السلطات الإيرانية تصعد حملتها ضد الشعراء

أسوأ موجات القتل وقعت في عهد الرئيس خاتمي

تمثال الشاعر فردوسي وسط العاصمة الايرانية - سعيد سلطانبور أعدمه نظام الخميني في 1979 - الشاعر الأحوازي هاشم شعباني الذي أعدم عام 2014 بعد تصديق الرئيس حسن روحاني على الحكم
تمثال الشاعر فردوسي وسط العاصمة الايرانية - سعيد سلطانبور أعدمه نظام الخميني في 1979 - الشاعر الأحوازي هاشم شعباني الذي أعدم عام 2014 بعد تصديق الرئيس حسن روحاني على الحكم
TT

السلطات الإيرانية تصعد حملتها ضد الشعراء

تمثال الشاعر فردوسي وسط العاصمة الايرانية - سعيد سلطانبور أعدمه نظام الخميني في 1979 - الشاعر الأحوازي هاشم شعباني الذي أعدم عام 2014 بعد تصديق الرئيس حسن روحاني على الحكم
تمثال الشاعر فردوسي وسط العاصمة الايرانية - سعيد سلطانبور أعدمه نظام الخميني في 1979 - الشاعر الأحوازي هاشم شعباني الذي أعدم عام 2014 بعد تصديق الرئيس حسن روحاني على الحكم

إذا سألت إيرانياً عن أكثر الأشخاص الذين يكن لهم الإعجاب، فإن الاحتمال الأكبر أن تأتي الإجابة في صورة قائمة من الشعراء - بدءاً من أبي القاسم الفردوسي وسعدي شيرازي منذ قرون مضت إلى إيرج ميرزا وسهراب سبهري منذ وقت قريب. وينظر الإيراني العادي إلى الشاعر ليس كصانع للجمال فحسب، وإنما كذلك كحارس لضمير الأمة. وتعتبر إيران واحدة من دول قلائل للغاية عالمياً التي تتضمن قائمة المشاهير بها في أي وقت عدداً من الشعراء، والتي لا يزال إلقاء الشعر بها يحشد الجماهير بأعداد تنافس أعداد مرتادي الحفلات الغنائية.
ونظراً لهذا التقدير الكبير الذي يحظى به الشعر، دائماً ما نجح الشعراء الإيرانيون في النجاة من إجراءات القمع خلال أسوأ حقب الحكم الاستبدادي، ذلك أنه لم يجرؤ أي حاكم مستبد على سجن شاعر، ناهيك بقتله.
ويعود تاريخ ما يعرف باسم الشعر الفارسي الحديث إلى قرابة 11 قرناً ماضية عندما أحيت مجموعة من الشعراء الخراسانيين الكتابة بلغتهم الأم. وعلى امتداد كل هذه القرون، لدينا أمثلة قليلة فحسب على شعراء تعرضوا للسجن. وتتمثل الحالة الأشهر في مسعود سعد سلمان، المولود عام 1046 في لاهور، التي أصبحت اليوم جزءاً من دولة باكستان. فبعد أن نال الإشادة باعتباره نجماً صاعداً داخل بلاط الدولة الغزنوية، سقط مسعود ضحية للمكائد والمؤامرات وسجن داخل قلعة بحرية على مدار عقدين تقريباً. وتحولت القصائد التي أبدعها في السجن إلى جزء أصيل من التراث الأدبي الفارسي.
من ناحيته، قال الشاعر منوشهر أتاشي إن: «الحاكم الذي يسجن شاعراً تطارده لعنة أبدية».
وفي وقت قريب، تحولت الفترة القصيرة التي تعرض خلالها الشاعران ميرزاده عشقي وفرخي يزدي للسجن إلى نقطتين سوداوين في تاريخ حكم رضا شاه الذي تميز بسجل مبهر في التحرك نحو الحداثة.
في الواقع، لقد شكلت مسألة احترام الشعراء والتسامح إزاء «تجاوزهم» السياسي والاجتماعي جزءاً أصيلاً من الثقافة والضمير الإيراني.
ومع هذا، تعرض هذا التقليد الراسخ للاعتداء من قبل النظام «الإسلامي» الحالي داخل إيران الذي أسسه روح الله الراحل آية الله الخميني عام 1979. ونظراً لأنه نفسه كان شاعراً محدود الموهبة والمكانة، ربما ضمر الخميني الضغينة تجاه الشعراء.
اللافت أن واحداً من أول الإجراءات التي اتخذها نظامه خطف الشاعر الشاب سعيد سلطانبور من حفل زفافه، وإعدامه بتهمة التورط في «أعمال عسكرية شيوعية». ولاحقاً، قتل الشاعر والصحافي البارز رحمن هاتفي مونفاريد، المعروف باسم حيدر مهرجان، جراء التعذيب داخل أحد سجون الخميني.
وفي ظل الرئيس هاشمي رفسنجاني، أخفقت خطة لصدم حافلة تعج بالشعراء في طريقها إلى مهرجان في أرمينيا في اللحظة الأخيرة بغرض قتلهم. ومع ذلك، نجح رفسنجاني في قتل كثير من الشعراء والكتاب الآخرين. أما أسوأ موجات القتل فوقعت في عهد الرئيس خاتمي، عندما قتل أكثر من 80 مفكراً ومثقفاً، بينهم الشاعران محمد مختاري ومحمد جعفر بوينده، على أيدي عملاء أمنيين سريين يعملون لدى «النظام الإسلامي». حتى الشعراء الذين نجوا من السجن أو القتل، تعرضوا لضغوط نفسية هائلة، منها حظر نشر أعمالهم. على سبيل المثال، استدعى الأمن الإيراني الشاعرة سيمين بهبهاني على نحو متكرر لـ«الحديث معها»، في محاولة لممارسة ضغوط نفسية.
أيضاً عانى مهدي إخوان ثالث، أحد أعظم الشعراء الإيرانيين على امتداد الأعوام الـ100 الأخيرة، من تهديدات مشابهة. أما الشاعر الكلاسيكي محمد قهرمان فتعرض لمصير أسوأ، فقد سقط ضحية لكراهية شخصية من قبل «المرشد الأعلى» علي خامنئي، فقد عانى قهرمان وهو في أواخر السبعينات من عمره لوقف معاشه بسبب نشره قصيدة يهجو فيها الملالي.
وتشير بعض الروايات غير المؤكدة إلى أن خامنئي تولدت داخله ضغينة حيال قهرمان أواخر سبعينات القرن الماضي بعدما انتقد الأخير إحدى قصائده خلال جلسة خاصة في مدينة مشهد، مسقط رأسيهما. ومنذ ذلك الحين، يرفض خامنئي قراءة قصائد قهرمان أو نشرها. في المقابل، يعمد خامنئي إلى تنظيم مسابقات سنوية للشعر ويترأس ندوات لقراءة الشعر ثلاث مرات سنوياً على الأقل. إلا أنه أصدر أوامره إلى الشعراء بتأليف أشعار تمجد الثورة والشهادة ومحو الصهيونية وتدمير «الشيطان الأكبر»: الولايات المتحدة.
الملاحظ أنه منذ استيلاء الملالي على السلطة، اضطر كثير من الشعراء إلى حياة المنفى، ومنهم عدد من الشعراء المشهورين أمثال نادر نادربور وإسماعيل خوي وياد الله روياي ورضا باراهيني ومحمد جلالي. حتى هوشانغ ابتهاج، الشاعر الماركسي الذي لا يزال يدعم النظام، يفضل العيش في المنفى بألمانيا.
جدير بالذكر أن هاشم شعباني، الشاعر والمدرس العربي الإيراني، شنق عشية زيارة الرئيس حسن روحاني إلى الأحواز عام 2014. وفي عهد روحاني أيضاً، صدر ضد الشاعرة فاطمة اختصاري، التي قد تمثل الفنانة السريالية الأكثر إثارة على مستوى إيران، حكماً بالسجن 11 عاماً، وكذلك الشاعر والناشر مهدي موسوي.
الاثنين الماضي، ألقت قوات الأمن الإيرانية القبض على شاعرين آخرين، صاحب مشيلاشي وأحمد حضباوي، وكلاهما عرب - إيرانيان يعيشان بالأحواز الواقعة جنوب غربي خوزستان. وكلاهما في أواخر العشرينات من العمر ومن المعروف أنهما من أصدقاء شعباني.
أما جريمتهما، فهي تنظيم أمسية شعرية في عيد الفطر. وتدعي مصادر حكومية أن الشعر الذي ألقياه بالعربية والفارسية، هدف إلى إثارة «الشقاق ويعادي الإسلام»، علاوة على الزعم بأنهما من خلال كتابتهما شعر بالعربية فإنهما يسعيان، مثل شعباني من قبلهما، إلى تقويض الوحدة الوطنية. ويأتي ذلك على الرغم أن في إيران تاريخاً طويلاً من شعراء كتبوا بالفارسية ولغات أخرى منها العربية، أمثال سنائي ورومي وخاجو كرماني الذين كتبوا أشعاراً بالعربية.
وعلى امتداد قرون، كتب المئات من الشعراء الإيرانيين بلغاتهم الأصلية ولهجاتهم المحلية، بجانب الفارسية. ومن بين الأمثلة الحديثة على ذلك حسين شهريار، أحد أعظم كتاب شعر «الغزل» على مدار الـ100 عام الأخيرة، ذلك أنه كتب أيضاً قصائد بالآذرية، لغة والدته الأصلية. وقبل الثورة الخمينية، نال شهريار أرفع صور التكريم الوطني لأعماله الشعرية.
أيضاً عند إمعان النظر في التراث الشعري الإيراني، نجد أنه يزخر بأعمال شعرية بالكردية والبلوشية والتركمانية وغيرها من اللغات الـ18 السائدة داخل إيران، بل وهناك شعراء إيرانيون كتبوا أو لا يزالون يكتبون بلغات أوروبية. مثلاً، تعتبر قصائد فريدون رهنما الفرنسية نماذج أدبية رفيعة الجمال. أيضاً، تعد أشعار ميمي خلوتي الإنجليزية من لآلئ الشعر الإنجليزي الحديث.
ولا شك أن النظر إلى كتابة الشعر بالعربية، لغة القرآن قبل أي شيء، من قبل نظام يزعم كونه الراعي الوحيد الحقيقي للإسلام عالمياً أمر يثير الحيرة، على أدنى تقدير. ومثلما ذكر أحد المعلقين عبر «تويتر»، فإنه من الغريب حقاً أن يكون باستطاعة الشعراء إلقاء أشعارهم العربية علانية في إسرائيل، لكن ليس داخل جمهورية إيران الإسلامية!



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.