وزير العدل الأميركي ناقش مسائل تتعلق بـ«الحملة الانتخابية» مع سفير روسيا

سيشنز يواجه ضغوطاً متزايدة بعد تقرير للاستخبارات الأميركية وانتقادات من ترمب

الوزير سيشنز خلال إدلائه بشهادته أمام لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ في يونيو الماضي (إ.ب.أ)
الوزير سيشنز خلال إدلائه بشهادته أمام لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ في يونيو الماضي (إ.ب.أ)
TT

وزير العدل الأميركي ناقش مسائل تتعلق بـ«الحملة الانتخابية» مع سفير روسيا

الوزير سيشنز خلال إدلائه بشهادته أمام لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ في يونيو الماضي (إ.ب.أ)
الوزير سيشنز خلال إدلائه بشهادته أمام لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ في يونيو الماضي (إ.ب.أ)

أبلغ سفير روسيا في واشنطن سيرغي كيسلياك رؤساءه في موسكو أنه بحث المسائل المتعلقة بالحملة الانتخابية، بما في ذلك القضايا السياسية ذات الأهمية لموسكو، مع جيف سيشنز خلال السباق الانتخابي لعام 2016، خلافاً للتأكيدات المعلنة من النائب العام الأميركي (وزير العدل)، وفق تصريحات مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين.
وكانت محادثات السفير كيسلياك لمرتين متتاليتين مع السيد سيشنز – الذي كان يشغل منصب كبير مستشاري السياسة الخارجية للمرشح الجمهوري دونالد ترمب – قد اعترضتها أجهزة الاستخبارات الأميركية التي تراقب اتصالات كبار المسؤولين الروس في الولايات المتحدة وروسيا. ولقد فشل السيد سيشنز في أول الأمر في الكشف عن اتصالاته مع السفير الروسي، ثم قال إن الاجتماعات لم تكن في شأن حملة ترمب الانتخابية.
وقال أحد المسؤولين الأميركيين إن سيشنز - الذي قال في شهادته إنه لا يتذكر أي لقاءات عُقدت في أبريل (نيسان) - قدّم تصريحات مضللة تتناقض مع أدلة أخرى ثابتة. وقال أحد المسؤولين السابقين إن الاستخبارات تشير إلى أن سيشنز وكيسلياك جمعتهما مناقشات جوهرية حول مسائل منها مواقف ترمب من القضايا ذات الأهمية لروسيا، وآفاق العلاقات الروسية - الأميركية في إدارة ترمب المقبلة.
وصرّح سيشنز مراراً وتكراراً بأنه لم يناقش أبداً المسائل المتعلقة بالحملة الانتخابية مع المسؤولين الروس وبأن المقابلات مع كيسلياك كانت بصفته عضواً في مجلس الشيوخ الأميركي. وقال سيشنز في مارس (آذار) الماضي عندما أعلن أنه سينأى بنفسه عن المسائل ذات الصلة بتحقيقات المباحث الفيدرالية الخاصة بالتدخلات الروسية في الانتخابات الرئاسية وأي صلات تتعلق بحملة ترمب الانتخابية: «لم أعقد أي اجتماعات مع المسؤولين أو الوسطاء الروس حول حملة ترمب الانتخابية».
وقال مسؤولون أميركيون حاليون وسابقون إن موقف سيشنز يتناقض مع تصريحات كيسلياك حول محادثتين أجريتا خلال الحملة الانتخابية، إحداهما في أبريل قبل خطاب ترمب الأول عن السياسة الخارجية، والثانية كانت في يوليو (تموز) على هامش المؤتمر الوطني الجمهوري.
ومن شأن التناقض الظاهر أن يسبب مشكلات جديدة للسيد سيشنز، إذ إن موقفه في الإدارة الأميركية يبدو ضعيفاً على نحو متزايد.
وأعرب السيد ترمب، خلال مقابلة شخصية هذا الأسبوع، عن إحباطه من إعلان سيشنز النأي بنفسه عن التحقيقات الروسية وأعرب عن أسفه لتعيين المشرّع من ولاية ألاباما أكبر مسؤولي إنفاذ القانون في البلاد. كما انتقد السيد ترمب السيد سيشنز بسبب الإجابات السيئة التي أدلى بها خلال جلسة الكونغرس لتأكيد تعيينه في منصب النائب العام (وزير العدل) حول الاتصالات الروسية التي أجراها خلال الحملة الانتخابية.
وأكد المسؤولون أن المعلومات المناقضة لتصريحات السيد سيشنز مصدرها تقارير الاستخبارات الأميركية حول اتصالات السفير الروسي مع الكرملين، كما قالت أجهزة الاستخبارات الأميركية إن السفير الروسي قد يكون أساء فهم أو بالغ في فهم طبيعة التفاعلات مع الجانب الأميركي.
وصرحت الناطقة الرسمية باسم وزارة العدل الأميركية سارة إيسغور فلورز في بيان: «من الواضح أنني لا أستطيع التعليق على صدقية المصادر المجهولة التي تتحدث عن اعتراض استخباراتي غير موثوق منه وغير مؤكد ولم تطلع عليه صحيفة واشنطن بوست، كما لم أطلع عليه بصفة شخصية».
ومن المعروف عن الدبلوماسيين الروس وغيرهم من الدبلوماسيين الأجانب في واشنطن وأماكن أخرى، أنهم في بعض الأحيان يقومون بالإبلاغ عن معلومات كاذبة أو مضللة بغية تعزيز مكانتهم لدى رؤسائهم أو للتسبب في إرباك أجهزة الاستخبارات الأميركية (التي تتنصت عليهم).
لكن المسؤولين الأميركيين من ذوي الاطلاع المنتظم على تقارير الاستخبارات الروسية يقولون إن كيسلياك – الذي انتهت فترة خدمته أخيراً سفيراً لموسكو في واشنطن - كان معروفا عنه الإبلاغ عن التفاصيل الدقيقة حول تفاعلاته مع المسؤولين في واشنطن.
ولقد نأى السيد سيشنز بنفسه عن التعاطي المباشر مع التحقيقات الروسية بعدما كشفت صحيفة «واشنطن بوست» عن مقابلته مع السيد كيسلياك مرتين على الأقل في عام 2016، وهي اتصالات فشل في الكشف عنها خلال جلسة الكونغرس لتأكيد تعيينه في منصب النائب العام في يناير (كانون الثاني) الماضي.
وأجاب سيشنز رداً على سؤال عما إذا كان أي شخص على علاقة بحملة ترمب قد اتصل بممثلين من الحكومة الروسية: «لم تكن لي اتصالات مع الجانب الروسي».
لكنه أكد منذ ذلك الحين أنه أساء فهم نطاق السؤال وأن اجتماعاته مع السيد كيسلياك كانت تتعلق بصفته عضواً في مجلس الشيوخ الأميركي ليس إلا. وفي لقاء مع شبكة فوكس الإخبارية في مارس الماضي قال السيد سيشنز: «لا أذكر إجراء أي مناقشات بشأن الحملة الانتخابية بأي شكل من الأشكال».
وبدا السيد سيشنز محاولاً تضييق نطاق هذا التأكيد في الشهادة الموسعة التي أدلى بها أمام لجنة استخبارات مجلس الشيوخ في يونيو (حزيران) الماضي عندما قال إنه «لم يلتق مع أو كانت له أي محادثات مع أي مسؤول روسي أو أجنبي فيما يتعلق بأي نوع من أنواع التدخل في أي حملة انتخابية أو انتخابات جارية في الولايات المتحدة الأميركية».
ولكن عندما مورست عليه الضغوط بشأن التفاصيل في الجلسة نفسها، علل السيد سيشنز الكثير من إجاباته بقوله إنه لا يتذكر أو ليست لديه ذاكرة حاضرة بهذا الصدد.
وقال أحد المسؤولين الأميركيين الذي اطلع على تقارير كيسلياك إن السفير الروسي قال إنه تحدث مع السيد سيشنز بشأن مسائل ذات أهمية للحملة الانتخابية، بما في ذلك مواقف السيد ترمب حول قضايا السياسة الرئيسية ذات الأهمية للجانب الروسي.
وكان هناك اجتماع ثالث جمع سيشنز وكيسلياك في مكتبه بالكونغرس الأميركي في سبتمبر (أيلول). ورفض المسؤولون التصريح بما إذا كانت أجهزة الاستخبارات الأميركية قد اعترضت أي اتصالات روسية فيما يتعلق بالاجتماع الثالث المذكور.
ونتيجة لذلك، تركزت التناقضات حول المحادثتين الأوليين بين سيشنز وكيسلياك، بما في ذلك المحادثة التي أقر السيد سيشنز بأنها وقعت في يوليو من عام 2016 على هامش المؤتمر الوطني الجمهوري.
وبحلول ذلك الوقت، كان الرئيس الروسي قد قرر الشروع في حملة سرية لمساعدة السيد ترمب في الانتخابات الرئاسية من خلال تسريب رسائل البريد الإلكتروني الضارة حول منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون، وفق ما تزعم تقارير الاستخبارات الأميركية.
وعلى الرغم من عدم وضوح مدى ضلوع السيد كيسلياك في الحملة الروسية السرية لمساعدة ترمب، فإن رؤساءه في موسكو كانوا حريصين على التحديثات الدبلوماسية بشأن مواقف المرشح الرئاسي في الولايات المتحدة، لا سيما فيما يتعلق بالعقوبات الأميركية المفروضة على روسيا والنزاعات الطويلة الأجل مع إدارة الرئيس أوباما حول الصراعات الدائرة في أوكرانيا وسوريا.
وأشار كيسلياك في تقاريره إلى إجراء محادثة مع سيشنز في أبريل من عام 2016 في فندق «مايفلاور» في واشنطن، في الوقت الذي كان المرشح الانتخابي حينذاك دونالد ترمب يلقي خطابه الأول حول السياسة الخارجية، وفق مسؤولين مطلعين على تقارير الاستخبارات الأميركية حول السيد كيسلياك.
وقال السيد سيشنز إنه لا يتذكر عقد أي لقاءات مع السيد كيسلياك خلال هذه الفعالية. وأدلى في شهادته أمام لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ في يونيو الماضي قائلاً: «لا أتذكر إجراء أي محادثات مع أي مسؤول روسي في فندق مايفلاور».
وفي وقت لاحق من الجلسة نفسها، قال السيد سيشنز إنه «من المتصور أن اللقاء قد تم. غير أنني لا أذكره».
كان السيد كيسلياك أيضاً من الشخصيات البارزة في إقالة مستشار الأمن القومي الأميركي السابق الجنرال مايكل فلين من منصبه، الذي أُجبَر على مغادرته بعد كشف صحيفة «واشنطن بوست» عن مناقشاته بشأن العقوبات الأميركية المفروضة على روسيا مع السفير الروسي في الوقت الذي كان يخبر فيه الآخرين في إدارة الرئيس ترمب بأنه لم يفعل شيئاً من ذلك.
وفي هذه الحالة، رغم كل شيء، جرى اعتراض المكالمات الهاتفية بين السيدين فلين وكيسلياك بواسطة الاستخبارات الأميركية، مما شكّل مجموعة من الأدلة الدامغة. أما تقارير الاستخبارات بشأن السيد سيشنز، على النقيض من ذلك، فإنها تستند على تصريحات السيد كيسلياك وغير مؤكدة من جانب مصادر أخرى موثوق منها.
وأثار المدير السابق للمباحث الفيدرالية الأميركية جيمس كومي المزيد من التكهنات حول احتمال انعقاد اجتماع بين سيشنز وكيسلياك في فندق مايفلاور عندما أبلغ جلسة الاستماع بالكونغرس في 8 يونيو أن المباحث الفيدرالية لديها معلومات حول السيد سيشنز قد تثير قدراً من المشكلات بالنسبة إلى ضلوعه في الإشراف على التحقيقات الجارية في قضية التدخلات الروسية.
ولم يقدم السيد كومي أي تفاصيل عن المعلومات التي بحوزة المباحث الفيدرالية، باستثناء التصريح بأنه قد يناقش الأمر مع أعضاء مجلس الشيوخ على نحو سري. وقال المسؤولون الحاليون والسابقون إنه قد يشير إلى المعلومات الاستخباراتية حول تصريحات كيسلياك بشأن المقابلة مع سيشنز في فندق مايفلاور.
ولقد دعا الأعضاء الديمقراطيون في مجلس الشيوخ المباحث الفيدرالية إلى البدء في التحقيق في واقعة شهر أبريل في فندق مايفلاور.
وكان دور السيد سيشنز في إقالة السيد كومي من منصبه قد أغضب الكثيرين في المباحث الفيدرالية وسرّع من وتيرة الأحداث التي أسفرت عن تعيين روبرت مولر في منصب مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية بدلاً منه باعتباره مستشاراً خاصاً مكلفاً الإشراف على التحقيقات الروسية الحالية.
وأثارت كلمات الرئيس الأميركي اللاذعة تجاه النائب العام الأميركي، جيف سيشنز، المزيد من التكهنات خلال الأيام الماضية حول إمكان فصله من منصبه أو استقالته. وحتى الآن، ظل السيد سيشنز يقاوم اتخاذ قرار الاستقالة، مصرحاً بأنه يعتزم الاستمرار في عمله «ما دام كان ذلك ملائماً».
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ {الشرق الأوسط}



النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
TT

النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)

على مدى القرون الخمسة الماضية، كانت اليابسة محور التنافس والصراع بين المجتمعات البشرية، حتى أصبح كل شبر منها، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، خاضعاً لسيادة دولة ما، في حين ظلت المحيطات والبحار خارج هذه السيطرة.

بنما سيتي مدينة تكتسب أهميتها من قناة بنما (أ.ف.ب)

وعندما حاول بعض الدول فرض السيطرة على البحار وتنظيمها، فشلت المحاولات لأنها كانت شاسعة للغاية، بحيث تعذرت السيطرة عليها لفترات طويلة. وخلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، في النصف الثاني من القرن العشرين، تجنبت القوى العظمى الدخول في سباق محموم للاستيلاء على المحيطات.

واتفقت معظم الحكومات على التعامل معها من خلال مجموعة من المعاهدات والهيئات التي سعت إلى ضمان حرية الملاحة في المياه الدولية، مع تخصيص مساحات من البحار للدول المطلة عليها بتصنيفها مياهاً إقليمية أو منطقة اقتصادية خالصة لكل دولة.

لكن ميشال ألبرتوس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو الأميركية، يقول في تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز»، إن هذا النظام الدولي للبحار والمحيطات ينهار الآن، حيث يعطّل الحوثيون في اليمن حركة الملاحة في مضيق باب المندب، فيما يدور صراع بمنطقة مضيق هرمز.

وفي يوليو (تموز)، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فكرة تحصيل الولايات المتحدة رسوماً على المرور في «هرمز»، قبل أن يتراجع عن الخطة لاحقاً.

سفن راسية في مياه عُمان قرب مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي الوقت نفسه، تتنافس حكومات أخرى للسيطرة على المياه الدولية والموارد البحرية؛ فتسعى روسيا لبسط سيطرتها على مساحات شاسعة من مياه القطب الشمالي وقيعان البحار، وتُنشئ الصين جزراً اصطناعية في بحر الصين الجنوبي، وتوسع الولايات المتحدة نطاق نفوذها في قيعان البحار خارج منطقتها الاقتصادية الخالصة، وتسعى دول عديدة لبدء استخراج المعادن النادرة الحيوية من المحيطات.

* توجه عالمي

يأتي هذا التوجه العالمي نحو السيطرة على الممرات البحرية أو مساحات شاسعة من البحار والمحيطات، بالتزامن مع تدهور قوة المؤسسات والمعاهدات الدولية التي حافظت على حرية الملاحة في المحيطات على مدى عقود. والآن تواجه التجارة العالمية تهديداً وجودياً إذا سارعت الحكومات إلى فرض سيطرتها على بحار الأرض، كما فعلت مع اليابسة، ليدخل العالم حقبة جديدة من الصراعات البحرية.

سفينة شحن راسية عند الساحل اليمني قرب باب المندب (أ.ف.ب)

ويقول ألبرتوس مؤلف كتاب «عودة الغزو» الذي لا يزال قيد الطبع، إن العالم الذي يتم فيه تقسيم المحيطات سيكون حتماً أفقر وأشد خطورة.

وبعد أن أعلنت إيران عزمها على فرض رسوم عبور في مضيق هرمز الذي تسيطر عليه وتغلقه عملياً منذ الهجوم الأميركي - الإسرائيلي عليها في نهاية فبراير (شباط) الماضي، لمّح وزير المالية الإندونيسي إلى احتمال فرض بلاده رسوم عبور في مضيق ملقا، قبل أن يتراجع عن تصريحه فيما بعد. ويعد مضيق ملقاً ممراً بحرياً حيوياً في جنوب شرقي آسيا يمر عبره نحو 29 في المائة من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً.

كما أن الصين دأبت على تجاهل حكم ملزم صدر عام 2016 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يرفض مزاعمها الواسعة في بحر الصين الجنوبي. وتخالف بكين هذا القرار ببناء جزر اصطناعية على الشعاب المرجانية المتنازع عليها، والتعدي على المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، ومحاصرة تايوان.

أما روسيا، فتدور حولها شبهات بشأن استخدام سفن ذات هويات مخفية لقطع الكابلات البحرية، بوصف ذلك جزءاً من حملة أوسع لزعزعة استقرار الدول الأوروبية رداً على دعمها لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.

* تغيّر المناخ

من المنتظر أن يؤدي تغير المناخ إلى نشوب نزاعات جديدة عبر المحيطات؛ فمع استمرار ذوبان الجليد في القطب الشمالي من المنتظر أن تنشط حركة الملاحة البحرية في الطريق البحري الجديد الذي ربط أوروبا وآسيا على طول الساحل الروسي المطل على القطب الشمالي. ومن الصعب تصور سماح موسكو بحرية المرور عبر هذا الطريق، علماً بأنها تجبر حالياً السفن الأجنبية التي تمر عبر هذا الطريق، على الخضوع لنظام معقد وخانق من التصاريح والتراخيص. كما أنها تعامل ممرات مائية، مثل مضيق فيلكيتسكي قبالة الساحل السيبيري، على أنها ممرات مائية داخلية تخضع للولاية القضائية الروسية، وليست مضائق دولية.

ولا تقتصر الصراعات على المحيطات على السيطرة على حركة الملاحة؛ فمع هيمنة الصين على الإمدادات العالمية الحالية من معادن الأرض النادرة واستغلالها لها ورقةَ ضغط قوية، تستكشف دول أخرى إمكانات استخراج المعادن من قيعان المحيطات؛ إذ تحتوي أراضي المحيطات في مناطق مثل منطقة كلاريون-كليبرتون في شمال المحيط الهادئ بين هاواي والمكسيك، وحوض المحيط الهندي الأوسط، وحوض بنرين في جنوب المحيط الهادئ، على كميات ضخمة من الأحجار التي تحتوي على معادن بالغة الأهمية.

غواصة تايوانية يظهر برجها في مياه مضيق تايوان (رويترز)

وقد أصدرت السلطة الدولية لقاع البحار، التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة، عشرات عقود التنقيب التي تسمح للحكومات بمسح قاع المحيط ورسم خرائطه، وجمع البيانات البيئية، واختبار تقنيات الاستخراج. إلا أن الهيئة تحظر حالياً التعدين التجاري لعدم اتفاق أعضائها على المعايير البيئية أو قواعد الامتثال لها.

* ثروات في القاع

من المرجح أن تعترض الدول الموقعة على المعاهدات الدولية التي تقيد الأنشطة الاستخراجية في المحيطات والبحار، بما فيها الصين والهند وروسيا، إذا مضت الولايات المتحدة قدماً في إقامة مشروعات للتعدين في المحيطات المفتوحة. ورغم أن بكين وموسكو تتجاهلان قوانين البحار الأخرى، فإنهما ستستشهدان بتعدين الولايات المتحدة لتبرير قوانينهما الخاصة.

وكما الحال مع الأنظمة الأخرى القائمة على القواعد، لن ينهار النظام الدولي لإدارة المحيطات دفعة واحدة، لأن القوى العظمى ما زالت تستفيد من بعض القواعد؛ مثل تنظيم مصائد الأسماك، حتى لو كانت ستجني مكاسب من الفوضى بمجالات أخرى؛ بل من المرجح أن ينهار النظام تدريجياً.

وأخيراً يحذر ألبرتوس من تباطؤ حركة التجارة، في عالمٍ تتنازع فيه الدول السيطرة على المحيطات؛ إذ ستضطر السفن إلى اتخاذ مسارات متعرجة عبر البحار، ودفع رسوم متزايدة في المضائق، وسترتفع أسعار السلع، وتصبح سلاسل الإمداد أشد اضطراباً وأكثر عرضة للانقطاع. وقد يتطور غزو المحيطات في نهاية المطاف كما لو كان غزواً للأراضي، حيث تستحوذ الدول الأقوى - أو تلك التي تصل أولاً - على ملكية الموارد. وسيتضاعف عدد بؤر التوتر الجيوسياسي مع تسابق الحكومات للاستيلاء على أكبر حصة من المحيطات وحماية سيادتها المزعومة باستخدام القوة.


سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
TT

سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)

أعلنت السلطات الأسترالية إصابة 10 أشخاص جراء اندفاع رجل ​بسيارته نحو حشد من الناس في مدينة نيوكاسل اليوم (السبت)، بعدما بدا أنه فقد السيطرة على المركبة، وفقاً لوكالة «رويترز».

وألقي القبض على السائق البالغ من العمر 18 عاماً في ‌مكان الحادث بضاحية وولسيند ​بالمدينة، ‌التي ⁠تبعد ​بنحو 110 ⁠كيلومترات إلى الشمال من سيدني عاصمة ولاية نيو ساوث ويلز.

وجاءت الواقعة بينما كان مشجعون قد اصطفوا في الشوارع لتوديع فريق نيوكاسل نايتس لدوري ⁠الرجبي، الذي من المقرر ‌أن ‌ينافس في نهائي الدوري الوطني ​للرجبي في ‌سيدني غداً (الأحد).

وقالت السلطات ‌إن اثنين من المصابين الذين نقلوا إلى المستشفى، وهما طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات ورجل ‌يبلغ من العمر 67 عاماً، في حالة حرجة.

وأفاد جافين ⁠موريس ⁠رئيس بلدية نيوكاسل بأن السائق بدا أنه فقد السيطرة على السيارة التي صدمت الحشد. وقال موريس في تصريحات نقلها التلفزيون: «يبدو أنه كان يضغط على دواسة الوقود لتسريع المحرك بطريقة ما».

وأكدت الشرطة أن المؤشرات الأولية تفيد بأنه ​حادث لا ​علاقة له بالإرهاب.


قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
TT

قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)

لم تعد الحرب تصل إلى الناس فقط عبر دويّ المدافع أو صور المدن المدمرة؛ ففي زمن الهاتف الذكي، قد تبدأ الحرب الحقيقية قبل أن تصل القذائف وينطلق الرصاص، وقد تستمر بعد توقفها، داخل الشاشات والعقول ووسائل التواصل الاجتماعي. روايات متناقضة، وصور مفبركة، ومقاطع فيديو خارج سياقها، وحسابات آلية، وأخبار كاذبة تتنافس جميعها على تشكيل صورة الصراع في أذهان الناس.

وهنا يبرز سؤال أكثر خطورة من مجرد عدد الحروب الدائرة في العالم: ماذا يحدث عندما تصبح الحرب خبراً عادياً؟ وهل يمكن أن يؤدي التكرار المستمر للعنف إلى إضعاف قدرتنا على الشعور بالصدمة والرفض والتعاطف؟

هل اعتمد أغسطس قيصر التضليل السياسي؟ (ويكيميديا)

* ظاهرة قديمة

ليست الحرب الدعائية ظاهرة جديدة؛ فمنذ روما القديمة، أدرك المتنافسون أن كسب المعركة لا ينفصل عن كسب الرأي العام؛ ففي القرن الأول قبل الميلاد، خاض أوكتافيان ومارك أنطوني صراعاً دعائياً موازياً لصراعهما السياسي والعسكري، واستخدم الطرفان العملات والقصائد والمنشورات والخطب لحشد التأييد.

ووجه أوكتافيان ضربة قاصمة إلى خصمه عندما تلا أمام مجلس الشيوخ ما قيل إنه وصية أنطوني، التي أظهرت، بحسب الرواية، ولاءه لكليوباترا ملكة مصر أكثر من ولائه لروما. ولا يزال المؤرخون يختلفون حول ما إذا كانت الوثيقة حقيقية أم ملفقة. لكن بصرف النظر عن حقيقتها، أدت الرواية دوراً في تعبئة الرأي العام ضد أنطوني، وانتهى الصراع بتحوّل أوكتافيان إلى حاكم وحيد لروما ليضطلع بدور حاسم في تحوّل الجمهورية الرومانية إلى الإمبراطورية الرومانية، ويكسب لقب «المبجّل» بقرار من مجلس الشيوخ ويصبح اسمه أغسطس قيصر.

 

*الأدوات الجديدة

المبدأ نفسه لم يتغير كثيراً، لكن أدواته تغيرت جذرياً.

واليوم، يملك أي شخص القدرة على إنتاج صورة أو مقطع أو رواية والوصول بها إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات. وهنا يجب التمييز بين المعلومات المضللة؛ أي المعلومات الخاطئة التي تنتشر من دون قصد متعمد بالضرورة، والتضليل المتعمد، الذي يقوم على نشر معلومات كاذبة بهدف التأثير في الجمهور أو تضليله.

وفي الحروب، تصبح الحدود بين الإعلام والدعاية أكثر ضبابية؛ فكل طرف يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه الضحية، وإظهار خصمه بوصفه المعتدي، واختيار الصور والأرقام والقصص التي تخدم روايته. ومع تكرار الرواية نفسها، يمكن أن تتحول المعلومة غير الدقيقة إلى «حقيقة» في أذهان بعض الناس؛ ليس بالضرورة لأنها مقنعة، بل لأنها أصبحت مألوفة، ولتلكؤ المتلقّي عن التدقيق لمعرفة الحقيقة.

عمال إنقاذ خارج مدرسة تضررت بالقصف في كييف... أين الحقيقة في حرب أوكرانيا؟ (أ.ف.ب)

وتشير الأبحاث النفسية إلى أن الإنسان لا يتعامل مع كل معلومة جديدة بوصفه محققاً؛ فهو غالباً ما يركز أولاً على فهم المعلومة وتحديد ما الذي ينبغي أن يفعله بناء عليها. وإذا كانت المعلومة الكاذبة معقولة ومتناغمة مع ما يؤمن به مسبقاً، فقد يصنّفها حقيقة ويتبنّاها.

وتزداد قابلية التصديق عندما تأتي المعلومة من مصدر ينتمي إليه الشخص أو يثق به، أو عندما تكون مشحونة بالخوف والغضب. كما أن تكرار الادعاء يزيد احتمال تصديقه، حتى عندما يتعارض مع المعرفة السابقة.

 

* منصّات وخوارزميات

هنا تلعب منصات التواصل الاجتماعي دوراً بالغ الأهمية؛ فالخوارزميات مصممة أساساً لجذب الانتباه والتفاعل، والمحتوى المثير للغضب أو الخوف أو الصدمة يمتلك غالباً قدرة أكبر على الانتشار من المادة الهادئة والمتأنية. وهكذا قد لا تنتصر الرواية الأكثر دقة، بل الرواية الأكثر قدرة على إثارة الانفعال.

ويضيف التطور التكنولوجي طبقة جديدة إلى المشكلة؛ فالذكاء الاصطناعي التوليدي جعل إنتاج الصور ومقاطع الفيديو المزيفة أكثر سهولة، وزاد صعوبة التمييز بين الحقيقي والمصطنع. وإذا كان الجمهور قد اعتاد على سيل متواصل من المعلومات المتضاربة، فإن ظهور «التزييف العميق» يجعل السؤال أكثر تعقيداً: ما الذي يمكن تصديقه عندما تصبح الصورة نفسها قابلة للتزوير، أو حتى للاختلاق من لا شيء؟

مسيّرة تابعة لقوات حلف شمال الأطلسي في سماء لاتفيا... الذكاء الاصطناعي في صلب أدوات الحرب الحديثة مع كل الإمكانات التي يوفرها لـ«ابتكار» المعلومات ونشرها (أ.ف.ب)

وهنا قد لا يكون الخطر في أن يصدق الناس كل شيء، بل في أن يصلوا إلى مرحلة لا يصدقون فيها شيئاً؛ فالتعرض المستمر للمعلومات المتناقضة والمفبركة يمكن أن يضعف الثقة بالإعلام والمؤسسات، ويزيد الاستقطاب، ويجعل الأفراد أكثر تشكيكاً في الحقائق المشتركة التي يحتاج إليها أي مجتمع لاتخاذ قراراته. وفي زمن الحرب، يمكن أن يكون لذلك ثمن إضافي: يصبح الضحايا أرقاماً، وتتحول المآسي إلى محتوى، ويتعامل الجمهور مع أخبار القتل والدمار كما يتعامل مع أي خبر آخر يمر على الشاشة ثم يختفي قبل أن يطويه النسيان.

 

* إرهاق جماعي

لكن الاعتياد لا يعني بالضرورة غياب التعاطف. وقد يكون ما يحدث أقرب إلى إرهاق جماعي من الأخبار؛ فحين تتراكم الأزمات والحروب والكوارث، قد يعجز الإنسان عن الاحتفاظ بالمستوى نفسه من الانفعال تجاه كل حدث؛ فالحرب التي كانت قادرة على إيقاف العالم للحظة قد تصبح، بعد أشهر أو سنوات، خبراً آخر بين أخبار الاقتصاد والرياضة والطقس...

(اللبنانيون - على سبيل المثال - عاشوا ذلك في فترة 2019 - 2020، بدءاً من اندلاع حرائق هائلة مجهولة الأسباب، مروراً بالانهيار المالي وامتلاء شوارع وساحات بناس منتفضين، وكذلك بـ«كوفيد»، وانتهاء بكارثة انفجار مرفأ بيروت).

وهنا تكمن المفارقة: كلما ازدادت قدرتنا على رؤية الحروب لحظة بلحظة، تقل قدرتنا على الاستمرار في الإحساس بوقعها.

ولا بدّ من القول إن المواجهة لا تبدأ فقط بالتحقق من الأخبار الكاذبة، بل أيضاً بتعليم الناس كيف يسألون: من نشر هذه المعلومة؟ وما مصدرها؟ وهل ثمة مصادر مستقلة تؤكدها؟ وهل الصورة حديثة فعلاً أم أُخرجت من سياق آخر وأعيد استخدامها؟

فالمعركة على الحقيقة ليست منفصلة عن المعركة على الحرب. وفي عالم يمكن فيه لصورة واحدة مفبركة أن تصل إلى ملايين الأشخاص، تصير القدرة على الشك والتحقق نوعاً من الدفاع المدني الرقمي.

الحرب السيبرانية جزء من الواقع الجديد (رويترز)

ربما لم يعتد العالم على العنف تماماً. لكنه ألِف، إلى حد ما، مشاهدة العنف.

والفارق بين الاثنين مهم. لأن الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما نتوقف عن رؤية الحرب، بل عندما نتوقف عن طرح الأسئلة عنها... عندما تصير الجثث صوراً، والدمار خلفية، والضحايا مجرد أرقام، والحرب خبراً عادياً يمر أمام أعيننا قبل أن ننصرف إلى مشاغلنا اليومية.

 

* قالوا في التضليل

- توماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة، (1743 - 1826): «لم يعد بالإمكان تصديق أي شيء يُنشر في صحيفة؛ فالحقيقة نفسها تصبح موضع شك لمجرد وضعها في تلك الوسيلة الملوّثة».

- وينستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني (1874 - 1965): «في زمن الحرب، تكون الحقيقة ثمينة إلى حدّ أنها ينبغي أن تحاط دائماً بحرس شخصي من الأكاذيب».

وسائل التواصل الاجتماعي... ملعب الروايات المتضاربة والشائعات (رويترز)

- باراك أوباما، الرئيس الأميركي بين 2009 و2017: «هناك مقدار هائل من المعلومات المضللة النشطة، وهي تُقدَّم بطريقة جيدة جداً... فإذا بدا كل شيء متشابهاً ولم نعد نميّز بين الأشياء، فلن نعرف ما الذي ينبغي لنا أن نحميه».

- الكاتب الآيرلندي جوناثان سويفت (1667 - 1745): «الباطل يطير، بينما تأتي الحقيقة وهي تجرّ أذيالها».

- الكاتب الآيرلندي جورج برنارد شو (1856 - 1950): «احذروا المعرفة الزائفة؛ فهي أخطر من الجهل».

- الصحافي الأميركي كارل بيرنستين (82 عاماً): «أدنى أشكال الثقافة الشعبية - انعدام المعلومات، والمعلومات المضللة، والمعلومات الكاذبة المتعمدة، وازدراء الحقيقة أو واقع حياة معظم الناس - قد اجتاح الصحافة الحقيقية».