خبراء في منتدى أصيلة يدعون لمواجهة التأثيرات السلبية لـ«الشعبوية»

بوطيب: الاحتجاجات في الريف مرتبطة بقبيلة واحدة فقط وليس بالمنطقة كلها

جانب من ندوة «الشعبوية ونموذج الديمقراطية التمثيلية»
جانب من ندوة «الشعبوية ونموذج الديمقراطية التمثيلية»
TT

خبراء في منتدى أصيلة يدعون لمواجهة التأثيرات السلبية لـ«الشعبوية»

جانب من ندوة «الشعبوية ونموذج الديمقراطية التمثيلية»
جانب من ندوة «الشعبوية ونموذج الديمقراطية التمثيلية»

دعا المشاركون في الندوة الثانية لمنتدى أصيلة الـ39 «الشعبوية والخطاب الغربي حول الحكامة الديمقراطية»، إلى مواجهة التأثيرات «السلبية» لخطاب الشعبوية عبر ترسيخ قيم الديمقراطية والحكامة الجيدة واحترام حقوق الإنسان.
وقال جيم غاما، رئيس التجمع الجمهوري البرتغالي السابق ووزير الخارجية الأسبق خلال مشاركته في محور «الشعبوية ونموذج الديمقراطية التمثيلية»، إن الشعبوية حاليا ليست في ذروة نجاحها، وربما أصبحت خطابا غير جديد، وتفصح عن سلبيات أكثر من الإيجابيات، ودائما ما يتم استخدامها لإمالة كفة الميزان لجهة أكثر من الأخرى، لكن بسبب الخلل في النظام الأمني أصبح لها تبعات، ولذلك، يضيف غاما، «نرى أن هناك بيئة جديدة بادئة في خلق نزاعات وأقطاب مختلفة على مستوى السياسة»، مشيرا إلى أنه عندما احتاج السياسيون إلى التجديد في خطاباتهم كان التوجه الشعبوي هو الحل لاستقطاب الناخبين.
من جهته، قال حسن عبد الله جوهر، أستاذ ورئيس قسم العلوم السياسية بجامعة الكويت، إن موضوع الشعبوية ليس موضوعا طارئا بل له جذور، سواء كانت آيديولوجية أو فكرية أو سياسية، وكانت موجودة على مر التاريخ، حيث يتبين أن بدايات وجذور الشعبوية بدأت في صدر الإسلام مع عهد الدولة الأموية، وتقوت أكثر في العصر العباسي، مضيفا أن الشعبوية أخذت لها امتدادات ليس فقط آيديولوجية، ولكن ترجمت على شكل ثقافة وأدب وفن، مشيرا إلى أن أول من بدأ بترسيخ الجذور الفكرية والثقافية للشعبوية هو المفكر الإسلامي المشهور الجاحظ من خلال شعره وكتاباته القصصية وإعادة كتابة التاريخ، حيث جعل فيها نوعا من المزية لغير العرب وخاصة الحضارة الفارسية، التي كان لها دور كبير في نشر هذا المفهوم، وما يؤكد أن الشعبوية ظاهرة إنسانية فكرية وموجودة في الذات البشرية والإحساس بالتفوق على الآخرين، أن هذه الظاهرة أيضا ولدت من جديد في نهايات القرن الـ19. وكانت أكثر تحركا على الميدان السياسي. ومن هنا، يقول جوهر، ولدت فكرة وجود تعريف الشعبوية بأنها قضية التقاء مجموعة من البشر على خصوصيات محددة، تمنحهم نوعا من الالتفاف على بعضهم في مقاومة ما هو جديد، وقد يؤدي إلى الإضرار بمصالحهم، فتأتي الشعبوية الجديدة باعتبارها امتدادا لهذا المسار التاريخي؛ لأن من يتأذى عادة بالشعبوية، يوضح جوهر هم البسطاء من الناس، وبالتالي يمكن استغلالهم سريعا عن طريق العاطفة من أجل الوصول إلى السلطة، إذ هناك علاقة وطيدة بين الشعبوية والطموح إلى السلطة السياسية.
من جهتها، قالت إناستاسيا ليخاشيفا المديرة المساعدة لمركز الدراسات الأوروبية والدولية والأستاذة في العلاقات الدولية، إن الشعبوي اليوم يحاول إلصاق الفشل والأزمات والتحديات الأمنية بالمهاجرين، لأن النخبة لم ترتق إلى مستوى الإجابة عن أسئلة المواطنين، فكان تصاعد خطاب الشعبوية حلا مثاليا لها بعد أن فقد المواطنون الثقة في الطبقة السياسية، مشيرة إلى أن ثمن تحقيق الرفاهية للمواطن هو صعود أشخاص شعبويين للسلطة، وزيادة تصاعد هذا النوع من الخطاب في عدد من دول العالم، مضيفة أن الأحزاب السياسية التي تعتمد على خطاب الشعبوية فازت بحصة الأسد في الانتخابات بسبب تحميل المهاجرين عبء الأوضاع المزرية على أساس أنهم عبء على الدولة ويأخذون ما هو حق للمواطن الأصلي، وهذا الخطاب يؤدي للعزلة والرفض، فالشعبوية سواء من طرف الأحزاب اليمينية المتطرفة أو اليسارية المتطرفة، تستمد قوتها من عدم رضا المواطن من الأزمات الاقتصادية وانعدام العدالة الاجتماعية.
في السياق نفسه، يرى حسن عبد الرحمن السفير الفلسطيني السابق ونائب رئيس والمدير العام لمجلس علاقات العالم العربي مع أميركا اللاتينية، أن الشعبوية ليس لها تعريف واحد، وليست حكرا على آيديولوجية معينة، بل هي نمط من أنماط التحرك، لكنها تختلف من مكان لآخر.
وفي الحالة الفلسطينية، قال عبد الرحمن، إن الخطاب الشعبوي كان ضروريا في مرحلة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية، خاصة في ظل التشرد والتشتت الذي ساد الوضع الفلسطيني بعد إقامة دولة إسرائيل عام 1948، وتوزيع الشعب الفلسطيني على عدد من البلدان العربية، وبالتالي كان من الضروري مخاطبة الوجدان والعواطف الفلسطينية من قبل القيادة الفلسطينية التي حاولت أن تخاطب الكرامة والحرية والاستقلال، والكثير من الشعارات، التي كانت ضرورية جدا لتجميع الفلسطينيين حول هذه القيادة، فكان الخطاب الشعبوي ضروريا حينها، وهذا يعني أنه ليس سلبيا بالضرورة وليس بالضرورة إيجابيا.
بدوره، يرى المختار بنعبدلاوي، أستاذ الفلسفة الحديثة ومدير مركز الدراسات والأبحاث الإنسانية، أن إشكالية الشعبوية أنها تشتت المشروعية، فهي تجعل مشروعية السلطة السياسية القائمة تتآكل، ولكنها لا تقدم أو تقترح مشروعية أخرى بديلة، ذلك أن لها القدرة على قلب الطاولة، ولكن ليس لها القدرة على إعادة ترتيبها، وهذه الخصائص، يرى بنعبدلاوي، أنها يجب ألا «تجعلنا ننظر إلى كل الشعبويات على أنها سلبية، فعندما تنخرط حركات شعبوية صغيرة وغير مؤثرة داخل تكتل واسع له رؤية فيمكن أن يكون أثرها إيجابيا».
في السياق ذاته، قال مصطفى نعمان، الكاتب الصحافي اليمني والسفير السابق لدى إسبانيا، إن كل الحكومات والدول الديمقراطية هي حكومات شعبوية وخطابها شعبوي لأنها تريد أن تحصل على أصوات الناخبين، وهذا لا يتأتى لها إلا بأن تعلن عن سياسة تستهويهم، والمسألة ليس لها علاقة بأحزاب الديمقراطية أو غير ديمقراطية، فالفرق بالخطاب الشعبوي في الدول الديمقراطية أنه في النهاية هناك مؤسسات تستطيع أن تعدل النواقص والأضرار التي تظهر بعد فترة، لكن المشكلة في الدول غير الديمقراطية التي تمارس هذا الخطاب، أنها لا تمارس خطابا شعبويا سياسيا، بل تمارس خطابا شعبويا اقتصاديا، بمعنى أنها تتوجه بإجراءات اقتصادية لا تمارس على جميع المواطنين، بل على المقيمين المهاجرين فقط، في حين المواطن الأصلي لا يتأثر بها.
أما الإعلامي العراقي جاسم العزاوي، فقال إن خطاب الشعبوية لا يخاطب العقل والمنطق، وهو ما يلاحظ في خطابات الرئيس ترمب، لكن المهم أنه يستقطب ناخبين جددا. واستغرب العزاوي صعود ترمب إلى الرئاسة لأنه قدم برنامجا حتى لو لم يكن يستجيب للعقل والمنطق، إلا أنه وجد له مكانا في عقلية الناخبين.
وأوضح العزاوي أن الوطنية أصبحت هي الملاذ للأحزاب، مشيرا إلى أنها فقدت التواصل مع المواطنين لإعادة لفت انتباههم، والشخص الشعبوي، في رأي الغزاوي، هو بحاجة دائما إلى جمهور متلق يقبل الخطاب، وإذا لم يتوفر هذا العنصر فلا يمكن للشخص الشعبوي أن ينجح.
من جهة ثانية، قال أنطوني بورغ، المفوض الأوروبي سابقا ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الأسبق بمالطا، إن الشعبوية «وجدت مناطق خصبة للتحرك فيها، ولا يمكن الإنكار أنها وجدت آذانا صاغية لها من الفئات الفقيرة من الناس، فنجد في وقت الأزمات أن هناك أشخاصا يجدون الحلول والوصفات السحرية البديلة التي تدغدغ مشاعر المواطنين، لكن في الوقت نفسه هناك اقتصاديات بصحة جيدة، لكن مع ذلك توجه الناخبون إلى الخطاب الشعبوي»، وقال إن «الفكرة هي عدم الرغبة في مشاركة الآخر لثروة البلد، وأعطى مثالا باقتصاد بريطانيا الذي لا يعاني من أي مشكل، لكن الخطاب الشعبوي آخذ في التصاعد، وغالبا ما يتم استخدام المهاجرين تهديدا لطريقة العيش والاقتصاد، وتهديد حرية الأشخاص وخلق فرص العمل، وهو أمر خاطئ، فالفكرة هي حماية الحدود مما أدى إلى استفتاء».
وقال رودرونيل غوش، صحافي وناشر هندي، إن تصاعد الشعبوية «له دوافع متعددة، أهمها النفاق الذي وصم به الحزب اليساري، وفي الوقت الذي ينتقد الكثيرون خطاب ترمب الشعبوي يجب أولا الرجوع إلى الخلف لنرى كيف وصل العالم لهذا الوضع»، مشيرا إلى أن النخبة الليبرالية هي التي خلقت هذه الفرصة بعدم المساواة، فرغم أن هناك كثيرا من الأشخاص المتأثرين بالخطاب الاجتماعي، لكن التوجه نحو خلق مزيد من الأقطاب الأخرى وعدم إتاحة الفرصة للأحزاب الموجودة التي لم تجد لها مكانا في الساحة، خلقا لبساً لدى المواطنين مما منح فرصة للأشخاص الذين استفادوا من الفجوة السياسية التي ساعدت في تصاعد خطاب الشعبوية، والأمر هنا لا يمكن أن ينتهي عند ترمب.
ومن جهته، وصف عبد السلام بوطيب، رئيس مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم بمكناس، الشعبوية على أنها ليست وصفا قدحيا بل هو وصفي، فالشعبوية والمحلية لها كل الحسنات والسيئات الموجودة في العالم، كما تطرق بوطيب إلى موضوع الاحتجاجات في الريف المغربي، متسائلا إن كان للأمر علاقة بالشعبوية أم لا؟، مشيرا إلى أن الاحتجاجات مرتبطة بقبيلة واحدة فقط وليس بمنطقة الريف، وليست متعلقة أيضا بمدينة الحسيمة، موضحا خطورة غياب التأطير الفكري لما يحدث، وهو نتيجة للخوف من المستقبل من خلال التمترس وراء زعيم وراية أخرى في الوقت الذي يعيش فيه المغرب على إيقاع المصالحة الوطنية.



ألغام الحوثيين تعمّق معاناة المتضررين من السيول

السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
TT

ألغام الحوثيين تعمّق معاناة المتضررين من السيول

السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)

تفاقمت معاناة السكان في مناطق الساحل الغربي لليمن، عقب السيول الجارفة التي لم تتوقف عند إغراق القرى وتدمير المنازل، بل تسببت أيضاً في تحريك ألغام أرضية ومتفجرات خلّفها الحوثيون؛ مما ضاعف من حجم الكارثة الإنسانية ورفع مستوى المخاطر التي تهدد حياة المدنيين.

وارتفعت حصيلة الضحايا إلى 22 قتيلاً، بينهم أطفال ونساء، فيما تضرر أكثر من 430 منزلاً بين دمار كلي وجزئي، إضافة إلى خسائر واسعة في الأراضي الزراعية والبنية التحتية، في وقت لا تزال فيه فرق الإنقاذ والإغاثة تواصل جهودها وسط تحديات ميدانية معقدة.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن السيول التي اجتاحت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، دمّرت نحو 38 منزلاً بشكل كلي، وألحقت أضراراً جزئية بأكثر من 400 منزل، فضلاً عن نفوق نحو 460 رأساً من الماشية وفقدان نحو 600 أخرى، في ضربة موجعة لمصادر دخل السكان.

عشرات المساكن في المخا وموزع غرب اليمن دمرتها السيول (إعلام حكومي)

وامتدت الأضرار إلى مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، حيث جرفت السيول التربة والمحاصيل، كما تضررت الطرقات وشبكات المياه؛ مما أدى إلى عزل بعض القرى وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية إليها.

ووفق مصادر إغاثية، فإن معظم الضحايا سقطوا في مديرية المخا، خصوصاً بمنطقتي النجيبة والغرافي، فيما شهدت مناطق الهاملي والسفالية والمفرق في مديرية موزع أضراراً متفاوتة في الممتلكات والبنية التحتية.

كما لا يزال 5 أشخاص في عداد المفقودين، في حين أفاد سكان محليون بالعثور على جثتي طفلين جرفتهما السيول بمنطقة السبلة، في مشهد يعكس قسوة الكارثة وحجم الخسائر البشرية.

الخطر الأكبر

لم تقف تداعيات الكارثة عند حدود الدمار الذي خلفته السيول، بل كشفت عن تهديد أخطر تمثل في جرف الألغام الأرضية والعبوات الناسفة إلى مناطق مأهولة بالسكان؛ مما وضع حياة المدنيين أمام خطر مزدوج.

وأفاد سكان في مديرية المخا بالعثور على ألغام مضادة للدبابات جرفتها السيول من مناطق مرتفعة، بينها الكدحة ووادي رسيان، إضافة إلى عبوات ناسفة ظهرت في مناطق سكنية، منها عزلة الزهاري شمال المدينة.

وفي مديرية موزع، تكررت المشاهد ذاتها، حيث عُثر على ألغام من مخلفات الحوثيين في مناطق زراعية وسكنية، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة من استمرار تدفق هذه المتفجرات مع أي موجة أمطار جديدة.

ودفعت هذه التطورات الفرق الهندسية إلى التدخل العاجل، حيث باشرت عمليات مسح ميداني لتحديد مواقع الألغام وتأمين مسارات آمنة للسكان، في سباق مع الزمن لتجنب سقوط مزيد من الضحايا، خصوصاً مع عودة الأهالي إلى تفقد منازلهم ومزارعهم.

جهود إغاثية

في موازاة ذلك، كثّفت الجهات الحكومية و«خلية الأعمال الإنسانية في المقاومة الوطنية» من تحركاتها الميدانية، حيث سُيّرت قوافل إغاثية إلى المناطق المتضررة، شملت توزيع مواد غذائية وإيوائية ومياه نظيفة على الأسر المنكوبة.

وأعلنت الخلية استكمال عمليات حصر الأضرار وتحديد الأسر المتضررة، تمهيداً لتوسيع نطاق الاستجابة الإنسانية خلال الأيام المقبلة، في ظل الحاجة المتصاعدة للدعم، خصوصاً مع تضرر مصادر الدخل وغياب مقومات الحياة الأساسية.

كما واصلت فرق الأشغال العامة فتح الطرقات المتضررة، وإزالة مخلفات السيول، وإعادة توجيه مجاري المياه بعيداً عن التجمعات السكنية، في محاولة للحد من تفاقم الأضرار.

طارق صالح يلتقي عائلات ضحايا السيول في المخا (إعلام حكومي)

وفي السياق، زار عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، عدداً من المناطق المنكوبة في ريف المخا، واطّلع على حجم الخسائر، موجهاً بتكثيف الجهود الإغاثية وتقديم الدعم الطبي العاجل، إلى جانب الإسراع في إعادة تأهيل الطرق لضمان وصول المساعدات.

وخلال لقائه أهالي الضحايا، نقل صالح تعازي القيادة السياسية، مؤكداً أن التعامل مع تداعيات الكارثة يتطلب استجابة عاجلة وشاملة، تأخذ في الحسبان حجم التحديات، وفي مقدمتها خطر الألغام التي ما زالت تحصد أرواح المدنيين حتى بعد انحسار السيول.

Your Premium trial has ended


اختبار أممي معقَّد في اليمن وسط زحام الأزمات العالمية

مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
TT

اختبار أممي معقَّد في اليمن وسط زحام الأزمات العالمية

مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)

تواجه الأمم المتحدة اختباراً جديداً ومعقداً في اليمن، بعدما دعت المجتمع الدولي إلى توفير نحو 2.6 مليار دولار لتمويل خطة الاستجابة الإنسانية للعام الحالي، في وضع اقتصادي دولي محفوف بالمخاطر، بينما يزداد الوضع سوءاً في الداخل بعد أن وصلت أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

وظهرت في السنوات الماضية صعوبة تأمين التمويل الكامل لتلك الخطط، في ظلِّ تساؤلات عن قدرة ورغبة المجتمع الدولي في توفير هذا التمويل في ظل أزمات اقتصادية عالمية متلاحقة وتزاحم غير مسبوق للأزمات الإنسانية حول العالم، بينما تعتمد جهود مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الذي يقود خطط الاستجابة على تعهدات الدول المانحة.

وتقدر الوكالات الأممية أن نحو 22.3 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى شكل من أشكال الدعم الإنساني، بزيادة 2.8 مليون شخص عن العام الماضي، وبما نسبته نحو 14 في المائة، مما يعكس تدهوراً حاداً، مدفوعاً بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، وانهيار الخدمات الأساسية، والصدمات الاقتصادية.

يرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام للجنة اليمنية العليا للإغاثة (لجنة حكومية)، أن بلوغ الاحتياجات الإنسانية هذه المستويات، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية، ويؤكد أنه، ومع وصول نسبة تمويل خطة الاستجابة، حتى مارس (آذار) 2026، إلى قرابة 10 في المائة فقط، فإن الحل لا يكمن في مجرد حشد المليارات، بل في «استعادة الثقة».

عائلة يمنية مكونة من أم و7 أطفال نزحت من الحديدة إلى منطقة دار سعد في عدن (الأمم المتحدة)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن المانحين ورجال الأعمال يحتاجون لضمانات بأن مساهماتهم تذهب لمن يستحقها، بينما تسعى الحكومة، وبإسناد من تحالف دعم الشرعية، لتقديم هذا «النموذج الشفاف» كما يصفه.

وبيَّن بلفقيه أن العمل الإنساني عانى طويلاً من خلل في إدارة الأموال والبيانات، مما استوجب أن يرتكز النشاط الحكومي الحالي على إقرار آلية «النافذة الواحدة» والتي من خلالها يتم رفع الاحتياجات الحقيقية من واقع الميدان وبإشراف حكومي مباشر، لإنهاء العشوائية، وضمان التوزيع العادل للمساعدات، والسماح للبنك المركزي بالرقابة على التدفقات المالية، مما يدعم استقرار العملة الوطنية.

ويتحدث عاملون في المجال الإنساني عمّا بات يُعرف بـ«إرهاق المانحين»، حيث أصبح واضحاً بعد أكثر من عقد من الأزمة، تراجع رغبة بعض الحكومات عن تمويل أزمات طويلة الأمد تبدو بلا أفق سياسي قريب للحل.

أزمة تمويل تتكرر

في معظم الأعوام، لم تحصل الاستجابة الإنسانية في اليمن سوى على جزء من التمويل المطلوب، مما اضطر وكالات الإغاثة إلى تقليص برامج المساعدات الغذائية والصحية أو خفض أعداد المستفيدين.

أكثر من 35 ألف يمني سيحصلون على مساعدات متنوعة بتمويل ياباني (الأمم المتحدة)

يتهم إيهاب القرشي، الباحث في الشأن الإنساني والاقتصادي اليمني، الأمم المتحدة بإدارة الملف الإغاثي والإنساني في اليمن بشكل كارثي، بعد أن حددت، خلال 14 عاماً ماضية، الاحتياجات الإنسانية وخطط الاستجابة بمبلغ 38.265 مليار دولار، ولم تحصل من المانحين حتى أواخر الشهر الحالي سوى على 21.571 مليار دولار، بما نسبته 59 في المائة.

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن أعلى معدل تمويل بلغ 75 في المائة في عام 2017، بينما كان أدنى معدل تمويل في عام 2024، والذي وصل إلى 17 في المائة، ولم يتجاوز في العام الماضي 54 في المائة، بينما لم يتم الحصول على أكثر من 9 في المائة خلال الفترة المنقضية من هذا العام.

ولا يتوقع القرشي أن يتجاوز تمويل خطة الاستجابة هذا العام بأكثر من 40 في المائة، إلى جانب تراجع تمويل المساعدات المباشرة لليمن في هذا الإطار الهام جداً ومع زيادة الاحتياجات.

ويتفق غالبية المراقبين للشأن الاقتصادي والإنساني في اليمن على أن التصعيد العسكري الأخير في المنطقة، وما يلقي من آثار على الاقتصاد العالمي ومضاعفة كلفة النقل والتأمين البحريين سيحد من إمكانية حصول الأمم المتحدة على تمويل لخططها الإغاثية في اليمن، وأيضاً حصول الحكومة نفسها على مساعدات مباشرة.

مفترق طرق إنساني

بحسب الخبراء، فإن تمويل الإغاثة في اليمن تأثَّر على مدى السنوات الماضية بمختلف الأزمات والحروب، بدءاً بجائحة «كورونا» التي عطلت الاقتصاد العالمي لوقت طويل، قبل أن تأتي الحرب الروسية - الأوكرانية لتتسبب بأزمات تموينية كبيرة على مستوى العالم.

وبينما ينتقد جمال بلفقيه، المسؤول الإغاثي اليمني، غياب التنظيم والرقابة الميدانية خلال الفترات الماضية من نشاط وجهود الأمم المتحدة ووكالاتها، مما أدَّى إلى فشل وصول المساعدات لكثير من مستحقيها، طالب بتنظيم العمل الإنساني وترتيب أولوياته لفتح آفاق جديدة تمكن من كسب ثقة رجال الأعمال والدول المانحة.

سوق في مدينة المكلا شرق اليمن حيث يعاني جميع سكان البلاد من تدهور القدرة الشرائية (أ.ف.ب)

وأكَّد أن الحكومة بصدد بناء أرضية مشتركة قوية مع القطاع الخاص والمجتمع الدولي للانتقال من مرحلة «تسكين الأزمة» إلى مرحلة «التعافي الاقتصادي الشامل».

وصرفت الأزمات الإنسانية الناتجة عن الحروب في عدة دول ومناطق في المنطقة والعالم كالسودان وغزة، أنظار الجهات الإغاثية عن الأزمة في اليمن.

ويحدِّد الباحث إيهاب القرشي مجموعة عوامل أدَّت لخفض التمويل خلال السنوات الماضية، مثل عدم تقدير الوضع الإنساني في اليمن بشكل واقعي، بسبب القصور الفني لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، وقصور أدوار وزارة التخطيط اليمنية، مما تسبب بالإعلان عن احتياجات غير حقيقة.

وإلى جانب ذلك، يجري تشتيت المخصصات وإهدارها كمصاريف تنفيذية وإدارية، بينما كانت الجماعة الحوثية تسيطر على المساعدات وتوجهها إلى ميزانية حروبها، وبشهادة الأمم المتحدة، بالإضافة إلى عدم الثقة بالمنظمات الإغاثية من قبل المانحين.

مساعدات دوائية قدمتها منظمة الصحة العالمية العام الماضي لعلاج الكوليرا في اليمن (الأمم المتحدة)

وتأتي أخيراً ممارسات التضييق والانتهاكات الحوثية ضد هذه المنظمات بعدما انتهت مصالح الجماعة مع الأمم المتحدة ووقف الولايات المتحدة تمويل الوكالة الأميركية للتنمية، وإنهاء تمويلها لخطط الاستجابة، وهي أكبر الدول المموِّلة لخطط الاستجابة.

ويواجه المجتمع الدولي اختباراً صعباً، فإما الاستجابة لنداءات التمويل ومنع تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، وإما ترك واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم تواجه خطر التفاقم في وقت تتزايد فيه الضغوط على منظومة العمل الإنساني العالمية.


إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
TT

إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)

ذكرت مصادر أمنية أن الدفاعات الجوية أسقطت طائرة مسيرة بالقرب ‌من ‌مقر ​إقامة ‌مسعود ⁠بارزاني، ​رئيس الحزب ⁠الديمقراطي الكردستاني في العراق، في أربيل.
وقالت ⁠مصادر أمنية لـ«رويترز» أمس السبت، ​إن ‌هجوما ‌بطائرة مسيرة استهدف منزل رئيس إقليم ‌كردستان العراق في واقعة تأتي ⁠في ⁠ظل استمرار تصاعد التوتر في شمال العراق.

وشهدت أربيل ليل السبت، نشاطاً مكثفاً للطائرات المسيّرة وعمليات اعتراض استمرَّت لساعات، حيث تمَّ إسقاط عدد من المسيَّرات في أثناء محاولتها استهداف القنصلية الأميركية وقواعد قريبة منها.

ونقل مراسلو وكالة أنباء «أسوشييتد برس» من المنطقة أصوات انفجارات متواصلة وقوية، مشيرين إلى رصد مسيّرة واحدة على الأقل تتجه نحو المنشآت الأميركية، في يوم شهد هجمات هي الأكثر ضراوة منذ اندلاع الحرب. وتواصل الميليشيات الموالية لإيران في العراق تصعيد هجماتها بالمسيّرات والصواريخ ضد القواعد الأميركية، ومن بينها تلك الموجودة في أربيل.

وأدانت واشنطن، في بيان، ما أسمتها «الهجمات الإرهابية الدنيئة» التي نفَّذتها الجماعات المسلحة الموالية لإيران، مؤكدة أنَّ الضربات التي استهدفت مقر رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في وقت سابق من يوم السبت، تمثل «اعتداء صريحاً على سيادة العراق واستقراره ووحدته».

وأسفر الهجوم عن أضرار مادية فقط، دون تسجيل إصابات، حيث كان المقر خالياً من الأشخاص لحظة استهدافه بالقصف.

إلى ذلك، أفادت مصادر أمنية ووسائل إعلام عراقية بأن مدناً ومناطق متفرقة من العراق تعرَّضت خلال الساعات الماضية، وصباح اليوم (الأحد) لهجمات بالطيران المسيّر والصواريخ.

وذكرت المصادر أن أحد مقار «الحشد الشعبي» في محافظة صلاح الدين تعرَّض لقصف بطائرة مسيّرة، وشوهدت سحب الدخان تغطي سماء المنطقة صباح اليوم، كما تعرَّض مطار الحليوة في أطراف قضاء طوز خرماتو، الذي يضم مقرات «للحشد الشعبي» بين محافظتَي كركوك وصلاح الدين لقصف بمسيّرة.

وأوضحت أن أحد مقار اللواء 41 لـ«الحشد الشعبي» في مدينة الموصل بمحافظة نينوى تعرَّض لهجوم بطائرة مسيّرة أميركية شمال بغداد.

وأعلنت خلية الإعلام الأمني في قيادة العمليات المشتركة العراقية، فجر اليوم، سقوط طائرة مسيّرة بشارع 42 في ساحة الواثق بحي الكرادة، دون وقوع إصابات.