أسبوع باريس للأزياء الراقية لخريف وشتاء 2018... الخطاب نسوي والتصاميم أنثوية

سيناريوهات وقصص تتغنى بقوة المرأة وتناضل من أجل حقوقها بفنية

من عرض «ديور» الذي تعاونت فيه المصممة ماريا غراتزيا كيوري مع الفنان بييترو روفو... هذا الأخير صمم حديقة «أوتيل ناسيونال ديز أنفاليد» بزرعه أشجاراً ونحته قطعاً خشبية تجسد حيوانات لتكون خلفية مناسبة لاحتفال المصممة بمرور 70 عاماً على تأسيس الدار - من عرض إيلي صعب - من عرض  جيورجيو أرماني - من عرض جون بول غوتييه - من عرض جون بول غوتييه - من عرض «سكاباريلّي» - من عرض «سكاباريلّي» - من عرض «فالنتينو»
من عرض «ديور» الذي تعاونت فيه المصممة ماريا غراتزيا كيوري مع الفنان بييترو روفو... هذا الأخير صمم حديقة «أوتيل ناسيونال ديز أنفاليد» بزرعه أشجاراً ونحته قطعاً خشبية تجسد حيوانات لتكون خلفية مناسبة لاحتفال المصممة بمرور 70 عاماً على تأسيس الدار - من عرض إيلي صعب - من عرض جيورجيو أرماني - من عرض جون بول غوتييه - من عرض جون بول غوتييه - من عرض «سكاباريلّي» - من عرض «سكاباريلّي» - من عرض «فالنتينو»
TT

أسبوع باريس للأزياء الراقية لخريف وشتاء 2018... الخطاب نسوي والتصاميم أنثوية

من عرض «ديور» الذي تعاونت فيه المصممة ماريا غراتزيا كيوري مع الفنان بييترو روفو... هذا الأخير صمم حديقة «أوتيل ناسيونال ديز أنفاليد» بزرعه أشجاراً ونحته قطعاً خشبية تجسد حيوانات لتكون خلفية مناسبة لاحتفال المصممة بمرور 70 عاماً على تأسيس الدار - من عرض إيلي صعب - من عرض  جيورجيو أرماني - من عرض جون بول غوتييه - من عرض جون بول غوتييه - من عرض «سكاباريلّي» - من عرض «سكاباريلّي» - من عرض «فالنتينو»
من عرض «ديور» الذي تعاونت فيه المصممة ماريا غراتزيا كيوري مع الفنان بييترو روفو... هذا الأخير صمم حديقة «أوتيل ناسيونال ديز أنفاليد» بزرعه أشجاراً ونحته قطعاً خشبية تجسد حيوانات لتكون خلفية مناسبة لاحتفال المصممة بمرور 70 عاماً على تأسيس الدار - من عرض إيلي صعب - من عرض جيورجيو أرماني - من عرض جون بول غوتييه - من عرض جون بول غوتييه - من عرض «سكاباريلّي» - من عرض «سكاباريلّي» - من عرض «فالنتينو»

كانت باريس تنبض بالحركة في الأسبوع الماضي؛ فقد كان عالم الموضة يحتفل فيها بموسم الـ«هوت كوتير» لخريف وشتاء 2018. كانت الشمس مشرقة، والألوان ساطعة، فضلا عن رائحة تفاؤل قوية تفوح في الأجواء لم تؤثر عليها الحراسة الأمنية المشددة. صحيح أن منظر رجال الشرطة وهم يجولون بين الناس العاديين حاملين رشاشات وبنادق كان يثير بعض المخاوف ويُذكرنا بأن العالم في حرب يومية مع الإرهاب، إلا أن حرارة الشمس وما تابعناه طوال الأسبوع من أناقة تحاكي الفن، كانت تُذوب كل المخاوف. كلما ارتفعت الحرارة كنا نُقنع أنفسنا بأنها فيتامين مفيد للجسم. المشكلة كانت في بعض العروض التي أقيمت في الهواء الطلق، مثل عرض «ديور»؛ فهي لم تأخذ بالحسبان حالة الطقس. لحسن الحظ أن جمال ما قدمته مصممتها ماريا غراتزيا كيوري من إبداعات شفعت لها عذاب الانتظار الطويل تحت لفح الشمس. كانت مُفعمة بالإبداع والجمال، وأهم من هذا؛ تحترم المرأة من منظور يتعدى التصاميم الأنيقة إلى دورها ومكانتها في المجتمع.
ففي ظل الأحوال السياسية التي هزت العالم في العام الماضي ولا نزال نعيش تبعاتها، أصبح البعض يرى أن الحقوق التي اكتسبتها بعد نضال طويل، بدأت تتسرب من بين يديها، وبالتالي هي في حاجة إلى حركة نسوية جديدة، على الأقل للمحافظة على مكتسباتها. الطريف أن اليوم الأخير من الأسبوع تزامن مع مراسم دفن سيمون فيل، الناشطة الحقوقية والسياسية والأكاديمية الفرنسية التي نذرت حياتها لحقوق المرأة. كانت هناك أعلام منكسة وأخرى باللون الأسود حدادا عليها. كما أن «ميزون مارجيلا» اضطرت لتغيير مكان عرضها بعد أن صدر قرار رئاسي بأن تُجرى المراسم في «ليزانفاليد» Les Invalides. وفاة سيمون فيل أعادت للأذهان نضال المرأة الذي لا يزال مستمرا. ما خلفته من آراء ونادت به طوال حياتها، كان يُطل علينا في كثير من العروض، لا سيما أن عددا لا يستهان به من المصممين حاولوا حمل مشعل الحركة النسوية؛ من ماريا غراتزيا كيوري التي ترفع منذ التحاقها بدار «ديور» أعلام هذه الحركة، إلى كارل لاغرفيلد الذي قدم منذ بضع سنوات عرضا ضخما أنهاه بمسيرة في «لوغران باليه» رفعت فيها العارضات الأعلام للمطالبة بحقوقهن وما شابه ذلك من شعارات. أما باقي المصممين في هذا الموسم، فلم يخفوا قلقهم من الأحوال السياسية التي نعيشها وتأثيراتها على كثير من مناحي الحياة؛ الاقتصادية والثقافية والفنية. هؤلاء عبروا عن مخاوفهم من خلال تشكيلات تحترم المرأة وتبتعد عن ترخيصها بتصاميم تكشف مفاتنها في استسهال فج لمعنى الأنوثة.
طبعا لم يأت هذا الاحترام على حساب الجانب التجاري؛ فالـ«هوت كوتير» كما نعرف تخاطب امرأة تريد الفريد والمتميز بأي ثمن، فسعر فستان في هذا الموسم قد يفوق المائة ألف دولار بكثير؛ حسب اسم المصمم ونوع الأقمشة وكمية التطريزات. مبلغ يعد بالنسبة لعُضوات هذا النادي النخبوي، معقولا ومقدورا عليه، لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار أن بيوت المجوهرات الكبيرة، مثل «فان كليف آند أربلز» و«كارتييه» و«بياجيه» و«ديبيرز» وغيرها، دخلت على الخط وباتت تنافس المصممين بقطع تفوق الملايين من الدولارات. فقد اخترقت هذه البيوت «الأسبوع» وأصبحت تحرص على أن تعرض فيه أجمل وأغلى ما لديها. «بياجيه» مثلا تعرض في محلها خاتما بأكثر من 8 ملايين يورو، كما أن نصف المجموعة التي أبدعتها الفنانة فكتوار دي كاستيلان لدار «ديور» بيعت قبل عرضها أمام وسائل الإعلام بأيام.
ومع ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن كثيرا من الأحاديث لم تكن عن الأسعار بقدر ما كانت عن الآمال المعلقة على حكومة إيمانويل ماكرون، أصغر رئيس فرنسي منذ نابليون، وتحديدا وعدها بتخفيض الضرائب، وانعكاسات ذلك على صناعة الموضة. في الجانب الآخر، كانت صور سيمون فيل، التي تصدرت معظم أغلفة المجلات الفرنسية، تُعيدنا إلى نضال المرأة المستمر، وتجعلنا، بشكل لا شعوري، نربط كثيرا من الخيوط بعضها ببعض، ونستخلص أن «الأسبوع» كان نسويا بكل المقاييس. كما كانت عن معرض «ديور» في متحف «الفنون الزخرفية» الذي تحتفل فيه الدار بمرور 70 عاما على تأسيسها وولادة ما أصبح يعرف في قاموس الموضة بـ«ذي نيو لوك» الذي يتميز بالتنورات المستديرة الطويلة والخصر الضامر المشدود. مصممة الدار الحالية ماريا غراتزيا كيوري لا تزال جديدة مقارنة بالمصممين الذي سبقوها في الدار الفرنسية العريقة وتركوا بصمات واضحة، إلا أن الملاحظ أن بصماتها بدأت تتضح أكثر وأكثر في المواسم الأخيرة... لخريف وشتاء 2018 مثلا، احتفلت مع الدار بعودتها إلى التنورات الطويلة والواسعة التي أطلقها السيد كريستيان ديور في عام 1947 لكن بلغة تناسب 2017.
إيلي صعب

> في الوقت الذي حاول فيه معظم المصممين الفرنسيين تحديدا، إن لم نقل كلهم، تجنب التطريزات الغنية والتركيز على بساطة التصاميم، أخذ إيلي صعب الاتجاه المعاكس. كانت تشكيلته صادمة بتطريزاتها، وأطلق عليها عنوان: «أسطورة ملكات غابرات»، وجاءت تقطر سخاء حتى بالنسبة له؛ هو الذي فتح أبواب هذه المدرسة للعالم.
عندما تعالت أول نغمة موسيقية وبدأ العرض، بدأت معه التخمينات والتساؤلات: هل هذه زنوبيا أم بوديكا؟ هل هي حتشبسوت أم الإمبراطورة تيودورا؟ هل هي كاثرين الثانية أم إليزابيث الأولى؟ وفجأة تشعر بأنهن كلهن انصهرن في صورة امرأة عصرية مستقوية بأسلحتها الأنثوية... شرح المصمم أنه عاد فيها إلى القرون الوسطى؛ فـ«هناك دائما متسع لأسطورة تحكي قصة مملكة قديمة، وتتغنى بانتصارات في معارك ملحمية قادتها ملكة»، حسب قوله.
من هذا التاريخ البعيد نسج تشكيلة جسد فيها صورة لامرأة تناضل من أجل أنوثتها وتقف في وجه أي تغيير يهدد عيشها الرغيد.
من أجلها دخل إيلي صعب ميدانا جديدا عليه، على الأقل من ناحية الخطوط التي استقاها من العصور الوسطى. إلا أنه بقي وفياً لتطريزاته وأقمشته المترفة، مثل المخمل والموسلين والتول التي أدخل على بعضها تخريمات عكست الضوء وخلفت إحساسا بالخفة كلما تمايلت العارضات، سواء تعلق الأمر بتنورات من التول أو فساتين من المخمل والحرير أو الموسلين والساتان. بعضها مطرز باللآلئ، وبعضها الآخر بالريش أو الفرو أو الذهب. فليس هناك أكثر من إيلي صعب يُتقن «طبخة» البريق. ومهما زاد من جرعاته، لا يقع مطلقا في مطب البهرجة أو المبالغة.
كل ما أكدته هذه التشكيلة أن إيلي صعب ضعيف! ضعيف أمام أنوثة المرأة، فهو يؤمن ويكرر دائما أن في أنوثتها تكمن قوتها، لهذا لا يريدها أن تتنازل عنها بأي شكل من الأشكال. لهذا أيضا قدم لها في هذه التشكيلة أسلحة فتاكة لكي تحافظ عليها، تجسدت في «كابات» طويلة وفساتين تقطر بريقا، كما في قطعة هجين بين فستان و«جامبسوت». ورغم أنه صرح بأنه استلهمها من ملكات زمن غابر، فإن كل ما فيها يتكلم لغة عصرية تخاطب زبونته التي تعشق الترف من جهة، وتغازل شابة تعشق موجة «الماكسيميلزم» من جهة أخرى... فهذه الموجة كفيلة بأن تجذب إليها الأنظار، خصوصا عندما تكون المناسبة كبيرة والمنافسة على أشدها بين بنات جنسها. أي قطعة من هذه التشكيلة تضمن لها أن لا تكون كومبارسا؛ بل بطلة في دور ملكة أو أميرة متوجة. هذا ما يرمي إليه المصمم الذي لم يُقدم ولا قطعة واحدة للنهار أو للكوكتيل وركز على مناسبات السهرة والمساء فقط... قد يصدمنا أو يفاجئنا بجرأته، إلا أنه يُثبت دائما أنه على حق، وأنه قارئ جيد لسيكولوجية المرأة، فالسنين تُثبت لنا دائما أنه علينا أن نستسلم له ونثق فيه ثقة عمياء. كما تعلمنا التجارب أن نُسلم بأنه لا يتمتع بملكة الإبداع فحسب؛ بل أيضا بحس تجاري فذ.

جيورجيو أرماني

> في عرض جيورجيو أرماني، احتلت المقاعد الأمامية باقة من نجمات السينما، من مثيلات صوفيا لورين، وإيزابيل هوبير، وكايت وينسليت، وناعومي واتس، وبريانكا شوبرا، عوض مدونات أو فتيات الإنستغرام الصغيرات. كانت الصورة جميلة ومُثلجة للصدور، وتشير إلى أن المصمم المخضرم يعرف زبوناته جيدا. فهن ناضجات ولسن فتيات متطلعات للموضة، يتابعنها على شبكات التواصل الاجتماعي من باب الحلم فقط. في «باليه دو شايو» بباريس أقام عرضه. اختار له خلفية بيضاء وأبوابا ذهبية تستحضر ديكورات قصر أورسيني، مهد الفنون الرفيعة في مدينة ميلانو، كانت مناسبة جدا لتشكيلة غنية بالألوان. العنوان الذي اختاره لها هو «ميستري» أي «الغموض»، الأمر الذي يمكن تفسيره على أنه تحد لثقافة الإنستغرام و«كشف المستور»، وتحية للزمن الجميل حين كانت الخصوصيات تُحترم وتحدث وراء أبواب موصدة من ذهب. تصاميمه عكست هذه الفلسفة، حيث غلبت عليها تايورات قوية موجهة لامرأة واثقة. كذلك الفساتين التي تميزت بخطوط مفصلة وألوان متنوعة وتطريزات بجرعات خفيفة. لم يُغير المصمم جلده أو أسلوبه بل اعتمد على وصفته الناجحة حتى الآن. كل ما في الأمر أنه اكتفى بإضافة لمسات خفيفة يفرضها العصر. مثلا لم يغب التايور المكون من البنطلون والجاكيت، الذي يُعتبر ماركته المسجلة. الفرق هنا أن البنطلون جاء ضيقا أكثر من السابق، ليتسع من أسفل في بعض الإطلالات.
نفس الشيء بالنسبة للجاكيت الذي جاء ضيقا عند الأكتاف ومحددا عند الصدر ليأخذ شكل «بيبلوم» عند الخصر. فساتين السهرة في المقابل اكتسبت بُعدا دراميا أكبر، بألوانها وتطريزاتها. كان كل فستان تقريبا يُخفي تحته سرا، معتمدا على طبقات شفافة من التول أو الأورغنزا لكي تحرس خصوصيته. وليس أدل على هذا من مجموعة من التنورات المستديرة التي غطتها طبقات من التول أو الأورغنزا تظهر من تحتها ورود مُطرزة وأخرى كتب عليها بخط رفيع «أرماني بريفيه»، فضلا عن أخرى مصنوعة من الحرير، تكتشف أنها مرصعة بالأحجار عندما تُصدر صوتا خفيفا مع كل خطوة أو حركة تقوم بها العارضة.
تخرج من عرض أرماني وأنت متأكد من أن السنين (88 عاما) لم تأخذ منه قدرته على الجمع بين التجاري والفني. التجاري بمعنى أنه يعرف سوقه جيدا ويُتحفها دائما بتصاميم تروق لها. والفني بمعنى أنه لا يتوقف عن إدخال تفاصيل جديدة ومبتكرة. أما إذا كان هناك مأخذ على التشكيلة فهو بعض التنورات الطويلة والضيقة التي كانت مقيدة للحركة، ويُمكن أن يجد صعوبة في تسويقها لامرأة يفرض عليها إيقاع حياتها المتسارع حركة دائمة.

جون بول غوتييه

> قصة الحب التي بدأت منذ سنوات بين شقي الموضة الفرنسية جون بول غوتييه والهند لم تنته بعد. فالمصمم يعود إليها كلما احتاج إلى جرعة إلهام ودفء. مرة يغرف من ألوان الكاريه الحارة، ومرة من تطريزات الساريه البراقة، وفي كل مرة يضيف إليها رشة باريسية تجعلها مُشهية لكل الأسواق العالمية. قبل بدء العرض وقبل أن تزيد سخونته، ارتأى المصمم أن يأخذنا إلى بعض المنتجعات الشتوية المشهورة. فقد أطلق على كل ركن في القاعة اسم أحد المنتجعات الشتوية، مثل فال ديزير أو كلوسترز أو غاشتاد، ومع بدء العرض تساقطت أوراق صغيرة من السقف وكأنها حبات ثلج لترافق كل عارضة وترسخ في الذهن أن المجموعة موجهة لفصلي الخريف والشتاء. كانت الغلبة لأقمشة دافئة مثل الصوف والكشمير والفرو، نسقها مع قبعات وشالات وأحذية عالية الساق. وبما أن المصمم يعشق المداعبة واللعب على المعاني، فإنه كما اختار لأماكن جلوسنا أسماء المنتجعات، اختار أيضا لكل قطعة اسما طريفا. فهناك إطلالة تتكون من كنزة صوفية منقوشة بعدة ألوان تحمل اسم «سانتا كلوذز» Santa Clothes، عوض كلوس، وأخرى تحمل اسم «أنا وينترز» Anna Winters عوض وينتور، وما شابه من تسميات طريفة.
كل ما في هذه المجموعة يضج بالأناقة، وليس هناك أدنى شك في أنه سيجد طريقه لخزانة امرأة عصرية بسهولة. فالمصمم رصع كثيرا منها بأحجار الكريستال واللؤلؤ، كما بطن بعضها بفرو المنك، احتراما لثقافة أسبوع لا تعترف بالأسعار أو الحلول الوسطى. لكن الأجمل والتي ظلت مرسومة في الخيال، كانت التصاميم المستوحاة من الهند. كانت تعبق برائحة التوابل الحارة التي ترجمها في فساتين طويلة من المخمل والحرير والموسلين، من خلال تصاميم التفت حول الجسم عوض أن تحدده بأشكال هندسية، باستثناء بعض الأكتاف التي أخذت شكل دروع واقية. عندما سُئل عن علاقة الثلج بالهند، وكيف انتقل من قارة إلى أخرى بهذه البساطة، كان رده أن «الهند أيضا تشهد تساقطات ثلجية».

سكاباريلّي

> كانت الأجواء في صالون «ميزون سكاباريلّي» الواقعة بـ«بلاس فاندوم» تعبق بالفنية كعادتها. فكل الجدران مغطاة بصور فوتوغرافية تسجل لحقب زمنية مختلفة، أغلبها لنساء متمردات على المتعارف عليه، أو تُذكر بعلاقة المؤسسة إلسا سكاباريلّي بفنانين من عصرها، مثل سلفادور دالي. الأهم من هذا تُذكر بأن مؤسسة الدار امرأة شهدت بداية الحركة النسوية وعايشت انعكاساتها على الموضة. وهذا ما احترمه المصمم الشاب برتراند غايون، الذي التحق بالدار منذ ثلاث سنوات تقريبا. لم يُخف أنه يتقيد بإرثها الفني وأسلوبها. من الفنان روثكو مثلا استلهم الكتل اللونية التي طبعت كثيرا من القطع الموجهة للنهار، ومن بابلو بيكاسو الخطوط المتوازية التي ظهرت في فساتين السهرة والمساء. من جهتها نجحت التطريزات الخفيفة والرسمات الفنية في الارتقاء بكل قطعة لمصاف اللوحات، علما بأنه استعمل الأقمشة الناعمة مثل الموسلين والحرير والتول والأورغنزا كوسيلة ثانية لتحقيق النتيجة المطلوبة. نعومتها كانت ضرورية لكي تنسدل بخفة على الجسم وتمنح صاحبتها حرية حركة. فهذه نقطة أساسية كانت تركز عليها إلسا سكاباريلّي وتُصر عليها الدار، حيث يُذكر أنها قدمت في عام 1938 عرضا استعانت فيه برياضيات قدمن تصاميمها وهن يؤدين حركات بهلوانية من على نوافذ وشرفات صالونها المطل على ساحة «فاندوم». تجسيد هذه المرونة والقدرة على الحركة في فساتين سهرة كان تحديا خاضه المصمم الحالي بحماس. فزبوناته يسافرن كثيرا ولا يتوقفن بدورهن عن الحركة، وهو ما يحتاج إلى تصاميم مرنة مثل تلك التي قدمتها المصممة منذ نحو 90 عاما. من هذا المنطلق استغنى عن أقمشة مثل البروكار واستعاض عنها بالحرير والموسلين، كما استبدل بالتطريزات الغنية رسمات فنية هنا وهناك. ويشير برتراند غايون إلى أنه كان يُدرك أنه مطالب بتصاميم فنية وديناميكية في الوقت ذاته، خصوصا أن الأوضاع التي تعيشها المرأة حاليا لا تختلف كثيرا عن تلك التي عاشتها إلسا سكاباريلّي في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، لهذا استلهم من نساء قويات ومناضلات ألهمنها. هؤلاء النساء هن اللواتي تغطي صورهن صالونها، مثل نانسي غونار، ولي ميلر، وجولييت مان راي. هن أيضا من تدين لهن بنات اليوم إلى حد ما بما اكتسبنه من حقوق. النتيجة لم تكن تشكيلة ثورية لكنها كانت شاعرية.

فالنتينو

> «إننا في فترة أصبح فيها كل شيء مكشوفا ومُعلنا أمام العالم، لهذا أصبح المخفي وعدم المرئي هو المميز والخاص». هذا ما قاله مصمم «فالنتينو» بيير باولو بيكيولي قبل عرضه.
فجيل الإنستغرام عرى كل شيء، من ديكورات غرف النوم وتصوير صحون الأكل وفناجين القهوة، مع التغزل برغوتها البيضاء إلى أسرار الحياة الشخصية مرورا بخبايا الموضة وغيرها. المطلوب مضاد في وجه هذه الثقافة، وهذا ما جسدته التشكيلة التي قدمها بيكيولي. فقد استوحاها، حسب قوله، من لوحات القديسين التي رسمها الفنان الإسباني فرانسيسكو دو زورباران. وربما هذا ما يفسر رائحة الحشمة الأقرب إلى «الرهبنة» التي فاحت من بين طياتها.
بيكيولي، ومنذ أن تركت نصفه الآخر في العمل ماريا غراتزيا كيوري دار «فالنتينو» منتقلة إلى «ديور»، يشق لنفسه خطا خاصا يمكن التعرف عليه عن بُعد؛ لأنه يبتعد عن الفذلكة والزخرفات الكثيرة. في المقابل يُركز على الخطوط المنسدلة على الجسم من الأكتاف إلى الكاحل في انسيابية محسوبة.
من فساتين السهرة إلى المعاطف الطويلة ذات التفاصيل المبتكرة عند الأكتاف أو عند الصدر، مرورا بفساتين النهار التي اصطبغت بألوان قوس قزح، كان عرضه بمثابة لوحة فنية متحركة. صحيح أن هذه اللوحة تخلق بهدوئها إحساسا بالرهبة وكأننا في دير، إلا أن غموضها الرومانسي يشفع لها ويمنح المرأة التميز الذي تطمح إليه. بل تجعل كل من يعاينها عن قرب مستعدا لمعانقتها بالأحضان. إلى جانب القمصان والفساتين الطويلة تبقى المعاطف والكابات من أجمل ما قدم لهذا الموسم، إلى جانب التنورات ذات البليسيهات التي لعب فيها على المكشوف والمستور. فقد زين وغطى جانبا منها مثلا بالعشرات من قطع الريش بأحجام دقيقة، لكي يُعزز انسيابيتها وحركتها، بينما ترك الجانب الآخر خفيفا وشفافا الأمر الذي خلق تناقضا لذيذا.
بيكيولي برهن أنه يعرف كيف يستقي من التاريخ. يعرف أيضا أن زبونة اليوم شابة في مقتبل العمر، وهذا يعني أنها لا تريد أن تبدو بمظهر راهبة، لهذا قدم لها خزانة تتكون من قطع منفصلة متنوعة للنهار والمساء، فاتحا لها المجال لكي تلعب بها وتوظفها بشكل يناسب حياتها اليومية.
ورغم أن الخطوط الغالبة تبدو بسيطة للغاية، فإن بعضها استغرق أكثر من 640 ساعة من العمل، حتى تأتي بالشكل المطلوب في موسم يطالب بالحرفية العالية، كما هو الحالي بالنسبة لفستان من الحرير من دون أكمام، شغله بقطع من فرو المنك بألوان مختلفة.



كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
TT

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

عُشاق الموضة، كما في أغنية عبد الحليم حافظ، «حائرون... يفكرون... يتساءلون في جنون»: أي عرض كان أفضل من غيره في الأسبوع الماضي؟ ما بين عرض «سكياباريللي»، الذي بلغ فيه دانييل روزبيري أقصى درجات السريالية، وأول تشكيلة «هوت كوتور» لماثيو بلايزي في «شانيل» مطبوعة بالخفة والنعومة، وصولاً إلى «ديور» حيث اجتمع الإبداع بالوفاء.

مزيح مُتنوع بدا فيه «الأسبوع» كأنه سباق أفكار أكثر منه عروضاً لفساتين وإكسسوارات تستعرض أساليب جديدة تحترم جينات كل دار... بل كشف عن ثنائية واضحة هيمنت على «الأسبوع»: سريالية كما في «سكياباريللي« في مقابل رومانسية كما تجلّت في «ديور». وفي كل الحالات، يبدو هذا الموسم كأنه يبحث عن معنى الاستمرارية.

أحجام كبيرة لكن مدروسة وتفاصيل تحفز الحواس وتوقظها كانت أكثر ما ميز تشكيلة جوناثان آندرسون (ديور)

اختلاف الأساليب جعل «أسبوعاً» كان إلى عهد قريب يخاطب شريحة قليلة جداً من النساء وراهن البعض على نهايته منذ عقد من الزمن يغلي بالأفكار... وهذا ما جعله يصمد في وجه الأزمات الاقتصادية التي مرت عليه... تجعله أحياناً يخفت، لكن جذوته لا تنطفئ. الفضل يعود هنا إلى مصممين مسكونين برغبة جامحة في الابتكار وزبونة جديدة تتوق إلى فرض ثرائها بأي ثمن.

باقة قدمها غاليانو إلى آندرسون أطلقت شرارة الإبداع في الأشكال والألوان (أ.ف.ب)

في التسعينات من القرن الماضي كانت هذه الزبونة تتوق إلى التفرد أكثر مما تتوق إلى استعراض جاهها؛ مما فتح الأبواب أمام مصممين بريطانيين لدخول الساحة الباريسية، مثل جون غاليانو والراحل ألكسندر ماكوين، وفيبي فيلو... وغيرهم. الخَضّة الفنية التي حدثت في تلك الحقبة شبيهة بما يحدث في الموسم الحالي. فنحن هنا نتابع دخول مصممين شباب بيوت أزياء كبيرة كانت في أمسّ الحاجة إلى دمائهم الفائرة لِخَضّها وإعادة الحيوية إليها، من ماثيو بلايزي في دار «شانيل» إلى جوناثان أندرسون في دار «ديور»، من دون أن ننسى الأميركي دانييل روزبيري، الذي نجح منذ أكثر من 6 سنوات في وضع بصمته على دار «سكياباريللي». فكما فعل غاليانو وماكوين في التسعينات، يتعامل روزبيري مع «سكياباريللي»، وجوناثان آندرسون وماثيو بلايزي وغيرهما مع الـ«هوت كوتور» بوصفه منصة لتفجير المخيلة. ليس من الضروري أن تقدم أزياء تقوم على الجمال وحده؛ بل بإمكانها أن توقظ مشاعر مربكة تستفز الناظر وتجعله يُفكِر أيضاً.

عهد جوناثان آندرسون الجديد

متابعة لما اقُترح خلال «الأسبوع»، ستجعل ما عُرض لـ«ربيع وصيف 2026» باقياً محفوراً في الذاكرة بوصفه من أعلى المواسم دسماً من ناحية الإبداع، أو على الأقل هذا ما يقوله كثيرون بعد عرض أول تشكيلة من هذا الخط لجوناثان آندرسون، المدير الإبداعي لـ«ديور»... كانت أقرب إلى سيمفونية تغذي كل الحواس؛ لم يخرج فيها عن الإيقاع التاريخي للدار، وفي الوقت ذاته لم يتقيد به حرفياً.

لم يخرج المصمم عن الإيقاع التاريخي للدار وفي الوقت ذاته لم يتقيد به حرفياً (ديور)

يذكر أن الإعجاب به هنا لم يقتصر على الأزياء والإكسسوارات فقط، بل كسب القلوب وامتنان شريحة كبيرة من عشاق الموضة؛ لأنه أعاد الاعتبار إلى المصمم جون غاليانو... صرَح بأنه ملهمه وقدوته وأستاذه. أما سبب الامتنان؛ فيعود إلى أن الحنين إلى عهد غاليانو هو في جوهره حنين إلى الجرأة الإبداعية والخيال الجامح. بالنسبة إلى كثيرين، دخلت «ديور» بعد خروجه في عام 2011 مغضوباً عليه، حالة استقرار تجاري، لكنها فقدت تلك الصدمة البصرية التي تعيد تعريف الـ«هوت كوتور» بوصفه مساحة للسرد التاريخي والمغامرة.

في بودكاست أجراه جوناثان آندرسون مع عمران أميد، مؤسس موقع «بيزينس أوف فاشون (Business Of Fashion)»، قال إن جون غاليانو كان ولا يزال بالنسبة إليه نجماً ساطعاً، بدليل أن اسمه كان في مرحلة من المراحل مرادفاً لاسم الدار. أما على المستوى الشخصي، فعلّق بأن غاليانو علّمه، وهو لا يزال طالباً، أن «يحلم بالحجم الكبير». بعد التخرج استمات باحثاً عن رقم هاتفه على أمل أن يتدرّب لديه. في ذلك الوقت، كان غاليانو في ذروة مجده، فيما كان هو مجرد شاب في بداية الطريق، يراقب من بعيد ويختزن تلك التجربة في ذاكرته المهنية.

كانت تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2026» أقرب إلى سيمفونية تغذي كل الحواس (ديور)

نجح التلميذ ولم ينس مُلهمه، لا سيما أنه بات يتنفس إرثه في كل مكان داخل «ديور». عندما انتهى من تصميم مجموعته الأولى من خط الأزياء الجاهزة في العام الماضي، دعاه للأتولييه، ليعرضها أمامه ويسمع رأيه فيها. لم يتأخر غاليانو. حضر وأحضر معه كيساً مليئاً بالحلويات والسكريات من محل «تيسكو» الشعبي، وباقة سيكلامين، أو زهور «بخور مريم» مشبوكة بشريط أسود. هذه الباقة تحوَلت إلى الشرارة التي أشعلت كل شيء في مجموعة الدار لـ«ربيع وصيف 2026».

الإبداع والوفاء

باقة قدمها غاليانو لآندرسون أطلقت شرارة الإبداع في الأشكال والألوان (ديور)

يشرح جوناثان، وفق ما جاء في البيان الصحافي الذي وزعته الدار، أن مجموعته لـ«ربيع وصيف 2026»، بألوانها والتواءاتها والتفافاتها حول الجسم، ليست حنيناً أو اقتباساً حرفياً من الماضي، بل هي «عدسة تفسيرية يعاد من خلالها تفكيك الحاضر وإعادة تجميع عناصره لفتح احتمالات جديدة لتخيله»، مشيراً إلى أنه لا يحاول أن يكون بديلاً لقدوته، بل أن يكون استمراراً له. فـ«ديور»، وفق قوله، «ضخمة لا يمكن وضعها ضمن قالب نهائي، بل يجب التعامل معها على أنها عملية إبداعية مستمرة، تتغير وتتطور مع كل مصمم».

الحب بالورود والأزهار

من هذا المنظور يبدو استحضار الورود امتداداً طبيعياً لذاكرة الدار وليس مجرد خيار جمالي، إذا أخذنا في الحسبان علاقة المؤسس كريستيان ديور بالورود والأزهار. وحتى إذا نسينا، فإن عطور الدار تُذكرنا بهذه العلاقة الأبدية، كذلك أول عرض قدمه راف سيمونز للدار بعد توليه قيادتها الإبداعية بعد خروج غاليانو. غرس مليون وردة في جدران وسقف «متحف رودان» وامتدت هذه الورود إلى التصاميم التي أخذت أشكال ورود متفتحة ومُلتفة من كل الجوانب.

استحضار الورود كان امتداداً طبيعياً لذاكرة الدار وليس مجرد خيار جمالي (ديور)

أعاد سيمونز التجربة في تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2016»، حيث صمم ديكورها على شكل تلة علوّها نحو 59 قدماً وغطتها نحو 300 ألف وردة ديلفينيوم باللون الأزرق البنفسجي.

وفق «ديور»، فـ«إننا عندما نستلهم من الطبيعة، فإنها تُعلِمنا أنها لا تُقدّم خلاصات نهائية قاطعة، بل تكشف عن أنظمة في حركة دائمة؛ تتطوّر، وتتكيّف، وتتواصل عبر الزمن». ووفق هذا المنطق، تأتي الأزياء الراقية مختبراً للأفكار وللحرفية على حد سواء، بحيث تتحوّل التقنيات العريقة من ذاكرة الماضي إلى معرفة حيّة نابضة.

فساتين تتراقص بشكل دائري كأنها أزهار تؤدي رقصات صوفية أو اشتاقت إلى أن تُحكى من جديد في انسجام تام بين الجسد والأنا (ديور)

أما كيف ترجم آندرسون هذه الأفكار، فمن خلال فساتين تتراقص بشكل دائري كأنها أزهار تؤدي رقصات صوفية، أو اشتاقت إلى أن تُحكى من جديد، في انسجام تام بين الجسد والأنا. ومع كل حركة، تفتتح حواراً آخر مع أعمال فنانة الخزف ماغدالين أودوندو، التي تعاون معها المصمم لخلق أشكال باستدارات جديدة، ستشكل إضافة لمفردات الدار من دون المساس بأسسها الراسخة.

جون غاليانو... الحاضر بقوة

حضور غاليانو العرض وجلوسه جنب آنّا وينتور؛ عرابة الموضة، كان كافياً لإعادة النقاش بشأن الإرث والمسؤولية وإمكانية البناء على الماضي بدل تفكيكه بنية إعادة بنائه من الصفر، لمجرد استعراض المهارات. فأشكال الورود هنا لم تكن مجرد زخرفة، بل لغة حب، تلخصت في باقة صغيرة قدمها أستاذ لمعجب، وجعلت حضوره جزءاً مؤثراً في سردية هذه اللحظة المؤثرة من تاريخ الدار.

أثره وتأثيره ظهرا أيضاً في الفلسفة العامة لمجموعة أظهر فيها آندرسون أنه يتشارك مع غاليانو قناعة أساسية مفادها بأن الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على فكرة قادرة على إرباك المتلقي ودفعه إلى إعادة النظر فيما يعرفه واعتاده. فوفق رأي آندرسون، يمكن أن تكون الصدمة أداة للبيع؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد للدار.

«سكياباريللي» تعود للإحساس

بينما اختار آندرسون مساراً عاطفياً يميل إلى الحلم أكثر، تعامل دانيال روزبيري، المدير الإبداعي في دار «سكياباريللي»، مع مفهوم الصدمة في خط الـ«هوت كوتور» بشكل دخل فيه مناطق الألم والنشوة.

يقول روزبيري إنه كثيراً ما يُسأل عن جدوى هذا الخط، «وردِّي ببساطة أنه ليس للحياة اليومية؛ بل هو مساحة تتيح لي التواصل مع ذلك الشاب بداخلي الذي اختار الخيال على الطرق المضمونة... فهو بالنسبة إليّ دعوة إلى التوقف عن التفكير العقلاني، والعودة إلى الإحساس».

نحتت طبقات التول الملون تحت الدانتيل عمقاً بصرياً وضبابية لونية (سكياباريللي)

بين الألم والنشوة

أطلق على هذه المجموعة لـ«ربيع وصيف 2026» عنوان «الألم والنشوة»... ألم الولادة ونشوة الاكتشاف، مما انعكس في «كل تفصيل فتحه المصمم على بوابات الإحساس عندما تقع العين على الفن وتتأمله» وفق ما جاء في البيان الصحافي للدار.

في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، وخلال زيارة خاصة إلى «كنيسة سيستينا (Sistine Chapel)» في روما، عاش المصمم لحظة تجلٍّ وهو يرفع عينيه إلى السقف.

شدّته رسومات أنجزها حشد من الفنانين، ثم يأتي مايكل أنجلو في عام 1508 ليضع لمساته ويُغير كل شيء... «في تلك اللحظة»؛ يقول روزبيري، «توقف التفكير وبدأ الإحساس، فبعد 40 عاماً، جاء أنجلو برؤية جامحة وصاخبة بصرياً ليقلب مسار الفن إلى الأبد. كانت أيضاً هشّة ورومانسية بامتياز، يمتزج فيها الألم بالنشوة، امتزاجاً مروّعاً وبديعاً. فمايكل أنجلو لم يشرح؛ فقط أذن للناظرين بفتح باب الإحساس عند تأمّل الفن».

الصحوة الإبداعية

صحوة المصمم الإبداعية ظهرت في ذيول عقارب وإبر سامة وأسنان أفاعٍ... اندمجت في تصاميم تثير التوتر وتحفز على التفكير (سكياباريللي)

في لحظة التجلي هذه، قرر المصمم، ولأول مرة منذ سنوات، أن يتوقف عن التفكير في كيف يجب أن يبدو الشيء... «بدأت أُنصت إلى ما أشعر به في لحظات الإبداع. لم يعد النبض العاطفي يتمحور حول الشكل، بل حول الإحساس: كيف نشعر ونحن نعمل على إنجازه؟ يا لها من راحة... ويا لها من صحوة إبداعية» ظهرت في خطوط حادة تحولت إلى ذيول عقارب وإبر سامة وأسنان أفاعٍ اندمجت في تصاميم تثير التوتر وتحفز على التفكير.

استلهم روزبيري الألوان من طيور الجنة: الوردي والأزرق والزعفراني... وكذلك بعض الأشكال (سكياباريللي)

لكن المصمم يُؤكد أنها ليست تمرداً مطلقاً على الواقع؛ بل هي أيضاً احتفال بالمهارة الجماعية في المشاغل، وحرفية جسّدت ذروة الخيال والمهارة. الدانتيل المقصوص مثلاً نُفِذ بأسلوب نحتي ثلاثي الأبعاد، والريش، بنوعيه الحقيقي والاصطناعي، لُوّن وغُمِس في الراتينغ قبل أن يزين بالكريستال، فيما منحت طبقات التول الملون تحت الدانتيل عمقاً بصرياً وضبابية لونية. أما الألوان فمُستلهمة عموماً من ألوان طيور الجنة؛ الوردي، والأزرق، والزعفراني. بالنسبة إلى الإكسسوارات، وهي من العناصر القوية التي تفخر بها الدار وتميزها، فجاءت برؤوس طيور اصطناعية مصنوعة من ريش حريري، ومناقير راتينغية، وعيون لؤلؤية، إلى جانب رموزها الأيقونية مثل ثقب المفتاح.

ما نجح فيه روزبيري، وجوناثان آندرسون في «ديور»، أنهما لم يجعلا الصدمة، باختلاف لغتها، نقيضاً للحلم، بل جعلاها طريقاً للوصول إلى القلب.


أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
TT

أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)

لا يزال أسبوع الهوت كوتور لربيع وصيف 2026 بباريس مستمراً في إتحاف عشاق الموضة بأجمل الأزياء وأكثرها ابتكاراً. فهذا الموسم يختلف عما تابعناه لسنوات، بفضل دخول مصممين شباب إلى بيوت أزياء كبيرة بدأوا يضخونها بديناميكية غابت عن الساحة طويلاً. من ماثيو بلايزي في دار «شانيل» إلى جوناثان أندرسون في «ديور» وهلم جرا من الأسماء الشابة، التي أكدت لحد الآن قدرتها على إبداع قطع تحاكي اللوحات الفنية، معتمدين على مهارات ورغبة في التميز عوض الاعتماد على إحداث الصدمات لمجرد خلق الجدل.

سفيرات دار «شانيل» بينلوبي كروز شارلوت أوف موناكو ونيكول كيدمان (شانيل)

لكن الملاحظ أن هذا الأسبوع، ومنذ انطلاقه، شهد غزواً غير مسبوق لنجمات وسيدات المجتمع، مثل ريهانا ونيكول كيدمان وبنيلوبي كروز ولورين سانشيز، زوجة الملياردير جيف بيزوس وهلم جرا.

قد يقول البعض إن الأمر عادي بحكم أن بيوت الأزياء تستضيف هؤلاء للحصول على مزيد من البريق في أسبوع قائم أساساً على البريق والتميز. وهذا صحيح لكن الجديد هذه المرة أن التغطيات الصحافية تكاد تتجاهل ما يجري على منصات عروض الأزياء في كثير من الأحيان لتُسلط الضوء على ما يجري خارجها أو في الصفوف الأمامية، بدليل التغطيات على وسائل التواصل تحديداً.

أصبح وجود نجمات في الصفوف الأمامية مسألة وجودية بالنسبة لبيوت الأزياء الكبيرة خاصة (رويترز)

النادي النخبوي يفتح أبوابه للعالم

هذا المشهد يعكس سؤالاً قديماً متجدداً: هل وجود النجمات يطغى على أهمية عروض الأزياء أم أنه يُغذيها ويمنحها حياة أبعد من المنصة؟ الجواب عن هذا السؤال يمكن أن نجده في تغير الزمن من جهة، وثقافة «الهوت كوتور» من جهة أخرى. فرغم الطابع النخبوي لهذا الخط وعدد زبوناته المحدود، فإنه لم يعد حدثاً مغلقاً كما كان عليه في السابق. فقد تبنى منذ سنوات استراتيجية التواصل مع جمهور أكبر عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن انتبه صناع الترف أن صورة واحدة لشخصية مشهورة وهي تصل إلى العرض أو تجلس في الصف الأمامي قد تحقق انتشاراً يفوق تأثير عرض كامل.

المصممون تقبلوا هذا الأمر أيضاً، فالحرفية العالية واحترام معايير الإبداع والاستثمارات الكبيرة التي يتطلبها هذا الخط، لا تساوي شيئاً إذا لم تصل ثمراتها إلى جمهور يحلم بها ويرغب في اقتنائها، أو على الأقل الانتماء على نادي التميز ولو من خلال عطر أو أحمر شفاه أو حقيبة يد.

لورين سانشيز رفقة زوجها جيف بيزوس مؤسس شركة «أمازون» لدى وصولهما عرض «سكياباريللي» (غيتي)

من هذا المنظور، فإن هذا الغزو المكثف هذا الموسم جزء من خطة مدروسة، تتداخل فيها الأدوار بين السفيرة الرسمية للدار مثل نيكول كيدمان والأميرة شارلوت أوف موناكو والنجمة الإسبانية بنيلوبي كروز كسفيرات لدار «شانيل» وبين الزبونة الجديدة مثل لورين سانشيز التي باتت تفرض حضورها في هذه العروض، وبين النجمة المؤثرة مثل ريهانا. هذه الأخيرة مثلاً اضطرت إلى تأخير عرض «ديور» ما يقرب الساعة انتظاراً لوصولها.

للزمن الجديد متطلباته

النجمة ديمي مور في عرض «سكياباريللي» (سكياباريللي)

هذا الكم من النجوم والاهتمام المتزايد بهم في هذا الموسم يتزامن مع التغيرات التي تشهدها الموضة ككل. فدار «فالنتينو» تقدم أول عرض لها بعد رحيل مؤسسها فالنتينو غارافاني، بينما قدَّمت دار «جيورجيو أرماني» عرضاً ذكَّر الكل بغيابه وكأنهم كانوا قبل ذلك يقاومون الإحساس بفقده. إضافة إلى كل هذا، فإن تصدر مصممين شباب المشهد في وقت عصيب بسبب تراجع الإيرادات، يُحتِم تقبل أن هذه الشخصيات بكل ما تثيره من ضجيج إعلامي ضرورية، كونها تلعب دور الوسيط بين الرؤية الإبداعية وبين جمهور واسع. لذلك فإن الاستثمار في حضور أسماء لامعة هو جزء من استراتيجية تعزز الصورة على المدى البعيد.


باتريك شلهوب وإدارة الترف في زمن الأزمات

سعود عبد الحميد في لقطة من حملة لعلامة «وجوه» التي تملكها المجموعة وتجمع بين الجمال وكرة القدم وتكرّم الهوية السعودية المتجددة (مجموعة شلهوب)
سعود عبد الحميد في لقطة من حملة لعلامة «وجوه» التي تملكها المجموعة وتجمع بين الجمال وكرة القدم وتكرّم الهوية السعودية المتجددة (مجموعة شلهوب)
TT

باتريك شلهوب وإدارة الترف في زمن الأزمات

سعود عبد الحميد في لقطة من حملة لعلامة «وجوه» التي تملكها المجموعة وتجمع بين الجمال وكرة القدم وتكرّم الهوية السعودية المتجددة (مجموعة شلهوب)
سعود عبد الحميد في لقطة من حملة لعلامة «وجوه» التي تملكها المجموعة وتجمع بين الجمال وكرة القدم وتكرّم الهوية السعودية المتجددة (مجموعة شلهوب)

 

للموضة قدرة عجيبة على توقع الألوان، والتصاميم بسنوات، لكنها للأسف تفقد السيطرة أمام التحولات الاقتصادية، والسياسية، رغم أن تأثيراتها عليها تكون مباشرة، وأحياناً قاتلة.

اليوم تواجه صناعة الموضة تحديات خارجية متزايدة تفرض إعادة رسم قواعد اللعبة، بدءاً من التوترات التجارية، وارتفاع الرسوم الجمركية، إلى اضطراب سلاسل التوريد. حتى المستهلك أصبح يفرض شروطه الخاصة. المنتدى الاقتصادي العالمي الأخير عكس هذا المزاج القلق، والمعطيات التي خرج بها ستُترجم، عاجلاً أو آجلاً، إلى تكاليف أعلى، أو تأخير في الإنتاج، وتغيير في خريطة الأسواق.

في هذا المناخ المرتبك لم يعد النجاح مرهوناً بحجم الإبداع، أو التوسع وحدهما وفق ما قاله باتريك شلهوب، الرئيس التنفيذي لمجلس إدارة «مجموعة شلهوب»، بل بالقدرة على اتخاذ قرارات صحيحة تقرأ الحاضر، وتستبق المستقبل رغم ضبابية اللحظة.

مايكل شلهوب، الابن، والذي تولى حديثاً منصبه باعتبار أنه رئيس تنفيذي لـ«مجموعة شلهوب» شرح أن الأوضاع الحالية تتطلب تغيير الأولويات: «يجب أن نضع المستهلك في المقدمة... ننصت له، ونفهم متطلباته، حتى نستطيع أن نقدم له منتجات تناسبه، وتلبي تطلعاته»، وهذا تحديداً ما تقوم به منطقة الشرق الأوسط حالياً، وتعلِّمه للغرب.

الشرق الأوسط... الأمل

تأسّست «ويلي شافاريا» عام 2015 على يد ويلي شافاريا وديفيد راميريز وتحوَلت سريعاً إلى واحدة من أكثر الأصوات أصالة في عالم الموضة (ويلي شافاريا)

فهذه المنطقة تبقى ضمن هذا المشهد، حسب الخبراء واستطلاعاتهم، بقعة ضوء، وملاذاً آمناً لصناع الموضة العالمية. دراسة أجرتها شركة «يورومونيتور إنترناشيونال» مثلاً تفيد بأن سوق الأزياء في المنطقة تواصل نموها بمعدل سنوي مستقر، فيما تظهر استطلاعات أخرى متخصصة مثل Bof Insightsأن شريحة واسعة من أصحاب الدخل المرتفع في الخليج لا تزال تنفق بسخاء على الموضة.

هذه القوة التي تتمتع بها الشرق الأوسط حالياً لم تأتِ صدفة، ولم تكن نتاج طفرة عابرة. هي نتاج مشروع طويل بُني على أسس واضحة، وشراكات مدروسة تقوم بها المملكة العربية السعودية في مجالات الترفيه، والثقافة، والإبداع، ودولة الإمارات، وغيرهما من دول الخليج في مجال الموضة.

نجاح من رحم الأزمات

صورة أرشيفية للأخوين باتريك وأنطوني شلهوب (مجموعة شلهوب)

هذا المشروع كانت «مجموعة شلهوب» طرفاً أساسياً فيه منذ سبعين عاماً. يمكن قراءة هذا المشروع لا بوصفه قصة نجاح تقليدية، بل إنه حالة تشكّلت أساساً في بيئات غير مستقرة سياسياً واقتصادياً، وتكيَفت معها. بدأت في دمشق عندما افتتح ميشال شلهوب، الأب، أول متجر لعلامة «كريستوفل» عام 1955. وفي عام 1965، اضطرت العائلة لنقل أنشطتها إلى بيروت بسبب الأحوال الاقتصادية المتذبذبة في سوريا، وفي عام 1975 وبعد اندلاع الحرب الأهلية في لبنان، اضطرت المجموعة إلى الانتقال إلى الكويت. في عام 1990 أدى غزو الكويت إلى انتقالها من جديد إلى دبي. يقول باتريك شلهوب، الرئيس التنفيذي للمجموعة، إن هذا الانتقال كان مخططاً له مسبقاً، وكل ما في الأمر أن الغزو سرَّعه.

جاءت شراكة المجموعة مع ويلي شافاريا للتوسع في منطقة الشرق الأوسط (مجموعة شلهوب)

بحس تجاري، تحوّلت هذه التنقلات المفروضة إلى خبرة، واستراتيجيات عمل قائمة على استباق الأحداث، وترسيخ رؤى استشرافية لا تزال المجموعة تتمتع بها إلى اليوم. فالاستقرار بالنسبة لها ليس شرطاً للنجاح.

باتريك شلهوب واستراتيجيات توسعية

بالنسبة لباتريك شلهوب، الذي انضم إلى العمل العائلي أواخر السبعينات، لم تكن الموضة من أولوياته، ولم يفكر في دخولها قبل ذلك. كان شغوفاً بالرياضيات. لكن الحرب غيَرت اتجاهه، وأدخلته هذا العالم من بوابة الإدارة. كان طموحه كبيراً، إذ وضع نصب عينيه ألا تبقى المجموعة في موقع المتلقي، أو ردّ الفعل. سرعان ما حوّلها من مجرد موزع محلي إلى لاعب إقليمي بثقل دولي، حيث فتح مرحلة الشراكات الكبرى، والمشاريع المشتركة مع علامات كبيرة، مثل «لوي فويتون»، «ديور»، «فيرساتشي»، «فندي»، «جيمي تشو»، «جاكيموس»، «لوبوتان»، «بيرلوتي».

باتريك شلهوب الرئيس التنفيذي لمجلس الإدارة في حذاء من «ليفل شوز» (ليفل شوز)

بعدها بدأ استراتيجية امتلاك وإطلاق علامات حصرية، أبرزها «ليفل شوز» و«ووجوه». هذا التوسع استدعى الاستثمار في الجانب الإنساني لأهميته. استثمر مبكراً في التعليم، والتدريب عبر إنشاء أكاديمية تحمل اسم العائلة لتنمية المواهب الشابة، والتعاون الأكاديمي مع الجامعة الأميركية في الشارقة.

السوق السعودية

مؤخراً فتح باتريك أبواب هذه الأكاديمية في السعودية. لم تفُته أهمية هذه السوق. صحيح أن علاقته بها بدأت منذ عقود بافتتاح أولى متاجرها عام 1991، لعلامات تجارية مثل «فيسز» و«تاناغرا» و«كريستوفل» و«غوالي»، لكنه طوَرها مؤخراً، تطوّرت، وافتتح محلات جديدة على شكل وجهات توفر تجارب غامرة. والأهم من هذا تأخذ بعين الاعتبار أن مستهلك اليوم مختلف. هو أكثر وعياً وانتقائية، وحساسية تجاه القيم التي تمثلها العلامات، وعلى رأسها الاستدامة.

تطمح «ويلي شافاريا» نحو التوسّع الدولي ودخول الأسواق الجديدة وتحقيق القيمة المستدامة (مجموعة شلهوب)

هذا المستهلك يُقسِمه باتريك شلهوب إلى ثلاث فئات رمزية تعكس اختلاف الدوافع والتطلعات. ما أسماه بالخيول وهم فئة تعشق الموضة وتبحث عن الاعتراف والمكانة الاجتماعية. وفئة الغزلان التي تتعامل معها كامتداد طبيعي لهويتهم، فيما تتميز فئة الصقور، بكونها أكثر جرأة، لأنها تبتعد عن المفهوم التقليدي وتبحث عن التجربة والتفرد والحرفية.

خلف هذا التصنيف تبرز حقيقة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن هذا المستهلك أصبح مُتطلَبا لا يتغاضى عن الاخطاء مهما كانت صغيرة، وأي قراءة خاطئة للسياق الثقافي قد تتحول إلى خسارة يصعب تعويضها.

من عرض ويلي شافاريا لربيع وصيف 2026 الذي قدم لأول مرة في باريس (مجموعة شلهوب)

وهذا ما أشار إليه في مؤتمر BoF VOICES 2025 السنوي، موضحاً أن لكل منطقة في العالم خصوصيتها الثقافية، والسيكولوجية، وبالتالي لا يمكن استنساخ تجربة معينة خارج هذا السياق. لا بد من ترجمتها بحس يُراعي البيئة، والجوهر، حتى لا تصطدم بحساسية المكان.

 

 

لم يكن حضور باتريك شلهوب في هذا المؤتمر إلى جانب قادة صناعة الرفاهية من مختلف أنحاء العالم شكلياً، أو لمجرد استكمال التمثيل، بل مشاركة فكرية حقيقية، تعكس التحول اللافت لمنطقة الشرق الأوسط باعتبار أنها لاعب مؤثر على الساحة.

ومع ذلك لا يتجاهل باتريك أن التباطؤ العالمي على صناعة الترف عموماً له تأثيرات قد تكون أقل على منطقة الشرق الأوسط عموماً، والسعودية خصوصاً، لكنها لا تعني انعدامها تماماً. فالقوة الشرائية وحدها لا تُفسر الاستقرار، والنمو. يقول في هذا الصدد: «إن دورنا يكمن في تكريم إرثنا، من خلال إعادة تصوّره بما ينسجم مع آفاق الغد. وهذا هو جوهر رؤية 2033: بوصلتنا الطموحة للعقد المقبل. رؤية تقوم على الانتقال من دور الشريك إلى تأسيس دار العلامات التجارية، لنصوغ وننمّي إبداعاتنا الخاصة، مع استمرارنا في تمثيل أكثر العلامات التجارية رفاهية، وإلهاماً في العالم. ومن هنا، نرسّخ جذورنا في الشرق الأوسط، موطننا، وننطلق للتوسّع عالمياً نحو أميركا اللاتينية، وأوروبا، والولايات المتحدة».

استحواذ واستثمار

ضمن هذا السياق، اتجهت مجموعة شلهوب تدريجياً إلى تنويع أدوارها. فإلى جانب الشراكات مع علامات عالمية كبيرة، كان آخرها في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، باستحواذها على حصة استراتيجية في دار الأزياء الأميركية «ويلي شافاريا»، بدأت تستثمر أيضاً في علامات خاصة، وإطلاقها، بهدف الانتقال من دور الوسيط إلى دور مؤثر في صناعة الموضة.

باتريك شلهوب وابنه مايكل الذي تسلم المشغل منه ليستمر إرث العائلة (ليفل شوز)

من هذه الرؤية وُلدت تجربة «ليفل شوز» التي انطلقت في دبي، وتستعد اليوم لدخول السوق الأميركية في إشارة إلى قدرة أول علامة تنشأ في المنطقة أن تنطلق إلى العالمية «ما دامت تستند إلى ثلاثة عوامل محورية هي: الذكاء الاصطناعي، والمواهب، والتميّز التشغيلي» وفق رأي باتريك.

هذه العوامل وفق رأيه لا تنسلخ عن التحولات البنيوية التي تشهدها المنطقة في السنوات الأخيرة، وتتجلى في الاستثمار في الصناعات الإبداعية، وفي مستهلك أصبح أكثر اطلاعاً، وتطلعاً للأحسن.