ترجمة الكتاب الإسرائيلي.. تطبيع ثقافي أم ضرورة معرفية؟

يهاجمها البعض ويدافع عنها الآخرون

عناوين بعض الكتب الإسرائيلية المترجمة للعربية
عناوين بعض الكتب الإسرائيلية المترجمة للعربية
TT

ترجمة الكتاب الإسرائيلي.. تطبيع ثقافي أم ضرورة معرفية؟

عناوين بعض الكتب الإسرائيلية المترجمة للعربية
عناوين بعض الكتب الإسرائيلية المترجمة للعربية

على خلفية قيام دار نشر معروفة هي (مدارك) التي يملكها الإعلامي السعودي تركي الدخيل نشر الترجمة العربية لكتاب: «المملكة العربية السعودية والمشهد الاستراتيجي الجديد» للمؤلف الإسرائيلي جاشوا تيتلبام, اندلع سجال ساخن اشترك فيه عدد من المثقفين.. وغير المثقفين وكعادة هذا النوع من السجالات أفرز تيارين: أحدهما يحارب أي مسعى لتقديم المنتجات الأدبية والفكرية الإسرائيلية للجمهور العربي بدعوى أنها تمثل (تطبيعا مع العدو)، والتيار الآخر يدعو لضرورة قراءة الفكر الآخر للتعرف عليه جيدا.

* الكتاب والمؤلف
الكتاب القضية، لا تتعدى صفحاته الـ100. وهو يبدو كبحث سياسي أقرب منه دراسة مطولة، ومؤلف الكتاب هو البروفسور جاشوا تيتلبام، من قسم تاريخ الشرق الأوسط في مركز بيغن - السادات للدراسات الاستراتيجية بجامعة بار إيلان في إسرائيل، وهو يعمل أيضا في معهد هوفر للبحوث. وقد قدم للكتاب الأستاذ الجامعي الأميركي من أصل لبناني فؤاد عجمي، المعروف بقربه من المحافظين في الولايات المتحدة، وهو الآخر عضو في معهد هوفر. وترجمه الدكتور حمد العيسى.
أما في مقدمته الخاصة، فقد حرص المؤلف على مخاطبة القراء العرب. والكتاب عموما لا يخلو من طابع سياسي، يسعى من خلاله المؤلف لشرح سياسات دولة إسرائيل، التي يصفها في الصفحة (11 - 12) بأنها تسعى (لتحقيق الاستقرار في المنطقة) وأن ذلك يجعل لديها مع العرب أو بعض العرب الكثير من المصالح الاستراتيجية المشتركة.
ويتحدث المؤلف عن القضية الطائفية الإسلامية إذ يورد في (الصفحة 13) نقلا عن اللواء في الاحتياط الإسرائيلي عاموس جلعاد، مدير مكتب الشؤون السياسية والعسكرية في وزارة الدفاع الإسرائيلية، ادعاءه في أغسطس (آب) 2013، (أن الكتلة السنيّة من الدول العربية لا تنظر إلى إسرائيل على أنها عدو لدود).
ويختتم الكتاب بالحديث عن التهديدات الإيرانية وفشل الولايات المتحدة في (فهم المشهد الاستراتيجي الجديد) بما يضمن أمن حلفائها في الخليج (صفحة 76). وهو يجنح لتوظيف القلق من الصعود الإيراني من أجل أن يصور إسرائيل عاملا مهما للتوازن الإقليمي.

* هل هي حملة موجهة؟
الكتاب ليس الأول من نوعه، حتى في الساحة الثقافية السعودية، حيث لا يعد وجود كتب لمؤلفين إسرائيليين جديدا، ففي أبريل (نيسان) العام 2010، ظهرت في معرض الرياض الدولي للكتاب رواية سوقتها دار نشر عربية هي (الجمل) تحمل اسم «أسطورة عن الحب والظلام»، للمؤلف الإسرائيلي عاموس عوز. ولقيت الرواية إقبالا ملحوظا. ومع ذلك لم تحدث هذه الرواية الجدل الذي أحدثه كتاب (مدارك)، ولذلك يرى تركي الدخيل أن «الحملة موجهة، ومقصودة».
ويتساءل، في اتصال هاتفي معه من مقره في دبي: «من يهاجموننا ألم يشاهدوا شخصيات إسرائيلية على قناة الجزيرة؟». ويضيف: «القصة ليست أن تنشر لكاتب إسرائيلي أو خلافه، ولكن القصة هي ماذا تنشر لهذا الكاتب، فهناك مراكز دراسات فلسطينية نشرت لكتاب إسرائيليين». ويعتقد تركي الدخيل أن الحملة التي اتخذت موقع «تويتر» ساحة لها، لم تكن بريئة، فالمقصود منها كما يقول: «التشويش».
لكن، ما السبب وراء ترجمة ونشر هذا الكتاب في العالم العربي؟ يقول الدخيل: «الكتاب يسلط الضوء على جانب سياسي بدراسة تحليلية. ثم إن المنتج الثقافي والأدبي هو منتج إنساني مهما تنوعت مصادره». ويضيف: «ما لم يفهمه المعترضون أننا نقدم دراسة سياسية ولم نستضف إسرائيليين في مدينة سعودية كالرياض أو جدة، وبالتالي فإننا لا نرى أن اختيار كتاب لمؤلف إسرائيلي هو (تطبيع)». وفي النهاية: «هذا الكتاب يمثل رأي صاحبه، وبإمكان المعارضين نقده أو مناقشته».
أما مترجم الكتاب الدكتور حمد العيسى فكتب في المقدمة: «إن ترجمة هذا الكتاب لا تعني بالضرورة الاتفاق مع جميع محتوياته من مصطلحات وتصنيفات وتحليلات وآراء ومقترحات، ولكن تمت ترجمته لإعطاء القارئ العربي وصناع القرار العرب، وبخاصة في الخليج العربي، فكرة عن رأي باحث ومفكر إسرائيلي بارز ومتخصص حول الصراع الاستراتيجي الحالي في جزء مهم من الشرق الأوسط».

* هل هو تطبيع؟
يتفق مع هذا الرأي الناقد والروائي السعودي. د. معجب الزهراني، الذي لا يرى أن في الأمر تطبيعا «فالإسرائيليون يقرأون جيدا كل شيء عنا وقد يكتبون عن العرب بحرية وعمق أكثر ولذا فمن الواجب معرفة جل ما يكتبون». ويضيف: «إنهم – الإسرائيليون - يتابعون كل ما يكتب عن العرب حتى في الصحف اليومية وأخشى أنهم يعرفون عنا فوق ما نعرف».
أما الناقد الدكتور سعد البازعي، الذي وضع كتابا مهما تحت عنوان: «المكون اليهودي في الحضارة الغربية»، فيقول، ردا على سؤالنا: هل تؤيد ترجمة ونشر المنتجات الأدبية والفكرية والسياسية لمؤلفين إسرائيليين؟: «ليست الإجابة سهلة على هذا السؤال. فكتابي حول المكون اليهودي في الحضارة الغربية انطلق من الإيمان بأهمية معرفة الآخر وعلى النحو الذي يكسر نمطية تلك المعرفة بتجاوز الصور النمطية».
ويضيف البازعي: «لكن تداول كتب الإسرائيليين يختلف عن الكتابة عن تلك المؤلفات. وأظن أن كثيرا من القراء العرب سينفر من قراءة كاتب صهيوني يدافع عن احتلال فلسطين أو الاعتداء شعبها. وقد يقبل قراءة كتاب معتدلين من إسرائيل أو اليهود عموما، وهؤلاء في الغالب ليسوا مؤمنين بالصهيونية.. من هنا يمكن التمييز بين الكتاب الإسرائيليين، فالأكثر اعتدالا لا أجد حرجا في ترجمة أعمالهم أو تسهيل تداولها، لكني أرفض أولئك الذين يتبنون سياسة عنصرية ويؤيدون استمرار الاحتلال. وينسحب هذا على كل كاتب عنصري أو مناصر لإيذاء الشعوب وليسوا الإسرائيليين وحدهم».
الناشر عادل الحوشان، الذي يمتلك دار نشر (طوى) تحدث عن مفهومه للتطبيع الثقافي قائلا: «شخصيا أفرّق كثيرا وأتوقف عند مصطلح التطبيع أكثر.. ما هو المقصود منه؟ بالنسبة للمكوّن اليهودي؛ لا يوجد أدنى شكّ أننا بحاجة إلى الاطلاع عليه ومعرفته ومعرفة تاريخه وموقفه، أما أن يأخذ التطبيع معناه السياسي فهذا بلا شكّ لن يقبله ضميري وأنا أعرف وأتابع وأقرأ وأمعن النظر في مجازر الكيان ضد الفلسطينيين».
ويكمل: «علينا أن نفصل التطبيع، بمعنى ترجمة أو قراءة أعمال أدبية وفنية، عن التطبيع السياسي، إذ يمكن أن نقرأ ما نريد ونجد ما نريد عبر مؤسسات ومراكز بحث تعنى بشؤون الشرق الأوسط، وجامعات تعنى بالدراسات والبحوث، وهناك مادة غزيرة عما قاله اليهود عنا وعن تاريخنا وعن العالم، وبالتأكيد هناك ما هو مهم فيما يقال أحيانا، لكني لن أقبل أن يوجهني صهيوني متطرف سياسيا سواء كان من الكيان نفسه الذي أنجبه ومشروعه أو من أنظمة أخرى أيا كانت درجة العلاقة السياسية بيننا وببينهم ومهما كانت أبعاد المصالح فيها».
على خط هذا السجال، دخل أيضا الكاتب السعودي أحمد عدنان، الذي يقول: «بعد نكسة 1967 أطلق الرئيس جمال عبد الناصر مشروعا بعنوان (اعرف عدوك)، وكان من بين المشرفين عليه الأديب الراحل أنيس منصور، ومن بين مهام هذا المشروع ترجمة النتاج الأدبي والفكري والسياسي الإسرائيلي، كما كان من أعماله برنامج إذاعي اسمه: من قلب إسرائيل. وكان من حيثيات ذلك المشروع، أن الجهل بإسرائيل هو من الأسباب الرئيسية للهزيمة آنذاك، ولم يصف أحد هذا الفعل بالتطبيع».
ويضيف: «إن من حق أي دار النشر أن تطبع ما تريد، كما أن من حق القارئ أن يطالع ما يريد، ويقبل من المحتوى أو يرفضه، فالحديث عن الخوف على وعي القارئ وحمايته منطق وصائي وهو أمر مرفوض، وهو كذلك منطق تشترك فيه التيارات الدينية المتطرفة وسلفيو القومية العربية».
عدنان هو الآخر، يرى أن الحملة جرى توجيهها من قبل من سماهم: «سلفيو القومية العربية»، ويرى أن الحملة ربما جاءت أيضا «في سياق التنافس بين دور النشر».

* كتب إسرائيلية في المكتبات العربية
* تكاد لا تخلو مكتبة عربية معروفة من كتب لمؤلفين إسرائيليين. وتهتم مراكز دراسات وأبحاث ووسائل إعلام بترجمة يومية للصحف الإسرائيلية، وهناك مراكز تتابع كل ما تنشره مراكز الأبحاث والدراسات الإسرائيلية، وتقدم بعضه للعالم العربي.
وأبرز الكتب التي تسوق في الدول العربية هي كتب لزعماء الحرب الإسرائيليين الذين أصبحوا قادة الدولة العبرية، من قبيل كتاب «سلام بيغن: قصة الأرغون»، لمؤلفه رئيس الوزراء الأسبق مناحم بيغن، وهو من ترجمة صلاح طوقان والناشر دار الشجرة للنشر والتوزيع، وكتاب «الإرهاب» لبيغن نفسه، وهو من ترجمة وتحقيق معين محمود، والناشر دار المسيرة للصحافة والطباعة، وكلا الكتابين يسوقهما موقع مكتبة النيل والفرات.
كذلك صدر لرئيس الدولة العبرية شيمعون بيريس بالعربية كتابان، هما: «معركة السلام، يوميات شيمون بيريز»، ترجمة عمار فاضل ومالك فاضل، وكتاب «الشرق الأوسط الجديد»، ترجمة محمد حلمي عبد الحافظ، والكتابان نشرتهما (الأهلية للنشر والتوزيع).
أما كتاب وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق موشي دايان: (قصة حياتي: قيام دولة إسرائيل وحروبها ضد العرب)، فترجمه طارق نصر الدين، ونشرته مكتبة النافذة، والكتاب يسوق عبر (النيل والفرات)، وكذلك كتاب «مكان بين الأمم: إسرائيل والعالم» لرئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، ترجمة محمد عودة وكلثوم السعدي، ونشر الأهلية.
كتاب آخر هو «مذكرات إسحق شامير»، الصادر ضمن سلسلة شخصيات إسرائيلية، عن دار الكتاب العربي، في العام 1995. وكتاب «مذكرات اسحق رابين» عن دار الجليل للطباعة والنشر 1993. وكذلك عدد من مؤلفات وزير الخارجية الأسبق ييجال آلون.
ومن بين عشرات الكتب لمؤلفين إسرائيليين، كانت ترجمتها في فلسطين ومن قبل مراكز دراسات فلسطينية، وواحد من هذه المراكز هو المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية «مدار» الذي تأسس ربيع عام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين من بينهم الشاعر الراحل محمود درويش، وآخرون، والذي أصدر عشرات الأبحاث والدراسات والترجمات والمنشورات المتخصصة في الشأن الإسرائيلي، ولديه دائرة ترجمة تنفذ برنامجا لترجمة كتب موضوعة باللغة العبرية أو الإنجليزية. وتم إصدار 32 كتابا مترجما حتى نهاية 2011. (بحسب موقع مدار).
ومن بين إصدارات المركز كتاب «اختراع أرض إسرائيل»، من تأليف شلومو ساند، أستاذ التاريخ في جامعة تل أبيب، والكتاب من منشورات (مدار) والمكتبة الأهلية في عمان، كما أصدر المركز الكتب التالية: «فلسطين في الكتب المدرسية في إسرائيل - الآيديولوجيا والدعاية في التربية والتعليم» لنوريت بيلد – الحنان، و«نظام ليس واحدا» لارئيلا ازولاي وعدي أوفير، و«في مصيدة الخط الأخضر» ليهودا شنهاف، و«أسرى في لبنان» لمؤلفه عوفر شيلح ويوءاف ليمور، وكتاب «اختراع الشعب اليهودي» لشلومو ساند، و«سلام متخيّل - عن الخطاب والحدود، السياسة والعنف» لمؤلفه ليف غرينبرغ، و«قراءة إيران في إسرائيل - الذات والآخر، الدين والحداثة» لمؤلفه حجاي رام، ورواية «أراض للتنزه - رواية في شذرات» لعوز شيلح.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.