ترجمة الكتاب الإسرائيلي.. تطبيع ثقافي أم ضرورة معرفية؟

يهاجمها البعض ويدافع عنها الآخرون

عناوين بعض الكتب الإسرائيلية المترجمة للعربية
عناوين بعض الكتب الإسرائيلية المترجمة للعربية
TT

ترجمة الكتاب الإسرائيلي.. تطبيع ثقافي أم ضرورة معرفية؟

عناوين بعض الكتب الإسرائيلية المترجمة للعربية
عناوين بعض الكتب الإسرائيلية المترجمة للعربية

على خلفية قيام دار نشر معروفة هي (مدارك) التي يملكها الإعلامي السعودي تركي الدخيل نشر الترجمة العربية لكتاب: «المملكة العربية السعودية والمشهد الاستراتيجي الجديد» للمؤلف الإسرائيلي جاشوا تيتلبام, اندلع سجال ساخن اشترك فيه عدد من المثقفين.. وغير المثقفين وكعادة هذا النوع من السجالات أفرز تيارين: أحدهما يحارب أي مسعى لتقديم المنتجات الأدبية والفكرية الإسرائيلية للجمهور العربي بدعوى أنها تمثل (تطبيعا مع العدو)، والتيار الآخر يدعو لضرورة قراءة الفكر الآخر للتعرف عليه جيدا.

* الكتاب والمؤلف
الكتاب القضية، لا تتعدى صفحاته الـ100. وهو يبدو كبحث سياسي أقرب منه دراسة مطولة، ومؤلف الكتاب هو البروفسور جاشوا تيتلبام، من قسم تاريخ الشرق الأوسط في مركز بيغن - السادات للدراسات الاستراتيجية بجامعة بار إيلان في إسرائيل، وهو يعمل أيضا في معهد هوفر للبحوث. وقد قدم للكتاب الأستاذ الجامعي الأميركي من أصل لبناني فؤاد عجمي، المعروف بقربه من المحافظين في الولايات المتحدة، وهو الآخر عضو في معهد هوفر. وترجمه الدكتور حمد العيسى.
أما في مقدمته الخاصة، فقد حرص المؤلف على مخاطبة القراء العرب. والكتاب عموما لا يخلو من طابع سياسي، يسعى من خلاله المؤلف لشرح سياسات دولة إسرائيل، التي يصفها في الصفحة (11 - 12) بأنها تسعى (لتحقيق الاستقرار في المنطقة) وأن ذلك يجعل لديها مع العرب أو بعض العرب الكثير من المصالح الاستراتيجية المشتركة.
ويتحدث المؤلف عن القضية الطائفية الإسلامية إذ يورد في (الصفحة 13) نقلا عن اللواء في الاحتياط الإسرائيلي عاموس جلعاد، مدير مكتب الشؤون السياسية والعسكرية في وزارة الدفاع الإسرائيلية، ادعاءه في أغسطس (آب) 2013، (أن الكتلة السنيّة من الدول العربية لا تنظر إلى إسرائيل على أنها عدو لدود).
ويختتم الكتاب بالحديث عن التهديدات الإيرانية وفشل الولايات المتحدة في (فهم المشهد الاستراتيجي الجديد) بما يضمن أمن حلفائها في الخليج (صفحة 76). وهو يجنح لتوظيف القلق من الصعود الإيراني من أجل أن يصور إسرائيل عاملا مهما للتوازن الإقليمي.

* هل هي حملة موجهة؟
الكتاب ليس الأول من نوعه، حتى في الساحة الثقافية السعودية، حيث لا يعد وجود كتب لمؤلفين إسرائيليين جديدا، ففي أبريل (نيسان) العام 2010، ظهرت في معرض الرياض الدولي للكتاب رواية سوقتها دار نشر عربية هي (الجمل) تحمل اسم «أسطورة عن الحب والظلام»، للمؤلف الإسرائيلي عاموس عوز. ولقيت الرواية إقبالا ملحوظا. ومع ذلك لم تحدث هذه الرواية الجدل الذي أحدثه كتاب (مدارك)، ولذلك يرى تركي الدخيل أن «الحملة موجهة، ومقصودة».
ويتساءل، في اتصال هاتفي معه من مقره في دبي: «من يهاجموننا ألم يشاهدوا شخصيات إسرائيلية على قناة الجزيرة؟». ويضيف: «القصة ليست أن تنشر لكاتب إسرائيلي أو خلافه، ولكن القصة هي ماذا تنشر لهذا الكاتب، فهناك مراكز دراسات فلسطينية نشرت لكتاب إسرائيليين». ويعتقد تركي الدخيل أن الحملة التي اتخذت موقع «تويتر» ساحة لها، لم تكن بريئة، فالمقصود منها كما يقول: «التشويش».
لكن، ما السبب وراء ترجمة ونشر هذا الكتاب في العالم العربي؟ يقول الدخيل: «الكتاب يسلط الضوء على جانب سياسي بدراسة تحليلية. ثم إن المنتج الثقافي والأدبي هو منتج إنساني مهما تنوعت مصادره». ويضيف: «ما لم يفهمه المعترضون أننا نقدم دراسة سياسية ولم نستضف إسرائيليين في مدينة سعودية كالرياض أو جدة، وبالتالي فإننا لا نرى أن اختيار كتاب لمؤلف إسرائيلي هو (تطبيع)». وفي النهاية: «هذا الكتاب يمثل رأي صاحبه، وبإمكان المعارضين نقده أو مناقشته».
أما مترجم الكتاب الدكتور حمد العيسى فكتب في المقدمة: «إن ترجمة هذا الكتاب لا تعني بالضرورة الاتفاق مع جميع محتوياته من مصطلحات وتصنيفات وتحليلات وآراء ومقترحات، ولكن تمت ترجمته لإعطاء القارئ العربي وصناع القرار العرب، وبخاصة في الخليج العربي، فكرة عن رأي باحث ومفكر إسرائيلي بارز ومتخصص حول الصراع الاستراتيجي الحالي في جزء مهم من الشرق الأوسط».

* هل هو تطبيع؟
يتفق مع هذا الرأي الناقد والروائي السعودي. د. معجب الزهراني، الذي لا يرى أن في الأمر تطبيعا «فالإسرائيليون يقرأون جيدا كل شيء عنا وقد يكتبون عن العرب بحرية وعمق أكثر ولذا فمن الواجب معرفة جل ما يكتبون». ويضيف: «إنهم – الإسرائيليون - يتابعون كل ما يكتب عن العرب حتى في الصحف اليومية وأخشى أنهم يعرفون عنا فوق ما نعرف».
أما الناقد الدكتور سعد البازعي، الذي وضع كتابا مهما تحت عنوان: «المكون اليهودي في الحضارة الغربية»، فيقول، ردا على سؤالنا: هل تؤيد ترجمة ونشر المنتجات الأدبية والفكرية والسياسية لمؤلفين إسرائيليين؟: «ليست الإجابة سهلة على هذا السؤال. فكتابي حول المكون اليهودي في الحضارة الغربية انطلق من الإيمان بأهمية معرفة الآخر وعلى النحو الذي يكسر نمطية تلك المعرفة بتجاوز الصور النمطية».
ويضيف البازعي: «لكن تداول كتب الإسرائيليين يختلف عن الكتابة عن تلك المؤلفات. وأظن أن كثيرا من القراء العرب سينفر من قراءة كاتب صهيوني يدافع عن احتلال فلسطين أو الاعتداء شعبها. وقد يقبل قراءة كتاب معتدلين من إسرائيل أو اليهود عموما، وهؤلاء في الغالب ليسوا مؤمنين بالصهيونية.. من هنا يمكن التمييز بين الكتاب الإسرائيليين، فالأكثر اعتدالا لا أجد حرجا في ترجمة أعمالهم أو تسهيل تداولها، لكني أرفض أولئك الذين يتبنون سياسة عنصرية ويؤيدون استمرار الاحتلال. وينسحب هذا على كل كاتب عنصري أو مناصر لإيذاء الشعوب وليسوا الإسرائيليين وحدهم».
الناشر عادل الحوشان، الذي يمتلك دار نشر (طوى) تحدث عن مفهومه للتطبيع الثقافي قائلا: «شخصيا أفرّق كثيرا وأتوقف عند مصطلح التطبيع أكثر.. ما هو المقصود منه؟ بالنسبة للمكوّن اليهودي؛ لا يوجد أدنى شكّ أننا بحاجة إلى الاطلاع عليه ومعرفته ومعرفة تاريخه وموقفه، أما أن يأخذ التطبيع معناه السياسي فهذا بلا شكّ لن يقبله ضميري وأنا أعرف وأتابع وأقرأ وأمعن النظر في مجازر الكيان ضد الفلسطينيين».
ويكمل: «علينا أن نفصل التطبيع، بمعنى ترجمة أو قراءة أعمال أدبية وفنية، عن التطبيع السياسي، إذ يمكن أن نقرأ ما نريد ونجد ما نريد عبر مؤسسات ومراكز بحث تعنى بشؤون الشرق الأوسط، وجامعات تعنى بالدراسات والبحوث، وهناك مادة غزيرة عما قاله اليهود عنا وعن تاريخنا وعن العالم، وبالتأكيد هناك ما هو مهم فيما يقال أحيانا، لكني لن أقبل أن يوجهني صهيوني متطرف سياسيا سواء كان من الكيان نفسه الذي أنجبه ومشروعه أو من أنظمة أخرى أيا كانت درجة العلاقة السياسية بيننا وببينهم ومهما كانت أبعاد المصالح فيها».
على خط هذا السجال، دخل أيضا الكاتب السعودي أحمد عدنان، الذي يقول: «بعد نكسة 1967 أطلق الرئيس جمال عبد الناصر مشروعا بعنوان (اعرف عدوك)، وكان من بين المشرفين عليه الأديب الراحل أنيس منصور، ومن بين مهام هذا المشروع ترجمة النتاج الأدبي والفكري والسياسي الإسرائيلي، كما كان من أعماله برنامج إذاعي اسمه: من قلب إسرائيل. وكان من حيثيات ذلك المشروع، أن الجهل بإسرائيل هو من الأسباب الرئيسية للهزيمة آنذاك، ولم يصف أحد هذا الفعل بالتطبيع».
ويضيف: «إن من حق أي دار النشر أن تطبع ما تريد، كما أن من حق القارئ أن يطالع ما يريد، ويقبل من المحتوى أو يرفضه، فالحديث عن الخوف على وعي القارئ وحمايته منطق وصائي وهو أمر مرفوض، وهو كذلك منطق تشترك فيه التيارات الدينية المتطرفة وسلفيو القومية العربية».
عدنان هو الآخر، يرى أن الحملة جرى توجيهها من قبل من سماهم: «سلفيو القومية العربية»، ويرى أن الحملة ربما جاءت أيضا «في سياق التنافس بين دور النشر».

* كتب إسرائيلية في المكتبات العربية
* تكاد لا تخلو مكتبة عربية معروفة من كتب لمؤلفين إسرائيليين. وتهتم مراكز دراسات وأبحاث ووسائل إعلام بترجمة يومية للصحف الإسرائيلية، وهناك مراكز تتابع كل ما تنشره مراكز الأبحاث والدراسات الإسرائيلية، وتقدم بعضه للعالم العربي.
وأبرز الكتب التي تسوق في الدول العربية هي كتب لزعماء الحرب الإسرائيليين الذين أصبحوا قادة الدولة العبرية، من قبيل كتاب «سلام بيغن: قصة الأرغون»، لمؤلفه رئيس الوزراء الأسبق مناحم بيغن، وهو من ترجمة صلاح طوقان والناشر دار الشجرة للنشر والتوزيع، وكتاب «الإرهاب» لبيغن نفسه، وهو من ترجمة وتحقيق معين محمود، والناشر دار المسيرة للصحافة والطباعة، وكلا الكتابين يسوقهما موقع مكتبة النيل والفرات.
كذلك صدر لرئيس الدولة العبرية شيمعون بيريس بالعربية كتابان، هما: «معركة السلام، يوميات شيمون بيريز»، ترجمة عمار فاضل ومالك فاضل، وكتاب «الشرق الأوسط الجديد»، ترجمة محمد حلمي عبد الحافظ، والكتابان نشرتهما (الأهلية للنشر والتوزيع).
أما كتاب وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق موشي دايان: (قصة حياتي: قيام دولة إسرائيل وحروبها ضد العرب)، فترجمه طارق نصر الدين، ونشرته مكتبة النافذة، والكتاب يسوق عبر (النيل والفرات)، وكذلك كتاب «مكان بين الأمم: إسرائيل والعالم» لرئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، ترجمة محمد عودة وكلثوم السعدي، ونشر الأهلية.
كتاب آخر هو «مذكرات إسحق شامير»، الصادر ضمن سلسلة شخصيات إسرائيلية، عن دار الكتاب العربي، في العام 1995. وكتاب «مذكرات اسحق رابين» عن دار الجليل للطباعة والنشر 1993. وكذلك عدد من مؤلفات وزير الخارجية الأسبق ييجال آلون.
ومن بين عشرات الكتب لمؤلفين إسرائيليين، كانت ترجمتها في فلسطين ومن قبل مراكز دراسات فلسطينية، وواحد من هذه المراكز هو المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية «مدار» الذي تأسس ربيع عام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين من بينهم الشاعر الراحل محمود درويش، وآخرون، والذي أصدر عشرات الأبحاث والدراسات والترجمات والمنشورات المتخصصة في الشأن الإسرائيلي، ولديه دائرة ترجمة تنفذ برنامجا لترجمة كتب موضوعة باللغة العبرية أو الإنجليزية. وتم إصدار 32 كتابا مترجما حتى نهاية 2011. (بحسب موقع مدار).
ومن بين إصدارات المركز كتاب «اختراع أرض إسرائيل»، من تأليف شلومو ساند، أستاذ التاريخ في جامعة تل أبيب، والكتاب من منشورات (مدار) والمكتبة الأهلية في عمان، كما أصدر المركز الكتب التالية: «فلسطين في الكتب المدرسية في إسرائيل - الآيديولوجيا والدعاية في التربية والتعليم» لنوريت بيلد – الحنان، و«نظام ليس واحدا» لارئيلا ازولاي وعدي أوفير، و«في مصيدة الخط الأخضر» ليهودا شنهاف، و«أسرى في لبنان» لمؤلفه عوفر شيلح ويوءاف ليمور، وكتاب «اختراع الشعب اليهودي» لشلومو ساند، و«سلام متخيّل - عن الخطاب والحدود، السياسة والعنف» لمؤلفه ليف غرينبرغ، و«قراءة إيران في إسرائيل - الذات والآخر، الدين والحداثة» لمؤلفه حجاي رام، ورواية «أراض للتنزه - رواية في شذرات» لعوز شيلح.



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.