفي أحد الأيام ترددت إلى جامع الحي الذي تسكنه، فاستمعت إلى خطبة الإمام وكان يحث المصلين على الهجرة والقتال في سبيل الله. تأثرت في حديثه وبعدها التزمت بما يسمى باللباس الشرعي وارتدت الخمار. وفي الفترة اللاحقة، اتفقت إيمان مع زوجها على السفر إلى سوريا والعيش في مدينة الرقة، بعد سماعهما عن هجرة الكثير من العائلات الأجنبية، سيما القادمين من تونس ودول المغرب العربي.
وكشفت إيمان خبايا تعامل عناصر «داعش» مع السبايا، وقالت إن عناصر التنظيم كانت لديهم صفحات على موقع «تلغرام» إحداها كانت تعرف باسم «سوق للسبايا»، يبيعون ويشترون ويحددون من خلالها الأسعار ومكان التسليم. وتقول إيمان بأن «السبية كانت ملكا للمقاتل، لا يستطيع أحد التعدي عليها، حيث بإمكانه أن يهديها لمن يشاء حتى إلى شقيقه، أو يبيعها أو يبادلها مع سبية ثانية».
تكمل إيمان شهادته على تجربتها في الرقة تحت سيطرة «داعش»، بقولها، بأن زوجها بقي يقاتل مع التنظيم 3 أشهر، لكنه أصيب، فأعفي عن القتال. بعدها أرسل خطابا إلى العدناني يطلب منه السماح له ولزوجته بالسفر والعودة إلى وطنه ومنحه جواز سفره، وتمت الموافقة على طلبه، «لكن بعد فترة قصيرة من مقتل العدناني أصدر والي الرقة قراراً يحظر سفر المهاجرين والأنصار»، والقول لإيمان.
وعلى إثر بدء معركة الرقة في شهر يونيو (حزيران) الماضي، قررت إيمان وزوجها الفرار، فاتفقوا مع مهرب ودفعوا له مبلغ ألف دولار أميركي، مقابل أن يوصلهم إلى نقطة تتبع قوات سوريا الديمقراطية. تقول: «طائرات التحالف ألقت قصاصات ورقية كتب عليها (تذكرة أمان) تطلب من عناصر التنظيم الانشقاق وترك القتال، وأن حامل الورقة إذا سلم نفسه سيكون بأمان». تضيف إيمان: «احتفظت بواحدة منها وعندما وصلنا إلى حاجز القوات قمت بتسليمها لهم، لكنهم احتجزوا زوجي ولا يزال بالسجن منذ نحو الشهر والنصف».
وفي ختام حديثها، تقول إيمان: «اشتقت إلى والدتي كثيراً، ولإخوتي وأهلي. أحن إلى غرفتي وسريري وصديقاتي في الحي. لا أدري كيف أصف لك شعوري، شعور بالعجز يغلبني في كل شيء».
وتنتظر إيمان عثماني وزوجات عناصر التنظيم والعائلات الإندونيسية، انتهاء التحقيق مع أزواجهن، والحصول على جواب من سفارة بلادهن في العراق للعودة إلى مواطنهم الأصلية.



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.