معضلة سيناء مع الإرهاب

تجاوزت إطار الحرب المحلية

معضلة سيناء مع الإرهاب
TT

معضلة سيناء مع الإرهاب

معضلة سيناء مع الإرهاب

تعيش شبه جزيرة سيناء معضلة حقيقية منذ عدة سنوات، كان أكثرها صعوبة في الأعوام التي أعقبت عزل الجيش المصري للرئيس الأسبق محمد مرسي، على خلفية مظاهرات شعبية عارمة ضد حكمه في صيف 2013. ومنذ ذلك الوقت، تغيرت كثير من الأمور، منها ما هو ظاهر، مثل مواجهات يسقط فيها ضحايا من رجال الجيش والشرطة ومن أبناء سيناء كما حدث في منطقة البرث، قبل أسبوع، وكذلك ما يرتبط بمسارات الطرق المرصوفة والدروب الترابية وحدود البلدات الصغيرة وتركيبة القبائل التي تعيش فيها. ومنها ما هو خفي ويتعلق أساساً بتحولات جارية في منطقة الشرق الأوسط... من ضمنها علاقة مصر بحركة المقاومة الإسلامية (حماس) المهيمنة على قطاع غزة المجاور... وما يخص تحولات على الأرض تتعلق ببنود اتفاقية «كامب ديفيد» بين القاهرة وتل أبيب، الموقعة منذ أواخر سبعينات القرن الماضي، وما تتضمنه من حظر لوجود الجيش المصري في المنطقة «ج» على حدود إسرائيل.
بينما يضع البعضُ في العمليات الإرهابية التي تشهدها شبه جزيرة سيناء، في شمال شرقي مصر، اللوم على حركات راديكالية مصرية وفلسطينية، وعلى قبائل في سيناء، وعلى ظروف إقليمية ودولية أصبحت شديدة التعقيد، يقول أشرف الحفني، أحد القيادات الشعبية في العريش، لـ«الشرق الأوسط»: «مشكلات سيناء تكمن في كامب ديفيد». بينما يقول محمد العزبي، الباحث السياسي والاستراتيجي في المركز العربي الأفريقي، لـ«الشرق الأوسط» جازماً: «مما لا شك فيه أن أطرافاً إقليمية تحاول ابتزاز الحكومة المصرية من خلال دعم المتطرفين في سيناء. هذا يحدث منذ سنين عديدة، ويزداد حسب الظروف».
قبل أكثر من سنتين توصلت القاهرة إلى تفاهمات مع الجانب الإسرائيلي، تعطيها الحق في دخول الجيش المصري، وليس قوات الشرطة فقط، إلى داخل المنطقة «ج» من أجل ملاحقة «الجماعات التكفيرية»، كما تصفها بيانات المتحدث الرسمي للقوات المسلحة المصرية، العقيد أركان حرب، تامر الرفاعي.
ووفقاً لما أصدره الرفاعي، من مئات البيانات التي تتعلق بسير عمليات الجيش في سيناء، فقد تم القضاء على معظم العناصر «التكفيرية»، وأغلقت غالبية الأنفاق التي تمر من تحت الأرض بين جانبي سيناء وغزة. وتدمير آليات ومصادرة أسلحة وغيرها، إلى جانب مد يد العون للسكان المحليين في المدن والقرى المبعثرة في صحراء سيناء.
لكن رغم كل هذه الجهود، ورغم كسر شوكة الجماعات المتطرفة، ومقتل وهروب أعداد كبيرة من سيناء، فإنه، مع ذلك، يبدو أن المشكلة لا تريد أن تنتهي.
ويقول اللواء محمد قشقوش، المستشار في أكاديمية ناصر العسكرية العليا في القاهرة، لـ«الشرق الأوسط»، موضحاً: «لا شك أن الوضع في سيناء معقد للغاية... معقد جغرافياً وقبلياً. الأمر يتعلق أيضاً بخلفيات لم تكن طيبة تخص تعامل بعض من رجال الشرطة مع أبناء سيناء إبان نُظم الحكم السابقة».

محافظتا شبه الجزيرة
تنقسم شبه جزيرة سيناء الواقعة شمال شرقي مصر، إلى محافظتين... محافظة جنوب سيناء، وهي قليلة السكان، وتزخر بالمنتجعات السياحية، وأشهرها شرم الشيخ على البحر الأحمر. ومحافظة شمال سيناء، الأكثر سكاناً، وتقع على ساحل البحر المتوسط، وأشهر مدنها رفح الملاصقة لغزة والشيخ زويد، ثم العريش. وحسب اللواء قشقوش: «اليوم، المشكلة هنا... في الجزء الملاصق لغزة في محافظة شمال سيناء. هذه مساحة وعرة تضاريسيا، وتغطي نحو ألف كيلومتر مربع».
ومنذ وقت مبكر - أي بداية من عام 2004 - انطلقت من محافظة شمال سيناء عمليات إرهابية بسيارات مفخخة ضد مواقع سياحية في محافظة جنوب سيناء. ومع أن خطط التنمية لشبه الجزيرة عموماً كانت تسير على قدم وساق، فإنها كانت واضحة المعالم في الجنوب أكثر من الشمال، لدرجة أن الرئيس الأسبق حسني مبارك، اعتاد إقامة المؤتمرات الدولية واستقبال ضيوفه الكبار في منتجع شرم الشيخ.

مصطلح الإرهاب
ويتذكر مصدر قبلي يعمل مع السلطات الأمنية في العريش، تلك الأيام، ويقول: «منذ تفجيرات 2004 بدأنا نتعرف على مصطلح الإرهاب هنا. لم تكن مسؤولية مطاردة العناصر المتطرفة، تقع على عاتق الجيش، كما يحدث الآن، ولكن على رجال الشرطة».
وقعت مواجهات كثيرة. وردَّ الإرهابيون بتنفيذ تفجيرات وأعمال تخريبية أخرى في 2005 و2006 و2007. ويقول العزبي: «وقتذاك فازت حماس في الانتخابات، وانفردت بحكم غزة، وأرادت إدارة المعبر الوحيد لها مع العالم وهو معبر رفح. لقد انقلبت الأمور رأساً على عقب. كان لهذا تأثير سلبي كبير على الاستقرار في سيناء. كانت حماس تتحرش بمصر من خلال إقامتها شبكة من الأنفاق عبر الحدود». ويضيف: «انفراد حماس بغزة، كان له تأثير في تغذية الجماعات المتطرفة في سيناء. معروف أن حماس هي الذراع العسكرية لجماعة الإخوان. وبالتالي كان هناك دعم لوجيستي للشباب التكفيريين والخارجين من عباءة الجماعة، لاستخدمهم ورقة ضغط على الحكومة المصرية، وذلك من خلال تنفيذ عمليات مثل ما حدث في السابق في شرم الشيخ ودهب وطابا».
وعلى أثر ذلك زادت الشرطة المصرية من نشاطها في سيناء. لقد كان عدد الغرباء يتزايد في رفح والشيخ زويد والعريش. وجرت أكبر محاولة لاقتحام الحدود المصرية حين دفعت حماس بألوف الفلسطينيين إلى الأسوار الفاصلة بين جانبي رفح. وتم احتجاز ومحاكمة عدد من أبناء سيناء، وعدد من أعضاء حركة حماس، وكذلك خلية لحزب الله اللبناني كانت تنشط ما بين القاهرة وسيناء.
ويقول أحد القيادات القبلية في العريش: «وقتها بدأت العائلات هنا تعرف أسماء السجون من أجل زيارة المحبوسين... سجن الإسماعيلية، وسجن طرة، وسجن برج العرب، وغيرها». ويعلق اللواء قشقوش قائلاً: «كانت فترة صعبة تعامل فيها بعض رجال الشرطة بقسوة مع المواطنين. هذا ما زالت له آثار السلبية مستمرة حتى اليوم».

غزة بعد 2007
مصدر أمني مصري يقول إن حماس امتلكت زمام السلطة في غزة بعد 2007، لكنها تسببت في «فوضى في تركيبة الحركات الراديكالية في القطاع... تم طرد رجال الحرس الرئاسي (التابعين للرئيس الفلسطيني) من غزة إلى رام الله، والتنكيل بمعارضي حماس. واستغل المتطرفون كل هذه الثغرات للنمو والتكاثر على جانبي الحدود، خصوصاً في سيناء». واستمر الحال على هذا المنوال، إلى أن وقعت «ثورة 25 يناير 2011».
خلال السنوات السبع التي سبقت الإطاحة بمبارك، كانت هناك محاولات حثيثة لفرض الاستقرار في شمال سيناء، ووأد أي محاولة لتمدد المتطرفين، أو الوصول إلى منتجعات البحر الأحمر مرة أخرى، أو باقي المدن المصرية. ومن مقر إقامته في العريش يوضح، الحفني، وهو منسق اللجنة الإدارية للحركة الاشتراكية (يناير)، أن عدم تحقيق كثير من المطالب التي تخص سيناء، منذ وقت مبكر، أدى لاستمرار أزمة التنظيمات المتطرفة إلى أن وصلنا إلى تنظيم داعش.
بينما يقول المصدر القبلي المشار إليه: «حينذاك (في السنوات الأخيرة من حكم مبارك) ثار غضب قطاعات كثيرة من المواطنين، ممن تعارضت مصالحهم مع حملات الشرطة، ومع تدقيق رجال القانون».
أضف إلى ذلك الغضب من مداهمة البيوت، والاحتجاز لفترات طويلة. كان من ضمن مجالات العمل التي يمتهنها بعض أبناء سيناء، في تلك الفترة، تهريب المهاجرين غير الشرعيين القادمين من القارة الأفريقية ويسعون الوصول إلى إسرائيل، وكذلك تهريب الأسلحة والسلع عبر الأنفاق إلى غزة.
ويتابع: «في ظل تلك الظروف استمرت الشرطة في الضغط علينا (أي على شيوخ القبائل) لمنع الشباب من الانخراط في الأعمال غير القانونية من تهريب وتسلل وغيره، ولأنه لا توجد فرص عمل، بدأت سلطة شيوخ القبائل تتراجع رويداً رويداً طوال سنوات».

أخطاء الماضي
خلال السنوات السبع التي سبقت سقوط مبارك، أيضاً، وبين جدران السجون، التقى أصحاب الفكر المتطرف من أبناء سيناء، وكان بينهم قيادات، بالمئات من المحتجزين السيناويين، وغير السيناويين، ممن لم يكن لديهم أي أفكار متشددة في السابق. ويقول أحمد الزملوط، ابن العريش الذي يدير مؤسسة تنموية في شبه الجزيرة الصحراوية: «أخطاء الماضي، لم تعالج في حينه... اليوم يمكن أن ترى النتائج. أعتقد أنك إذا أردت أن تصحح أمراً ما، بعد فوات الأوان، فستكون عملية مكلفة. هذا ما يحدث عادة».
وظهرت أولى الهجمات الكبرى التي نفذها متطرفون من سيناء، بالأسلحة الثقيلة، قبل يومين من اندلاع «ثورة 2011». ووفقاً لمحاضر للشرطة، اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، وتعود لأيام 23 يناير، وما بعدها، فقد انطلقت العشرات من سيارات الدفع الرباعي المزودة بالقذائف الصاروخية، واجتاحت الكمائن الأمنية، في طريقها لاحتلال أقسام الشرطة في رفح والشيخ زويد، ومبنى مديرية الأمن في عاصمة المحافظة. ووفق وصف الزملوط: «كان الأمر، برمته، مخيفاً».
كانت نقطة انطلاق غالبية المتطرفين المهاجمين، حينذاك، من قرى قريبة من غزة، أشهرها قرية المهدية، التابعة لمدينة الشيخ زويد. وانهارت الشرطة في عموم مصر، وانسحبت يوم 28 يناير من الشوارع، وتوقفت عن التعامل مع الفوضى التي ضربت البلاد، بما في ذلك الوضع في سيناء. وفر من السجون ألوف من المحكومين في قضايا إرهابية وجنائية، بمن في ذلك المحكومين من خلايا حماس وحزب الله.

«الإخوان» في السلطة
ومع هيمنة جماعة الإخوان على السلطة في مصر، من خلال البرلمان أولاً، ثم رئاسة محمد مرسي للدولة، عاد المئات من المتشددين المصريين من خارج البلاد. وتمَّ كذلك إخراج زرافات ممن تبقى من المتطرفين، من السجون المصرية، ليس من متطرفي سيناء فقط، بل من معتنقي الأفكار المتشددة من باقي المحافظات المصرية أيضاً. وفرّ غالبية هؤلاء إلى سيناء عقب الإطاحة بمرسي. وبدأت دوامة العنف تتخذ طابعاً أكثر حدة، ما اضطر دبابات الجيش لاجتياز قناة السويس والدخول إلى سيناء، بما في ذلك المنطقة «ج». ودكت الطائرات حصون «التكفيريين» في رفح والشيخ زويد وفي جبل الحلال الوعر. ولكن، كما يتساءل اللواء قشقوش: «لماذا لم تتوقف عمليات المتطرفين حتى الآن؟».
قد يكون السؤال الشائع أيضاً: «لماذا يتكرّر العمل بهذا الأسلوب؟». الإجابة ليست سهلة. أولاً: لا يمكن تفتيش كل مواطن وكل سيارة في سيناء. «الحياة ستتوقف» كما يقول قشقوش. ومن المشكلات التي تواجه السلطات الأمنية في سيناء، صعوبة الكشف عن المواد المتفجرة المتقدمة، والمقصود بها «تلك التي لا تعطي مؤشرات ولا إنذاراً للأجهزة الإلكترونية». ويستخدم المتطرفون أسلحة نوعية، تم العثور على نماذج منها عقب هجوم البرث الذي خلف نحو 26 قتيلاً وجريحاً.
ورغم التقدم الذي أحرزه الجيش المصري في تطهير سيناء من «التكفيريين»، خلال الشهور الأخيرة، فإن هناك مفردات تجعل الحرب على الإرهاب هنا ليست مسألة سهلة، ومنها الطبيعة الجغرافية الوعرة، حيث تكثر الأحراش والمزارع والأنفاق. وحسب قشقوش... «هذه المنطقة تشهد عمليات ضد الجيش وتعد معضلة رئيسية، وتبلغ مساحتها نحو ألف كيلومتر مربع... هي بيئة حاضنة ممتازة، تشبه تقريباً بيئة فيتنام مع الأميركيين، التي كان يغلب عليها الكثافة السكانية في قرى صغيرة قزمية منتشرة في مناطق فيها مستنقعات، وفيها مناطق شجرية وغابات، فكان التعامل الأميركي معها صعباً للغاية».
ويشير إلى أن الوضع في سيناء أكثر تعقيداً حتى من مدينة الموصل التي تحصن فيها تنظيم داعش قبل هزيمته أمام القوات العراقية أخيراً. ومع ذلك يؤكد: «قضينا على نسبة كبيرة من خطر الإرهاب في سيناء، لكن الحرب معه ما زالت طويلة المدى».

إلى سوريا والعراق
مذ تضييق الجيش الخناق على المتطرفين في سيناء، فرّ المئات منهم إلى سوريا والعراق ودول أخرى، إلا أن هناك رحلة عكسية لهذه العناصر الخطرة، إلى ليبيا، ومن ثمَّ إلى مصر مجدداً، وذلك بعد الضربات التي تلقاها تنظيم داعش في الموصل والرقة. العزبي يقول إنه «من المستحيل عبور أي جهادي من ليبيا إلى سيناء... لكن من الممكن أن يكون هناك بعض الدعم اللوجيستي للموجودين في الداخل، لأن الجيش أحكم سيطرته على كل المنافذ المؤدية إلى سيناء، سواء نفق الشهيد أحمد حمدي، الواصل بين سيناء وغرب مصر، أو المعدِّيات التي تعبر بين ضفتي قناة السويس، أو كوبري السلام».
غير أن العزبي لا يستبعد دخول «تكفيريين» إلى سيناء من خلال معابر أخرى، إذ يقول: «عودة المتطرفين إلى سيناء، في الفترة الأخيرة، ممكن عن طريق البحر، أو الأنفاق مع غزة... توجد تقنيات لحفر نفق مخصص فقط لعبور الإرهابيين لتنفيذ عمليات، والعودة، ثم تفجير النفق بعد ذلك، لإخفاء معالمه، وهو ما يزيد من معضلة الوضع في سيناء أمام السلطات».
ويشير إلى أن استخدام المتطرفين للضغط على الحكومة المصرية لا يقتصر على حماس فقط، ولكن هناك دولاً في المنطقة تفعل ذلك أيضاً. ويقول إنه، على سبيل المثال: «لا يمكن أن نتوقع ترحيباً إسرائيلياً بوجود قوات مصرية ضخمة من الجيش قرب حدودها، خصوصاً في المنطقة (ج). فرغم موافقة الحكومة في تل أبيب على ذلك، هناك أطراف في إسرائيل تنظر بحظر للأمر، وأعتقد أنها متورطة في إقلاق الجيش في تلك المنطقة».
ويستطرد العزبي قائلاً إن «الإحداثيات التي يملكها الإرهابيون لتحديد مواقع القوات الأمنية من الجيش والشرطة، إحداثيات لا تملكها إلا أجهزة مخابرات دول. نحن نعلم أن قطر تقدم دعماً لوجيستياً لهؤلاء المتطرفين، لكن تميّز الجماعات الإرهابية في العمل الاستخباراتي وتحديد مواقع رجال الأمن، وتحركاتهم، يتم عبر أجهزة مخابرات لديها الهدف ذاته، وهو محاولة إنهاك الدولة المصرية، ليس من خلال تنفيذ عمليات إرهابية في سيناء فقط، ولكن في عموم البلاد».

التعويل على القبائل
وتعول السلطات المصرية في الفترة الأخيرة على تضامن وتعاون قبائل سيناء في مواجهة المتطرفين، وفي حرمانهم من أي بيئة حاضنة، أو أي مجالات للحركة، خصوصاً بعدما هاجم تنظيم داعش عدداً من أبناء هذه القبائل، وأقدم على قتلهم والتمثيل بجثثهم. ومنها قبائل السواركة والترابين. ووفق قشقوش: «يمكن أن نقول إن التعاون ضد الأغراب وضد الإرهابيين ازداد حين أضيرت هذه القبائل في عدد من أبنائها. لكن لو حدث تعاون أكبر بين الدولة والقبائل، في سيناء، سيكون المردود المعلوماتي أفضل». ويضيف أن «الحرب ضد الإرهاب في مثل هذه المناطق، تعتمد بنسبة 99 في المائة على المعلومات، وبنسبة 1 في المائة على العمل العسكري، وما أسهله... نحتاج لفيض من المعلومات الدقيقة بشكل مستمر»، مشيراً إلى أن الهجوم على أفراد الجيش في منطقة البرث يوم الجمعة قبل الماضي، سببه الرئيسي نقص في المعلومات... «في اعتقادي، لو كانت الشبكة المعلوماتية موجودة لتغير الأمر.. الدقائق تُحدث فرقاً كبيراً في مثل هذه الأحداث. الطرف الآخر يعتمد على المفاجأة».
ثم إن من نفذوا عملية يوم الجمعة قبل الماضي، ليسوا بالعدد القليل... فقد قتل الجيش نحو 40 منهم، وبالتالي فإن من كانوا يقفون وراء العملية، وفقاً لرأي قشقوش، لا يقلون عن 70 أو 80 فرداً أو أكثر... ويتساءل مجدداً: «أين اجتمعوا، وأين خططوا... لا بد أن يكونوا قد اجتمعوا في مكان معين... حتى لو تكلموا في التليفونات، فهي مراقبة. وهناك نسبة من التنصت، ولا يحدث عمل بمثل هذا الحجم إلا إذا حدث اجتماع كبير، أو أكثر من اجتماع كبير. لو كانت لديك هذه المعلومة، لكان لديك القدرة على إحباط العمل قبل أن يتم».
أخيراً، يبدو من نشاط «التكفيريين» في سيناء خلال الشهور الأخيرة أنه يوجد نقص في المتفجرات المتقدمة، إذ جرى اكتشاف عملية خلط، يقوم بها المتطرفون للمواد المحلية، من المتفجرات التي تعود إلى مخلفات الحرب العالمية الثانية، مع مواد حديثة شديدة التدمير. ويذكر مصدر عسكري في سيناء أنهم «يطوعون خامات محلية.. يخلطونها بمواد جرى تهريبها من ليبيا أو من قطاع غزة... يستخدمون كميات قليلة من الرصيد الشديد التفجير، كي لا ينضب، ويضعونه مع بعض المواد المحلية القابلة للانفجار. الفرق كبير جدا... تفجير 20 عبوة من المادة المحلية، مثل تفجير عبوتين من المواد المتقدمة. انفجار البرث كان ضخماً للغاية».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.