عرب أميركا اللاتينية في الواجهة

حاضرون في مختلف المرافق... وعلى رأسها السياسة

عرب أميركا اللاتينية في الواجهة
TT

عرب أميركا اللاتينية في الواجهة

عرب أميركا اللاتينية في الواجهة

طغت الأوضاع الأمنية المتوترة في فنزويلا وحالة الاضطراب السياسي في البرازيل على المشهد السياسي في دول أميركا الجنوبية خلال الأسبوعين الأخيرين. ولئن كانت الحالة في فنزويلا قد تفضي إلى مواجهات تسقط كامل النظام السياسي للرئيس اليساري نيكولاس مادورو و«خليفته» المحتمل طارق العيسمي - العربي الأصل -، فإن الوضع في البرازيل لن يهدد على الأرجح سوى رئيس الجمهورية ميشال تامر - العربي الأصل أيضاً - الذي تنشط مساعي معارضيه السياسية والدستورية لإسقاطه، على غرار ما حدث للرئيسة السابقة ديلما روسيف في العام الماضي. وكان تامر الذي انتخب نائباً لها، بين من عملوا على إسقاطها.
وفيما يلي، انطلاقاً من حالتي فنزويلا والبرازيل نبحث الدور الناشط الذي لعبه ويلعبه المتحدرون من أصول عربية، ولا سيما في مجال السياسة.
من المحتمل أن تكون قد سمعت عن شاكيرا (شاكرة)، المغنية الكولومبية الشهيرة ومن نجوم هوليوود المشاهير أيضاً الممثلة المعروفة سلمى حايك. وقد تكون قد قرأت عن رجل الأعمال المكسيكي البارز كارلوس سليم الحلو (في أميركا اللاتينية الاسم الأخيرة هو اسم عائلة الأم، فأم كارلوس سليم من آل الحلو)، وهو من أغنى أقطاب الأعمال على مستوى العالم.
هؤلاء لا يمثلون، في الواقع، سوى عدد قليل من أصحاب النفوذ والتأثير مثل الرؤساء والساسة والمشاهير من الفنانين والرياضيين ورجال الأعمال المولودين في قارة أميركا اللاتينية، ولديهم صلات ثقافية وروابط عائلية مع منطقة الشرق الأوسط. ومن المحتمل أن يكون في قارة أميركا اللاتينية أكبر نسبة سكان من ذوي الأصول العربية خارج منطقة الشرق الأوسط. ولقد اعترفت شعوب دول أميركا اللاتينية منذ بضع سنوات بأهمية المساهمات الثقافية في الشرق الأوسط في كثير من المجالات مثل الهندسة المعمارية واللغات والغذاء والموسيقى. وتكيّفت الجاليات المهاجرة من الشرق الأوسط بشكل مريح مع العادات المحلية، ثم امتزجت بصورة جيدة للغاية مع السكان المحليين. ونتيجة لذلك، خرجت أجيال جديدة تمثل مزيجاً من أفضل السمات لدى الثقافتين.

أثروا الثقافة اللاتينية
ولتوضيح مدى أهمية هذا التبادل الثقافي في غالبية بلدان أميركا اللاتينية هناك على الأقل جالية عربية واحدة معروفة قد ساعدت على إثراء الثقافة اللاتينية. إذ يوجد في البرازيل، وهي أكبر وأقوى دولة في أميركا اللاتينية، أكبر جالية من السكان العرب في القارة بأسرها. وتتحدّر هذه الجالية العربية الكبيرة، التي يقارب تعدادها 12 مليون نسمة، من سوريا ولبنان. ومن الأمثلة على ذلك الرئيس البرازيلي الحالي ميشال تامر، الذي يحمل الإرث اللبناني من والديه اللذين غادروا قريتهم (بتعبورة، في قضاء الكورة بشمال لبنان) من أجل حياة جديدة في البرازيل. إلا أن الرئيس تامر ليس السياسي الوحيد على هذه القائمة.
ففي الأرجنتين، وهي من الدول الكبرى المؤثرة أيضاً في أميركا اللاتينية، فإن السيدة جوليانا عواضة، زوجة الرئيس الحالي موريسيو ماكري، لبنانية الأصل. و«سيدة الأرجنتين الأولى» معروفة على نطاق واسع بحسها الثقافي الراقي، وشاركت ولا تزال في كثير من الفعاليات الخيرية. وللعلم، يقدّر عدد المتحدرين من أصول عربية في الأرجنتين بنحو 3 ملايين نسمة، ولقد انتخب أحد هؤلاء الرئيس كارلوس منعم رئيساً للجمهورية، كما أن محاولة التمرد العسكرية الأبرز ضده قادها الجنرال محمد علي زين الدين... العربي الأصل أيضاً.
وتعيش في تشيلي كذلك جالية شرق أوسطية كبيرة، ويعتقد بأن في هذه الجمهورية الواقعة في أقصى جنوب غربي قارة أميركا الجنوبية ما يصل إلى نصف مليون مواطن تشيلي من أصول فلسطينية. ومن الدول الأخرى ذات الجاليات العربية الكبيرة هي المكسيك وكولومبيا وفنزويلا والسلفادور وهندوراس وكوبا. وحقيقة انتشار هذه الجاليات العربية على نطاق كبير تشير إلى التأثير العميق الذي أحدثوه في تلك الدول.
مدير مركز الدراسات اللبنانية في أميركا اللاتينية سيرغيو خليل (وخليل اسم جده، واسم العائلة أصلاً مخلوف، وهو من بلدة تنورين في شمال لبنان)، يقول إن الهجرات الشرق أوسطية التي يممت شطر أميركا اللاتينية قد بدأت في منتصف القرن التاسع عشر.
ويشرح خليل الأنماط التاريخية للهجرة، قائلاً: «كانت موجة الهجرة الأولى من الدول العربية نحو عام 1840 و1860 وبدأت في الأساس من فلسطين ولبنان وسوريا. وترجع في أسبابها الأولى إلى تراجع صناعة الحرير نتيجة التصنيع السريع في أوروبا وآثاره على الإنتاج الفني المحلي في هذه الدول. ثم ومع نهاية الإمبراطورية العثمانية وبداية القرن العشرين، أدى التدهور السريع في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية جنبا إلى جنب مع المعاملة القاسية التي عانت منها الأقليات إلى فترة مطولة من الهجرة الجماعية، وأغلبهم من المسيحيين، ومعظمهم من الأرمن من تركيا، وأشخاصا من لبنان، وفلسطين، وسوريا».
ولقد جاء كثير من العرب الذين وصلوا إلى أميركا اللاتينية بسبب فرارهم من الصراعات هناك ولأنهم كانوا يبحثون عن أرض جديدة لتوسيع أعمالهم وللقيام على شؤون أسرهم.

موجودون في عموم القارة
خليل، وهو من الشخصيات اللبنانية الأرجنتينية المعروفة في المنطقة لأبحاثه المتعددة حول هذا الموضوع، يتابع موضحاً: «يمكن العثور على المهاجرين العرب وذريتهم في كل بلد من بلدان الأميركيتين، ولكن بلدان الاختيار الرئيسية كانت هي التي ظهرت فيها الفرص الاقتصادية السانحة مثل الولايات المتحدة والبرازيل والأرجنتين، والتي يوجد فيها مؤسسات سياسية ليبرالية التي تضمن المساواة، والانفتاح الاقتصادي، والعمليات الصناعية الأولى، إلى جانب التنمية الثقافية. وكانت دول المكسيك وكولومبيا وتشيلي من البلدان المقصودة للهجرة على نطاق كبير». ومن الجدير بالذكر في هذا السياق أن نلاحظ أنه في كثير من الحالات ذهب المهاجرون إلى أي مكان تذهب إليه سفن الهجرة، ثم انتقلوا في أوقات لاحقة إلى كل أنحاء القارة، واستقروا حيث وجدوا الفرصة الجيدة لكسب لقمة العيش وتكوين الأسرة. ولم يكن من غير المألوف أن يذهب المهاجرون اللبنانيون والسوريون إلى البلدات والقرى النائية حيث كانوا يشاركون في التجارة الوسيطة وافتتاح المتاجر العامة، ثم الانتقال في نهاية المطاف إلى الصناعات والشركات الكبرى.

تقديرات أعدادهم تقريبية
ولا يعرف أحد على وجه التحديد عدد العرب الأصليين أو المنحدرين من أصول عربية في قارة أميركا اللاتينية، ولكن هناك بعض التقديرات حول هذا الشأن. وحسب سيرجيو خليل: «سمعت عن أعداد تقترب من 6 ملايين لبناني في البرازيل، ومليون لبناني في الأرجنتين. ولقد اطلعت على تقارير تزعم أن هناك ما يقرب من 15 مليون عربي في أميركا اللاتينية وهو ما يساوي نسبة 4 في المائة من تعداد السكان، وهو أمر يقترب من الصحة بالمعنى الواسع. ومن أحد المشكلات القائمة هي مستوى الوعي لكون المرء ينحدر من أصول عربية. وهي ليست نفس مشكلة الهوية للجيل الأول أو الجيل الثاني وحتى الجيلين الرابع أو الخامس والذين يبتعد عنهم أسلافهم بصورة كبيرة من الناحية التاريخية، وكانوا أيضاً عرضة للاستيعاب وامتزاج الزيجات مع أحفاد المهاجرين من أجزاء أخرى من العالم». ومن الواضح أن البرازيل، والأرجنتين، وتشيلي لديهم أكبر عدد من السكان المنحدرين من أصول عربية. وفي البرازيل، بالذات، لمعوا في شتى المجالات، من السياسة (باولو سليم معلوف المرشح الرئاسي والبرلماني وحاكم ولاية ساوباولو وعمدة مدينة ساو باولو، وتاسو جريصاتي السناتور والحاكم السابق لولاية سيارا) إلى الاقتصاد، ومن الفن إلى إدارة كرة القدم حيث ترأس متحدّرون من أصول عربية بعض أضخم الأندية مثل فلامنغو (فاضل فاضل وجورج هلال) وأتلتيكو مينيرو (الياس والكسندر خليل).

فلسطين.. في تشيلي
في تشيلي، التي تولّى العربي الأصل باولو زلاقط سعيد منصب عمدة عاصمتها سانتياغو، كانت وجهة المهاجرين الفلسطينيين لفترات طويلة. ولعل ما يؤشر لأهمية الجالية الفلسطينية فيها أن أحد أبرز وأشهر فرق كرة القدم التشيلية هو فريق نادي «كلوب ديبورتيفو بالستينو» أو «النادي الرياضي الفلسطيني». ولقد أسس هذا الفريق أول الأمر عام 1920 على أيدي المهاجرين الفلسطينيين - ولا سيما من مدينتي رام الله وبيت لحم وبلدتي بيت جالا وبيت ساحور - وهو يتخذ من العاصمة سانتياغو مقراً له، وفاز ببطولة الدوري عامي 1955 و1978، وفاز بالكأس عامي 1975 و1977.

مع الذكريات
وفي مقابلة أجريت مع صحيفة «الشرق الأوسط»، تذكر خوان الغصين (أمه من آل عبد الله)، وهو أحد الصحافيين الكبار في كولومبيا، القصص التي كان يخبره والده بها حول السنوات الأولى من هجرته إلى المنطقة الساحلية من كولومبيا. ويتذكر الغصين: «كان هذا المزيج عسير للغاية: اللغة والتقاليد العادات والحنين بعيداً عن العائلة. لقد اعتاد والدي أن يكرّر أنه عندما وصل إلى هذه البلاد، لم يكن يعرف هل الحرف «O» اللاتيني يُكتب بشكله الدائري أم المربع. ولم تكن اللغة هي أول ما يجب تعلمه، بل كانت الأبجدية. ولكن في نهاية الأمر حصل التآلف اللطيف مع البيئة الجديدة الجميلة. لقد انتهى بهم المطاف في اتحاد وثيق مع الناس ومع الأرض. وفي سان برناردو ديل فيينتو، البلدة الصغيرة على ساحل البحر الكاريبي، حيث ولدت، صار والدي صديقاً للجميع في البلدة، وكان الأب الروحي لكل أطفال البلدة، ومستشار الزواج فيها».

في مضمار السياسة
إن عدد المشتغلين بالسياسة في أميركا اللاتينية من أصول عربية كبير جداً. وثمة عدد من المتحدرين من المشرق العربي نجحوا في بلوغ مناصب الرئاسة في عدد كبير من بلدان أميركا اللاتينية.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، في جمهورية الإكوادور انتخب اللبناني الأصل جميل معوّض رئيساً للبلاد في الفترة بين عام 1998 حتى عام 2000، وقبله كان الرئيس عبد الله بوكرم في الفترة بين عام 1996 و1997. ولكل منهما أصوله العربية اللبنانية. ويذكر أن عبد الله بوكرم لم يكن أول من لمع من عائلته في مضمار السياسة الإكوادورية بل سبقه عمه أسعد أبو كرم، الذي انتخب رئيساً لمجلس النواب، وكان أيضاً عمدة لمدينة غواياكيل كبرى مدن الإكوادور وميناؤها الأول. وخارج أسرة بوكرم، ترشحت للرئاسة إيفون خويص عبد الباقي (زوجها سامي محمد عبد الباقي) للرئاسة، وكانت قبلاً سفيرة الإكوادور لدى واشنطن، وبعد الانتخابات تولت منصب وزيرة التجارة والصناعة، ثم انتخبت رئيسة لبرلمان دول جبال الآنديز. وبجانب، إيفون خويص عبد الباقي، برزت سيدة أخرى من أصل عربي هي ليلى رشيد التي تولت منصب وزيرة الخارجية في باراغواي، وكانت سفيرة لباراغواي في واشنطن.

كارلوس منعم
وفي الأرجنتين، كما سبقت الإشارة، برز الرئيس الأسبق كارلوس منعم، الزعيم «البيروني» الذي تولّى رئاسة الجمهورية عشر سنوات من عام 1989 حتى عام 1999، وتعود أصول منعم إلى بلدة يبرود في منطقة القلمون السورية، شمالي دمشق، أما والداه فهما مهيبة عقيل وشاول منعم، وأما زوجته فهي فاطمة جمعة. أما الضابط الذي تحدّاه وتمرد عليه، الجنرال محمد علي زين الدين فهو لبناني الأصل من آل الأعور في قضاء المتن الجنوبي بجبل لبنان.
وفي كولومبيا، كان والد خوليو سيزار طربيه أيالا (أيالا اسم عائلة أمه)، الذي شغل منصب رئيس البلاد من عام 1978 إلى 1982، من أصول لبنانية تعود إلى بلدة تنورين بشمال لبنان. وكان للرئيس طربيه حياة طويلة في السياسة الكولومبية وخدم في منصب وزير خارجية البلاد وسفيرها إلى منظمة الأمم المتحدة. وقبله، برز قريبه جبرائيل طربيه (1901 - 1947) الذي تولى منصب وزير الخارجية وكان عضواً في مجلسي الشيوخ والنواب.

... عرب فنزويلا
واليوم في فنزويلا، يحمل نائب الرئيس المعين في منصبه حديثاً، طارق زيدان العيسمي، وهو يتحدّر من عائلة الأب فيها سوري الأصل من بلدة امتان في جنوب شرقي السويداء، والأم لبنانية (أمه من آل مداح) من بلدة ميمس بجنوب شرق لبنان. ومن بين المسؤولين الحكوميين المنحدرين من أصول عربية في فنزويلا هناك إلياس جاوا (هوا) الذي خدم في منصب نائب الرئيس الأسبق، وطارق ويليام صعب، وهو أمين مظالم حقوق الإنسان في فنزويلا، وتعود أصوله إلى بلدة الشويفات قرب العاصمة اللبنانية بيروت. وفي المقابل، من قادة المعارضة لنظام الحكم في فنزويلا هناك هنري راموس (غصن) آلوب (أيّوب) عضو الجمعية الوطنية (البرلمان) وصاحب الأصول اللبنانية.
وفي بوليفيا، كان والد نائب الرئيس الأسبق في البلاد، خوان لاشين (أمه من عائلة أوكيندو)، من المهاجرين اللبنانيين (من قضاء جزّين بجنوب لبنان). وقبل أن يشغل منصب نائب الرئيس كان أبرز قادة في نقابات العمال الشهيرة في البلاد. كما انتخب إلياس أنطونيو السقّا، وهو سياسي يميني فلسطيني الأصل، رئيساً للجمهورية في السلفادور عام 2004 واحتفظ بالمنصب حتى 2009، والطريف أنه تغلب في الانتخابات الرئاسية يومذاك على منافس يساري هو شفيق حنظل، المتحدر أيضاً من أصل فلسطيني.

الموسيقى والثقافة

أصبحت شاكيرا من المشاهير في عالم الغناء بفضل موهبتها الفذة، وصوتها القوي. أما أصولها اللبنانية (تتحدر عائلتها من مدينة زحلة بشرق لبنان) فواضحة في جمالها وطريقة أدائها.
ولدت شاكيرا (شاكرة) إيزابيل مبارك في بارانكييا، واحدة من أكبر المدن في كولومبيا وهي معروفة بمينائها الأكبر في البلاد ولكونها مركزا للمهاجرين العرب. والحقيقة أن ثمة جالية كبيرة في هذه المدينة تتحدر من أصول عربية. وهذه هي الحالة في كثير من الأماكن على طول ساحل كولومبيا في منطقة البحر الكاريبي، وكذلك في «جاراتها» فنزويلا ولا سيما مدينة ماراكايبو. وكانت بارانكييا من أولى الأماكن التي بدأ فيها المهاجرون من الشرق الأوسط حياتهم الجديدة. وفي هذه الأيام، أصبح هؤلاء العرب وذريتهم في غالب الأمر من رجال الأعمال البارزين في كثير من الصناعات المختلفة.
ولكن هذه المجموعة من المهاجرين ليست مؤثرة فقط في مجالات السياسة والمال والأعمال في أميركا اللاتينية، فهناك تبادل بين ثقافتين مختلفتين تماما، الأمر الذي يظهر في اللغة والمطبخ. ويوضح السيد سيرغيو خليل الأمر بقوله: «إن الثقافة والتاريخ العربي هما محل تقدير كبير لدينا بسبب الإسهام الرائع في الإنسانية ولا سيما باعتبارهما من أدوات التنوير خلال الفترات المظلمة من العصور الوسطى في أوروبا والتي لم تعيد ربط أوروبا بإرثها الثقافي والفلسفي اليوناني السابق فحسب، وإنما استفادت كذلك من الفكر والعلوم العربية. كما أن الشرق الأوسط ليس مهدا للحضارات فحسب، ولكنه مسقط رأس الأديان التوحيدية الثلاثة مما يجعل من تلك المنطقة نقطة مرجعية شديدة الأهمية للمؤمنين بهذه الأديان».

عامل اللغة
يقول أحدهم إذا استطعت التحدث باللغة العربية فسوف تستطيع تعلم اللغة الإسبانية بسهولة بسبب وجود بعض الروابط والكلمات التي تنبع من اللغة العربية، ولكن معظم المتحدثين باللغة الإسبانية لا يدركون مدى أهمية الاتصال بين اللغتين. وبعض هذه الكلمات هي جزء من المفردات المستخدمة يوميا. على سبيل المثال، عندما تتحدث حول قطعة معينة من الملابس مثل البلوزة، فهي في اللغة العربية بنفس المنطوق، أو كلمة ديفان (ديوان)، أو الموهادا أي (المخدة)، أو أزافران (الزعفران)، أو طبق البايلا (البقية / البقايا)، أو أزايتي (الزيت)، أو أزايتونا (الزيتون).
يقول خوان أنطونيو الغصين، الخبير في اللغة الإسبانية: «يمكنني أن أمضي اليوم بطوله في ضرب الأمثلة على تأثير اللغة العربية على اللغة الإسبانية. وفي هذه اللحظة أمسك في يدي بقاموس عربيات اللغة الإسبانية، والذي يبلغ 500 صفحة. ويقدر اليوم أن نسبة 25 في المائة من الكلمات التي نستعملها في اللغة الإسبانية تنبع من اللغة العربية. لقد عاش العرب لمدة ثمانية قرون كاملة في إسبانيا، وإنني، الذي أفخر بكوني عضوا في الأكاديمية اللغوية الكولومبية، الابن الشرعي لهاتين اللغتين. وهذا من دواعي غبطتي وسروري». وبالتأكيد، فإن أكبر تأثير على اللغة الإسبانية، بعد اللاتينية، هو للغة العربية.



مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.