«أشباح» اليهود في وسط بيروت بعد عزلة طويلة

كثيرون بدلوا طائفتهم.. وتأهيل كنيس يعيدهم إلى الضوء

مقبرة يهودية في صيدا.. مدمرة ومهملة ({الشرق الأوسط})
مقبرة يهودية في صيدا.. مدمرة ومهملة ({الشرق الأوسط})
TT

«أشباح» اليهود في وسط بيروت بعد عزلة طويلة

مقبرة يهودية في صيدا.. مدمرة ومهملة ({الشرق الأوسط})
مقبرة يهودية في صيدا.. مدمرة ومهملة ({الشرق الأوسط})

يعد يهود لبنان العدة للعودة إلى الضوء بعد عزلة ذاتية طالت أكثر من أربعة عقود، اختبأوا خلالها وراء هويات مزورة، ومارسوا في العلن طقوس ديانة مختلفة عن حقيقة ما ينتمون إليه من دين وما اتبعوه من عرف. فخلال بضعة أسابيع، يعيد يهود لبنان فتح كنيس «ماغن أبراهام» القائم في وسط بيروت، بعد عمليات ترميم أعادت إصلاح ما دمرته سنوات الحرب الأهلية.
ومن المخطط له أن يفتح الكنيس (وهو الكنيس الرئيس في العاصمة اللبنانية والوحيد حاليا) أبوابه على وقع صلوات يترأسها حاخام يهودي لبناني، وبحضور من بقي من أبناء الطائفة وانتظروا هذه اللحظة منذ أكثر من 40 سنة.
ووفق ما كشفت عنه مصادر يهودية لبنانية لـ«الشرق الأوسط»، ستبدأ «عملية تجهيز قاعة الكنيس بالمقاعد والثريات والسجاد، على أن تكتب أسماء جميع المتبرعين لإعادة إعمار الكنيس على لوحة ستعلق على الباب الخارجي».
المصادر ذاتها أوضحت أن «افتتاح الكنيس قد يعلن عنه بشكل رسمي، لكن القرار لم يحسم بعد لناحية حضور حشد كبير، نظرا للأوضاع الراهنة والتطورات في المنطقة»، مرجحة أن «يقتصر الافتتاح على حفل صغير يجمع عددا ضئيلا من أبناء الطائفة».
الجدير بالذكر أن يهود لبنان عاشوا قبل سنوات عديدة حياة طبيعية، شأنهم شأن بقية الطوائف اللبنانية، إلا أن حياتهم انقلبت رأسا على عقب، بعد قيام إسرائيل واندلاع الحروب العربية الإسرائيلية، فباتوا خلال العقود الأربعة الأخيرة يمشون والخوف صديقهم، يتلفتون يمينا ويسارا تحسبا لأي اعتداء يعتقدون أنهم قد يتعرضون إليه.
ورغم اعتراف الدولة اللبنانية رسميا بوجودهم كطائفة يتمتع أفرادها بحقوقهم المدنية والسياسية، فهم واقعيا «محرومون من الحقوق الاجتماعية فور معرفة هويتهم الحقيقية». هكذا، يصف أغلب اليهود في لبنان واقعهم كونهم أقلية يسميها الدستور اللبناني بـ«الطائفة الإسرائيلية» ويعترف بها بين الطوائف الـ18 المنصوص عليها في الدستور.
يعود وجود اليهود في لبنان إلى أيام العثمانيين (1516 - 1918م). وخلال سنوات الانتداب الفرنسي، اضطر الفرنسيون إلى الاعتراف الرسمي بوجودهم كطائفة «إسرائيلية» بتاريخ 13 مارس (آذار) 1936، بسبب تكاثرهم، إذ وصل عددهم في ذلك الوقت إلى خمسة آلاف شخص، فترجموا اسم النبي يعقوب بن إسحق من الفرنسية إلى العربية حرفيا «إزرائيل» أي «إسرائيل» وأطلقوها على الطائفة.
ويقول رئيس الطائفة الإسرائيلية في لبنان إسحق أرازي لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «إننا نعاني مشكلة في التسمية نظرا لما تمثله من حساسية عند عدد كبير من اللبنانيين، ونحن نتفهم ذلك»، وأردف: «حاولنا التعاون مع الوزير السابق زياد بارود عند توليه منصب وزارة الداخلية لتغيير التسمية إلى اليهودية، لكننا لم نستطع، ولا نزال نحاول حتى اليوم».
ويوضح أرازي أن جهودا تبذل لإعادة إنهاض الطائفة من جديد «عبر ترميم كنيس (ماغن أبراهام)، الكنيس الوحيد المتبقي لنا الذي تعرض للتدمير خلال الحرب الأهلية التي اندلعت في عقد السبعينات بحي وادي أبو جميل في وسط بيروت، الحي الذي احتضن العدد الأكبر من اليهود». ثم أوضح: «لقد نجحنا بجمع التبرعات من الجالية اليهودية في الخارج، وجميعهم يهود لبنانيون (يشدد على كلمة لبنانيين)، بل إن مسيحيين ومسلمين ساهموا معنا في إعادة إعمار كنيسنا.. وساهمت حتى شركة (سوليدير) التي تتولى إدارة وسط بيروت، بنسبة خمسة في المائة، وفقا للقانون الذي ينص على مساهمة الدولة اللبنانية في ترميم المعابد والكنائس ودور العبادة».
وفي حين تثير علاقة اليهودي بدولته وانتماؤه إلى وطنه إشكالية كبرى لدى عدد من اللبنانيين، فإن أرازي يتناول بنبرة غاضبة هذه النقطة كما لو أنه يعاني مشكلة كبيرة مع نوع مماثل من الأسئلة: «ليتأكد الجميع أنه لو كان انتماؤنا صهيونيا إسرائيليا لما بقينا لحظة واحدة في لبنان»، نافيا «أي علاقة لنا بمن أرادوا العيش على أرض فلسطين وقتل الأبرياء». وأنهى كلامه ساخرا: «ماذا بإمكان طائفة من 200 شخص أن تفعل؟ ليس كل اليهود صهاينة، فهويتنا لبنانية وانتماؤنا لبناني مائة في المائة».
انفعال أرازي يقاطعه تعليق صديق يهودي كان جالسا إلى جواره، وهو رجل خمسيني طويل القامة، قال لنا: «حتى الشأن السياسي لا نتعاطى معه، في ظل وجود نائب عن الأقليات لا يأبه لأحوالنا، وحالنا كحال بقية اللبنانيين. إننا نعاني مثلهم من السياسيين والمسؤولين الذين ينحصر همهم الوحيد في تعبئة جيوبهم بأموالنا». وتابع بنبرة عالية: «في الماضي، كان عدد الناخبين من أبناء الطائفة أكثر من سبعة آلاف شخص، وشغل لبنانيون يهود مناصب كبيرة حتى في الشرطة اللبنانية، منهم ضابط من عائلة بصل، وكنا نصوت للنائب الراحل جوزيف شادر (وهو أرمني كاثوليكي)، وكان محبوبا لدى الطائفة، في حين أن مساهمة اليهود في الانتخابات انخفضت اليوم إلى اثنين في المائة فقط».
من ناحية أخرى، يختلف رأي سونيا، وهي سيدة يهودية ستينية، عن رأي أرازي وصديقه؛ فهي توضح لـ«الشرق الأوسط» بصراحة، حسب رأيها، أنه «لا يوجد صهيوني أو يهودي، فاليهود جميعهم واحد ولا يمكنهم التنصل من هويتهم»، وتابعت سونيا: «حرمني أهل زوجي من أولادي بسبب ديانتي اليهودية، بعد نشوء العداوة الكبرى بين العرب واليهود، وحاربوني بشتى أدوات التعذيب النفسي.. لقد تركت عائلتي، التي اختارت الذهاب إلى إسرائيل للعيش هناك، واخترت البقاء في لبنان إلى جانب زوجي وأولادي. لكن رواسب حرب العرب مع إسرائيل لم ترحم وجودي كإنسانة».
تستعيد سونيا محطات من سنوات خلت، مستذكرة «كيف كانوا في كل جلسة يقولون لي (أنت يهودية).. هل تحولت كلمة يهودية إلى شتيمة؟». ثم عبرت عن حبها لـ«أرض إسرائيل» التي تصفها بأنها «أرض اليهود المقدسة»، لكنها شرحت سبب رفضها المغادرة للعيش هناك بالقول: «جعلوني أكره لبنان وهويتي العربية، وأصبحت أتمنى الذهاب إلى إسرائيل للعيش فيها، لكن وجود أولادي منعني من الذهاب إلى أي بلد آخر، كما أنني تقدمت في العمر، ولا أجيد اللغة العبرية».
لا تبالي سونيا بالعزلة المفروضة على الطائفة، وتنهي حديثها غير مبالية: «إذا مت لا أريد أن أدفن إلا في مقبرة يهودية، وأريد أن يصلي عليّ حاخام يهودي، فالتوراة كتابي المقدس، وديانتي هي اليهودية، ولن أتنازل عن ذلك أبدا».
ثم تدافع هذه المرأة الستينية عن امرأة أخرى دخلت التاريخ كإحدى أشهر الجاسوسات الإسرائيليات في المنطقة العربية، هي شولا كوهين. تقول سونيا بسخط وغضب كبيرين: «ليست بجاسوسة، إذ كانت تهرب اليهود من لبنان والبلاد العربية إلى بلدهم إسرائيل، بعد موجة الاضطهادات التي تعرضنا لها بسبب خسارة العرب في الحرب ضد إسرائيل خلال الستينات».
لُقّبت شولا كوهين (اسمها الحقيقي «شولاميت») بـ«لؤلؤة الموساد الإسرائيلي»، وهي من مواليد القدس، لكنها تزوجت يهوديا لبنانيا من عائلة كيشيك، وانتقلت للعيش معه في حي وادي أبو جميل ببيروت عام 1936. وبدأت شولا، التي كانت تسكن في بناية الشويري الواقعة بنزلة المدرسة الأهلية في وادي أبو جميل، وتعمل في أحد المصارف اللبنانية، نشاطها لمصلحة الاستخبارات الإسرائيلية عام 1948، وتولت مهمة تهريب اليهود من لبنان. كذلك تولى «النادي المكابي» ومنظمة «بن تسيون» في وادي أبو جميل المهمة ذاتها، أي تهريب اليهود الآتين من سوريا بمساعدة عدد من اليهود وغير اليهود من اللبنانيين، وفق ما تؤكده تقارير عدة.
وقد تمكنت شولا كوهين من تجنيد شبكة من الجواسيس قبل اعتقالها عام 1961، وحُكم عليها بالإعدام، ولاحقا خُفِّض الحكم إلى السجن 20 سنة. وعام 1967، أطلق سراحها لقاء الإفراج عن جنود لبنانيين كان اعتقلهم الجيش الإسرائيلي قرب بلدة العديسة الحدودية بجنوب لبنان. وكان بين الأسماء التي حامت حولها شكوك بالتجسس المغنية آمال شوقي، التي كانت تعمل في الإذاعة اللبنانية، وزوجها الملحن سليم بصل، الذي صار اسمه سليم شوقي، والاثنان هاجرا إلى إسرائيل.
في المقابل، اشتهرت شخصيات يهودية كثيرة في مجالات الطب والتجارة والسلك الأمني في لبنان، فعرف الدكتور شمس الملقب بـ«طبيب الفقراء»، نظرا لاستقباله الزبائن من الطوائف كافة، وليس اليهودية فقط، مقابل أجر زهيد، وكان مقر عيادته داخل كنيس «ماغن أبراهام» إلى جانب جمعيات اليهود في وادي أبو جميل. أما المصرفي السوري - اللبناني الملياردير أدمون صفرا (حمل لاحقا الجنسية البرازيلية، وتوفي قبل سنوات في موناكو)، فقد تميز بذكائه وحنكته في مجال إدارة الأعمال، فأسس سلسلة مصارف صفرا من وسط بيروت.
أغلب اليهود في لبنان اليوم ضائعون بين هويتين؛ الأولى هويتهم اللبنانية، والثانية هوية إسرائيلية فرضها الاحتلال الإسرائيلي على الفلسطينيين واليهود جميعا منذ لحظة إعلان دولة إسرائيل، التي أدت إلى نكبة عام 1948. منذ ذلك التاريخ، تغيرت أحوال عدد كبير من اللبنانيين اليهود الذين فضلوا الاختباء وراء ديانات أخرى، مثل إبراهيم الملقب بـ«خياط الأمراء».
يحيط بمكتب إبراهيم، اليهودي السبعيني، آيات قرآنية معلقة على جدران المتجر، وصور تبدد تماما أي شك لدى الزائر حول هوية الرجل وديانته. يجلس إبراهيم على كرسي جلدي بني اللون، ويضع نظارات إطارها بني، وبيده يحمل عدة الخياطة التي رافقته منذ أكثر من 25 سنة؛ إبرة وخيط وبنطال يحتاج إلى ترقيع.
وبلهجة حلبية، يرحب إبراهيم بزبائنه الذين اعتادوا زيارته في كل مناسبة لشراء البدلات والقمصان من متجره، نظرا لجودة ملابسه وسمعته الحسنة في الحي الذي يسكنه.
قال إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»: «على الأوراق الرسمية أنا مسلم. بدلت ديانتي لأبعد المشاكل والسخافات حولي، فبعض اللبنانيين لا يتقبلون وجودنا معهم، وبات لدينا هاجس من العيش كيهود في العلن»، ثم يستعيد بغصة أيام عز اليهود في لبنان قائلا: «كان لنا مدارسنا في وادي أبو جميل وجمعياتنا، وصل عدد كنسنا إلى 15 كنيسا في بيروت وفي بلدات دير القمر وعاليه وبحمدون. واشتهرنا بالتجارة في القماش والخياطة والذهب والنحاس وغيرها من المهن».
ويتوقف لحظة ليشعل سيجاره الفاخر، وينفض الغبار عن قميصه الأبيض، ويكمل سرده تفاصيل «من الصعب نسيانها» (على حد وصفه): «مهنة الخياطة هي عائلتي، أحيك ثيابا للأمراء والوزراء والسفراء من كل الجنسيات العربية، وأحمل جوازا دبلوماسيا، وأتلقى الدعوات من أعيان عرب لأرافقهم في مناسباتهم وأهتم بلباسهم الرسمي».
يضحك إبراهيم لدى سؤاله عن طريقة عيشه كيهودي في لبنان. ويعلق بكلمات بطيئة: «يتشارك اليهود في لبنان مع باقي اللبنانيين الظروف الاجتماعية الصعبة نفسها، ويتقاسمون معهم همومهم الموحدة في بلد أمنه على شفير الهاوية.. والانقسامات السياسية تكاد تقتله». ثم يقول: «أصدقاؤهم محدودون ويحتفظون بسرهم أنهم (يهود)، وأنا واحد من هؤلاء».
وفي شارع مقابل لمتجر إبراهيم، تعيش سيدتان في منزل مرت عليه سنوات من العمر. ديكوره على الطراز القديم، وجدران البيت تزينها لوحات فنية تدل على ذوق رفيع، وبداخله بيانو كبير نظيف ومرتب، ودفتر نوتات موسيقية مركون على جانب الكرسي، ومجسمات دينية صغيرة مثل شمعدان من تسع شموع، تضاء كل يوم سبت وفق طقوس اليهود الدينية، وضعت على طاولة تتوسط غرفة الضيوف.
تتحدث أستاذة الموسيقى الثمانينية ببطء شديد، وهي ترتشف القهوة الممزوجة مع الحليب ويداها ترتجفان، تعتني بشقيقتها المقعدة التي تكبرها بسنة واحدة. وتسترجع بحزن كبير ذكريات طفولتها في وادي أبو جميل: «كنت أستاذة موسيقى، أدرس الطلاب نوتات الموسيقى وأعزف بشغف على آلة البيانو التي أعشقها. توفي والداي وبقيت وحدي مع شقيقتي في لبنان بعدما سافر أقرباؤنا وأصدقاؤنا إلى بلاد الغربة تاركين وراءهم أملاكهم وبيوتهم، وما زالوا يحلمون بالعودة يوما ما إلى بلدهم الأول والأخير لبنان».
وتضيف، متحدثة باللغة الفرنسية، التي اعتادت تكلمها على حد قولها: «لا يتجاوز عدد اليهود اللبنانيين اليوم الـ200 شخص، تتراوح أعمارهم بين 50 و70 سنة، وعدد النساء المتزوجات بينهم قليل بسبب الهجرة الكبرى التي أفرغت البلد من رجاله اليهود. ومن ثم بات من الصعب على المرأة اليهودية ارتباطها برجل من ديانة أخرى لا يتقبل فكرة أن يحمل الولد (ذكرا أو أنثى) هوية والدته الدينية التي تنقلها لأولادها مباشرة عند الولادة، وفقا للديانة اليهودية. فتركنا بلا عائلة».
تصف «أستاذة الموسيقى»، كما تحب مناداتها، لبنان بـ«البلد المنفتح» وناسه بـ«المثقفين»، نافية تعرضها لأي اعتداء أو إهانة من أحد بسبب ديانتها. وهي تربطها مع جيرانها صداقة وحب واحترام متبادل. وتقول: «في السبعينات، عرض أشخاص كثيرون مساعدتنا للسفر إلى إسرائيل وبعروض مغرية، لكن الفكرة كانت مرفوضة بشكل جازم».
وتضطر إلى إنهاء كلامها بعدما نادتها شقيقتها المقعدة لتساعدها على النهوض من السرير. وعادت لتقول: «قد ينشغل بعض السخفاء بإصدار الأحكام المسبقة علينا، ولكن ليتذكروا قبل أي شيء أننا بشر».
على صعيد آخر، كان ليهود لبنان 17 كنيسا، أشهرها كنيس المن، والكنيس الإسبانيولي، وكنيس دانا، وكنيس دير القمر وكنيس صيدا، بالإضافة إلى وجود عدد من المقابر، ما زالت رفات اليهود تدفن فيها حتى اليوم، ولكن في الليل إذ تقام الصلوات سرا في الظلام، خوفا من انفضاح أمرهم.
ولقد أدى الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 إلى أعمال انتقامية عدة ضد الطائفة اليهودية اللبنانية، كما حاولت إسرائيل اجتذاب يهود لبنان ليهاجروا إليها. غير أن فكرة الهجرة إلى إسرائيل بقيت فكرة مرفوضة رغم تعرض الطائفة للكثير من الاعتداءات، أبرزها اختطاف 11 يهوديا من أعيان الطائفة اليهودية اللبنانية وإعدامهم، بحسب مصادر يهودية لبنانية. وقبل عدة سنوات، اتخذ رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق الراحل رفيق الحريري قرارا بإعادة افتتاح الكنيس وإحاطته بالحدائق، لكن القرار لم يُنفّذ.
وبعيدا عن الكنس ودور العبادة، كانت لليهود في لبنان حياة اجتماعية متكاملة الحلقات الثقافية والأكاديمية والاقتصادية. وكانت لهم ثلاث مدارس تدرس اللغة العبرية والفرنسية إضافة إلى العربية، هي مدرسة سليم طراب المعروفة بـ«التلمود تورا»، ومدرسة الآليانس، ومدرسة الحلبية، وجميعها كانت موجودة في حي وادي أبو جميل ببيروت. لكن هذه المدارس دمرت خلال الحرب الأهلية والاجتياح الإسرائيلي، باستثناء المدرسة التلمودية. أما بالنسبة للمدرسة التلمودية المجاورة لكنيس «ماغن أبراهام»، فقد هدمت لكي لا تحجب منظر شاطئ البحر على أبنية حديثة مجاورة، مع أن ملكية الأرض ما زالت لليهود اللبنانيين، وفق ما يؤكده أحد أبناء الطائفة في بيروت.
كذلك نشطت حركة اليهود ثقافيا قبيل إعلان دولة إسرائيل، فكانت لهم في لبنان صحيفة هي «العالم الإسرائيلي» لمؤسسها سليم آلياهو، الذي أصدرها عام 1921، وكتبت فيها مقالات سياسية شجعت الخط الصهيوني، ودعمت دولة إسرائيل، وحرضت الشعب اليهودي على احتلال فلسطين.
ووفق إحصاءات رسمية عام 2003. يوجد في لبنان حاليا 1500 يهودي، لكن 60 منهم فقط مسجلون كيهود، بينما تحول الباقون إلى ديانات أخرى. ونظرا لعددهم الكبير في الماضي، كان لكل منطقة مختار (عمدة) يهتم بشؤون الطائفة لتسهيل معاملاتهم الرسمية وإصدار الوثائق الرسمية لهم، كجوازات السفر وإخراجات القيد التي يدون عليه اسم الطائفة، ومن أشهر مخاتير اليهود في لبنان وآخرهم المختار سعد المن، الذي كان يمثل منطقة ميناء الحصن، التي تشمل وادي أبو جميل.
* مقبرة اليهود في حي «السوديكو»
* أول من دُفن في هذه المقبرة الحاخام موسى يديد ليفي عام 1829. وخلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975 - 1990)، كانت المقبرة اليهودية على خط تماس ميداني تحت سيطرة قوة من ميليشيا «القوات اللبنانية»، فزرعت فيها الألغام، كي لا يعبر خصومهم منها إلى الجانب الآخر. وفي وقت لاحق، أزال الجيش اللبناني كل الألغام التي زُرعت في هذه المقبرة. وتضررت عدة قبور من التفجيرات والصواريخ. وحسب رئيس الطائفة اليهودية، فإن عمليات الترميم للمقابر بدأت مع بدء عملية ترميم كنيس «ماغن أبراهام».
* زعماء الطائفة اليهودية في لبنان
* منذ عام 1910. قاد عدة زعماء المجتمع اليهودي اللبناني، ومنهم:
عزرا أنزروت يرور 1910
يوسف د. فارحي 1910 - 1924
يوسف ديشي 1925 - 1927
يوسف د. فارحي 1928 - 1930
سليم هراري 1931 - 1934
يوسف د. فارحي 1935 - 1938
إسحق ساسون 1977 - 1985
راؤول مزراحي 1985 - 1986
يوسف مزراحي 1986 - 2005
إسحق أرازي 2005 - 2014.

* كنيس «ماغن أبراهام»
* يعد كنيس «ماغن أبراهام»، أو كنيس «ماغين (أو مجن - أي درع باللغة العربية) إبراهيم»، الأقدم والوحيد في بيروت. ولقد شيد الكنيس عام 1925، وأطلق عليه اسم ابن أبراهام ساسون. وساعد يوسف فارحي، زعيم الطائفة اليهودية في لبنان، في إكمال البناء الداخلي، وذلك لنقص التمويل. واستعملت «الحركة الصهيونية» الكنيس في أربعينات القرن الـ20 محطة مؤقتة للمهاجرين غير الشرعيين إلى فلسطين.
وفي عام 1976؛ بعد عام على بداية الحرب الأهلية اللبنانية، نقل يوسف فارحي أسفار التوراة الخاصة به إلى جنيف بسويسرا، حيث استودعها لدى المصرفي الملياردير الراحل إدمون صفرا الذي حفظها بدوره في خزائن مصرفه. ولقد جرى نقل غالبيتها لاحقا إلى كنس لليهود الشرقيين في إسرائيل.
* حاخامات اليهود في لبنان
* بين أعوام 1908 و1978، قاد عدة حاخامات كنس اليهود في المجتمع اللبناني، ومنهم:
الحاخام دنون 1908 - 1909
يعقوب مسلاتون 1910 - 1921
سليمان تاجر 1921 - 1923
شبطاي باحبوت 1924 - 1950
بنزيون ليشتمان 1932 - 1959
يعقوب عطية 1949 - 1966
شحود شريم 1960 - 1978



«منفذ البحر الأحمر» يفاقم التوتر بين مصر وإثيوبيا

المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)
المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)
TT

«منفذ البحر الأحمر» يفاقم التوتر بين مصر وإثيوبيا

المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)
المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)

بعد نحو أسبوع من زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي لإريتريا، وإثر تأكيدات رسمية برفض وجود دول غير مشاطئة على البحر الأحمر، اتهمت إثيوبيا مصر بمحاولة عرقلة وصولها إلى منفذ على البحر؛ في خلاف متصاعد عدَّه محللون وخبراء جزءاً من رسائل للداخل الإثيوبي قبل الانتخابات المرتقبة الشهر القادم.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، نبيات غيتاتشو، خلال مؤتمر صحافي الخميس، إن الحكومة المصرية تحاول تطويق وعرقلة وصول بلاده إلى البحر الأحمر. ولم يحدد تفاصيل، غير أنه أكد أن بلاده ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية، ومستدامة.

وباتت إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993 عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت ثلاثة عقود، وهي تعتمد على موانئ جيرانها، لا سيما ميناء جيبوتي.

الدول المشاطئة

خلال زيارته أسمرة في 17 مايو (أيار) الجاري، التقى الوزير المصري عبد العاطي مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشددا على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن مصر ترفض أية محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق»، بحسب البيان المصري.

ولم يُسم عبد العاطي وقتها الدول المقصودة، غير أنه قال في تصريحات خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إن مصر ترفض دخول إثيوبيا في حوكمة سواحل البحر الأحمر.

رئيس إريتريا يستقبل وزيري الخارجية والنقل المصريين خلال زيارة لأسمرة (الخارجية المصرية)

وفي حين وصف المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد المنفذ البحري لإثيوبيا بأنه «رئة تتنفس منها»، يرى خبير الشؤون الأفريقية بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط حسين البحيري أن أديس أبابا «تتبنى سياسة خارجية تهدف إلى فرض وجودها الإقليمي عبر محاولة النفاذ إلى البحر الأحمر، وامتلاك منفذ بحري فيه».

وحذر البحيري من أن المساعي الإثيوبية «من شأنها إثارة حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني والعسكري في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر»، مضيفاً أن «إثيوبيا تحاول تبرير أطماعها البحرية بإلقاء اللوم على مصر، والادعاء بأنها تعرقل جهودها التنموية».

وتابع قائلاً: «التحركات الإثيوبية الحالية لا تهدد أمن دول الجوار بمنطقة القرن الأفريقي فحسب، بل تمس بشكل مباشر المصالح المائية، والأمن القومي المصري في منطقة حوض النيل، خاصة في ظل استمرار الرفض الإثيوبي للمطالب المصرية الرامية للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد ملء وتشغيل سد النهضة في فترات الجفاف، والجفاف الشديد».

السجال

ويأتي السجال المصري-الإثيوبي الجديد بعد زيارة أجراها مسؤولون إثيوبيون لواشنطن لتعزيز التعاون قبل أيام.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية غيتاتشو، خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده الخميس، إن وزير الخارجية جيديون تيموثيوس قاد وفداً إثيوبياً إلى العاصمة واشنطن، وأجرى لقاءات مهمة مع مسؤولين أميركيين، وتم توقيع اتفاقية تهدف إلى فتح آفاق أوسع للتعاون في مجالات الاقتصاد، والاستثمار، والتجارة، إلى جانب ملفات الدفاع، والأمن، والسلام الإقليمي.

ويرى عبد الشكور أن تقارب إثيوبيا والولايات المتحدة «هو من منطلق التعاون اقتصادياً وأمنياً بالنظر لتاريخ علاقات البلدين، وحاجتهما المشتركة في التعاون»، مستبعداً أن تصل المنطقة لـ«صِدام»، ومرجحاً استمرار الحملة الإعلامية الإثيوبية وتصاعدها قبل انتهاء الانتخابات المقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

وحول احتمالات اندلاع صدام عسكري بين إريتريا، المدعومة من مصر، وإثيوبيا بسبب أزمة البحر الأحمر، يرى البحيري أن السيناريو المرجح على المدى القريب هو استمرار الاكتفاء بالتصعيد السياسي والإعلامي المتبادل دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية، لافتاً إلى انشغال إثيوبيا بالتحضير للانتخابات العامة.

«دبلوماسية الموانئ»

ومنذ توليه منصبه في أبريل (نيسان) 2018، يسعى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد للوصول إلى البحر الأحمر، عبر ما تسمى «دبلوماسية الموانئ».

وفي مطلع عام 2024، حاولت إثيوبيا الحصول على منفذ بحري عبر ميناء بربرة في الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قبل أن تلاقي رفضاً من مقديشو، والقاهرة، والجامعة العربية.

وفي فبراير (شباط) الماضي شهدت جلسات قمة الاتحاد الأفريقي سجالاً غير مباشر بين مصر وإثيوبيا بشأن البحر الأحمر؛ فبينما ربط آبي أحمد استقرار منطقة القرن الأفريقي بحصول بلاده على منفذ بحري، جدد عبد العاطي تأكيد مصر أن «حوكمة البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة».


مبادرات أممية تدعم الزراعة اليمنية وتحد من الجفاف

تداخل الجفاف مع الفيضانات يربك المزارعين باليمن ويتسبب في آثار كارثية (رويترز)
تداخل الجفاف مع الفيضانات يربك المزارعين باليمن ويتسبب في آثار كارثية (رويترز)
TT

مبادرات أممية تدعم الزراعة اليمنية وتحد من الجفاف

تداخل الجفاف مع الفيضانات يربك المزارعين باليمن ويتسبب في آثار كارثية (رويترز)
تداخل الجفاف مع الفيضانات يربك المزارعين باليمن ويتسبب في آثار كارثية (رويترز)

تتقاطع تأثيرات الأزمة اليمنية مع التغيرات المناخية والجفاف وتدهور البنية التحتية في التأثير على الزراعة واستمرار المجتمعات الريفية، وبينما تعاني غالبية مناطق البلاد من ظواهر متناقضة، مثل الجفاف والفيضانات، فإن مشروعات تنموية أممية تتجه إلى إعادة بناء أنظمة الري وتحسين إدارة المياه، بوصف ذلك مدخلاً لاستعادة الإنتاج وتعزيز الأمن الغذائي وسبل العيش.

ورغم الأمطار الغزيرة التي شهدتها مناطق مختلفة من اليمن خلال بداية الربيع الحالي، فإن آثارها التدميرية كانت كبيرة، ولم يحقق سكان تلك المناطق استفادة كافية منها، بينما لا يزال الجفاف يؤثر على مناطق واسعة ينتظر سكانها موسم أمطار آخر لبدء زراعة عدد من المحاصيل؛ أهمها الحبوب.

وتعاني مناطق واسعة من التذبذب في مواعيد هطول الأمطار التي يعتمد عليها غالبية المزارعين اليمنيين؛ مما يؤدي إلى تأخرهم في رمي البذور، ويؤثر لاحقاً على وقت نضوج المحاصيل وجودتها، في ظل نقص الخبرات في التعامل مع التغيرات المناخية وطول فترات الجفاف والارتفاع الشديد في درجات الحرارة الذي تشهده البلاد.

ويقول سعيد الشرجبي، الأكاديمي والخبير الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط»، إن التغيرات المناخية الطارئة على المنطقة وعلى اليمن بشكل خاص، خلال السنوات الأخيرة، «تستدعي مزيداً من الدراسات والأبحاث وسن التشريعات لتتسنى معرفة طبيعة تأثيراتها؛ إيجابية أم سلبية، على إنتاج المحاصيل الزراعية».

إلى جانب الجفاف والفيضانات... يُلحق سوء إدارة المياه الضرر بالبنى التحتية والزراعة في اليمن (أ.ف.ب)

ويوضح أن هذه التغيرات أثرت بشكل مباشر على الحياة المعيشية للأسر في مناطق الزراعة؛ «مما يؤدي إلى المطالبة بضرورة إجراء تحليل شامل لتلك الأضرار، وإيجاد المعالجات التي تضمن التخفيف منها والآثار المترتبة على الإضرار بالغطاء النباتي والتنوع الحيوي».

وصدرت أخيراً تحذيرات أممية من موجة جديدة من الأمطار الغزيرة وغير المعتادة، يُتوقع أن تضرب أجزاء واسعة من البلاد خلال الأسابيع المقبلة.

ووفق «نشرة الإنذار المبكر والأرصاد الزراعية» الصادرة عن «منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو)» فإن هناك مؤشرات مقلقة بشأن تفاوت كبير في معدلات هطول الأمطار على مستوى اليمن، تتجه إلى مستويات ترفع احتمالات حدوث فيضانات مفاجئة.

ترشيد استهلاك المياه

تعدّ الأمطار الموسمية في الظروف الطبيعية عاملاً حاسماً في دعم الزراعة المطرية في اليمن؛ لإنبات محاصيل الحبوب التي يعتمد عليها السكان بشكل واسع في الأمن الغذائي المحلي، وتسهم في تعزيز خصوبة التربة.

مزارع يمني يقف أمام «بيته الزراعي» الذي أُنشئ بتمويل من برنامج أممي (الأمم المتحدة)

واختتم «مشروع تعزيز قدرة الزراعة والأمن الغذائي على الصمود في اليمن» برنامجاً تدريبياً استمر 5 أيام في مديريتَي الصلو والمسيمير، استهدف 200 مزارع ومزارعة؛ بهدف تعزيز الأمن الغذائي ومساعدة المجتمعات الريفية في التكيف مع التغيرات المناخية وتحسين قدرتها على مواجهة شح المياه.

ونُفذ «البرنامج» بالشراكة بين جهات حكومية و«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، وبدعم من الحكومة اليابانية، وتضمن تدريبات على الإنذار المبكر والمعلومات المناخية الزراعية، وتقنيات الري الحديث، والزراعة الذكية مناخياً، وإنتاج الأسمدة العضوية؛ بما يسهم في رفع الإنتاجية والحفاظ على الموارد الطبيعية.

وتكشف 3 مبادرات مدعومة من شركاء دوليين في مناطق ريفية بمحافظتَي تعز ولحج، كيف يمكن لتدخلات تبدو بسيطة نسبياً أن تُحدث أثراً واسعاً يتجاوز حدود الحقول، فمن خلال البيوت الزراعية المنزلية، وإعادة تأهيل قنوات الري، وتحديث البنية التحتية الزراعية، تستعيد عائلات ريفية قدرتها على إنتاج الغذاء وتوليد الدخل والاعتماد على الذات.

مزارع يمني يجني محصولاً من الحبوب بعد إحياء الأراضي الزراعية في قريته (الأمم المتحدة)

وحصل مئات المزارعين في مديرية المواسط، التابعة لمحافظة تعز، على بيوت زراعية صغيرة مجهزة بخزانات مياه وأنظمة ري بالتنقيط وبذور وأدوات أساسية؛ مما أتاح للعائلات إنتاج الخضراوات والأعشاب على مدار العام، مع تقليل استهلاك المياه وخفض تكاليف الزراعة، في بيئة تعاني أصلاً من شح الموارد المائية.

ويمثل هذا التدخل جزءاً من «مشروع الإدارة المتكاملة للموارد المائية لتعزيز مرونة الزراعة والأمن الغذائي»، الذي ينفذه «البرنامج» بتمويل من الوزارة الاتحادية الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية عبر «بنك التنمية الألماني»، ويشمل إعادة تأهيل المدرجات الزراعية والخزانات وأنظمة الري والطرق الريفية، إلى جانب دعم المؤسسات المحلية المعنية بإدارة المياه.

استعادة الأرض وتخفيف التوتر

في مديرية طور الباحة بمحافظة لحج، أعادت قناة ري جديدة الحياة إلى أراضٍ زراعية ظلت شبه قاحلة سنوات طويلة؛ نتيجة الجفاف وانهيار البنية التحتية وارتفاع تكاليف تشغيل الآبار، ضمن «مشروع الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن»، الممول من «البنك الدولي»، الذي ينفذه «البرنامج» بالشراكة مع «الصندوق الاجتماعي للتنمية» وجهات أممية أخرى.

مزارعات يمنيات في ريف محافظة لحج بعد أن أعاد تمويل أممي المياه إلى أراضيهن (الأمم المتحدة)

وبعد إعادة تأهيل القناة بطول 360 متراً، استعاد نحو 110 هكتارات من الأراضي القدرة على الإنتاج، وعاد مئات المزارعين إلى زراعة الحبوب والخضراوات والفواكه، بينما وفّر المشروع فرص عمل مؤقتة خلال مرحلة التنفيذ.

ويؤكد المزارعون أن الأرض، التي كانت تغطيها الأشواك، أصبحت مجدداً مصدراً للغذاء والدخل، وأن الأسر عادت إلى استهلاك ما تنتجه، وبيع الفائض في الأسواق المحلية.

وفي مديرية المسيمير التابعة للمحافظة نفسها، يجري تأهيل قناة ري تقليدية كانت تتعرض باستمرار للتعرية والسيول؛ مما كان يفرض على المزارعين أعمال صيانة متكررة ويؤثر على انتظام تدفق المياه، ليستفيد من المشروع عشرات المزارعين، بالإضافة إلى حماية عشرات الآلاف من الأمتار المربعة من الأراضي الزراعية.

المزارعون اليمنيون يقدرون أهمية دور البنية التحتية المحسّنة في دعم مشروعاتهم (الأمم المتحدة)

وطبقاً لما نقله القائمون على المشروع عن وجاهات اجتماعية في المديرية، فإن نقص المياه كان سبباً رئيسياً في توترات متكررة بين الأسر، وإن تحسين القناة لا يعزز الإنتاج الزراعي فقط، بل يدعم أيضاً الاستقرار الاجتماعي داخل المجتمع المحلي.

ومنح انتظام تدفق المياه المزارعين فرصة للتركيز على زراعة أراضيهم بدلاً من الانشغال بإصلاح القنوات الترابية وحماية المحاصيل من الخسائر.

وفي حين يواجه اليمنيون إحدى أشد الأزمات الإنسانية تعقيداً في العالم، تبدو إعادة تأهيل قنوات الري وتزويد المزارعين بتقنيات بسيطة وفعالة استثماراً مباشراً في الصمود والاستقرار.


وزارة الدفاع اليمنية: ماضون في توحيد القرار العسكري وإنهاء تعدد التشكيلات

لقاء وزير الدفاع اليمني بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي لليمن في عدن (سبأ)
لقاء وزير الدفاع اليمني بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي لليمن في عدن (سبأ)
TT

وزارة الدفاع اليمنية: ماضون في توحيد القرار العسكري وإنهاء تعدد التشكيلات

لقاء وزير الدفاع اليمني بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي لليمن في عدن (سبأ)
لقاء وزير الدفاع اليمني بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي لليمن في عدن (سبأ)

أكدت وزارة الدفاع اليمنية استمرار الجهود والترتيبات لتنفيذ استراتيجية توحيد القرار العسكري، وإنهاء حالة الانقسام، وتعدد التشكيلات المسلحة، بما يمنح الحكومة اليمنية قدرة أكبر على إدارة المعركة سياسياً وعسكرياً.

لقاء وزير الدفاع اليمني بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي لليمن في عدن (سبأ)

وقال العميد الركن عبده مجلي، الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، إن هذه الجهود التي يقودها وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، وهيئة العمليات المشتركة، تستهدف بناء قوات مسلحة أكثر كفاءة وقدرة على إدارة المعركة ضد جماعة الحوثي.

وأشار مجلي إلى رصد «تحشيدات حوثية خلال الأيام الماضية في مختلف الجبهات، خصوصاً في جبهات الحديدة وساحل البحر الأحمر»، موضحاً أن التحركات شملت نشاطاً مكثفاً في محافظة الحديدة ومناطق عدة من الساحل الغربي المُطل على البحر الأحمر، تضمن زراعة ألغام أرضية، والدفع بتعزيزات بشرية وآليات عسكرية، إلى جانب إنشاء تحصينات وخنادق جديدة قرب خطوط التماس.

ولفت الناطق باسم إلى أن «الهدف من هذه التحشيدات يتمثل في محاولة الحوثيين تعزيز مواقعهم الدفاعية في الساحل الغربي تحسباً لأي عمليات عسكرية قد تنفذها القوات المسلحة اليمنية ردّاً على أعمالهم العدائية»، مشيراً إلى أن الجماعة تسعى أيضاً إلى «ممارسة ضغوط ميدانية وسياسية بالتزامن مع التحركات الدولية المتعلقة بأمن البحر الأحمر والملاحة الدولية».

جانب من حفل تخرج طلاب كلية الطيران والدفاع الجوي بمحافظة مأرب (سبأ)

وأضاف مجلي أن «الميليشيات الحوثية تُحاول كذلك إيجاد حالة من التوتر في الساحل الغربي المرتبط بالممرات البحرية الدولية، ولا سيما في ظل تصاعد الاهتمام الدولي بأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب».

وشدد على «جاهزية القوات المسلحة اليمنية في مختلف الجبهات القتالية، خصوصاً في الساحل الغربي»، مؤكداً استمرار التنسيق الميداني بين مختلف الوحدات والتشكيلات العسكرية، ضمن الجهود الرامية إلى توحيد القرار العسكري، وتعزيز مراكز العمليات المشتركة.

وقال إن «توحيد القرار العسكري يُحدد طبيعة المواجهة مع الميليشيات الحوثية، ويرفع الروح المعنوية والكفاءة القتالية، ويُعزز مستوى التنسيق العملياتي بين مختلف الجبهات، بما يُسهم في تسريع الاستجابة الميدانية وتقليص الازدواجية والانقسامات العسكرية».

وأضاف مجلي أن «الاستمرار في بناء قوات مسلحة موحدة يمنح الحكومة اليمنية قدرة أكبر على إدارة المعركة سياسياً وعسكرياً»، مشيراً إلى أن ذلك «يُعزز ثقة المجتمع الدولي بوجود شريك مؤسسي قادر على حماية الاستقرار وتنفيذ أي تفاهمات مستقبلية تتعلق بالأمن والاستقرار في اليمن ودول الجوار والعالم».

لقاء وزير الدفاع بمستشار المبعوث الأممي

وفيما يتعلّق بلقاء وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، في العاصمة المؤقتة عدن، بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي إلى اليمن الجنرال أنتوني هايورد، قال العميد عبده مجلي إن اللقاء يكتسب «أهمية سياسية وعسكرية كبيرة».

وأوضح الناطق الرسمي أن اللقاء جاء «في مرحلة حساسة تشهد تحركات أممية تهدف إلى إبقاء مسار السلام قائماً»، بالتزامن مع «تصعيد وتحشيدات وإقامة دورات طائفية من قبل جماعة الحوثي».

تدشين تشكيل بحري جديد للقوات البحرية اليمنية في قطاع البحر الأحمر من باب المندب (سبأ)

وأشار إلى أن أهمية اللقاء تبرز في ظل تأكيد الحكومة اليمنية التزامها بإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس وطنية حديثة، ومواصلة جهود توحيد القوات المسلحة ودمج مختلف التشكيلات العسكرية تحت مظلة وزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان العامة عبر مركز العمليات المشتركة.

وتحدّث مجلي عن «تنفيذ استراتيجية تهدف إلى توحيد القرار العسكري وإنهاء حالة الانقسام وتعدد التشكيلات العسكرية، بما يُسهم في بناء قوات مسلحة أكثر قدرة وكفاءة على إدارة المعركة المشتركة ضد جماعة الحوثي».

وأضاف أن «ترتيبات عسكرية وأمنية تُنفذ حالياً بهدف تعزيز الأمن والاستقرار في مختلف المناطق، واستعادة مؤسسات الدولة والشرعية، وإنهاء مشروع الميليشيات الحوثية التوسعي المدعوم من النظام الإيراني».