«الشرق الأوسط» تلتقي عائلات أجنبية فرت من «داعش» في الرقة

سوق للسبايا على «تلغرام»... وحامل قصاصات الطائرات الأميركية «بأمان»

العائلات الإندونيسية في مخيم عين عيسى وإلى اليسار نورا خيرت دنيا التي قطعت عائلتها مسافة 8500 كيلومتر بحثاً عن سراب («الشرق الأوسط»)
العائلات الإندونيسية في مخيم عين عيسى وإلى اليسار نورا خيرت دنيا التي قطعت عائلتها مسافة 8500 كيلومتر بحثاً عن سراب («الشرق الأوسط»)
TT

«الشرق الأوسط» تلتقي عائلات أجنبية فرت من «داعش» في الرقة

العائلات الإندونيسية في مخيم عين عيسى وإلى اليسار نورا خيرت دنيا التي قطعت عائلتها مسافة 8500 كيلومتر بحثاً عن سراب («الشرق الأوسط»)
العائلات الإندونيسية في مخيم عين عيسى وإلى اليسار نورا خيرت دنيا التي قطعت عائلتها مسافة 8500 كيلومتر بحثاً عن سراب («الشرق الأوسط»)

في صيف العام 2015، قطعت نورا خيرت دنيا الفتاة الإندونيسية مع عائلتها مسافة تقدر بنحو 8500 كيلومتر؛ في رحلة جوية أقلعت من العاصمة جاكرتا مسقط رأسها، متجهين نحو مدينة إسطنبول التركية، ومنها أكملوا رحلتهم براً على متنِ حافلة حديثة، قاصدين مدينة كِلس التركية الحدودية مع سوريا. عبرت نورا وعائلتها سراً من خلال منفذ بلدة الراعي الحدودي على الطرف السوري الذي كان يخضع آنذاك لسيطرة عناصر تنظيم داعش المتشدد، متجهين إلى بلدة منبج بريف حلب الشرقي، ثم وصلوا لمدينة الرقة الوجهة المقصودة لهم بعد رحلة استغرقت ثلاثة أيام، حينذاك كانت أبرز معاقل تنظيم داعش في سوريا، آملين العيش في ظل «دولة الخلافة الإسلامية» المزعومة.
تشرح نورا لـ«الشرق الأوسط» أنها تعرفت على بعض عناصر التنظيم في إندونيسيا، عبر شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وقالت: «قرأت الكثير عن التنظيم ومناطق سيطرته التي كنا نظن أنها ستكون المكان الأفضل لنعيش فيه، حيث بإمكاني ارتداء اللباس الشرعي دون قيود، وأستطيع أن أعبر بحرية عن مظهري كفتاة مسلمة».
وبلغة عربية فصحى وجمل ركيكة تخللتها بعض الكلمات الإنجليزية، تابعت نورا البالغة من العمر عشرين سنة حديثها، لتقول: «أرشدنا عناصر تنظيم عبر الإنترنت كيف نصل إلى سوريا، ووعدونا بدفع نفقات السفر وتذكرة الطيران، كما وعدونا بأن يحصل أبي وأقربائي الرجال على عمل برواتب عالية».
وبحسب رواية نورا وبعدما وصلت عائلتها إلى الرقة، فصل عناصر التنظيم الرجال عن النساء، وكانت هذه أول حادثة زرعت الشك في نفوسهم، وبعد رفض والدها وشقيقها القتال في صفوف التنظيم، تم زجهم في السجن لمدة ثلاثة أشهر.
ويسيطر مقاتلو تنظيم داعش على مدينة الرقة منذ أغسطس (آب) 2014. وكان سكانها يخشون من أحكام عناصرها المتشددين، كالإعدامات والعقوبات التي تصل إلى بتر أحد الأطراف، أو الجلد وغيرها من الأحكام التي ينفذونها على كل من يخالف أوامرهم أو يعارضها.
تعبر نورا عن صدمتها بالقول: «الواقع كان عكس الكلام الافتراضي، اكتشفنا كذب ادعاءاتهم وزيف وعودهم، عايشنا ظلمهم وشاهدنا كيف كانوا يعاقبون الناس»، وتضيف: «قالوا لنا بأن الطبابة بالمجان والعلاج في المشفى على نفقة التنظيم، وحتى الأدوية تعطى للمريض مجاناً، كل ذلك كان كذبا بكذب». تقول والدة نورا وتدعى دي فانسه رحماني (52 سنة)، بأنّ الكثير من عناصر التنظيم طلبوا ابنتها للزواج، لكنها أصرت على الرفض، ذلك أن جميعهم كانوا غير صالحين للزواج، يتزوجون لمدة شهر أو شهرين ثم إما يقتلون في المعارك أو يطلّقون نساءهم ويتزوجون مرة ثانية.
وتتابع دي فانسه حديثها بالقول، بأن عائلتها قررت الفرار من مناطق التنظيم بعد حادثة اعتقال زوجها وابنها، فقامت ببيع كل ما يمتلكون من الذهب «لندفع أجرة المهرب الذي طلب منا مبلغ 4 آلاف دولار أميركي، مقابل إيصالنا إلى المناطق المحررة».
وفي بداية شهر يوليو (تموز) الماضي وعلى وقع تقدم قوات سوريا الديمقراطية داخل أحياء الرقة، فرت نورا وأسرتها مع عائلات إندونيسية أخرى هرباً من قبضة مقاتلي تنظيم داعش، وانتهى بهم المطاف اليوم في مخيم عين عيسى الواقع على بعد نحو 50 كيلومتراً شمال مدينة الرقة.
وبحسب نورا وأمها، فإن والدها وشقيقها وأقرباءهم الرجال، محتجزون الآن لدى قوات سوريا الديمقراطية. وكشفت فيروز خليل نائبة مدير مخيم عين عيسى في تصريحها لـ«الشرق الأوسط» أنّ القوات تحقق مع الإندونيسيين وعددهم خمسة رجال، وقالت: «بعد انتهاء التحقيق معهم، سيتم ترحيلهم إلى إقليم كردستان العراق لتسليمهم لاحقاً إلى سفارة بلادهم في العراق».
في بيت عربي صغير داخل مخيم عين عيسى تناوب على حراسته مقاتلون من قوات سوريا الديمقراطية، يمنعون دخول أي شخص إلاّ بإذن خطي من إدارة المخيم، فيما يبدو أنه المكان الخاص باحتجاز نساء مقاتلي «داعش»، إحداهنّ لبنانية واثنتان من تونس وشيشانية وفرنسية من أصول مغاربية وامرأتان من سوريا.
وبعين الشك والريبة رفضت بعضهنّ الحديث إلينا، بينما استرسلت نساء أخريات في الكلام والدفاع عن أزواجهن، وكيف أنهم وقعوا ضحية ادعاءات وأكاذيب التنظيم.
نور الهدى (20 سنة) لبنانية تتحدر من مدينة طرابلس من منطقة التبانة، كشفت أن زوجها الأول اللبناني كان عضواً في خلايا التنظيم بلبنان، سافر إلى مناطق «داعش» في سوريا وبعد عودته أقنعها بالسفر إلى الرقة. تقول نور الهدى: «المرأة تقتنع بكلام زوجها، لكن السبب المباشر لسفري إلى هناك، هو أن بعض الناس من طوائف أخرى في طرابلس كانوا يستهزئون بلباسي الشرعي ويقولون عني (داعشية) عندما يشاهدونني أمشي في الطريق».
في بداية سنة 2015 ومن دون علم أهلها؛ سافرت هدى وزوجها إلى تركيا ومنها دخلا إلى سوريا عبر بوابة بلدة تل أبيض، وسكنا في مدينة الرقة. والتحق زوجها بالقتال مع التنظيم، وبعد نحو عام قتل في غارة جوية من طيران التحالف الدولي، وكانت قد أنجبت منه ثلاثة أطفال.
وتضيف نور الهدى: «بعد مقتل زوجي وضعوني في مضافة النساء التي كانت عبارة عن غرفة صغيرة تتواجد فيها أكثر من 30 امرأة، كل واحدة منهن كانت معها طفل أو أكثر، المرحاض كان صغيرا ولا توجد فيه حمامات والجميع أصيب بأمراض معدية».
وبحسب نور الهدى كانت المضافة عبارة عن سجن يحرسه عناصر التنظيم، يقفلون الأبواب ويمنعون النساء والأطفال من الخروج. وتزيد إيمان: «كنت ممنوعة من التواصل مع أهلي. في البداية ظنوا أني مت».
بعد فترة زمنية قصيرة، تقدم لها مقاتل تونسي الجنسية، فوافقت دون تردد، كي تخرج من الحبس الذي وضعت فيه. تصف «داعش» في مناطق التنظيم بقولها: «إنهم دولة الأصنام في العراق والشام، لأن كل من يعيش تحت قبضتهم عبارة عن أشباح، أما الأمنيون والقادة العسكريون فهم فقط الذين يهنأون بحياتهم ولهم كل المزايا».
ولم يكن قد مضى عامان على وصول نور الهدى إلى الرقة، حتى قررت الهروب من قبضة التنظيم المرعبة، رفقة زوجها التونسي، إلاّ أن التنظيم أرسله في مهمة إلى المناطق الحدودية مع العراق، وبعد إعلان معركة تحرير الرقة الشهر الفائت، فرت نور الهدى إلى مناطق الاشتباكات وسلمت نفسها مع عائلتين من تونس إلى قوات سوريا الديمقراطية، حيث تم ترحيلهم إلى مخيم عين عيسى، ولم تعد تعلم أي شيء عن زوجها التونسي.
تقول نور الهدى: «لا أعرف ما هو موقف أهلي مني الآن، ولا أعرف ما إذا كان سيسمح لي بالعودة إلى لبنان. أعيش أصعب لحظات حياتي اليوم ومصيري مجهول».
إيمان عثماني تتحدر من تونس العاصمة، وعمرها 25 سنة، تزوجت بعد إنهاء دراستها الثانوية، من شاب تونسي ملتزم دينياً في أوائل 2014. تروي أنها عاشت حياة طبيعية بين أهلها، وفي أحد الأيام ترددت إلى جامع الحي الذي تسكنه، فاستمعت إلى خطبة الإمام وكان يحث المصلين على الهجرة والقتال في سبيل الله. تأثرت في حديثه وبعدها التزمت بما يسمى باللباس الشرعي وارتدت الخمار. وفي الفترة اللاحقة، اتفقت إيمان مع زوجها على السفر إلى سوريا والعيش في مدينة الرقة، بعد سماعهما عن هجرة الكثير من العائلات الأجنبية، سيما القادمين من تونس ودول المغرب العربي.
وكشفت إيمان خبايا تعامل عناصر «داعش» مع السبايا، وقالت إن عناصر التنظيم كانت لديهم صفحات على موقع «تلغرام» إحداها كانت تعرف باسم «سوق للسبايا»، يبيعون ويشترون ويحددون من خلالها الأسعار ومكان التسليم. وتقول إيمان بأن «السبية كانت ملكا للمقاتل، لا يستطيع أحد التعدي عليها، حيث بإمكانه أن يهديها لمن يشاء حتى إلى شقيقه، أو يبيعها أو يبادلها مع سبية ثانية».
تكمل إيمان شهادته على تجربتها في الرقة تحت سيطرة «داعش»، بقولها، بأن زوجها بقي يقاتل مع التنظيم 3 أشهر، لكنه أصيب، فأعفي عن القتال. بعدها أرسل خطابا إلى العدناني يطلب منه السماح له ولزوجته بالسفر والعودة إلى وطنه ومنحه جواز سفره، وتمت الموافقة على طلبه، «لكن بعد فترة قصيرة من مقتل العدناني أصدر والي الرقة قراراً يحظر سفر المهاجرين والأنصار»، والقول لإيمان.
وعلى إثر بدء معركة الرقة في شهر يونيو (حزيران) الماضي، قررت إيمان وزوجها الفرار، فاتفقوا مع مهرب ودفعوا له مبلغ ألف دولار أميركي، مقابل أن يوصلهم إلى نقطة تتبع قوات سوريا الديمقراطية. تقول: «طائرات التحالف ألقت قصاصات ورقية كتب عليها (تذكرة أمان) تطلب من عناصر التنظيم الانشقاق وترك القتال، وأن حامل الورقة إذا سلم نفسه سيكون بأمان». تضيف إيمان: «احتفظت بواحدة منها وعندما وصلنا إلى حاجز القوات قمت بتسليمها لهم، لكنهم احتجزوا زوجي ولا يزال بالسجن منذ نحو الشهر والنصف».
وفي ختام حديثها، تقول إيمان: «اشتقت إلى والدتي كثيراً، ولإخوتي وأهلي. أحن إلى غرفتي وسريري وصديقاتي في الحي. لا أدري كيف أصف لك شعوري، شعور بالعجز يغلبني في كل شيء».
وتنتظر إيمان عثماني وزوجات عناصر التنظيم والعائلات الإندونيسية، انتهاء التحقيق مع أزواجهن، والحصول على جواب من سفارة بلادهن في العراق للعودة إلى مواطنهم الأصلية.



تحركات أميركية متسارعة لحلحلة نزاع «سد النهضة»

كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس خلال لقاء مع الوفد الإثيوبي برئاسة وزير الخارجية (صفحة بولس على منصة «إكس»)
كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس خلال لقاء مع الوفد الإثيوبي برئاسة وزير الخارجية (صفحة بولس على منصة «إكس»)
TT

تحركات أميركية متسارعة لحلحلة نزاع «سد النهضة»

كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس خلال لقاء مع الوفد الإثيوبي برئاسة وزير الخارجية (صفحة بولس على منصة «إكس»)
كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس خلال لقاء مع الوفد الإثيوبي برئاسة وزير الخارجية (صفحة بولس على منصة «إكس»)

تشهد وتيرة التحرُّكات الأميركية الرامية لحلحلة النزاع القائم بين مصر وإثيوبيا؛ بسبب «سد النهضة» الإثيوبي تسارعاً، بحسب خبراء تحدَّثوا إلى «الشرق الأوسط»، وكان الملف حاضراً خلال محادثات جرت في واشنطن مع وفد إثيوبي زائر.

ووصف كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، الثلاثاء، المحادثات الأميركية مع الوفد الإثيوبي، والتي تناولت موضوعات متعددة من بينها ملف «سد النهضة»، بأنَّها كانت «بنّاءة».

وقبل أيام، تحدَّث بولس ومصدر مصري مطلع في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» عن استعداد واشنطن لتقديم حلٍّ بشأن نزاع السد.

وكتب بولس على حسابه بمنصة «إكس» إنَّه تمَّ عقد «اجتماعات مثمرة وشاملة» مع الوفد الإثيوبي، مضيفاً: «أجرينا محادثات بنّاءة حول نهر النيل وسد النهضة الكبير الإثيوبي... وكان اليوم أيضاً فرصة مهمة لمناقشة القضايا الاقتصادية والتجارية الثنائية، بما في ذلك تعزيز الاستثمارات الأميركية».

وقالت وزارة الخارجية الإثيوبية، في بيان، إن المشاورات مع الجانب الأميركي تناولت التجارة، والاستثمار، والتعاون الدفاعي والأمني، وتعزيز السلام والاستقرار بالمنطقة، لافتة إلى أنَّ وفد إثيوبيا كان بقيادة وزير الخارجية جدعون تيموثيوس، وضم مدير عام جهاز الاستخبارات والأمن الوطني رضوان حسين.

مسار أميركي جديد

وفيما يتعلق بالحراك الأميركي بخصوص «سد النهضة»، أكدت مساعدة وزير الخارجية المصري السابقة للشؤون الأفريقية، منى عمر، أهميته. وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «الأمل لا يتوقف في التوصُّل لحلٍّ بشأن أزمة السد، خصوصاً أنَّ مصر حريصة على وجود تعاون مع إثيوبيا لتقليل التوترات بالمنطقة».

غير أنَّها أشارت إلى «شكوك في قبول أديس أبابا بنهج تفاوضي يقود لحل حقيقي وجاد».

لقطة لسد النهضة الإثيوبي (صفحة رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد على «فيسبوك»)

أما المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد، فقال لـ«الشرق الأوسط»: «أديس أبابا أعلنت مراراً وتكراراً استعدادها، ورغبتها في التوصُّل إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف ويحقِّق مصالح الجميع، وأعتقد أنَّها اليوم وغداً ستكون في الموقف ذاته».

وقبل أيام، صرَّح مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط» بأنَّ القاهرة تترقب مساراً أميركياً جديداً لحل نزاع السد الإثيوبي، لافتاً إلى وجود محاولات لإحياء «وثيقة واشنطن» التي وقَّعت عليها القاهرة في فبراير (شباط) 2020 ورفضتها أديس أبابا، ولكن بصيغة معدَّلة لإيجاد توافق واسع عليها.

والوثيقة كانت تشمل جدولاً مرحلياً لملء السد، وآليةً للتوافق عند الملء في حالات الجفاف، والجفاف الممتد، وفترات السنوات الجافة الطويلة، وآليةً للتوافق بشأن التشغيل السنوي وطويل الأمد للسد في الظروف نفسها، وبنوداً لتسوية النزاعات وتبادل المعلومات.

وجاء حديث المصدر المصري بعد أيام من تصريحات أدلى بها بولس لـ«الشرق الأوسط» وقال فيها إنَّ الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أبدى استعداد بلاده لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا «من أجل التوصُّل إلى تسوية مسؤولة ونهائية لقضية سد النهضة».

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أرسل ترمب خطاباً رسمياً إلى الرئيس المصري عبد الفتاح، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات سد النهضة، والتوصُّل لحل نهائي وعادل للقضية، بعد 3 أحاديث في يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) 2025، أكد فيها أن «واشنطن موَّلت السد، ويجب أن يكون هناك حلٌّ سريع لتلك الأزمة».

اجتماعات إثيوبية - أميركية في واشنطن تطرقت إلى أزمة «سد النهضة» (صفحة مسعد بولس على منصة «إكس»)

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد في 2024 بعد جولات استمرَّت لسنوات، مرجعةً ذلك إلى «غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات سابقة لوزارة الموارد المائية والري.

اعتراضات إثيوبية

غير أنَّ المحلل السياسي الإثيوبي عبد الصمد قال: «ما تعترض عليه إثيوبيا هو الالتزام باتفاقات لم تكن طرفاً فيها، وتترتب عليها قواعد وشروط مضرة بمصالحها وسيادتها، وهو ما يعني إلزامها بمخرجات اتفاق 1929 بين بريطانيا ومستعمراتها في حوض النيل الأبيض، واتفاقية 1959 بين مصر والسودان لتقاسم مياه النيل».

وأكد أنَّ موقف إثيوبيا «واضح وصريح، ويتلخص في أنَّ تقاسم مياه النيل يجب أن يكون بحضور ومشاركة كل دول حوض النيل الـ11، بينما مصر ترغب بالانفراد بكل دولة على حدة».

واستطرد: «خلال تعبئة وتشغيل سد النهضة قدَّمت إثيوبيا كل ما تستطيع، وهي مستعدة للتفاهم في حدود الحفاظ على سيادتها ومصالحها الاستراتيجية الوطنية، وبما لا يضر بشركائها في مصر والسودان».

في المقابل، ترى السفيرة منى عمر أنَّ الحلَّ الأمثل يكمن في الإدارة المشتركة التي تضمن عدم تأثر حصة مصر المائية خلال سنوات ملء خزان السد، خصوصاً في فترات الجفاف، حتى لا يتعرَّض الشعب المصري لمشكلة بالمستقبل.

وتوقَّعت أن يستغرق الحراك الدبلوماسي وقتاً طويلاً «خصوصاً أنَّ هناك عوامل داخلية في إثيوبيا ستؤثر على مسار المفاوضات؛ حيث تمَّ تحويل أزمة السد إلى قضية رأي عام وشعبي، مما يتطلب من الحكومة الإثيوبية إجراء تغييرات داخلية تتناسب مع أي تحرُّك إيجابي أميركي في هذا الملف»، على حد قولها.

وترى أنَّ الولايات المتحدة قادرة على حلِّ الأزمة من خلال تقديم ضمانات وحوافز تشجِّع إثيوبيا على اتخاذ خطوات إيجابية.

وأضافت: «إثيوبيا تفكِّر بشكل تجاري واقتصادي، وعندما تجد مقابلاً قد يشجِّعها ذلك على التحرُّك. ومن المهم استمرار الحراك الدبلوماسي الحالي بوصفه سبيلاً للتوصُّل إلى حلٍّ للأزمة».


رهان يمني على الدعم السعودي والدولي لقطاع الكهرباء

الحكومة اليمنية تسعى للشراكة مع القطاع الخاص لإنهاء معضلة نقص الكهرباء (إكس)
الحكومة اليمنية تسعى للشراكة مع القطاع الخاص لإنهاء معضلة نقص الكهرباء (إكس)
TT

رهان يمني على الدعم السعودي والدولي لقطاع الكهرباء

الحكومة اليمنية تسعى للشراكة مع القطاع الخاص لإنهاء معضلة نقص الكهرباء (إكس)
الحكومة اليمنية تسعى للشراكة مع القطاع الخاص لإنهاء معضلة نقص الكهرباء (إكس)

في محاولة جديدة لوضع قطاع الكهرباء في اليمن على مسار التعافي، تراهن الحكومة اليمنية على توسيع الشراكة مع القطاع الخاص، والاستفادة من الدعم السعودي والدولي، لإعادة بناء واحد من أكثر القطاعات تضرراً بفعل الحرب والأزمات الاقتصادية المتراكمة، وذلك عبر حوار رفيع المستوى استضافته العاصمة السعودية الرياض، بمشاركة مسؤولين يمنيين وشركاء إقليميين ودوليين ومستثمرين في قطاع الطاقة.

ويأتي انعقاد الحوار، الذي ينظمه البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن بالشراكة مع مجموعة البنك الدولي، في وقت تعاني فيه المدن اليمنية، وفي مقدمتها العاصمة المؤقتة عدن، من تدهور مستمر في خدمة الكهرباء، نتيجة تقادم البنية التحتية، ونقص الوقود، وارتفاع تكاليف التوليد، فضلاً عن محدودية الاستثمارات في القطاع خلال سنوات الصراع.

وشارك في أعمال الحوار فريق وزاري يمني يضم وزيرة التخطيط والتعاون الدولي؛ أفراح الزوبة، ووزير الكهرباء والطاقة؛ عدنان الكاف، ووزير الصناعة والتجارة؛ محمد الأشول، إلى جانب ممثلين عن البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، ومجموعة البنك الدولي، ومؤسسة التمويل الدولية، والوكالة الدولية لضمان الاستثمار، وعدد من ممثلي القطاع الخاص اليمني والشركات السعودية والدولية العاملة في قطاع الطاقة.

وناقش المشاركون، على مدى يومين، جملة من القضايا المرتبطة بمستقبل قطاع الكهرباء، من بينها نماذج الشراكة المناسبة للبيئة اليمنية، والإطار التشريعي والتنظيمي اللازم لجذب الاستثمارات، وأدوات تخفيف المخاطر أمام المستثمرين، إضافة إلى مشروع «إنعاش قطاع الكهرباء من أجل انتقال عادل»، الذي تدعمه المؤسسات الدولية.

وبحسب القائمين على الحوار، تضمنت النقاشات جلسات متخصصة مع كبار المستثمرين الإقليميين والدوليين، بهدف استكشاف فرص الاستثمار الممكنة في قطاع الطاقة، خصوصاً في مجالات التوليد والطاقة المتجددة وتحسين شبكات النقل والتوزيع.

الكهرباء أولوية تنموية

أكدت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي في الحكومة اليمنية، أن قطاع الكهرباء يمثل أحد المحاور الرئيسية في خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية وإعادة الإعمار للفترة بين 2027 و2031، معتبرة أن تحسين خدمات الكهرباء يشكل شرطاً أساسياً للتعافي الاقتصادي واستعادة الخدمات العامة وجذب الاستثمارات.

وثمنت الزوبة الدعم السعودي المتواصل لليمن، وجهود البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، إلى جانب الشراكة مع مجموعة البنك الدولي، مشيرة إلى أن الحكومة تنظر إلى القطاع الخاص باعتباره شريكاً استراتيجياً طويل الأمد في عملية التعافي وإعادة الإعمار.

وكشفت الوزيرة عن توجه حكومي لإعداد محفظة أولية من مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص عبر عدد من الوزارات، بالتوازي مع العمل على إنشاء وحدة متخصصة بالشراكة، تكون معنية بإعداد المشاريع وتنسيقها ومتابعة تنفيذها.

جانب من اجتماع تشاوري استضافته الرياض لدعم قطاع الكهرباء في اليمن (سبأ)

من جهته، استعرض وزير الكهرباء والطاقة المهندس؛ عدنان الكاف، أجندة الإصلاحات التي تتبناها الحكومة في القطاع، بما يشمل استعادة قدرات التوليد وتحسين الحوكمة وفتح المجال أمام مشاركة منظمة للقطاع الخاص عبر نماذج متعددة تتناسب مع الواقع اليمني.

وأشار الكاف إلى أن الحكومة ماضية في تنفيذ إصلاحات تهدف إلى تحويل قطاع الكهرباء إلى ركيزة تنموية مستدامة، مشيداً بالدعم السعودي والدولي المقدم لليمن في هذا المجال.

وفي السياق ذاته، أكد وزير الصناعة والتجارة محمد الأشول، أن إصلاح قطاع الكهرباء يمثل مدخلاً لتحريك الاقتصاد الوطني وتعزيز تنافسية الصناعة المحلية، لافتاً إلى أن الحكومة تعمل بالتوازي على تسهيل إجراءات تسجيل الشركات وتحسين بيئة التجارة والاستثمار.

وأضاف أن التوجه الحكومي يقوم على الانتقال التدريجي من الاعتماد على المساعدات، إلى اقتصاد قائم على التجارة والاستثمار والشراكة مع القطاع الخاص.

دعم سعودي ودولي

في سياق هذه النقاشات، أكد مساعد المشرف العام على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن؛ المهندس حسن العطاس، في كلمة نيابة عن السفير محمد آل جابر، أن قطاع الطاقة يمثل شرياناً أساسياً لبقية القطاعات الحيوية، وأن تحسين خدمات الكهرباء يعدّ جزءاً محورياً من جهود التعافي الاقتصادي وتحسين جودة الحياة في اليمن.

وأشار إلى أن مشاريع البرنامج السعودي في قطاع الطاقة، استفاد منها أكثر من 13 مليون شخص في مختلف المحافظات اليمنية، إضافة إلى استمرار تقديم منح المشتقات النفطية منذ عام 2018 لدعم تشغيل محطات الكهرباء.

بدورها، استعرضت المديرة القطرية لمجموعة البنك الدولي في اليمن؛ دينا أبو غيدا، جهود البنك في دعم قطاع الكهرباء، مؤكدة أن المؤسسات التابعة للمجموعة، بما فيها مؤسسة التمويل الدولية والوكالة الدولية لضمان الاستثمار، تعمل ضمن منظومة متكاملة لتقديم الدعم الفني والتمويلي وتخفيف المخاطر أمام المستثمرين.

وشددت أبو غيدا على أهمية أن يخرج الحوار بإجابات واضحة تتعلق بنماذج العمل الملائمة لليمن، وآليات جعل المشاريع قابلة للتمويل، والإصلاحات المطلوبة للانتقال من المعالجات الطارئة إلى حلول تنموية مستدامة.


تقرير دولي: ثلثا سكان عدن خارج خدمة المياه الحكومية

بدعم دولي تتم إعادة تأهيل 10 آبار للمياه في مدينة تعز (إعلام حكومي)
بدعم دولي تتم إعادة تأهيل 10 آبار للمياه في مدينة تعز (إعلام حكومي)
TT

تقرير دولي: ثلثا سكان عدن خارج خدمة المياه الحكومية

بدعم دولي تتم إعادة تأهيل 10 آبار للمياه في مدينة تعز (إعلام حكومي)
بدعم دولي تتم إعادة تأهيل 10 آبار للمياه في مدينة تعز (إعلام حكومي)

على الرغم من الجهود التي تبذلها الحكومة اليمنية لإصلاح قطاع الخدمات وإعادة تأهيل البنية التحتية في مناطق سيطرتها، كشف تقرير دولي حديث أن نحو ثلثي سكان مدينة عدن، العاصمة المؤقتة للبلاد، لا يحصلون على المياه عبر الشبكة العامة، في ظل تدهور واسع لقطاع المياه منذ تحرير المدينة من الحوثيين قبل 10 أعوام، وتراجع قدرة المؤسسات الخدمية على تغطية تكاليف التشغيل، حيث لا تتجاوز نسبة تحصيل الرسوم 20 في المائة من مستحقات مؤسسة المياه.

وبحسب التقرير الذي أعده مركز «أكابس»، فإن خدمات المياه في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية، تواجه معوقات هيكلية وتحديات تشغيلية معقدة، تشمل ضعف الحوكمة، والانقسام المؤسسي، والتقلبات المستمرة في إمدادات الوقود.

وأشار إلى أن قطاع المياه في عدن يعاني بصورة خاصة من الأضرار الناجمة عن الحرب، إضافة إلى الاختلالات الفنية والفوضى الإدارية.

ووفق ما جاء في التقرير، فإنه على الرغم من تشغيل نحو 90 بئراً من أصل 113 في مدينة عدن، فإنها لا تلبي سوى 50 في المائة من الطلب السنوي المقدر بـ87.6 مليون متر مكعب من المياه، كما أن شبكة المياه لا تغطي سوى 69 في المائة من مساحة المدينة.

وذكر التقرير أن اعتماد المدينة على حقول آبار تقع في محافظات مجاورة، يجعل إمدادات المياه عرضة للاضطرابات والتجاذبات السياسية.

ونبّه التقرير إلى أن تشظي السلطة في المدينة خلال فترة الانقسام الحكومي قبل تشكيل الحكومة الحالية، انعكس سلباً على مختلف جوانب إدارة القطاع، بدءاً من شراء الوقود وحتى توزيع المساعدات الخارجية.

ازدياد الربط العشوائي للمياه في عدن وتدني نسبة التحصيل (إعلام حكومي)

وأكد أن نظام استرداد التكاليف تعرض لانهيار شبه كامل بسبب ضعف تحصيل الفواتير؛ إذ لا تتجاوز الرسوم المحصلة 20 في المائة فقط من إجمالي المستحقات، فضلاً عن أن التعرفة الحالية لا تعكس التكلفة الفعلية لإنتاج المياه.

وشدد معدّو التقرير على أن غياب الإصلاحات الهيكلية والإشراف المؤسسي المنسق، يجعل من الصعب تحقيق أي تحسن ملموس في الخدمات، مؤكدين أن الاعتماد على البنية التحتية الحالية لم يعد كافياً. فمن أصل 33 بئراً كانت تغذي المدينة سابقاً، لم يتبقَّ سوى 15 بئراً قيد التشغيل، في وقت تتواصل فيه حالة التدهور بشبكة المياه.

تعز والمكلا

في مدينة تعز، أشار التقرير الدولي إلى أن انهيار البنية التحتية للمياه يعود بشكل رئيسي إلى الصراع على الأصول الحيوية واستمرار أزمة الوقود، موضحاً أن أكثر من نصف الآبار الاستراتيجية لا يزال تحت سيطرة الحوثيين، الأمر الذي حدّ بصورة كبيرة من القدرة الإنتاجية، وأخضع تشغيل القطاع لاعتبارات سياسية خارجة عن سلطة الجهات المحلية.

وتناول التقرير المحاولات الرامية إلى تعزيز إمدادات المياه عبر ضخ المياه من منطقة الحوبان الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وقال إنها كشفت هشاشة المشاريع المعتمدة على التمويل الخارجي، إذ أدى الدعم المؤقت الذي قدمته منظمة «اليونيسف» عبر توفير الديزل، إلى رفع الإنتاج اليومي بنحو 3 آلاف متر مكعب لفترة محدودة، قبل أن تتوقف التدخلات عقب مداهمة الحوثيين لمكتب المنظمة في صنعاء واعتقال عدد من موظفيها، ما تسبب في عودة الإنتاج إلى مستوياته السابقة.

وبحسب تقرير «مركز أكابس»، فإن بعض مشاريع المياه المدعومة من المانحين واجه اعتراضات من مجتمعات محلية وأطراف سياسية، بسبب مخاوف تتعلق بتوزيع الفوائد أو بوجود أجندات خارجية تقف خلف الجهات الممولة. وأشار التقرير إلى أن مشروعاً للمياه في حقل طالوق جنوب مدينة تعز، توقف نتيجة تلك الاعتراضات.

إعادة تأهيل خطوط ضخ المياه لمدينة المكلا بحضرموت (إعلام حكومي)

أما في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت، فأكد التقرير أن قطاع المياه لا يشهد نزاعاً على السيطرة، إلا أن تقادم البنية التحتية وضعف الإيرادات أثّرا بشكل مباشر على مستوى الخدمة. وذكر أن إمدادات المياه تراجعت خلال عام 2025 نتيجة أعطال المضخات، وانخفاض منسوب المياه الجوفية، وعدم استقرار الكهرباء، رغم ارتفاع الطلب على الخدمة.

وأوضح التقرير أن نحو 69 بئراً من أصل 175 بئراً في ساحل حضرموت، خرج عن الخدمة بسبب تهالك المعدات وتراجع إنتاجية الآبار، في حين لا يزال الاعتماد على الطاقة الشمسية محدوداً، ما يجعل القطاع شديد التأثر بانقطاع الكهرباء ونقص الوقود.

كما أشار إلى أن نسبة تحصيل الإيرادات لا تتجاوز 11.31 في المائة، وهي نسبة وصفها بالضعيفة للغاية.

سيئون تقدم نموذجاً

على النقيض من ذلك، اعتبر التقرير مدينة سيئون نموذجاً أكثر استقراراً ونجاحاً في إدارة قطاع المياه، مؤكداً أن الاستقرار النسبي للحوكمة، واستمرار أعمال الصيانة، والمشاركة المجتمعية الفاعلة، كل ذلك أسهم في تحقيق قدر من المرونة والاستدامة، حيث تلبي المدينة احتياجاتها اليومية المقدرة بـ25 ألف متر مكعب من المياه، رغم تزايد عدد السكان.

وأرجع التقرير هذا الأداء إلى اعتماد نظام ضخ يعمل بالطاقة الشمسية، وتحديث شبكات التوزيع، إذ تم استبدال أنابيب بلاستيكية حديثة بنحو 70 في المائة من الشبكة، إضافة إلى ارتفاع نسبة تحصيل الرسوم إلى نحو 90 في المائة، وهو ما يغطي النفقات التشغيلية للمؤسسة.

تهالك شبكات المياه في اليمن يهدد بانهيار الخدمة (إعلام حكومي)

ومع ذلك، أكد التقرير أن مؤسسة المياه في سيئون لا تزال تواجه تحديات عدة؛ أبرزها الفاقد الكبير في المياه الذي يصل إلى 40 في المائة بسبب التوصيلات العشوائية، إضافة إلى نقص التمويل اللازم لتوسعة الشبكة، وتوقف مخصصات الاستثمار الرأسمالي من الحكومة المركزية.

ويخلص معدّو التقرير إلى أن الأضرار المادية في قطاع الخدمات العامة في اليمن، تبدو أقل حدة في المدن المستقرة نسبياً مثل سيئون والغيضة والمكلا، إلا أن استمرار ضعف الاستثمار وتدهور البنية التحتية يمثلان تهديداً متزايداً لاستدامة الخدمات.