مفتي القدس لـ «الشرق الأوسط»: لن ندخل عبر البوابات الإلكترونية

دعوات للصلاة في الشوارع... والسلطة والأردن يرفضان تغيير الوضع التاريخي والجامعة العربية تدين

فلسطينيون مسلمون يؤدون الصلاة أمام باب الأسباط في القدس القديمة في ظل حراسات إسرائيلية مشددة
فلسطينيون مسلمون يؤدون الصلاة أمام باب الأسباط في القدس القديمة في ظل حراسات إسرائيلية مشددة
TT

مفتي القدس لـ «الشرق الأوسط»: لن ندخل عبر البوابات الإلكترونية

فلسطينيون مسلمون يؤدون الصلاة أمام باب الأسباط في القدس القديمة في ظل حراسات إسرائيلية مشددة
فلسطينيون مسلمون يؤدون الصلاة أمام باب الأسباط في القدس القديمة في ظل حراسات إسرائيلية مشددة

قال الشيخ محمد حسين، مفتي القدس والديار الفلسطينية، إن أي إجراءات إسرائيلية جديدة في المسجد الأقصى، ستقابل برفض تام ومتواصل وليس فقط بوابات التفتيش الإلكترونية، موجها دعوة إلى الفلسطينيين جميعا لمقاطعة البوابات الإلكترونية حتى تزيلها إسرائيل.
وأضاف المفتي في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الفلسطينيين لن يقبلوا بأقل من المرور بحرية وكرامة إلى مسجدهم.
واتهم المفتي السلطات الإسرائيلية بالعمل على تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى، وقال: «إنهم يسعون، بشكل تدريجي، للسيطرة الكاملة على المسجد». وضرب المفتي مثالا حول النتيجة القائمة لوضع البوابات الإلكترونية، التي تمثلت أمس بوجود المتطرفين اليهود داخل المسجد فيما صلى المسلمون خارجه.
وقال المفتي: «إنهم يسمحون للمتطرفين باقتحام المسجد من دون حسيب أو رقيب، ويضعون نظام تفتيش مذل للمسلمين. لقد فتحوا لهم باب الأسباط فيما وضعوا في وجوه المسلمين البوابات الإلكترونية».
وأضاف: «نحن نرفض الدخول من خلال البوابات الإلكترونية. هناك رفض كامل من قبل المرجعيات الدينية والسياسية وقوى المجتمع المدني، ليس فقط للبوابات الإلكترونية، بل لأي إجراءات أخرى قامت وستقوم بها القوات الإسرائيلية».
وتابع: «نحن نتوقع أن تكون هناك إجراءات أخرى، ونتوقع أن هناك إجراءات قامت بها إسرائيل في الداخل. نحن لغاية الآن، لم نصل للمسجد لنرى كل الإجراءات. لكن نقول من الآن، إن أي إجراء يمس بالوضع القائم التاريخي مرفوض».
ووجه المفتي دعوة واضحة لمقاطعة كل الإجراءات الإسرائيلية في المسجد، حتى تعود إسرائيل عنها وتفتح جميع بوابات المسجد كما كانت.
وقال: «نريد حرية تامة. لن نقبل بأقل من حريتنا في الدخول بكرامة والصلاة بعيدا عن الإجراءات الإسرائيلية. لن نقبل أن يعامل المسجد الأقصى كأي مؤسسة تجارية يوجد على أبوابها حراس وبوابات إلكترونية».
وأضاف: «هذا موقف مبدئي. قلنا ونقول: الأقصى حق خالص للمسلمين، ونحن نسأل: هل تريد (إسرائيل) أن تقنعنا أنها حريصة على المسلمين كل هذا الحرص فتضع لهم البوابات؟».
ورفض الفلسطينيون لليوم الثاني، الدخول إلى المسجد الأقصى عبر البوابات الإلكترونية، واختاروا الصلاة أمام بواباته، في تصعيد كبير أعقب مواجهات وقعت يوم الأحد، وخلفت إصابات.
وفي حين ظل الأقصى من دون مصلين، وحتى من دون أي مسؤولين وحراس من دائرة الأوقاف، الذين تعاملوا مع الأمر باعتباره سحبا لسيادتهم على المكان وفرضا للسيادة الإسرائيلية عليه، سمحت إسرائيل ليهود متطرفين بدخول الأقصى ضمن برامج الزيارات.
وأثار مشهد بقاء المسلمين خارج المسجد ووجود يهود بداخله، غضبا شعبيا كبيرا، وأشعل مخاوف من مخططات لتقسيم زماني ومكاني للمسجد.
وذرف رجال كبار مسنّون ونساء الدموع عند بوابات المسجد، في تعبير عفوي عن الحرقة على حصاره منذ أيام.
وكانت إسرائيل أغلقت المسجد الأقصى يوم الجمعة الماضي بشكل كامل أمام المصلين، بعد هجوم مسلح قرب أبوابه أدى إلى مقتل شرطيين إسرائيليين، بعد أن نفذ 3 شبان من مدينة أم الفحم عملية وقضوا برصاص الشرطة.
وأبقت إسرائيل على المسجد مغلقا حتى الأحد، ثم فتحته بشكل جزئي، ووضعت بوابات إلكترونية للتفتيش على بوابتين فتحتا من بين 9 أخريات.
وسمحت إسرائيل للمقدسيين بالدخول إلى المسجد، وعاقبت كل فلسطينيي الداخل (فلسطينيو 48) بمنعهم من الوصول. لكن مسؤولي الأوقاف الإسلامية رفضوا الدخول إلى المسجد، وتبعهم المقدسيون في ذلك.
وأعلنت المرجعيات الإسلامية في القدس، التي تضم الأوقاف الإسلامية والمفتي، في بيان لها أمس، تلقت «الشرق الأوسط» نسخة عنه، رفضها الإجراءات الإسرائيلية، داعية سكان القدس إلى «عدم التعامل معها (البوابات) مطلقا، وعدم الدخول من خلالها إلى المسجد الأقصى بشكل قاطع».
وناشدت المرجعيات الإسلامية؛ ممثلة برئيس مجلس الأوقاف الإسلامية، ورئيس الهيئة الإسلامية العليا، ومفتي القدس والديار الفلسطينية، والقائم بأعمال قاضي القضاة الفلسطينيين، شد الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك، وطالبت المواطنين «برفض إجراءات العدوان الإسرائيلي الجائرة كافة».
وقالت المرجعيات إنه في حال استمرار فرض البوابات الإلكترونية على دخول المسجد الأقصى المبارك، «ندعو أهلنا إلى الصلاة والتعبد أمام أبواب المسجد الأقصى المبارك، وفي شوارع القدس وأزقتها».
لكن وزراء إسرائيليين أعلنوا أن البوابات غير قابلة للتفاوض. وقال وزير الأمن الإسرائيلي، غلعاد أردان، إن الإجراءات الأمنية غير قابلة للنقاش.
ومن غير المعروف ما إذا كانت إسرائيل ستصر على إبقاء البوابات فعلا أمام ازدياد الغضب الشعبي الفلسطيني واحتمال تطوره إلى «مواجهات»، ومع ازدياد الضغط الفلسطيني - الأردني - العربي رفضا للإجراءات الأخيرة.
وهاتف رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد الله، أمس، رئيس الوزراء الأردني هاني الملقي «لبحث التصعيد الإسرائيلي الخطير في المسجد الأقصى، والمساعي المبذولة من قبل القيادتين الفلسطينية، وعلى رأسها الرئيس محمود عباس، والأردنية، وعلى رأسها الملك عبد الله الثاني، في الدفاع عن المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، ووقف الانتهاكات الإسرائيلية بحقها»، كما جاء في بيان حكومي رسمي.
وأكد الحمد الله، الرفض المطلق للذرائع الأمنية الإسرائيلية في تبرير خطواتها التصعيدية في المسجد الأقصى، محذرا من المخططات الإسرائيلية في تغيير «الوضع القائم» في القدس، والمساس بمكانة المسجد الأقصى الدينية والتاريخية، وفرض مزيد من القيود على حرية العبادة فيه.
وحذر الحمد الله من أن يؤدي التصعيد العسكري الإسرائيلي في القدس خاصة، إلى تدهور الأوضاع الأمنية وتصاعد ردود الفعل، داعيا إسرائيل إلى وقف انتهاكاتها، مشددا على أن إنهاء الاحتلال وحده يجلب السلام إلى المنطقة بأكملها.
وجدد الحمد الله إشادته «بدور جلالة الملك عبد الله الثاني، والقيادة الأردنية، في حماية المسجد الأقصى والمقدسات في القدس، والدفاع عنها في المحافل الدولية كافة».
وفي غزة، قال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية إن «شعبنا ومقاومته لن يسمحا بتمرير مخططات الاحتلال حوله، وإن الأقصى معركة مفتوحة وعنوان قضية دونه ترخص الدماء وتهون الأرواح».
وقال هنية في تصريح له تلقت «الشرق الأوسط» نسخة عنه: «خطوات الكيان الصهيوني الأخيرة تمثل تطوراً خطيراً من أجل تقسيم المسجد الأقصى كمقدمة للسيطرة الكاملة عليه». وأضاف: «نشد على أيدي أهلنا المرابطين والمجاهدين في بيت المقدس، ونحيي فيهم روح التحدي والتصدي للمستوطنين الإرهابيين الذين يدنسون الأقصى».
وأدان مجلس جامعة الدول العربية في بيان صدر أمس، الإجراءات التي أقدمت عليها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في المسجد الأقصى، وحذر من أن تؤدي إلى تصعيد بالغ الخطورة وعواقب وخيمة، في إشعال الحرب الدينية في المنطقة.
وأكد المجلس أن مثل هذه الإجراءات تشكل عدوانا صارخا على حقوق ومقدسات الشعب الفلسطيني والأمتين العربية والإسلامية، كما تشكل انتهاكا جسيما لكافة المواثيق والقوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة بما فيها قرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن واليونيسكو ومجلس حقوق الإنسان والتي أكدت مرارا على أن مدينة القدس مدينة محتلة وجزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وتأكيدها على أن الحرم القدسي الشريف هو مكان مقدس للمسلمين دون سواهم.
وأعرب المجلس عن رفضه لأي تغيير للوضع القائم في مدينة القدس المحتلة والمسجد الأقصى، مؤكدا ضرورة وقف وإلغاء جميع الإجراءات الإسرائيلية وإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه بما يشمل إزالة البوابات الإلكترونية واحترام حرية العبادة وحق أبناء الشعب الفلسطيني الراسخ في ممارسة شعائرهم الدينية.
وأوضح مندوب فلسطين بالجامعة العربية، السفير جمال الشوبكي، أن الاجتماع تقرر عقده بشكل عاجل بناء على طلب من دولة فلسطين لبحث إغلاق المسجد الأقصى المبارك والإجراءات الإسرائيلية التصعيدية.
وأكد الشوبكي، أن إسرائيل تشن حربا شرسة ضد الشعب الفلسطيني، وأن حكومة اليمين المتطرف برئاسة نتنياهو تقوم بالتضييق على المقدسيين وفرض سياسة الأمر الواقع، من أجل تقسيم المسجد الأقصى زمنيا ومكانيا على غرار ما حدث في الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل.



مصر وليبيريا تتفقان على تنسيق الأولويات الأفريقية في «مجلس الأمن»

لقاء عبد العاطي ونيانتي على هامش «قمة الاتحاد الأفريقي» في فبراير الماضي (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
لقاء عبد العاطي ونيانتي على هامش «قمة الاتحاد الأفريقي» في فبراير الماضي (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
TT

مصر وليبيريا تتفقان على تنسيق الأولويات الأفريقية في «مجلس الأمن»

لقاء عبد العاطي ونيانتي على هامش «قمة الاتحاد الأفريقي» في فبراير الماضي (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
لقاء عبد العاطي ونيانتي على هامش «قمة الاتحاد الأفريقي» في فبراير الماضي (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

اتفقت مصر وليبيريا على «تنسيق أولويات القارة الأفريقية في مجلس الأمن الدولي». وبحث وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع وزيرة خارجية جمهورية ليبيريا سارة نيانتي خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مستجدات الأوضاع الإقليمية في القارة الأفريقية.

وتبادل الوزيران الرؤى بشأن الجهود الرامية إلى دعم الأمن والاستقرار وتسوية الأزمات بالوسائل السلمية، لا سيما في ضوء عضوية ليبيريا غير الدائمة بـ«مجلس الأمن» وبما يسهم في دعم أولويات القارة الأفريقية والدفاع عن مصالحها داخل المجلس، وكذا التنسيق إزاء تطورات الأوضاع في أفريقيا.

كما ناقش الاتصال سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين. وأكد الوزيران «الحرص على مواصلة الارتقاء بمسارات التعاون الثنائي في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصادية والتجارية والتنموية وبناء القدرات، بما يعكس متانة العلاقات السياسية بين البلدين، ويحقق المصالح المشتركة للشعبين الشقيقين».

وتحدث وزيرا خارجية البلدين، الجمعة، عن أهمية مواصلة التشاور بين الجانبين واستكشاف آفاق جديدة للتعاون، والاستفادة من الخبرات والقدرات المصرية في دعم جهود التنمية في ليبيريا.

وفي فبراير (شباط) الماضي، أكد عبد العاطي خلال لقاء نيانتي على هامش فعاليات «قمة الاتحاد الأفريقي» عمق العلاقات التاريخية التي تجمع بين مصر وليبيريا، مشيراً إلى أن «مصر كانت من أوائل الدول التي أقامت علاقات دبلوماسية مع ليبيريا عام 1957».

وأشار حينها إلى حرص بلاده على تعزيز العلاقات مع ليبيريا في مختلف المجالات الاقتصادية والتجارية والأمنية، مؤكداً «أهمية تعزيز التعاون في مجال مكافحة الإرهاب ودعم دول منطقة الساحل».

وشهد اللقاء وقتها توقيع الوزيرين على مذكرة تفاهم بين «معهد الدراسات الدبلوماسية» التابع لوزارة الخارجية في مصر و«معهد الخدمة الخارجية» الليبيري لتعزيز التعاون في مجال بناء القدرات الدبلوماسية، وتبادل الخبرات في مجالات التدريب الدبلوماسي، وتأهيل الكوادر، وتنظيم برامج تدريبية مشتركة.

كما أعربت وزيرة خارجية ليبيريا حينها عن تقديرها للدور المصري الداعم لبلادها، مؤكدة تطلعها لتعزيز التعاون مع مصر في مختلف المجالات بما يسهم في تحقيق المصالح المشتركة ودعم جهود التنمية والاستقرار في القارة الأفريقية.


جرحى الحوثيين يستنزفون قدرات المستشفيات في صنعاء

الجماعة الحوثية تستثمر صور قتلاها لاستقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
الجماعة الحوثية تستثمر صور قتلاها لاستقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
TT

جرحى الحوثيين يستنزفون قدرات المستشفيات في صنعاء

الجماعة الحوثية تستثمر صور قتلاها لاستقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
الجماعة الحوثية تستثمر صور قتلاها لاستقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)

تتسع تداعيات التصعيد العسكري الذي تقوده الجماعة الحوثية في اليمن لتطال القطاع الصحي والسكان في مناطق سيطرتها، بالتزامن مع تصاعد انتقادات من داخل البيئة المحسوبة عليها، على خلفية ما يصفه ناشطون ومقاتلون سابقون بـ«استغلال الفقر لتجنيد الشباب، والمتاجرة بدماء المقاتلين، وتوجيه الموارد لخدمة الحرب على حساب الاحتياجات المدنية».

وفي العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر طبية «الشرق الأوسط» بأن ما تُسمى وزارة الصحة التابعة للحوثيين أصدرت خلال الأيام الماضية توجيهات بالحدِّ من استقبال الحالات المرضية الحرجة في عدد من المستشفيات الحكومية، مع تخصيص وحدات العناية المركزة وأقسام الطوارئ وأقسام طبية أخرى لاستقبال جرحى الجماعة القادمين من جبهات القتال.

وقالت المصادر إن الإجراءات شملت مستشفيات الثورة، والجمهوري، والشرطة، والمستشفى العسكري، والقدس، و48، والكويت، وهي من أبرز المنشآت الطبية في العاصمة؛ ما أدى إلى تقليص قدرتها على التعامل مع الحالات المدنية، خصوصاً المرضى الذين يحتاجون إلى تدخلات عاجلة أو رعاية في وحدات العناية المركزة.

مستشفى الكويت في صنعاء يكتظ بالجثامين... والحوثيون يضعونها في حاويات تبريد (إكس)

وتزامنت هذه الإجراءات مع وصول أعداد كبيرة من القتلى والجرحى الحوثيين إلى صنعاء، عقب المعارك في عدد من الجبهات اليمنية.

ووفق العاملين في القطاع الصحي، باتت المنشآت المشمولة بالإجراءات تستقبل أعداداً متزايدة من المصابين، مع تخصيص أسرَّة وأجهزة وأقسام طبية للحالات القادمة من مناطق القتال، بما فيها الإصابات التي تتطلب عمليات جراحية أو عناية مركزة.

ضغط على المستشفيات

تفرض الجماعة الحوثية إجراءات أمنية مشدَّدة حول عدد من المنشآت الطبية، مع منع وسائل الإعلام من الوصول إليها، وسط تكتم على بيانات المصابين القادمين من الجبهات وهوياتهم. ويقول عاملون في القطاع الصحي إن تدفق الجرحى أدى إلى زيادة الضغط على الطاقة الاستيعابية للمستشفيات، وتقليص المساحة المتاحة أمام المرضى المدنيين.

وقال أحمد، وهو قريب أحد المرضى في صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن أسرته واجهت صعوبة في الحصول على الرعاية الطبية اللازمة في المستشفى الجمهوري، واضطرت إلى البحث عن بديل خارج المستشفى؛ بسبب عدم توفر الإمكانات المطلوبة للتعامل مع حالة قريبه.

واتهم أحمد الحوثيين بتوجيه الموارد الطبية المتاحة لخدمة المجهود الحربي، محذراً من أن ذلك يضع المدنيين، خصوصاً الأطفال وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة والحالات الطارئة، أمام مخاطر إضافية.

قتلى وجرحى حوثيون خلال وصولهم إلى بوابة أحد المستشفيات في صنعاء (فيسبوك)

وتأتي هذه التطورات في وقت يعاني فيه النظام الصحي في مناطق سيطرة الحوثيين من تداعيات سنوات الحرب، وتراجع التمويل ونقص الأدوية والمستلزمات والكوادر الطبية، إلى جانب تضرر منشآت صحية وخروج بعضها عن الخدمة.

ولا يقتصر تأثير الضغط على مستشفيات صنعاء على سكان العاصمة وحدهم؛ إذ تستقبل المنشآت الطبية الرئيسية فيها عادةً حالات محولة من محافظات ومناطق أخرى، ما يجعل تراجع قدرتها الاستيعابية مؤثراً على نطاق أوسع من السكان الخاضعين لسيطرة الجماعة.

انتقادات داخلية

بالتوازي مع الضغط الذي يفرضه التصعيد الحوثي على القطاع الصحي، برزت انتقادات متزايدة من شخصيات وناشطين محسوبين على الجماعة، ركزت على التكلفة البشرية للحرب، وأوضاع المقاتلين وأسر القتلى والجرحى، فضلاً عن طرق التجنيد واستغلال الظروف الاقتصادية.

وفي أحدث هذه الانتقادات، شنَّ الناشط والمقاتل السابق في صفوف الجماعة، عبد الله شرف المهدي، هجوماً على قيادات ومشرفي الحوثيين، متهماً إياهم بالمتاجرة بدماء المقاتلين، وتهميش أسر القتلى والجرحى لتحقيق مصالح شخصية.

طفل جنَّدته الجماعة الحوثية يحرس إحدى فعالياتها في صنعاء (غيتي)

وقال المهدي إن المقاتلين وأسرهم يتحملون تكلفة الحرب، بينما يحصل المسؤولون والمشرفون، وفق روايته، على امتيازات تشمل العقارات والاعتمادات المالية، عادّاً أن المعركة تحولت إلى وسيلة لخدمة مصالح مجموعات داخل الجماعة.

وأعلن المهدي ندمه على السنوات التي قضاها في صفوف الحوثيين، رافضاً تقديم الدعم للجماعة مستقبلاً، في موقف يعكس انتقال بعض الانتقادات من الاعتراض على السياسات إلى التشكيك في دوافع استمرار الحرب نفسها.

ولم تقتصر الانتقادات على مقاتلين سابقين؛ إذ اتهم عضو البرلمان الخاضع للجماعة في صنعاء، عبده بشر، الحوثيين بتجاهل معاناة اليمنيين والاستمرار فيما وصفها بالحروب «العبثية»، داعياً إلى تحييد الملفَين الاقتصادي والإنساني عن الصراع.

وطالب بشر بصرف المرتبات وإطلاق المعتقلين وفتح المطارات، محذراً من أن استمرار ما وصفه بـ«التلذذ بسفك الدماء» سيؤدي إلى تعميق الكارثة الإنسانية، وداعياً الجماعة إلى اتخاذ خطوات تخفف معاناة السكان أو «الانصراف عن المشهد».

أسيران من عناصر الحوثيين في قبضة الجيش اليمني (الجيش اليمني)

في السياق نفسه، انتقد الناشط والكاتب الحوثي، زيد الكبسي، أساليب الجماعة في استقطاب الشباب واليافعين، قائلاً إن الحوثيين يستفيدون من الفقر وتدهور الظروف الاقتصادية لدفع مزيد من الشباب إلى جبهات القتال.

واتهم الكبسي الجماعة باستخدام الخطاب الديني والطائفي وشعارات «الجهاد والاستشهاد» في عمليات التجنيد، في وقت تعاني فيه أسر كثيرة من تدهور قدرتها على تأمين احتياجاتها الأساسية.

وبحسب روايته، يعتمد بعض المجندين على مبالغ محدودة يحصلون عليها من الجماعة لإعالة أسرهم، بينما يواجهون مخاطر القتل والإصابة في الجبهات. وقال إن كثيراً من هؤلاء من الشباب اليافعين الذين لم تتح لهم فرصة بناء حياتهم وتكوين أسرهم، لتتحمل عائلاتهم لاحقاً تبعات فقدانهم أو إصابتهم.


اليمن يكثف تحركه الدولي لحماية باب المندب

المبعوث الأممي هانس غروندبرغ خلال إحاطة بالفيديو أمام مجلس الأمن (الأمم المتحدة)
المبعوث الأممي هانس غروندبرغ خلال إحاطة بالفيديو أمام مجلس الأمن (الأمم المتحدة)
TT

اليمن يكثف تحركه الدولي لحماية باب المندب

المبعوث الأممي هانس غروندبرغ خلال إحاطة بالفيديو أمام مجلس الأمن (الأمم المتحدة)
المبعوث الأممي هانس غروندبرغ خلال إحاطة بالفيديو أمام مجلس الأمن (الأمم المتحدة)

كثفت الحكومة اليمنية تحركها الدبلوماسي على المستويين الدولي والإقليمي، في محاولة لوضع التهديد الحوثي للملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب في صدارة الاهتمام الدولي، بالتزامن مع تصعيد عسكري واسع امتد إلى الساحل الغربي ومناطق أخرى من البلاد، وتحذيرات أممية وغربية من أن تداعيات المواجهة لم تعد محصورة داخل اليمن.

وتزامن هذا التحرك مع جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي خُصصت لبحث التصعيد الحوثي، شهدت مواقف أميركية وبريطانية وفرنسية حازمة حيال الهجمات التي تستهدف اليمن والسعودية والملاحة البحرية، في حين حذر المبعوث الأممي هانس غروندبرغ، من أن عودة الحرب باتت واقعاً، وأن تداعياتها يمكن أن تتجاوز الحدود اليمنية إلى مواجهة إقليمية أوسع.

وخلال جلسة مجلس الأمن، جددت الولايات المتحدة دعمها للحكومة اليمنية في جهودها لإنهاء ما وصفته بإرهاب الحوثيين المدعومين من إيران وإحلال الاستقرار والسلام، كما أكدت وقوفها إلى جانب السعودية وحقها في الدفاع عن أراضيها ومواطنيها.

مسلحون حوثيون في صنعاء خلال فعالية للحشد والتعبئة (أ.ب)

وقالت المندوبة الأميركية إن هجمات الحوثيين تمثل جزءاً من أساليب ترهيب اليمنيين، مشيرة إلى قصف المدن وما نجم عنه من نزوح آلاف الأسر وسقوط مدنيين، فضلاً عن الأضرار التي لحقت بميناء المخا وبنيته التحتية الحيوية. وعدّت هذه الهجمات تهديداً مباشراً لأمن الطاقة الإقليمي والعالمي.

وربطت واشنطن بصورة مباشرة بين التصعيد الحوثي والدعم الإيراني، معتبرة أن الجماعة تسعى إلى تعطيل الممرات البحرية الحيوية، ومنها مضيق باب المندب، وتهديد حرية الملاحة وحركة التجارة العالمية. كما أشارت إلى هجمات نفذها الحوثيون في 5 سبتمبر (أيلول) ضد 4 مدن سعودية، وأسفرت عن إصابة مدنيين، بينهم نساء وأطفال، فضلاً عن هجمات سابقة على منشآت مدنية وسفن في البحر.

ودعت الولايات المتحدة، مجلس الأمن، إلى تشديد تنفيذ القرارات الصادرة عنه، وحرمان الحوثيين من الموارد التي تمكنهم من تنفيذ هجماتهم، مؤكدة ضرورة أن يتحدث المجلس بصوت واحد تجاه التصعيد، وأن يتحمل الداعمون له مسؤولية تبعاته.

تحذيرات غربية وأممية

من جهتها، أكدت فرنسا تمسكها بوحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه، ودعمها للحكومة اليمنية بوصفها الجهة المخولة ممارسة سلطة الدولة. وقال رئيس مجلس الأمن، المندوب الفرنسي جيروم بونافون، إن الشعب اليمني وحده صاحب الحق في تقرير مستقبله، ولا ينبغي أن يظل رهينة للسياسة الإيرانية المزعزعة للاستقرار.

وأدانت باريس بشدة الهجمات الحوثية في اليمن والسعودية، مؤكدة أن استهداف المدنيين لا يمكن تبريره، وأن التصعيد الراهن يمثل أخطر أزمة يشهدها اليمن منذ هدنة 2022.

وفي الشق البحري، قالت فرنسا إن هجمات الحوثيين تهدد الملاحة في البحر الأحمر، مؤكدة ضرورة الحفاظ على الأمن البحري وحرية الملاحة، ومشيرة إلى استمرار التزامها بهذا المسار عبر العملية الأوروبية «أسبيدس» ذات الطابع الدفاعي، وبالتنسيق مع الشركاء الأوروبيين والدوليين.

الحوثيون دفعوا بعشرات الآلاف من المقاتلين لخوض المعارك في الساحل الغربي اليمني (أ.ف.ب)

أما بريطانيا فأدانت استئناف الحوثيين الحرب في اليمن واستمرار هجماتهم على السعودية، مؤكدة حق البلدين في الدفاع عن أمنهما وسيادتهما، وفق القانون الدولي. وحذرت لندن من أن استئناف الحرب يعرض اليمنيين الأكثر ضعفاً لمزيد من المخاطر ويعمق الأزمة الإنسانية، مشيرة إلى أن أكثر من 22 مليون يمني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينما يواجه أكثر من 18 مليوناً انعداماً حاداً في الأمن الغذائي.

وربطت بريطانيا كذلك بين التصعيد وتهديد حرية الملاحة وطرق التجارة الحيوية في البحر الأحمر وباب المندب، مؤكدة أهمية التنفيذ الكامل لقراري مجلس الأمن 2140 و2216، بما في ذلك منع نقل الأسلحة والدعم العسكري والمكونات ذات الاستخدام المزدوج التي تمكن الحوثيين من تنفيذ هجماتهم.

وجاءت إحاطة غروندبرغ أمام مجلس الأمن لتضيف بعداً أممياً إلى التحذيرات الغربية؛ فقد قال إن تحذيره السابق من أن اليمن بات أقرب من أي وقت مضى منذ هدنة 2022 إلى العودة لنزاع واسع النطاق تحول إلى واقع، مع اشتداد القتال على جبهات عدة، خصوصاً الساحل الغربي.

وقال غروندبرغ إن هذا التطور يمنح الجماعة الحوثية وجوداً مباشراً على الممرات المؤدية إلى أحد أهم المضائق البحرية في العالم، مع استمرار القتال وإمكان تغير الوضع الميداني.

وحذّر غروندبرغ من أن عودة الحرب لا تعني فقط احتمال انزلاق اليمن إلى صراع طويل، وإنما تنطوي أيضاً على خطر جر البلاد إلى مواجهة إقليمية أوسع، بما قد تكون له تداعيات عالمية.

تحرك يمني متعدد المسارات

في موازاة التحرك داخل مجلس الأمن، وسعت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين أفراح الزوبة، اتصالاتها مع القوى الدولية، في مسار يبدو أنه يستهدف بناء موقف دولي أكثر وضوحاً تجاه البعد البحري للتصعيد الحوثي.

وخلال اتصال مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ستيفن دوتي، أكدت الزوبة أهمية الدور البريطاني بوصف المملكة المتحدة حاملة القلم في مجلس الأمن بشأن الملف اليمني، ودعت إلى حشد موقف دولي واضح تجاه التهديدات التي تطال المدنيين ودول الجوار والبحر الأحمر وباب المندب.

وزيرة الخارجية في الحكومة اليمنية أفراح الزوبة (أ.ب)

وقالت إن التهديد الحوثي تجاوز الداخل اليمني إلى الأمن الإقليمي والممرات البحرية، وإن معالجة مصادره تتطلب تعزيز قدرة الدولة اليمنية على حماية سواحلها وموانئها ومياهها الإقليمية، إلى جانب الحد من تدفق السلاح والتكنولوجيا والتمويل إلى الحوثيين.

وفي لقاء مع رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن وسفراء الدول الأعضاء، ركزت الوزيرة على محاولات الحوثيين التمدد باتجاه باب المندب، معتبرة أن حماية الدولة لسواحلها وموانئها ومياهها الإقليمية ليست قضية يمنية داخلية فحسب، وإنما ركيزة لأمن المنطقة والممرات البحرية الدولية.

كما طرحت أمام الجانب الأوروبي الحاجة إلى تعزيز قدرات القوات البحرية وخفر السواحل وتأمين الموانئ ومكافحة شبكات تهريب السلاح والتمويل، بحيث يبقى باب المندب ممراً آمناً للتجارة الدولية، ولا يتحول إلى ورقة ضغط بيد جماعة مسلحة خارج مؤسسات الدولة.

وفي اتصالها مع القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى اليمن نيل هوب، دفعت الزوبة بالطرح ذاته، مؤكدة أن حماية السفن بعد وصول التهديد إلى الممرات البحرية تظل إجراءً ضرورياً، لكن المعالجة الأكثر استدامة تبدأ من تمكين الدولة اليمنية من حماية سواحلها وموانئها ومياهها الإقليمية.

كما بحثت الوزيرة مع السفير الروسي يفغيني كودروف، أهمية الحفاظ على موقف دولي متماسك تجاه اليمن، مستفيدة من عضوية موسكو الدائمة في مجلس الأمن، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى حشد التأييد لتنفيذ القرارات الدولية، ومنع فرض وقائع جديدة بالقوة.

وتوجت الحكومة اليمنية هذا المسار برسالة وجهتها الزوبة إلى رئيس مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة بشأن التطورات العسكرية في تعز والحديدة، ومخاطر التحركات الحوثية باتجاه الساحل الغربي وباب المندب.

وأكدت الرسالة أن التحركات الحوثية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها تحركاً عسكرياً محلياً معزولاً، وإنما في سياق مسعى أوسع لفرض واقع عسكري جديد يمكن أن يعزز قدرة الجماعة وداعميها الإيرانيين على تهديد الملاحة الدولية والتحكم بأحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وطالبت الحكومة اليمنية مجلس الأمن بموقف واضح وحازم تجاه التصعيد، وإدانة استهداف المدنيين ومخيمات النازحين والأعيان المدنية، إلى جانب اتخاذ تدابير لوقف تدفق الأسلحة والتكنولوجيا والخبرات والتمويل إلى الحوثيين.