روسيا تطرد مئات الأميركيين وتصادر ممتلكات دبلوماسية... في «رد متأخر على أوباما»

مجلس الشيوخ وضع ترمب بين خيار اتخاذ موقف صارم من موسكو أو استخدام حق النقض لإبطال تشريع العقوبات

الرئيس فلاديمير بوتين يرأس اجتماعاً لمسؤولين روس في مقره بنوفو-أوغاريوفو خارج موسكو (أ.ب)
الرئيس فلاديمير بوتين يرأس اجتماعاً لمسؤولين روس في مقره بنوفو-أوغاريوفو خارج موسكو (أ.ب)
TT

روسيا تطرد مئات الأميركيين وتصادر ممتلكات دبلوماسية... في «رد متأخر على أوباما»

الرئيس فلاديمير بوتين يرأس اجتماعاً لمسؤولين روس في مقره بنوفو-أوغاريوفو خارج موسكو (أ.ب)
الرئيس فلاديمير بوتين يرأس اجتماعاً لمسؤولين روس في مقره بنوفو-أوغاريوفو خارج موسكو (أ.ب)

أعلنت موسكو أمس عن تبنيها جملة تدابير رداً على العقوبات الأميركية التي وافق عليها مجلس الشيوخ يوم الخميس، في أسوأ تدهور في العلاقات بين البلدين منذ انتقال الرئيس دونالد ترمب إلى سدة الحكم في البيت الأبيض مطلع هذا العام.
ونسبت وكالة إنترفاكس الروسية للأنباء إلى مصدر قوله إن الولايات المتحدة ستضطر إلى سحب مئات من موظفي سفارتها في روسيا بعدما ردت موسكو على ما قالت إنها عقوبات أميركية مقترحة غير قانونية ضدها. ونقلت الوكالة عن المصدر القول: «لا نتحدث عن عشرات بل مئات الدبلوماسيين والموظفين الفنيين الذين يعملون في بعثات الولايات المتحدة الدبلوماسية في روسيا»، على ما جاء في تقرير لوكالة «رويترز» التي قالت إن روسيا أبلغت الولايات المتحدة الجمعة بأن على بعض من دبلوماسييها أن يغادروا البلاد خلال نحو شهر وقالت إنها ستصادر بعض الممتلكات الدبلوماسية الأميركية.
وجاء الرد الروسي بعد يوم من تصويت مجلس الشيوخ الأميركي على فرض عقوبات جديدة على موسكو (وكوريا الشمالية وإيران) الأمر الذي وضع الرئيس دونالد ترمب في موقف صعب إذ يضطره للاختيار بين اتخاذ موقف صارم من موسكو أو استخدام حق النقض لإبطال التشريع، وهو ما سيثير غضب حزبه الجمهوري.
وقال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية أمس إن جون تيفت، سفير الولايات المتحدة لدى موسكو: «عبّر عن خيبة أمله الشديدة واحتجاجه» حيال قرار روسيا تخفيض عدد الدبلوماسيين الأميركيين فيها ومصادرة مجمع لقضاء العطلات ومستودع يستخدمهما دبلوماسيون أميركيون. وقال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية طلب عدم نشر اسمه: «تلقينا إخطار الحكومة الروسية... السفير تيفت عبّر عن خيبة أمله الشديدة واحتجاجه».
وصرح مسؤول في السفارة الأميركية في موسكو، طلب عدم نشر اسمه لأنه ليس مخولاً له التحدث إلى وسائل الإعلام، بأن هناك نحو 1100 شخص في البعثات الأميركية في روسيا بمن فيهم المواطنون الروس. ويعمل معظم الفريق الدبلوماسي، بما في ذلك نحو 300 مواطن أميركي، في السفارة الرئيسية في موسكو بينما يعمل آخرون في قنصليات نائية.
وقالت وزارة الخارجية الروسية، على موقعها الرسمي، إنها استدعت السفير الأميركي في موسكو، حيث سلّمه سيرغي ريابكوف، نائب وزير الخارجية «بياناً رسمياً» ومذكرة بالإجراءات التي اتخذتها روسيا بحق دبلوماسيين أميركيين وعقارات أميركية. وأوضح البيان الروسي أن وزارة الخارجية أبلغت الجانب الأميركي بتقليص عدد الدبلوماسيين الأميركيين على الأراضي الروسية إلى 455 شخصاً، بحيث يصبح مماثلاً لعدد الدبلوماسيين الروس العاملين على الأراضي الأميركية، على أن تنتهي عملية التقليص هذه بحلول الأول من سبتمبر (أيلول) المقبل. ويعني التقليص، وفق التعبير الدبلوماسي، قراراً بطرد دبلوماسيين أميركيين من روسيا. ويوضح البيان أن هذه العملية ستطال الموظفين الدبلوماسيين والفنيين العاملين في السفارة الأميركية لدى موسكو والقنصليات العامة في سان بطرسبورغ ويكاتيرينبورغ وفلاديفوستوك.
أما الإجراء الثاني الذي تبنته موسكو رداً على الولايات المتحدة فقد تمثل بإعلان وزارة الخارجية منع السفارة الأميركية، اعتباراً من الأول من أغسطس (آب)، من استخدام المستودعات التابعة لها في العاصمة الروسية، إضافة إلى المنزل الصيفي (الريفي) التابع للدبلوماسيين الأميركيين في غابة بجنوب غربي موسكو. وحذّر البيان الولايات المتحدة من أن موسكو سترد بالمثل على أي خطوات أميركية أحادية، في حال قررت واشنطن طرد دبلوماسيين روس. ولوّحت الخارجية الروسية أيضاً بتدابير أخرى قد تتبناها، حين شددت في بيانها على احتفاظ روسيا بالحق في اتخاذ إجراءات أخرى قد تطال المصالح الأميركية «انطلاقاً من مبدأ المعاملة بالمثل». وأكدت عدم شرعية العقوبات الأميركية، ووصفتها بأنها ابتزاز يرمي إلى تقييد التعاون التجاري.
وتشكل التدابير التي أعلنتها الخارجية الروسية، رداً بالمثل ولكن على عقوبات فرضتها إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، في نهاية العام الماضي، على خلفية أزمة اتهام روسيا بقرصنة مواقع إلكترونية خلال حملات الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة. حينها أقر أوباما، يوم 29 ديسمبر (كانون الأول) 2016، عقوبات شملت طرد 35 دبلوماسيا روسياً مع عائلاتهم، وأمهلهم 72 ساعة لمغادرة الأراضي الأميركية. ونظراً إلى عدم توافر بطاقات سفر في فترة أعياد رأس السنة، واجه الدبلوماسيون الروس مع عائلاتهم صعوبات في مغادرة الأراضي الأميركية، وأمضوا رأس السنة على متن طائرة. كما قامت السلطات الأميركية بموجب ذلك القرار بالحجز على عقارات في الولايات المتحدة تعود ملكيتها للبعثة الدبلوماسية الروسية.
وبينما كان العالم يترقب الرد الروسي آنذاك، فاجأ الرئيس فلاديمير بوتين كثيرين بتأكيده أن بلاده لن تردّ على العقوبات الأميركية بما في ذلك طرد الدبلوماسيين الـ35، واعتبرت موسكو تصعيد أوباما تجاهها في آخر أيام ولايته محاولة لتعزيز التوتر بين البلدين قبل تنصيب الرئيس المنتخب دونالد ترمب. وقال بوتين حينها إن روسيا لن تطرد دبلوماسيين أميركيين، لكنه شدد في الوقت ذاته على حق روسيا في الرد بالشكل المناسب على العقوبات. واستكمل بوتين في تلك المرحلة رده على عقوبات أوباما الأخيرة، بأن وجّه رسالة تهنئة إلى دونالد ترمب بمناسبة أعياد الميلاد، أعرب فيها عن أمله في أن «تتمكن الولايات المتحدة، بعد تولي ترمب الرئاسة، من اتخاذ خطوات فعلية لاستعادة آليات التعاون الثنائي في شتى المجالات، وأن تنقل التعاون بين البلدين على المسرح الدولي إلى مستويات جديدة».
ويبدو أن روسيا تشعر بخيبة أمل كبرى، نظراً إلى استمرار التوتر في العلاقات مع الولايات المتحدة. وعلى رغم سير الأمور نحو مزيد من التصعيد، بعد ثمانية أشهر من تولي ترمب مهماته رئيساً. إلا أن موسكو ما زالت تعلّق الآمال على إطلاق تعاون معه لا سيما في مجال «التصدي للإرهاب».
ولوحظ أن البيان الروسي أمس اتهم الولايات المتحدة بأنها تقدّم «مبررات وهمية مبتدعة حول تدخل روسيا في شؤونهم (الأميركيين) الداخلية»، مضيفاً أن «اعتماد القانون الجديد حول العقوبات يظهر بكل وضوح أن العلاقات (الأميركية) مع روسيا أصبحت رهينة صراع داخلي في الولايات المتحدة. (...) وعلى الرغم من التهجم الدائم علينا من جانب واشنطن، تصرفنا ونتصرف بمسؤولية وضبط للنفس، وحتى الآن لم نرد على الاستفزازات الأميركية الواضحة. إلا أن الأحداث الأخيرة تدل على أن الكراهية لروسيا ونهج المواجهة المفتوحة مع بلدنا، حالة ترسّخت لدى بعض الأوساط المعروفة في الولايات المتحدة».
وكانت روسيا قالت في الأيام الماضية، بما في ذلك على لسان الرئيس بوتين، إنها سترد على مشروع قانون العقوبات، لكن بعد أن يصبح قانوناً، وبعد أن تتعرف على تفاصيله النهائية. غير أن الخارجية الروسية قررت الرد قبل أن يتضح ما إذا كان ترمب سيوقع مشروع القانون أم لا. وفي توضيحه للأسباب التي دفعت روسيا إلى اعتماد تدابير الرد على العقوبات الأميركية دون انتظار، قال دميتري بيسكوف المتحدث الصحافي باسم الرئاسة الروسية، إن الرئيس بوتين «وقّع على بيان الخارجية»، أي وافق عليه. وأوضح أن روسيا قررت عدم التريث بالرد نظراً إلى الصيغة التي خرج فيها مشروع القانون من مجلس الشيوخ، والتي تعني «من الناحية التقنية أن تلك الصيغة نهائية». وتجدر الإشارة إلى أن مشروع القانون يمنع الرئيس الأميركي من إلغاء العقوبات أو تعديلها دون موافقة الكونغرس».
وفي بروكسل، أعلنت المفوضية الأوروبية الجمعة أنها ستتابع بحذر الوضع بعد إقرار الكونغرس الأميركي عقوبات بحق روسيا. وقال الكسندر فينرتشتين المتحدث باسم المفوضية رداً على سؤال أثناء لقاء صحافي ببروكسل: «سنتابع كيف تتطور الأمور، وبالطبع سننظر بانتباه كيف سيتم تطبيق هذا القانون عند صدور قرار بذلك. والحذر هو سيد الموقف». وتابع بحسب ما أوردت الوكالة الفرنسية: «طبعاً سجلنا أن بعض النقاط التي تثير قلقنا، تم أخذها في الاعتبار في المشروع الحالي. لكن وكما قلت سنبقى حذرين». ورداً على سؤال عما إذا كانت المفوضية تؤيد استخدام الرئيس دونالد ترمب الفيتو ضد قانون العقوبات على روسيا، قال المتحدث «ليس من شأن» الاتحاد الأوروبي «التدخل في العملية التشريعية في الولايات المتحدة». وأضاف: «ليس هذا وقت التكهنات. لننتظر ونلتزم الحذر».
وفي برلين، قال وزير الخارجية الألماني سيغمار غابريال إن ألمانيا لن تقبل أن تطال العقوبات الأميركي الجديدة التي أقرها الكونغرس ضد روسيا أي شركات أوروبية. لكنه شدد على أهمية ممارسة ضغوط اقتصادية على روسيا بسبب تدخلها في الأزمة الأوكرانية.
وفي بكين، رفض المتحدث باسم الخارجية الصينية لو كانغ العقوبات «الأحادية» التي أقرها الكونغرس الأميركي ضد روسيا وإيران وكوريا الشمالية، مؤكداً أن الصين ستتصدى «بحزم» لأي إجراء يسيء إلى مصالحها. وأضاف: «أخذنا علماً بأن روسيا ردت بحدة، وكذلك دول أوروبية. لطالما أكدت الصين أن الخلافات بين الدول ينبغي حلها بالتفاوض».



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.