وزير العدل الأميركي ناقش مسائل تتعلق بـ«الحملة الانتخابية» مع سفير روسيا

سيشنز يواجه ضغوطاً متزايدة بعد تقرير للاستخبارات الأميركية وانتقادات من ترمب

الوزير سيشنز خلال إدلائه بشهادته أمام لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ في يونيو الماضي (إ.ب.أ)
الوزير سيشنز خلال إدلائه بشهادته أمام لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ في يونيو الماضي (إ.ب.أ)
TT

وزير العدل الأميركي ناقش مسائل تتعلق بـ«الحملة الانتخابية» مع سفير روسيا

الوزير سيشنز خلال إدلائه بشهادته أمام لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ في يونيو الماضي (إ.ب.أ)
الوزير سيشنز خلال إدلائه بشهادته أمام لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ في يونيو الماضي (إ.ب.أ)

أبلغ سفير روسيا في واشنطن سيرغي كيسلياك رؤساءه في موسكو أنه بحث المسائل المتعلقة بالحملة الانتخابية، بما في ذلك القضايا السياسية ذات الأهمية لموسكو، مع جيف سيشنز خلال السباق الانتخابي لعام 2016، خلافاً للتأكيدات المعلنة من النائب العام الأميركي (وزير العدل)، وفق تصريحات مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين.
وكانت محادثات السفير كيسلياك لمرتين متتاليتين مع السيد سيشنز – الذي كان يشغل منصب كبير مستشاري السياسة الخارجية للمرشح الجمهوري دونالد ترمب – قد اعترضتها أجهزة الاستخبارات الأميركية التي تراقب اتصالات كبار المسؤولين الروس في الولايات المتحدة وروسيا. ولقد فشل السيد سيشنز في أول الأمر في الكشف عن اتصالاته مع السفير الروسي، ثم قال إن الاجتماعات لم تكن في شأن حملة ترمب الانتخابية.
وقال أحد المسؤولين الأميركيين إن سيشنز - الذي قال في شهادته إنه لا يتذكر أي لقاءات عُقدت في أبريل (نيسان) - قدّم تصريحات مضللة تتناقض مع أدلة أخرى ثابتة. وقال أحد المسؤولين السابقين إن الاستخبارات تشير إلى أن سيشنز وكيسلياك جمعتهما مناقشات جوهرية حول مسائل منها مواقف ترمب من القضايا ذات الأهمية لروسيا، وآفاق العلاقات الروسية - الأميركية في إدارة ترمب المقبلة.
وصرّح سيشنز مراراً وتكراراً بأنه لم يناقش أبداً المسائل المتعلقة بالحملة الانتخابية مع المسؤولين الروس وبأن المقابلات مع كيسلياك كانت بصفته عضواً في مجلس الشيوخ الأميركي. وقال سيشنز في مارس (آذار) الماضي عندما أعلن أنه سينأى بنفسه عن المسائل ذات الصلة بتحقيقات المباحث الفيدرالية الخاصة بالتدخلات الروسية في الانتخابات الرئاسية وأي صلات تتعلق بحملة ترمب الانتخابية: «لم أعقد أي اجتماعات مع المسؤولين أو الوسطاء الروس حول حملة ترمب الانتخابية».
وقال مسؤولون أميركيون حاليون وسابقون إن موقف سيشنز يتناقض مع تصريحات كيسلياك حول محادثتين أجريتا خلال الحملة الانتخابية، إحداهما في أبريل قبل خطاب ترمب الأول عن السياسة الخارجية، والثانية كانت في يوليو (تموز) على هامش المؤتمر الوطني الجمهوري.
ومن شأن التناقض الظاهر أن يسبب مشكلات جديدة للسيد سيشنز، إذ إن موقفه في الإدارة الأميركية يبدو ضعيفاً على نحو متزايد.
وأعرب السيد ترمب، خلال مقابلة شخصية هذا الأسبوع، عن إحباطه من إعلان سيشنز النأي بنفسه عن التحقيقات الروسية وأعرب عن أسفه لتعيين المشرّع من ولاية ألاباما أكبر مسؤولي إنفاذ القانون في البلاد. كما انتقد السيد ترمب السيد سيشنز بسبب الإجابات السيئة التي أدلى بها خلال جلسة الكونغرس لتأكيد تعيينه في منصب النائب العام (وزير العدل) حول الاتصالات الروسية التي أجراها خلال الحملة الانتخابية.
وأكد المسؤولون أن المعلومات المناقضة لتصريحات السيد سيشنز مصدرها تقارير الاستخبارات الأميركية حول اتصالات السفير الروسي مع الكرملين، كما قالت أجهزة الاستخبارات الأميركية إن السفير الروسي قد يكون أساء فهم أو بالغ في فهم طبيعة التفاعلات مع الجانب الأميركي.
وصرحت الناطقة الرسمية باسم وزارة العدل الأميركية سارة إيسغور فلورز في بيان: «من الواضح أنني لا أستطيع التعليق على صدقية المصادر المجهولة التي تتحدث عن اعتراض استخباراتي غير موثوق منه وغير مؤكد ولم تطلع عليه صحيفة واشنطن بوست، كما لم أطلع عليه بصفة شخصية».
ومن المعروف عن الدبلوماسيين الروس وغيرهم من الدبلوماسيين الأجانب في واشنطن وأماكن أخرى، أنهم في بعض الأحيان يقومون بالإبلاغ عن معلومات كاذبة أو مضللة بغية تعزيز مكانتهم لدى رؤسائهم أو للتسبب في إرباك أجهزة الاستخبارات الأميركية (التي تتنصت عليهم).
لكن المسؤولين الأميركيين من ذوي الاطلاع المنتظم على تقارير الاستخبارات الروسية يقولون إن كيسلياك – الذي انتهت فترة خدمته أخيراً سفيراً لموسكو في واشنطن - كان معروفا عنه الإبلاغ عن التفاصيل الدقيقة حول تفاعلاته مع المسؤولين في واشنطن.
ولقد نأى السيد سيشنز بنفسه عن التعاطي المباشر مع التحقيقات الروسية بعدما كشفت صحيفة «واشنطن بوست» عن مقابلته مع السيد كيسلياك مرتين على الأقل في عام 2016، وهي اتصالات فشل في الكشف عنها خلال جلسة الكونغرس لتأكيد تعيينه في منصب النائب العام في يناير (كانون الثاني) الماضي.
وأجاب سيشنز رداً على سؤال عما إذا كان أي شخص على علاقة بحملة ترمب قد اتصل بممثلين من الحكومة الروسية: «لم تكن لي اتصالات مع الجانب الروسي».
لكنه أكد منذ ذلك الحين أنه أساء فهم نطاق السؤال وأن اجتماعاته مع السيد كيسلياك كانت تتعلق بصفته عضواً في مجلس الشيوخ الأميركي ليس إلا. وفي لقاء مع شبكة فوكس الإخبارية في مارس الماضي قال السيد سيشنز: «لا أذكر إجراء أي مناقشات بشأن الحملة الانتخابية بأي شكل من الأشكال».
وبدا السيد سيشنز محاولاً تضييق نطاق هذا التأكيد في الشهادة الموسعة التي أدلى بها أمام لجنة استخبارات مجلس الشيوخ في يونيو (حزيران) الماضي عندما قال إنه «لم يلتق مع أو كانت له أي محادثات مع أي مسؤول روسي أو أجنبي فيما يتعلق بأي نوع من أنواع التدخل في أي حملة انتخابية أو انتخابات جارية في الولايات المتحدة الأميركية».
ولكن عندما مورست عليه الضغوط بشأن التفاصيل في الجلسة نفسها، علل السيد سيشنز الكثير من إجاباته بقوله إنه لا يتذكر أو ليست لديه ذاكرة حاضرة بهذا الصدد.
وقال أحد المسؤولين الأميركيين الذي اطلع على تقارير كيسلياك إن السفير الروسي قال إنه تحدث مع السيد سيشنز بشأن مسائل ذات أهمية للحملة الانتخابية، بما في ذلك مواقف السيد ترمب حول قضايا السياسة الرئيسية ذات الأهمية للجانب الروسي.
وكان هناك اجتماع ثالث جمع سيشنز وكيسلياك في مكتبه بالكونغرس الأميركي في سبتمبر (أيلول). ورفض المسؤولون التصريح بما إذا كانت أجهزة الاستخبارات الأميركية قد اعترضت أي اتصالات روسية فيما يتعلق بالاجتماع الثالث المذكور.
ونتيجة لذلك، تركزت التناقضات حول المحادثتين الأوليين بين سيشنز وكيسلياك، بما في ذلك المحادثة التي أقر السيد سيشنز بأنها وقعت في يوليو من عام 2016 على هامش المؤتمر الوطني الجمهوري.
وبحلول ذلك الوقت، كان الرئيس الروسي قد قرر الشروع في حملة سرية لمساعدة السيد ترمب في الانتخابات الرئاسية من خلال تسريب رسائل البريد الإلكتروني الضارة حول منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون، وفق ما تزعم تقارير الاستخبارات الأميركية.
وعلى الرغم من عدم وضوح مدى ضلوع السيد كيسلياك في الحملة الروسية السرية لمساعدة ترمب، فإن رؤساءه في موسكو كانوا حريصين على التحديثات الدبلوماسية بشأن مواقف المرشح الرئاسي في الولايات المتحدة، لا سيما فيما يتعلق بالعقوبات الأميركية المفروضة على روسيا والنزاعات الطويلة الأجل مع إدارة الرئيس أوباما حول الصراعات الدائرة في أوكرانيا وسوريا.
وأشار كيسلياك في تقاريره إلى إجراء محادثة مع سيشنز في أبريل من عام 2016 في فندق «مايفلاور» في واشنطن، في الوقت الذي كان المرشح الانتخابي حينذاك دونالد ترمب يلقي خطابه الأول حول السياسة الخارجية، وفق مسؤولين مطلعين على تقارير الاستخبارات الأميركية حول السيد كيسلياك.
وقال السيد سيشنز إنه لا يتذكر عقد أي لقاءات مع السيد كيسلياك خلال هذه الفعالية. وأدلى في شهادته أمام لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ في يونيو الماضي قائلاً: «لا أتذكر إجراء أي محادثات مع أي مسؤول روسي في فندق مايفلاور».
وفي وقت لاحق من الجلسة نفسها، قال السيد سيشنز إنه «من المتصور أن اللقاء قد تم. غير أنني لا أذكره».
كان السيد كيسلياك أيضاً من الشخصيات البارزة في إقالة مستشار الأمن القومي الأميركي السابق الجنرال مايكل فلين من منصبه، الذي أُجبَر على مغادرته بعد كشف صحيفة «واشنطن بوست» عن مناقشاته بشأن العقوبات الأميركية المفروضة على روسيا مع السفير الروسي في الوقت الذي كان يخبر فيه الآخرين في إدارة الرئيس ترمب بأنه لم يفعل شيئاً من ذلك.
وفي هذه الحالة، رغم كل شيء، جرى اعتراض المكالمات الهاتفية بين السيدين فلين وكيسلياك بواسطة الاستخبارات الأميركية، مما شكّل مجموعة من الأدلة الدامغة. أما تقارير الاستخبارات بشأن السيد سيشنز، على النقيض من ذلك، فإنها تستند على تصريحات السيد كيسلياك وغير مؤكدة من جانب مصادر أخرى موثوق منها.
وأثار المدير السابق للمباحث الفيدرالية الأميركية جيمس كومي المزيد من التكهنات حول احتمال انعقاد اجتماع بين سيشنز وكيسلياك في فندق مايفلاور عندما أبلغ جلسة الاستماع بالكونغرس في 8 يونيو أن المباحث الفيدرالية لديها معلومات حول السيد سيشنز قد تثير قدراً من المشكلات بالنسبة إلى ضلوعه في الإشراف على التحقيقات الجارية في قضية التدخلات الروسية.
ولم يقدم السيد كومي أي تفاصيل عن المعلومات التي بحوزة المباحث الفيدرالية، باستثناء التصريح بأنه قد يناقش الأمر مع أعضاء مجلس الشيوخ على نحو سري. وقال المسؤولون الحاليون والسابقون إنه قد يشير إلى المعلومات الاستخباراتية حول تصريحات كيسلياك بشأن المقابلة مع سيشنز في فندق مايفلاور.
ولقد دعا الأعضاء الديمقراطيون في مجلس الشيوخ المباحث الفيدرالية إلى البدء في التحقيق في واقعة شهر أبريل في فندق مايفلاور.
وكان دور السيد سيشنز في إقالة السيد كومي من منصبه قد أغضب الكثيرين في المباحث الفيدرالية وسرّع من وتيرة الأحداث التي أسفرت عن تعيين روبرت مولر في منصب مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية بدلاً منه باعتباره مستشاراً خاصاً مكلفاً الإشراف على التحقيقات الروسية الحالية.
وأثارت كلمات الرئيس الأميركي اللاذعة تجاه النائب العام الأميركي، جيف سيشنز، المزيد من التكهنات خلال الأيام الماضية حول إمكان فصله من منصبه أو استقالته. وحتى الآن، ظل السيد سيشنز يقاوم اتخاذ قرار الاستقالة، مصرحاً بأنه يعتزم الاستمرار في عمله «ما دام كان ذلك ملائماً».
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ {الشرق الأوسط}



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».