الإمارات: أي خطوات مقبلة ضد قطر ستكون ضمن إطار القانون الدولي

وزير خارجيتها قال إن الدول الأربع تنتظر رد الدوحة من الكويت

الشيخ عبد الله بن زايد ووزير الخارجية الألماني خلال زيارة مسجد الشيخ زايد في العاصمة الإماراتية (وام)
الشيخ عبد الله بن زايد ووزير الخارجية الألماني خلال زيارة مسجد الشيخ زايد في العاصمة الإماراتية (وام)
TT

الإمارات: أي خطوات مقبلة ضد قطر ستكون ضمن إطار القانون الدولي

الشيخ عبد الله بن زايد ووزير الخارجية الألماني خلال زيارة مسجد الشيخ زايد في العاصمة الإماراتية (وام)
الشيخ عبد الله بن زايد ووزير الخارجية الألماني خلال زيارة مسجد الشيخ زايد في العاصمة الإماراتية (وام)

قال الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية والتعاون الدولي الإماراتي، إن أي خطوات ستقوم بها الدول الداعية لمكافحة الارهاب (السعودية والامارات والبحرين ومصر), في حال عدم استجابة الدوحة ستكون في إطار القانون الدولي، وذلك من خلال إجراءات يحق لدول ذات سيادة أن تتخذها ضد أي طرف آخر.
وقال الشيخ عبد الله بن زايد أمس: «نحن حتى الآن في انتظار إيصال الكويت للرد القطري، والذي تسلموه بالأمس، وبعد أن نرى هذا الرد وندرسه في ما بيننا سيكون القرار، وأعتقد أن من المفيد والمجدي وتقديراً للشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير الكويت ألا يكون هذا الرد من خلال وسائل الإعلام، بل عبر المبعوث الكويتي وعبر اتصالاتنا المباشرة معه».
وبيّن الوزير الإماراتي في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الألماني سيغمار غابرييل في العاصمة الإماراتية أبوظبي: «من السابق لأوانه أن نتحدث عما هي الخطوات التالية والإجراءات التي من الممكن أن تتخذها الدول، وهذا كله يعتمد على ما سنسمعه من الإخوة في الكويت، والحوارات التي ستتم في ما بيننا ودرس الردود، فلا أريد أن أسبق الأحداث فيما يتعلق بالخطوات القادمة». وأضاف: «ذكر وزير الخارجية الألماني نقطة مهمة فيما يتعلق بتمويل الإرهاب. الذي أريد أن أذكره أنه من المهم جداً أن ننظر للتحديات كافة في هذا الأمر، فالأمر لا يقتصر فقط على الإرهاب بل يتوجب مواجهة التطرف وخطاب الكراهية وتسهيل وإيواء المتطرفين والإرهابيين وتمويلهم أيضاً».
وزاد: «لا يمكن لنا أن نكون في مجتمع دولي يريد أن يصل للقضاء على صوت التطرف وأعمال الإرهاب التي نراها اليوم، دون اجتثاث هذا العمل بشكل واضح ومشترك». وتابع: «نحن في هذه المنطقة نرى، مع الأسف، أن قطر سمحت وآوت وحرّضت على هذا كله، ولم نصل إلى هذه القرارات بسهولة، لكن وصلنا إليها بعد سنوات من العمل ومحاولة إقناع الأشقاء في قطر، لكن مع الأسف لم نجد الشريك الذي يريد أن يتعامل معنا بهذا الشأن. لكن نأمل أنه بالخطوات التي اتخذناها بمساعدة شركائنا، بما فيهم ألمانيا، إيصال صوت العقل والحكمة للقيادة في قطر، بأنه كفى دعماً للإرهاب وللمحرضين وكراهية لخطاب المحبة والتسامح والتعايش في ما بيننا، وكفى أن تكون قطر حاضنة لهؤلاء ومفسدة للفرحة والبسمة والاستقرار في المنطقة».
من جهته، قال الوزير الألماني: «الإمارات لها صدقية كبيرة جداً في المنطقة، ونرى في بعض البلدان نوعاً من التقدم، وفي البلدان الأخرى لا نرى نوعاً من التقدم الكافي». وأضاف: «رأيت دائماً أن الإمارات كانت لديها رؤية شاملة لمكافحة الإرهاب ووقف تمويله». وأكد أنه «بطبيعة الحال هناك مشاورات حول المؤسسات الدولية وإسهامها في هذا الموضوع من أجل بناء الثقة أيضاً، ويتعلق الأمر الآن بجدية العمل وسننظر الآن إلى رد قطر». وأضاف أن «هناك إمكانات كافية لمنع تصعيد الوضع، ولذلك لا أرى أن من المجدي أن نتحدث الآن عن كل الاحتمالات والتطورات المحتملة، فيجب أولاً أن نرى ما هو الموضوع على الطاولة، وهذه هي الرسالة الصحيحة، ويجب أن ندرس الرد وبعد ذلك سنرى ما سيحدث».
وكان الشيخ عبد الله بن زايد قد التقى أمس الوزير غابرييل في أبوظبي واستعرضا علاقات التعاون المشترك بين البلدين، والسبل الكفيلة بتعزيزها، ومناقشة عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، خصوصاً الأوضاع في ليبيا وسوريا والعراق.
ورحب الشيخ عبد الله بن زايد بزيارة وزير الخارجية الألماني للإمارات، وأكد أن الإمارات تولي أهمية خاصة لعلاقتها الثنائية وشراكتها الاستراتيجية مع ألمانيا، والتي ترسّخت على مدار أكثر من أربعة عقود وأصبحت أكثر شمولية وحيوية في مختلف المجالات. وقال: «العلاقات بين البلدين تقوم على أسس راسخة من المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، وتعتبر نموذجاً للعلاقات المتطورة بين الدول». وتابع: «اللقاء كان فرصة لنا للتحدث عن كثير من الموضوعات، فقد تحدثنا عن التطورات في سوريا والعراق وليبيا، وأيضاً ستكون لي فرصة لأتحدث بعد هذا اللقاء عن التطورات في اليمن وعملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين». وتابع: «لا شك في أن اللقاء كان فرصة أيضاً للتحدث عن التطورات في الأزمة القطرية وسنستمر في مشاوراتنا بعد هذا اللقاء الصحافي حول هذه المجالات».
من جانبه قال سيغمار غابرييل: «التقينا كثيراً في الأشهر والأسابيع الماضية، وكان الحوار دائماً مثمراً وحصلت على معلومات مفيدة حول تطور دولة الإمارات والمنطقة». وأضاف: «أعتقد أن دولة الإمارات أقرب وأهم شركاء ألمانيا، ولدينا علاقة ثابتة ووثيقة جداً في كثير من المسائل بطبيعة الحال. فهناك أكثر من 800 شركة ألمانية في المنطقة، ليست فقط شركات ألمانية كبيرة وإنما أيضاً شركات متوسطة وصغيرة ألمانية قوية جداً نعتمد عليها، فقد جاءت هنا ووجدت موقعاً اقتصادياً جيداً جداً بالنسبة لها في دولة الإمارات، ومن هنا تقيم اتصالات مع كل العالم».
وقال: «لدينا أيضاً علاقات جيدة جداً في مجال الأمن والتعاون العسكري في ما يخص التبادل حول مكافحة الإرهاب والتطرف، ونحن شركاء قريبون ووثيقون في هذه المجالات». وأضاف: «من الجيّد اليوم أننا تحدثنا عن كثير من المسائل التي تهمنا ولدينا تصورات مشتركة حول التوصل إلى حل في سوريا، ولدينا الرأي نفسه في ما يخص ليبيا، ويجب أن ننجح في الجمع بين الأطراف المختلفة حتى نرى بناء مؤسسات دولة، وأيضاً من أجل تحسين الوضع الكارثي بالنسبة للاجئين هناك. نحن نريد دولة واحدة في العراق، ولا نريد تقسيمه. ولدينا أيضا تصور مشترك فيما يخص دولة فلسطينية مستقلة».
ونوه إلى أنه جرى الحديث عن الوضع في منطقة الخليج والأزمة القطرية. وقال: «نحن نتشارك رأي الإمارات، فكل نوع من تمويل الإرهاب والتطرف وإيواء المتطرفين يجب إنهاؤه، ونتفق أيضاً في الرأي على أن ذلك يخص كل المنطقة».
وقال وزير الخارجية الألماني: «الآن أمامنا الفرصة في الأزمة القطرية لأن نصل إلى نتيجة جيدة لكل المنطقة، ولا يتعلق الأمر في الوقت نفسه بالمساس بالسيادة القطرية وكيان الدولة، فيجب العودة إلى العمل المشترك في مجلس التعاون الخليجي، وهذا بالنسبة للأوروبيين مهم جداً. فبالنسبة لنا، مجلس التعاون الخليجي هو ضامن للاستقرار والأمن في المنطقة». وأضاف: «لدينا مصلحة مشتركة أيضاً في التعاون مع مصر هذا البلد الكبير، واستقرار مصر مهم جداً بالنسبة لكل المنطقة ولكل أفريقيا، وبالنسبة إلى أوروبا».
وردا على سؤال حول التقدم الملحوظ لقوات التحالف وقوات دعم الشرعية في اليمن، قال الشيخ عبد الله بن زايد: «فيما يتعلق باليمن، لا شك أن هناك تقدماً في الأيام الماضية، وهذا التقدم انعكس بشكل إيجابي في عدة محاور، لكن في الوقت نفسه يهمنا أن نعزز ونسرّع في إيصال المساعدات الغذائية والإنسانية لجميع الأطراف اليمنية، ومن المهم على القوات التي قامت بعملية الانقلاب على الشرعية ألا تعيق إيصال هذه المساعدات إن كانت هذه المساعدات تأتي من قوات التحالف أو من المؤسسات والمنظمات الدولية». وأضاف: «هذا أمر رئيسي جداً، خاصة في ظل الصعوبات والظروف الإنسانية الموجودة في المناطق التي تقع تحت قوات الانقلاب».
وكان الشيخ عبد الله بن زايد، قد قال في بداية المؤتمر، إن «العلاقة بين الإمارات وألمانيا نمت بشكل مطرد في كثير من المجالات، ونحن سعداء بأن نرى التجارة غير النفطية بين البلدين وصلت إلى 16 مليار دولار، ونرى الشركات الألمانية وصل عددها إلى 3600 شركة ألمانية في دولة الإمارات، تقوم بدور مهم لتطوير العلاقات وتنمية الإمارات».
وأضاف: «على المستوى الشخصي، أنا سعيد جداً بأن أرى كثيراً من الألمان يعتبرون الإمارات وطناً ثانياً لهم، فهناك 14 ألف ألماني أتمنى أن نستطيع أن نوفر لهم كل سبل الراحة والعمل الكريم في هذا البلد». وأشار إلى أن هناك 87 ألف إماراتي يقومون بزيارة ألمانيا بشكل سنوي، وهناك 112 رحلة جوية مباشرة بين البلدين، وأكثر من 650 ألف زائر وسائح ألماني يزورون الإمارات، و«هذه أرقام ليست فقط مبشرة، بل تدل أيضاً على متانة العلاقة بين البلدين، ومدى ثقة ومحبة شعبيهما لهذه العلاقة».



العلاقات السعودية ــ الفرنسية إلى «آفاق أبعد»

الأمير محمد بن سلمان لدى استقباله من قبل الرئيس ماكرون في قصر الإليزيه بباريس أمس (واس)
الأمير محمد بن سلمان لدى استقباله من قبل الرئيس ماكرون في قصر الإليزيه بباريس أمس (واس)
TT

العلاقات السعودية ــ الفرنسية إلى «آفاق أبعد»

الأمير محمد بن سلمان لدى استقباله من قبل الرئيس ماكرون في قصر الإليزيه بباريس أمس (واس)
الأمير محمد بن سلمان لدى استقباله من قبل الرئيس ماكرون في قصر الإليزيه بباريس أمس (واس)

شددت السعودية وفرنسا، أمس، على «رؤيتهما المشتركة لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط، على أساس سيادة الدول، واحترام القانون الدولي، والسعي إلى إيجاد حلول سياسية ودبلوماسية للنزاعات والتهديدات الأمنية»، وذلك في بيان مشترك صدر في ختام زيارة الدولة التي أجراها الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، إلى فرنسا.

وجاء البيان المشترك في وقت أشار الرئيس إيمانويل ماكرون إلى عمق العلاقات بين البلدين، قائلاً: «لقد أنجزنا بالفعل الكثير معاً، وبإمكاننا المضي قدماً نحو آفاق أبعد». وكان الرئيس الفرنسي في مقدمة مستقبلي ولي العهد السعودي في قصر الإليزيه، وذلك عقب زيارة «ضيف البلاد الكبير» قصر «الإنفاليد»؛ حيث جرت له مراسم استقبال رسمية لدى وصول موكبه إلى ساحة الشرف، وكان في استقباله رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو.

ودشنت الزيارة الرسمية للأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا فصلاً جديداً في العلاقات الثنائية؛ إذ لم تقتصر نتائجها على تعزيز آفاق التعاون في قطاعات متعددة، بل مثلت منصة مهمة للتنسيق السياسي تجاه القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

وأكد الزعيمان، بحسب البيان المشترك، «ضرورة التوصل إلى حل تفاوضي لتجنب مزيد من التصعيد وضمان الأمن الإقليمي، وأكدا مجدداً التزامهما الراسخ منذ فترة طويلة بحل دبلوماسي يضمن الطابع السلمي للبرنامج النووي الإيراني، ودعَوا إيران إلى استئناف تعاونها الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية».

كما أدانا الهجمات التي تستهدف السفن في مضيق هرمز، والتهديدات التي تمس أمن الممرات المائية؛ ورحبا بالإعلان عن الاتفاق القاضي بنزع سلاح حركة «حماس»، وأكدا رفضهما القاطع لأي محاولات لتقويض حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة.

واتفق الجانبان على تكثيف جهودهما للتوصل إلى تسوية نهائية للنزاع في لبنان، وتعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية، والحفاظ على سيادة لبنان وسلامة أراضيه، وأكدا مجدداً دعمهما لمجلس القيادة الرئاسي اليمني وجهود الأمم المتحدة الرامية إلى التوصل إلى حل شامل للأزمة، وشددا على أهمية تكثيف الجهود لإنهاء الأزمة ووقف التدخلات الخارجية في السودان، والتزامهما وحدة سوريا واستقرارها وتعافيها الاقتصادي.


تفاهم سعودي - فرنسي على الملفات الإقليمية وقرارات بتفعيل استراتيجية الشراكة

الأمير محمد بن سلمان خلال جولة مع الرئيس إيمانويل ماكرون بقصر الإليزيه في باريس (واس)
الأمير محمد بن سلمان خلال جولة مع الرئيس إيمانويل ماكرون بقصر الإليزيه في باريس (واس)
TT

تفاهم سعودي - فرنسي على الملفات الإقليمية وقرارات بتفعيل استراتيجية الشراكة

الأمير محمد بن سلمان خلال جولة مع الرئيس إيمانويل ماكرون بقصر الإليزيه في باريس (واس)
الأمير محمد بن سلمان خلال جولة مع الرئيس إيمانويل ماكرون بقصر الإليزيه في باريس (واس)

إذا كانت ثمة حاجة للتأكيد على العلاقة الخاصة التي تربط الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فإن الاستقبال الحار الذي هيأه ماكرون لضيفه يعكس بقوة حرارة هذه العلاقة التي انطلقت منذ عام 2017، موعد أول زيارة رسمية للرئيس الفرنسي إلى السعودية. ومن حينها، كانت اللقاءات بين الجانبين دورية.
ويوم الاثنين، استقبل الرئيس ماكرون، بقصر الإليزيه في باريس، الأمير محمد بن سلمان، الذي يجري زيارة دولة إلى فرنسا.
وكان ولي العهد السعودي زار، خلال وقت سابق من يوم الاثنين، قصر الإنفاليد في باريس، حيث جرت له مراسم استقبال رسمية لدى وصول موكبه إلى ساحة الشرف، واستقبله رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو.

دراجات نارية استعراضية رافقت ولي العهد السعودي ترحيباً بزيارته في قصر الإنفاليد (واس)

ورافقت الأمير محمد بن سلمان مجموعة من الخيالة التابعة للحرس الجمهوري الفرنسي ودراجات نارية استعراضية ترحيباً بزيارته، ثم عزف السلام الملكي السعودي والنشيد الوطني الفرنسي.

وشرَّف الأمير محمد بن سلمان، حفل عشاء الدولة المقام في قصر الإليزيه، مساء الاثنين، حيث كان في استقباله لدى وصوله الرئيس ماكرون.

توافق على الملفات الإقليمية

تأتي الزيارة في وضع متفجر في المنطقة سواء أكان ذلك الملف الإيراني الذي تقول عنه مصادر الرئاسة الفرنسية إن «لا أحد لديه أي تصور حول كيفية الخروج منه»، أو بالنسبة للوضع في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا والبحر الأحمر واليمن، وكلها حمالة مخاطر ليس فقط للإقليم، ولكن أيضاً للعالم أجمع، خصوصاً من زاوية تعطل الملاحة إلى حد كبير في مضيق هرمز والتهديدات التي تطول باب المندب والبحر الأحمر.

الأمير محمد بن سلمان والرئيس إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه (واس)

وقالت مصادر فرنسية لـ«الشرق الأوسط» إن باريس «تعوّل كثيراً على التعاون مع الرياض للتعاطي مع الملفات الإقليمية». ولعل أبرز دليل على ذلك المبادرةُ المشتركةُ التي حملتها فرنسا والسعودية في الأمم المتحدة لإعادة إحياء «حل الدولتين» الذي تكاد تقضي عليه سياسة الاستيطان الإسرائيلية.
وفيما تعكس صورة الشرق الأوسط الممتد من الخليج إلى مياه البحر الأبيض المتوسط حالة من انعدام اليقين وحتى لآفاق قريبة زمنياً، فإن المبادرتين الرئيسيتين اللتين أطلقتهما السعودية، الأولى توقيع اتفاق الدفاع المشترك مع باكستان وتركيا، والثانية إقامة التحالف البحري لضمان حرية الإبحار الآمن في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

وهاتان المبادرتان تندرجان، وفق القراءة الفرنسية، في إطار تشكيل توازنات جديدة» في المنطقة. ولا شك أن تفاقم أزمة الطاقة يدفع باريس وغيرها من العواصم الدولية للبحث عن مصدر آمن، والسعودية، بموقعها في السوق النفطية تعد هذا الموئل.

الأمير محمد بن سلمان لدى وصوله إلى قصر الإليزيه لحضور مأدبة العشاء التي أقامها الرئيس إيمانويل ماكرون له (أ.ف.ب)

ما سبق، أكده البيان المشترك عن الزيارة الذي وزعه قصر الإليزيه بنسخته الإنجليزية، والذي يتشكل من 12 نقطة يتقدمها، تأكيد الأمير محمد بن سلمان والرئيس ماكرون على «طموحهما بشأن (الشراكة الاستراتيجية) التي باتت تجمع بين البلدين»، وأيضاً «على وجه الخصوص العمق التاريخي للعلاقات بين البلدين بمناسبة الذكرى المئوية لإقامة العلاقات السياسية بين البلدين» التي انطلقت في عام 1926.

وفي السياق عينه، أعرب الطرفان عن «طموحهما المشترك» في أن تسهم اتفاقية الشراكة «في إعطاء زخم جديد للصداقة والثقة والاحترام المتبادل بين البلدين، وأن تستجيب لمصالحهما المشتركة وللتحديات التي تواجه العالم ومنطقة الشرق الأوسط»، بحيث يصح القول إن الزيارة فتحت فصلاً جديداً في العلاقات ما بين الرياض وباريس.

وكترجمة لذلك، أطلق الجانبان، بمناسبة اجتماع «مجلس الشراكة» مبادرات جديدة «تهدف لتعزيز روابط التعاون في جميع المجالات».

لحظة عزف السلام الملكي السعودي والنشيد الوطني الفرنسي بعد وصول الأمير محمد بن سلمان إلى قصر الإنفاليد (واس)

الأزمات الإقليمية

أما فيما يخص أزمات المنطقة، فإن الطرفين أعادا التأكيد على «رؤيتهما المشتركة لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط، على أساس سيادة الدول، واحترام القانون الدولي، والسعي إلى إيجاد حلول سياسية ودبلوماسية للنزاعات والتهديدات الأمنية».

وهذا المبدأ ينطبق على إيران؛ حيث إن الجانبين «شددا على ضرورة التوصل إلى حل تفاوضي لتجنب مزيد من التصعيد وضمان الأمن الإقليمي، وأكدا مجدداً التزامهما الراسخ منذ فترة طويلة بحل دبلوماسي يضمن الطابع السلمي للبرنامج النووي الإيراني، ودعوا إيران إلى استئناف تعاونها الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية».

وبالمقابل، أدان البيان الهجمات في مضيق هرمز والتهديدات بقصف الممرات المائية والحاجة لضمان حرية الملاحة من غير رسوم أو قيود وهو الموقف الإجماعي العالمي.

وفي الملف الفلسطيني، رحب البيان بالاتفاق الخاص بنزع سلاح حركة «حماس»، وضرورة تنفيذه وتهيئة الظروف من أجل وقف دائم لإطلاق النار... كذلك أكدا، إزاء الخطط الإسرائيلية، على «أهمية المحافظة على وحدة الأراضي الفلسطينية»، ووضع حد لسياسة الاستيطان، ولعنف المستوطنين والتزام أجندة نيويورك الخاص بالسير نحو إقامة الدولة الفلسطينية.

ولي العهد السعودي مصافحاً الوزراء وكبار المسؤولين في الحكومة الفرنسية بقصر الإنفاليد (واس)

أما بالنسبة للملف اللبناني، أشار البيان إلى اتفاق باريس والرياض على «تكثيف جهودهما للتوصل إلى تسوية نهائية للنزاع في لبنان، على أن تشمل تعزيز الدولة اللبنانية ومؤسساتها، والحفاظ على سيادة لبنان ووحدة أراضيه»، ودعم خطوات رئيسي الجمهورية والحكومة.

وبينما دعت باريس لاجتماع عسكري في 17 سبتمبر (أيلول)، أفاد البيان بـ «التزام الطرفين بدعم القوات المسلحة اللبنانية» وعن الحاجة لتطبيق كامل لقرار مجلس الأمن رقم 1701، وكذلك «استكمال نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة من غير الدول بنجاح، كما شددا على ضرورة انسحاب إسرائيل من كامل الأراضي اللبنانية».

وبالنسبة لليمن، «وأكد الجانب الفرنسي تضامنه الكامل ودعمه الكامل للمملكة العربية السعودية، وشدد على رفضه أي هجمات على أراضي المملكة»، وإعادة تأكيد دعم مجلس الرئاسة وجهود الأمم المتحدة.

وبخصوص السودان، دعا البيان إلى إنهاء الأزمة، ووقف التدخل الخارجي. وكذلك، أكد الطرفان «التزامهما بوحدة سوريا واستقرارها وتعافيها» وأشادا بإنشاء مجلس أعمال سعودي ــ سوري ــ فرنسي.

الأمير محمد بن سلمان والرئيس إيمانويل ماكرون يرأسان الاجتماع الأول لمجلس الشراكة الاستراتيجي بين البلدين (واس)

تعزيز التعاون الدفاعي

كما كان متوقعاً، أعلن الطرفان استمرار تعاونهما الدفاعي وتعزيزه في مجالي التدريب والتسلح. كذلك نوها بقوة العلاقات الاقتصادية والتجارية بينهما.

وبشأن ملف الطاقة الذي يثير قلقاً على المستوى العالمي، «أكد الجانبان أهمية استقرار أسواق الطاقة العالمية، وأمن الإمدادات، وحماية طرق الملاحة البحرية، مع الإشادة بدور المملكة وجهودها في تعزيز مرونة سلاسل الإمداد واستدامة مصادر الطاقة»، كما توافقا على تعزيز التعاون الاستراتيجي في مجالات النفط والبتروكيماويات، وتوليد الكهرباء المستدامة...».

وكما كان مرتقباً، شدد البيان على «أهمية تعزيز التعاون بين المؤسسات المالية ومؤسسات التأمين والتمويل في البلدين وعلى تعزيز العلاقات الاقتصادية والاستثمارات المتبادلة».
ونظراً إلى أن فرنسا أصبحت مستثمراً رئيسياً في السعودية، لا سيما في قطاعات الطاقة وإدارة المياه والنقل والخدمات اللوجستية، اتفق البلدان على تعزيز علاقاتهما الاقتصادية والاستثمارات المتبادلة، مشيراً تحديداً إلى مشروع «شركة القدية للاستثمار» القائم على إنشاء ثلاثة مرافق ترفيهية: في سيرجي-بونتواز، بمنطقة إيل دو فرانس، بإجمالي استثمارات تصل إلى 6 مليارات يورو.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يصافح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مراسم تبادل الاتفاقيات (واس)

وما كان للقاء أن يمر من غير الإشارة إلى موقع العلا حيث «تقرر تمديد الشراكة السعودية - الفرنسية بشأنه حتى عام 2035، والعمل على وضع إطار متطور يعكس نضج التعاون بين البلدين، ويستند إلى الفرص التي توفرها العلا بوصفها وجهة ثقافية وتراثية كبرى في القرن الحادي والعشرين».

كذلك جدد الطرفان «التزامهما بمواصلة التعاون والشراكة في مجالات الثقافة والشباب والرياضة، مع تطوير برامج وأنشطة مشتركة بين البلدين»، ورحبا بمشاركة فرنسا في المعرض الدولي في الرياض، وهو «الحدث التاريخي» بالنسبة للسعودية، كما أنهما اتفقا على جعل المعرض محطة بارزة في العلاقات الفرنسية - السعودية، وأيضاً من خلال إشراك الجهات المعنية من الجانبين.


السعودية وفرنسا تعمّقان الشراكة الدفاعية في تقنيات المستقبل

ولي العهد السعودي والرئيس الفرنسي يشهدان مراسم تبادل «إعلان نوايا» بشأن تعزيز الشراكة الدفاعية بين البلدين (واس)
ولي العهد السعودي والرئيس الفرنسي يشهدان مراسم تبادل «إعلان نوايا» بشأن تعزيز الشراكة الدفاعية بين البلدين (واس)
TT

السعودية وفرنسا تعمّقان الشراكة الدفاعية في تقنيات المستقبل

ولي العهد السعودي والرئيس الفرنسي يشهدان مراسم تبادل «إعلان نوايا» بشأن تعزيز الشراكة الدفاعية بين البلدين (واس)
ولي العهد السعودي والرئيس الفرنسي يشهدان مراسم تبادل «إعلان نوايا» بشأن تعزيز الشراكة الدفاعية بين البلدين (واس)

يعكس «إعلان نوايا» الذي أبرمته السعودية وفرنسا لتعزيز الشراكة الدفاعية عمق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وحرصهما على مواصلة تطوير التعاون الدفاعي، بما يعزز الأمن والاستقرار الإقليمي، ويدعم تنمية قدراتهما الدفاعية وتطويرها.

وشهد الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في قصر الإليزيه، الاثنين، مراسم تبادل عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين البلدين، تضمنت «إعلان نوايا» بين وزارة الدفاع السعودية ووزارة القوات المسلحة والمحاربين القدامى الفرنسية بشأن تعزيز الشراكة الدفاعية.

ووقّع على «إعلان نوايا» من الجانب السعودي الدکتور خالد البياري مساعد وزير الدفاع للشؤون التنفيذية، ومن الجانب الفرنسي كاثرين فوترون وزيرة القوات المسلحة والمحاربين القدامى.

ويهدف «إعلان نوايا» إلى تطوير التعاون في القدرات الدفاعية المرتبطة بالتقنيات الحديثة والصناعات الدفاعية ذات العلاقة، مع تبادل الخبرات في مجالات الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والتدريب والتعليم العسكري.

ويأتي ذلك امتداداً للتعاون القائم بين البلدين، ويفتح مجالات أوسع للعمل المشترك، وتبادل الخبرات في المجالات الدفاعية ذات الأولوية، بما يعزز القدرات الوطنية، ويدعم المصالح المشتركة.