الرئيس الفرنسي... حضور على كل الجبهات الدبلوماسية ومبادرات لسوريا وليبيا وفلسطين

الكاتب رينو جيرار: إيمانويل ماكرون يسعى لإعادة فرنسا إلى خريطة الاتصالات الدولية

الرئيس الفرنسي ماكرون يريد استعادة ما يسمى «خط ديغول - ميتران» القائم على اتباع سياسة مستقلة واعتماد «الواقعية السياسية» في التعاطي مع الأزمات (رويترز)
الرئيس الفرنسي ماكرون يريد استعادة ما يسمى «خط ديغول - ميتران» القائم على اتباع سياسة مستقلة واعتماد «الواقعية السياسية» في التعاطي مع الأزمات (رويترز)
TT

الرئيس الفرنسي... حضور على كل الجبهات الدبلوماسية ومبادرات لسوريا وليبيا وفلسطين

الرئيس الفرنسي ماكرون يريد استعادة ما يسمى «خط ديغول - ميتران» القائم على اتباع سياسة مستقلة واعتماد «الواقعية السياسية» في التعاطي مع الأزمات (رويترز)
الرئيس الفرنسي ماكرون يريد استعادة ما يسمى «خط ديغول - ميتران» القائم على اتباع سياسة مستقلة واعتماد «الواقعية السياسية» في التعاطي مع الأزمات (رويترز)

بعد شهرين ونصف الشهر من وصوله إلى رئاسة الجمهورية، بدأت شعبية إيمانويل ماكرون بالتداعي، وفق ما أظهرته 3 استطلاعات للرأي في الأيام العشرة الأخيرة. فالاستطلاع الذي أجراه معهد «إيفوب»، في 23 يوليو (تموز)، بيّن أن شعبية ماكرون تراجعت بنسبة 10 نقاط عما كانت عليه في شهر يونيو (حزيران)؛ من 64 في المائة إلى 54 في المائة. وبيّن استطلاع آخر لمعهد «هاريس» مزيداً من التراجع (51 في المائة). وآخر مؤشر مقلق للرئيس الفرنسي جاء في استطلاع معهد «إيبسوس» الذي أظهر تقلصاً لم يعرفه رئيسا الجمهورية السابقان (نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند)، إذ انحدرت شعبية الرئيس الشاب (39 عاماً) إلى 43 في المائة من العينة. وقد دفع هذا التطور بإيمانيول ماكرون إلى أن يصب جام غضبه على وزرائه، في آخر اجتماع لمجلس الوزراء، وفق ما نقلته صحيفة «لو فيغارو» اليمينية. وحث ماكرون وزراءه على ألا يكونوا «رهائن» في أيدي إداراتهم، وأن يغيروا «منهجهم» في العمل. ويعزو المراقبون المرحلة الصعبة التي يمر بها الإليزيه إلى الإجراءات والتدابير التقشفية التي أقرتها الحكومة لمواجهة عجز الميزانية، ولكن أيضاً للطريقة الفجة التي تعامل بها ماكرون مع قائد أركان القوات المسلحة الجنرال بيار دو فيليه، ودفعه إلى الاستقالة. وبالمقابل، فإن ميل ماكرون للالتقاء بعدد من نجوم الغناء والسينما لم يكن موضع تقبل من الفرنسيين.
لكن ثمة ميداناً يحظى فيه الرئيس الفرنسي بالثناء من جانب مواطنيه، وهو الميدان الدبلوماسي وسياسته الخارجية. وقد برز ذلك مباشرة بعد توليه مسؤولياته الدستورية، ولقاءاته المتلاحقة الناجحة مع كبار قادة العالم، أكان ذلك في قمة السبع في صقلية أو قمة العشرين في هامبورغ. وما بين القمتين، جاءت دعوته للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى قصر فرساي، نهاية مايو (أيار). ولاحقاً، يومي 13 و14 يوليو، لنظيره الأميركي دونالد ترمب، لتصقل صورة ماكرون على المستوى العالمي، ولتعيد فرنسا إلى قلب اللقاءات الدولية. وحتى تكتمل الصورة، لا بد من الإشارة إلى استضافته في قصر الإليزيه، تباعاً، رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وبنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، في يونيو، ناهيك بعشرات من رؤساء الدول والحكومات الذين يأتون إلى باريس للتعرف على الرئيس الجديد، والتشاور معه.
يقول الكاتب والمحلل السياسي الفرنسي رينو جيرار، الذي تحدثت إليه «الشرق الأوسط»، تعليقاً على دينامية ماكرون في السياسة الخارجية، إن الأخير «يريد أن يعيد فرنسا إلى خريطة الاتصالات الدولية، بعد نحو 5 أعوام من الغياب»، في ظل الرئيس السابق فرنسوا هولاند. ويضيف جيرار، صاحب كتاب «أية دبلوماسية لفرنسا؟»، الصادر في عام 2016، إن ما يقوم به الرئيس الجديد «لا يمكن أن يلام عليه، بل يتعين تشجيعه، خصوصاً أنه يحمل أفكاراً وتصورات للتعاطي مع البؤر المتوترة» عبر العالم. وفيما يخص العامل العربي والشرق الأوسط، فإن ما ظهر حتى الآن من ماكرون هو رغبته في أن يلعب دوراً في ملف الحرب في سوريا والعراق، والملف الفلسطيني - الإسرائيلي، والحرب في ليبيا، ومكافحة الإرهاب. وقبل ذلك كله، يسعى ماكرون - كما يؤكد الكاتب - إلى رسم مسار جديد للتعاطي مع القوتين العظميين في العالم، وهما الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، لما لهما من تأثير حاسم على مصير الملفات الملتهبة.
ويرى المحللون الاستراتيجيون أن ما يميز ماكرون ليس فقط «رغبة» فرنسية جديدة بأن يكون لباريس، الدولة النووية العضو الدائم في مجلس الأمن الدولي القوة الاقتصادية الخامسة في العالم، «وجود» على المسرح العالمي، بل «منهج» مختلف في التعامل. وينهض هذا المنهج، وفق جيرار، على أساسين: الأول، استعادة ما يسمى خط ديغول – ميتران، القائم على اتباع سياسة مستقلة. والثاني، اعتماد «الواقعية السياسية» في التعاطي مع الأزمات والقوى المؤثرة فيها. ولعل أبلغ مثلين لتوجهات ماكرون أنه استقبل بوتين في قصر فرساي، وفرش السجاد الأحمر تحت رجليه، وبذل من أجله كل ما يتيحه البروتوكول، وهو بذلك تصرف على عكس تصرف الرئيس السابق فرنسوا هولاند، العام الماضي. فهولاند ناور العام الماضي بشكل دفع معه الرئيس الروسي إلى إلغاء زيارته المقررة لباريس لتدشين الكاتدرائية الأرثوذكسية والمركز الثقافي الروسي في العاصمة الفرنسية، بسبب قصف الطيران الروسي لمدينة حلب، واستهدافه المدنيين.
وقبل ذلك، ألغى هولاند صفقة دفاعية، كانت موسكو ستحصل بموجبها على فرقاطتين حديثتين من طراز «ميسترال»، بسبب تدخلها في أوكرانيا، وضمها شبه جزيرة القرم. وبنهاية المطاف، ذهبت الفرقاطتان إلى مصر، التي اشترتهما من فرنسا بتمويل خليجي. أما المثل الثاني الذي يعكس واقعية ماكرون، فتوفره سياسته إزاء الأزمة السورية، إذ إنه لم يتردد في تغيير البوصلة الفرنسية، وتأكيد أن باريس التي كانت من أشد مناصري المعارضة السورية لم تعد تطالب برحيل الأسد، بل ذهب ماكرون إلى حد اعتبار أن الأسد هو الوحيد الذي يتمتع بالشرعية، رغم الجرائم التي ارتكبت في عهده، مضيفاً أن أحداً «لم يقدم له بديلاً يتمتع بالشرعية»، الأمر الذي أغاظ بطبيعة الحال المعارضة السورية.
ولا يتردد الرئيس الفرنسي في استخدام الرموز والمناسبات التاريخية وتوظيفها في إطار البحث عن دينامية لدبلوماسيته. هكذا فعل عندما استخدم ذكرى المئوية الثالثة لزيارة القيصر بطرس الأكبر لفرنسا من أجل دعوة بوتين. وكذلك استغل ذكرى مرور مائة عام على دخول الولايات المتحدة الأميركية الحرب العالمية الأولى لدعوة ترمب لحضور العرض العسكري الضخم، بمشاركة جنود أميركيين، في جادة الشانزليزيه. وفي السياق عينه، استفاد ماكرون من الذكرى الـ75 لعملية ترحيل آلاف اليهود الفرنسيين إلى معسكرات الموت النازية لدعوة نتنياهو للمشاركة في الاحتفالات. وبحسب المحللين الفرنسيين، فإن ماكرون «يوظف» المناسبات التاريخية ليبني علاقات مباشرة مع مدعويه، وليتفحص الفرص المتاحة للقيام بتحرك ما.
وحقيقة الأمر أن ماكرون، من خلال التقارب مع ترمب وبوتين، يريد أن يلعب، بحسب مصادر دبلوماسية فرنسية تحدثت إليها «الشرق الأوسط»، دور الوسيط، خصوصاً أنه يعتبر أنه «الوحيد» بين القادة الأوروبيين المؤهل لهذا الدور بسبب انشغال المستشارة الألمانية بانتخاباتها التشريعية الشهر المقبل، ورئيسة الوزراء البريطانية بعملية الخروج من الاتحاد الأوروبي. وكشفت هذه المصادر أن ماكرون حصل بفضل لقاءاته مع بوتين وترمب على «الضوء الأخضر» لإطلاق مبادرته الخاصة بسوريا، القائمة على إطلاق «مجموعة اتصال» تضم الدول الخمس الكبرى في مجلس الأمن، وعدداً من الدول الإقليمية (السعودية، وتركيا، والأردن، وإيران، وربما مصر والعراق) من أجل الوصول إلى حل سياسي شامل في سوريا، بعد إخفاق جنيف ومراوحة آستانة مكانها.
وفي الملف الفلسطيني - الإسرائيلي، يراهن ماكرون على العلاقات «الخاصة» التي نسجها مع محمود عباس ونتنياهو، لمحاولة تحريك مفاوضات السلام المجمدة منذ عام 2014، مستبقا ذلك بالتراجع عما كان الرئيس هولاند قد التزم به، وهو المؤتمر الدولي والاستعداد للاعتراف بالدولة الفلسطينية، في حال أخفقت جهود السلام. كذلك فإن ماكرون نشط على صعيد الملف الليبي الذي يعتبر أنه يهدد فرنسا وأوروبا، ليس فقط على صعيد الإرهاب وضرب استقرار بلدان الساحل وأفريقيا الشمالية، بل أيضاً بسبب الهجرات الكثيفة المتدفقة من الشواطئ الليبية باتجاه الشواطئ الإيطالية. وقد نجح ماكرون في جمع قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر، ورئيس حكومة الاتحاد الوطني الليبية فائز السراج، ودفعهما إلى التوقيع على ورقة تفاهم، تشمل وقف إطلاق النار، وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في الربيع المقبل. هكذا، يبدو الرئيس ماكرون راغباً في أن تكون بلاده في قلب الاتصالات. لكن الرغبة والإرادة شيء وتحقيق النتائج شيء آخر. وحتى الآن، ما زلنا في المراحل «التمهيدية» التي تسبق التحرك الحقيقي، باستثناء الملف الليبي. لكن الثابت أن ماكرون نجح حتى الآن في اجتياز اختبار الدبلوماسية الدولية، وما يبقى عليه أن ينجح فيه هو اختبارات السياسة الداخلية والإصلاحات من كل نوع، التي وعد بها الفرنسيين خلال الحملة الرئاسية... لكن هذه قصة أخرى.



شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟