الرئيس الفرنسي... حضور على كل الجبهات الدبلوماسية ومبادرات لسوريا وليبيا وفلسطين

الكاتب رينو جيرار: إيمانويل ماكرون يسعى لإعادة فرنسا إلى خريطة الاتصالات الدولية

الرئيس الفرنسي ماكرون يريد استعادة ما يسمى «خط ديغول - ميتران» القائم على اتباع سياسة مستقلة واعتماد «الواقعية السياسية» في التعاطي مع الأزمات (رويترز)
الرئيس الفرنسي ماكرون يريد استعادة ما يسمى «خط ديغول - ميتران» القائم على اتباع سياسة مستقلة واعتماد «الواقعية السياسية» في التعاطي مع الأزمات (رويترز)
TT

الرئيس الفرنسي... حضور على كل الجبهات الدبلوماسية ومبادرات لسوريا وليبيا وفلسطين

الرئيس الفرنسي ماكرون يريد استعادة ما يسمى «خط ديغول - ميتران» القائم على اتباع سياسة مستقلة واعتماد «الواقعية السياسية» في التعاطي مع الأزمات (رويترز)
الرئيس الفرنسي ماكرون يريد استعادة ما يسمى «خط ديغول - ميتران» القائم على اتباع سياسة مستقلة واعتماد «الواقعية السياسية» في التعاطي مع الأزمات (رويترز)

بعد شهرين ونصف الشهر من وصوله إلى رئاسة الجمهورية، بدأت شعبية إيمانويل ماكرون بالتداعي، وفق ما أظهرته 3 استطلاعات للرأي في الأيام العشرة الأخيرة. فالاستطلاع الذي أجراه معهد «إيفوب»، في 23 يوليو (تموز)، بيّن أن شعبية ماكرون تراجعت بنسبة 10 نقاط عما كانت عليه في شهر يونيو (حزيران)؛ من 64 في المائة إلى 54 في المائة. وبيّن استطلاع آخر لمعهد «هاريس» مزيداً من التراجع (51 في المائة). وآخر مؤشر مقلق للرئيس الفرنسي جاء في استطلاع معهد «إيبسوس» الذي أظهر تقلصاً لم يعرفه رئيسا الجمهورية السابقان (نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند)، إذ انحدرت شعبية الرئيس الشاب (39 عاماً) إلى 43 في المائة من العينة. وقد دفع هذا التطور بإيمانيول ماكرون إلى أن يصب جام غضبه على وزرائه، في آخر اجتماع لمجلس الوزراء، وفق ما نقلته صحيفة «لو فيغارو» اليمينية. وحث ماكرون وزراءه على ألا يكونوا «رهائن» في أيدي إداراتهم، وأن يغيروا «منهجهم» في العمل. ويعزو المراقبون المرحلة الصعبة التي يمر بها الإليزيه إلى الإجراءات والتدابير التقشفية التي أقرتها الحكومة لمواجهة عجز الميزانية، ولكن أيضاً للطريقة الفجة التي تعامل بها ماكرون مع قائد أركان القوات المسلحة الجنرال بيار دو فيليه، ودفعه إلى الاستقالة. وبالمقابل، فإن ميل ماكرون للالتقاء بعدد من نجوم الغناء والسينما لم يكن موضع تقبل من الفرنسيين.
لكن ثمة ميداناً يحظى فيه الرئيس الفرنسي بالثناء من جانب مواطنيه، وهو الميدان الدبلوماسي وسياسته الخارجية. وقد برز ذلك مباشرة بعد توليه مسؤولياته الدستورية، ولقاءاته المتلاحقة الناجحة مع كبار قادة العالم، أكان ذلك في قمة السبع في صقلية أو قمة العشرين في هامبورغ. وما بين القمتين، جاءت دعوته للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى قصر فرساي، نهاية مايو (أيار). ولاحقاً، يومي 13 و14 يوليو، لنظيره الأميركي دونالد ترمب، لتصقل صورة ماكرون على المستوى العالمي، ولتعيد فرنسا إلى قلب اللقاءات الدولية. وحتى تكتمل الصورة، لا بد من الإشارة إلى استضافته في قصر الإليزيه، تباعاً، رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وبنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، في يونيو، ناهيك بعشرات من رؤساء الدول والحكومات الذين يأتون إلى باريس للتعرف على الرئيس الجديد، والتشاور معه.
يقول الكاتب والمحلل السياسي الفرنسي رينو جيرار، الذي تحدثت إليه «الشرق الأوسط»، تعليقاً على دينامية ماكرون في السياسة الخارجية، إن الأخير «يريد أن يعيد فرنسا إلى خريطة الاتصالات الدولية، بعد نحو 5 أعوام من الغياب»، في ظل الرئيس السابق فرنسوا هولاند. ويضيف جيرار، صاحب كتاب «أية دبلوماسية لفرنسا؟»، الصادر في عام 2016، إن ما يقوم به الرئيس الجديد «لا يمكن أن يلام عليه، بل يتعين تشجيعه، خصوصاً أنه يحمل أفكاراً وتصورات للتعاطي مع البؤر المتوترة» عبر العالم. وفيما يخص العامل العربي والشرق الأوسط، فإن ما ظهر حتى الآن من ماكرون هو رغبته في أن يلعب دوراً في ملف الحرب في سوريا والعراق، والملف الفلسطيني - الإسرائيلي، والحرب في ليبيا، ومكافحة الإرهاب. وقبل ذلك كله، يسعى ماكرون - كما يؤكد الكاتب - إلى رسم مسار جديد للتعاطي مع القوتين العظميين في العالم، وهما الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، لما لهما من تأثير حاسم على مصير الملفات الملتهبة.
ويرى المحللون الاستراتيجيون أن ما يميز ماكرون ليس فقط «رغبة» فرنسية جديدة بأن يكون لباريس، الدولة النووية العضو الدائم في مجلس الأمن الدولي القوة الاقتصادية الخامسة في العالم، «وجود» على المسرح العالمي، بل «منهج» مختلف في التعامل. وينهض هذا المنهج، وفق جيرار، على أساسين: الأول، استعادة ما يسمى خط ديغول – ميتران، القائم على اتباع سياسة مستقلة. والثاني، اعتماد «الواقعية السياسية» في التعاطي مع الأزمات والقوى المؤثرة فيها. ولعل أبلغ مثلين لتوجهات ماكرون أنه استقبل بوتين في قصر فرساي، وفرش السجاد الأحمر تحت رجليه، وبذل من أجله كل ما يتيحه البروتوكول، وهو بذلك تصرف على عكس تصرف الرئيس السابق فرنسوا هولاند، العام الماضي. فهولاند ناور العام الماضي بشكل دفع معه الرئيس الروسي إلى إلغاء زيارته المقررة لباريس لتدشين الكاتدرائية الأرثوذكسية والمركز الثقافي الروسي في العاصمة الفرنسية، بسبب قصف الطيران الروسي لمدينة حلب، واستهدافه المدنيين.
وقبل ذلك، ألغى هولاند صفقة دفاعية، كانت موسكو ستحصل بموجبها على فرقاطتين حديثتين من طراز «ميسترال»، بسبب تدخلها في أوكرانيا، وضمها شبه جزيرة القرم. وبنهاية المطاف، ذهبت الفرقاطتان إلى مصر، التي اشترتهما من فرنسا بتمويل خليجي. أما المثل الثاني الذي يعكس واقعية ماكرون، فتوفره سياسته إزاء الأزمة السورية، إذ إنه لم يتردد في تغيير البوصلة الفرنسية، وتأكيد أن باريس التي كانت من أشد مناصري المعارضة السورية لم تعد تطالب برحيل الأسد، بل ذهب ماكرون إلى حد اعتبار أن الأسد هو الوحيد الذي يتمتع بالشرعية، رغم الجرائم التي ارتكبت في عهده، مضيفاً أن أحداً «لم يقدم له بديلاً يتمتع بالشرعية»، الأمر الذي أغاظ بطبيعة الحال المعارضة السورية.
ولا يتردد الرئيس الفرنسي في استخدام الرموز والمناسبات التاريخية وتوظيفها في إطار البحث عن دينامية لدبلوماسيته. هكذا فعل عندما استخدم ذكرى المئوية الثالثة لزيارة القيصر بطرس الأكبر لفرنسا من أجل دعوة بوتين. وكذلك استغل ذكرى مرور مائة عام على دخول الولايات المتحدة الأميركية الحرب العالمية الأولى لدعوة ترمب لحضور العرض العسكري الضخم، بمشاركة جنود أميركيين، في جادة الشانزليزيه. وفي السياق عينه، استفاد ماكرون من الذكرى الـ75 لعملية ترحيل آلاف اليهود الفرنسيين إلى معسكرات الموت النازية لدعوة نتنياهو للمشاركة في الاحتفالات. وبحسب المحللين الفرنسيين، فإن ماكرون «يوظف» المناسبات التاريخية ليبني علاقات مباشرة مع مدعويه، وليتفحص الفرص المتاحة للقيام بتحرك ما.
وحقيقة الأمر أن ماكرون، من خلال التقارب مع ترمب وبوتين، يريد أن يلعب، بحسب مصادر دبلوماسية فرنسية تحدثت إليها «الشرق الأوسط»، دور الوسيط، خصوصاً أنه يعتبر أنه «الوحيد» بين القادة الأوروبيين المؤهل لهذا الدور بسبب انشغال المستشارة الألمانية بانتخاباتها التشريعية الشهر المقبل، ورئيسة الوزراء البريطانية بعملية الخروج من الاتحاد الأوروبي. وكشفت هذه المصادر أن ماكرون حصل بفضل لقاءاته مع بوتين وترمب على «الضوء الأخضر» لإطلاق مبادرته الخاصة بسوريا، القائمة على إطلاق «مجموعة اتصال» تضم الدول الخمس الكبرى في مجلس الأمن، وعدداً من الدول الإقليمية (السعودية، وتركيا، والأردن، وإيران، وربما مصر والعراق) من أجل الوصول إلى حل سياسي شامل في سوريا، بعد إخفاق جنيف ومراوحة آستانة مكانها.
وفي الملف الفلسطيني - الإسرائيلي، يراهن ماكرون على العلاقات «الخاصة» التي نسجها مع محمود عباس ونتنياهو، لمحاولة تحريك مفاوضات السلام المجمدة منذ عام 2014، مستبقا ذلك بالتراجع عما كان الرئيس هولاند قد التزم به، وهو المؤتمر الدولي والاستعداد للاعتراف بالدولة الفلسطينية، في حال أخفقت جهود السلام. كذلك فإن ماكرون نشط على صعيد الملف الليبي الذي يعتبر أنه يهدد فرنسا وأوروبا، ليس فقط على صعيد الإرهاب وضرب استقرار بلدان الساحل وأفريقيا الشمالية، بل أيضاً بسبب الهجرات الكثيفة المتدفقة من الشواطئ الليبية باتجاه الشواطئ الإيطالية. وقد نجح ماكرون في جمع قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر، ورئيس حكومة الاتحاد الوطني الليبية فائز السراج، ودفعهما إلى التوقيع على ورقة تفاهم، تشمل وقف إطلاق النار، وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في الربيع المقبل. هكذا، يبدو الرئيس ماكرون راغباً في أن تكون بلاده في قلب الاتصالات. لكن الرغبة والإرادة شيء وتحقيق النتائج شيء آخر. وحتى الآن، ما زلنا في المراحل «التمهيدية» التي تسبق التحرك الحقيقي، باستثناء الملف الليبي. لكن الثابت أن ماكرون نجح حتى الآن في اجتياز اختبار الدبلوماسية الدولية، وما يبقى عليه أن ينجح فيه هو اختبارات السياسة الداخلية والإصلاحات من كل نوع، التي وعد بها الفرنسيين خلال الحملة الرئاسية... لكن هذه قصة أخرى.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».