عرب أميركا اللاتينية في الواجهة

حاضرون في مختلف المرافق... وعلى رأسها السياسة

عرب أميركا اللاتينية في الواجهة
TT

عرب أميركا اللاتينية في الواجهة

عرب أميركا اللاتينية في الواجهة

طغت الأوضاع الأمنية المتوترة في فنزويلا وحالة الاضطراب السياسي في البرازيل على المشهد السياسي في دول أميركا الجنوبية خلال الأسبوعين الأخيرين. ولئن كانت الحالة في فنزويلا قد تفضي إلى مواجهات تسقط كامل النظام السياسي للرئيس اليساري نيكولاس مادورو و«خليفته» المحتمل طارق العيسمي - العربي الأصل -، فإن الوضع في البرازيل لن يهدد على الأرجح سوى رئيس الجمهورية ميشال تامر - العربي الأصل أيضاً - الذي تنشط مساعي معارضيه السياسية والدستورية لإسقاطه، على غرار ما حدث للرئيسة السابقة ديلما روسيف في العام الماضي. وكان تامر الذي انتخب نائباً لها، بين من عملوا على إسقاطها.
وفيما يلي، انطلاقاً من حالتي فنزويلا والبرازيل نبحث الدور الناشط الذي لعبه ويلعبه المتحدرون من أصول عربية، ولا سيما في مجال السياسة.
من المحتمل أن تكون قد سمعت عن شاكيرا (شاكرة)، المغنية الكولومبية الشهيرة ومن نجوم هوليوود المشاهير أيضاً الممثلة المعروفة سلمى حايك. وقد تكون قد قرأت عن رجل الأعمال المكسيكي البارز كارلوس سليم الحلو (في أميركا اللاتينية الاسم الأخيرة هو اسم عائلة الأم، فأم كارلوس سليم من آل الحلو)، وهو من أغنى أقطاب الأعمال على مستوى العالم.
هؤلاء لا يمثلون، في الواقع، سوى عدد قليل من أصحاب النفوذ والتأثير مثل الرؤساء والساسة والمشاهير من الفنانين والرياضيين ورجال الأعمال المولودين في قارة أميركا اللاتينية، ولديهم صلات ثقافية وروابط عائلية مع منطقة الشرق الأوسط. ومن المحتمل أن يكون في قارة أميركا اللاتينية أكبر نسبة سكان من ذوي الأصول العربية خارج منطقة الشرق الأوسط. ولقد اعترفت شعوب دول أميركا اللاتينية منذ بضع سنوات بأهمية المساهمات الثقافية في الشرق الأوسط في كثير من المجالات مثل الهندسة المعمارية واللغات والغذاء والموسيقى. وتكيّفت الجاليات المهاجرة من الشرق الأوسط بشكل مريح مع العادات المحلية، ثم امتزجت بصورة جيدة للغاية مع السكان المحليين. ونتيجة لذلك، خرجت أجيال جديدة تمثل مزيجاً من أفضل السمات لدى الثقافتين.

أثروا الثقافة اللاتينية
ولتوضيح مدى أهمية هذا التبادل الثقافي في غالبية بلدان أميركا اللاتينية هناك على الأقل جالية عربية واحدة معروفة قد ساعدت على إثراء الثقافة اللاتينية. إذ يوجد في البرازيل، وهي أكبر وأقوى دولة في أميركا اللاتينية، أكبر جالية من السكان العرب في القارة بأسرها. وتتحدّر هذه الجالية العربية الكبيرة، التي يقارب تعدادها 12 مليون نسمة، من سوريا ولبنان. ومن الأمثلة على ذلك الرئيس البرازيلي الحالي ميشال تامر، الذي يحمل الإرث اللبناني من والديه اللذين غادروا قريتهم (بتعبورة، في قضاء الكورة بشمال لبنان) من أجل حياة جديدة في البرازيل. إلا أن الرئيس تامر ليس السياسي الوحيد على هذه القائمة.
ففي الأرجنتين، وهي من الدول الكبرى المؤثرة أيضاً في أميركا اللاتينية، فإن السيدة جوليانا عواضة، زوجة الرئيس الحالي موريسيو ماكري، لبنانية الأصل. و«سيدة الأرجنتين الأولى» معروفة على نطاق واسع بحسها الثقافي الراقي، وشاركت ولا تزال في كثير من الفعاليات الخيرية. وللعلم، يقدّر عدد المتحدرين من أصول عربية في الأرجنتين بنحو 3 ملايين نسمة، ولقد انتخب أحد هؤلاء الرئيس كارلوس منعم رئيساً للجمهورية، كما أن محاولة التمرد العسكرية الأبرز ضده قادها الجنرال محمد علي زين الدين... العربي الأصل أيضاً.
وتعيش في تشيلي كذلك جالية شرق أوسطية كبيرة، ويعتقد بأن في هذه الجمهورية الواقعة في أقصى جنوب غربي قارة أميركا الجنوبية ما يصل إلى نصف مليون مواطن تشيلي من أصول فلسطينية. ومن الدول الأخرى ذات الجاليات العربية الكبيرة هي المكسيك وكولومبيا وفنزويلا والسلفادور وهندوراس وكوبا. وحقيقة انتشار هذه الجاليات العربية على نطاق كبير تشير إلى التأثير العميق الذي أحدثوه في تلك الدول.
مدير مركز الدراسات اللبنانية في أميركا اللاتينية سيرغيو خليل (وخليل اسم جده، واسم العائلة أصلاً مخلوف، وهو من بلدة تنورين في شمال لبنان)، يقول إن الهجرات الشرق أوسطية التي يممت شطر أميركا اللاتينية قد بدأت في منتصف القرن التاسع عشر.
ويشرح خليل الأنماط التاريخية للهجرة، قائلاً: «كانت موجة الهجرة الأولى من الدول العربية نحو عام 1840 و1860 وبدأت في الأساس من فلسطين ولبنان وسوريا. وترجع في أسبابها الأولى إلى تراجع صناعة الحرير نتيجة التصنيع السريع في أوروبا وآثاره على الإنتاج الفني المحلي في هذه الدول. ثم ومع نهاية الإمبراطورية العثمانية وبداية القرن العشرين، أدى التدهور السريع في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية جنبا إلى جنب مع المعاملة القاسية التي عانت منها الأقليات إلى فترة مطولة من الهجرة الجماعية، وأغلبهم من المسيحيين، ومعظمهم من الأرمن من تركيا، وأشخاصا من لبنان، وفلسطين، وسوريا».
ولقد جاء كثير من العرب الذين وصلوا إلى أميركا اللاتينية بسبب فرارهم من الصراعات هناك ولأنهم كانوا يبحثون عن أرض جديدة لتوسيع أعمالهم وللقيام على شؤون أسرهم.

موجودون في عموم القارة
خليل، وهو من الشخصيات اللبنانية الأرجنتينية المعروفة في المنطقة لأبحاثه المتعددة حول هذا الموضوع، يتابع موضحاً: «يمكن العثور على المهاجرين العرب وذريتهم في كل بلد من بلدان الأميركيتين، ولكن بلدان الاختيار الرئيسية كانت هي التي ظهرت فيها الفرص الاقتصادية السانحة مثل الولايات المتحدة والبرازيل والأرجنتين، والتي يوجد فيها مؤسسات سياسية ليبرالية التي تضمن المساواة، والانفتاح الاقتصادي، والعمليات الصناعية الأولى، إلى جانب التنمية الثقافية. وكانت دول المكسيك وكولومبيا وتشيلي من البلدان المقصودة للهجرة على نطاق كبير». ومن الجدير بالذكر في هذا السياق أن نلاحظ أنه في كثير من الحالات ذهب المهاجرون إلى أي مكان تذهب إليه سفن الهجرة، ثم انتقلوا في أوقات لاحقة إلى كل أنحاء القارة، واستقروا حيث وجدوا الفرصة الجيدة لكسب لقمة العيش وتكوين الأسرة. ولم يكن من غير المألوف أن يذهب المهاجرون اللبنانيون والسوريون إلى البلدات والقرى النائية حيث كانوا يشاركون في التجارة الوسيطة وافتتاح المتاجر العامة، ثم الانتقال في نهاية المطاف إلى الصناعات والشركات الكبرى.

تقديرات أعدادهم تقريبية
ولا يعرف أحد على وجه التحديد عدد العرب الأصليين أو المنحدرين من أصول عربية في قارة أميركا اللاتينية، ولكن هناك بعض التقديرات حول هذا الشأن. وحسب سيرجيو خليل: «سمعت عن أعداد تقترب من 6 ملايين لبناني في البرازيل، ومليون لبناني في الأرجنتين. ولقد اطلعت على تقارير تزعم أن هناك ما يقرب من 15 مليون عربي في أميركا اللاتينية وهو ما يساوي نسبة 4 في المائة من تعداد السكان، وهو أمر يقترب من الصحة بالمعنى الواسع. ومن أحد المشكلات القائمة هي مستوى الوعي لكون المرء ينحدر من أصول عربية. وهي ليست نفس مشكلة الهوية للجيل الأول أو الجيل الثاني وحتى الجيلين الرابع أو الخامس والذين يبتعد عنهم أسلافهم بصورة كبيرة من الناحية التاريخية، وكانوا أيضاً عرضة للاستيعاب وامتزاج الزيجات مع أحفاد المهاجرين من أجزاء أخرى من العالم». ومن الواضح أن البرازيل، والأرجنتين، وتشيلي لديهم أكبر عدد من السكان المنحدرين من أصول عربية. وفي البرازيل، بالذات، لمعوا في شتى المجالات، من السياسة (باولو سليم معلوف المرشح الرئاسي والبرلماني وحاكم ولاية ساوباولو وعمدة مدينة ساو باولو، وتاسو جريصاتي السناتور والحاكم السابق لولاية سيارا) إلى الاقتصاد، ومن الفن إلى إدارة كرة القدم حيث ترأس متحدّرون من أصول عربية بعض أضخم الأندية مثل فلامنغو (فاضل فاضل وجورج هلال) وأتلتيكو مينيرو (الياس والكسندر خليل).

فلسطين.. في تشيلي
في تشيلي، التي تولّى العربي الأصل باولو زلاقط سعيد منصب عمدة عاصمتها سانتياغو، كانت وجهة المهاجرين الفلسطينيين لفترات طويلة. ولعل ما يؤشر لأهمية الجالية الفلسطينية فيها أن أحد أبرز وأشهر فرق كرة القدم التشيلية هو فريق نادي «كلوب ديبورتيفو بالستينو» أو «النادي الرياضي الفلسطيني». ولقد أسس هذا الفريق أول الأمر عام 1920 على أيدي المهاجرين الفلسطينيين - ولا سيما من مدينتي رام الله وبيت لحم وبلدتي بيت جالا وبيت ساحور - وهو يتخذ من العاصمة سانتياغو مقراً له، وفاز ببطولة الدوري عامي 1955 و1978، وفاز بالكأس عامي 1975 و1977.

مع الذكريات
وفي مقابلة أجريت مع صحيفة «الشرق الأوسط»، تذكر خوان الغصين (أمه من آل عبد الله)، وهو أحد الصحافيين الكبار في كولومبيا، القصص التي كان يخبره والده بها حول السنوات الأولى من هجرته إلى المنطقة الساحلية من كولومبيا. ويتذكر الغصين: «كان هذا المزيج عسير للغاية: اللغة والتقاليد العادات والحنين بعيداً عن العائلة. لقد اعتاد والدي أن يكرّر أنه عندما وصل إلى هذه البلاد، لم يكن يعرف هل الحرف «O» اللاتيني يُكتب بشكله الدائري أم المربع. ولم تكن اللغة هي أول ما يجب تعلمه، بل كانت الأبجدية. ولكن في نهاية الأمر حصل التآلف اللطيف مع البيئة الجديدة الجميلة. لقد انتهى بهم المطاف في اتحاد وثيق مع الناس ومع الأرض. وفي سان برناردو ديل فيينتو، البلدة الصغيرة على ساحل البحر الكاريبي، حيث ولدت، صار والدي صديقاً للجميع في البلدة، وكان الأب الروحي لكل أطفال البلدة، ومستشار الزواج فيها».

في مضمار السياسة
إن عدد المشتغلين بالسياسة في أميركا اللاتينية من أصول عربية كبير جداً. وثمة عدد من المتحدرين من المشرق العربي نجحوا في بلوغ مناصب الرئاسة في عدد كبير من بلدان أميركا اللاتينية.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، في جمهورية الإكوادور انتخب اللبناني الأصل جميل معوّض رئيساً للبلاد في الفترة بين عام 1998 حتى عام 2000، وقبله كان الرئيس عبد الله بوكرم في الفترة بين عام 1996 و1997. ولكل منهما أصوله العربية اللبنانية. ويذكر أن عبد الله بوكرم لم يكن أول من لمع من عائلته في مضمار السياسة الإكوادورية بل سبقه عمه أسعد أبو كرم، الذي انتخب رئيساً لمجلس النواب، وكان أيضاً عمدة لمدينة غواياكيل كبرى مدن الإكوادور وميناؤها الأول. وخارج أسرة بوكرم، ترشحت للرئاسة إيفون خويص عبد الباقي (زوجها سامي محمد عبد الباقي) للرئاسة، وكانت قبلاً سفيرة الإكوادور لدى واشنطن، وبعد الانتخابات تولت منصب وزيرة التجارة والصناعة، ثم انتخبت رئيسة لبرلمان دول جبال الآنديز. وبجانب، إيفون خويص عبد الباقي، برزت سيدة أخرى من أصل عربي هي ليلى رشيد التي تولت منصب وزيرة الخارجية في باراغواي، وكانت سفيرة لباراغواي في واشنطن.

كارلوس منعم
وفي الأرجنتين، كما سبقت الإشارة، برز الرئيس الأسبق كارلوس منعم، الزعيم «البيروني» الذي تولّى رئاسة الجمهورية عشر سنوات من عام 1989 حتى عام 1999، وتعود أصول منعم إلى بلدة يبرود في منطقة القلمون السورية، شمالي دمشق، أما والداه فهما مهيبة عقيل وشاول منعم، وأما زوجته فهي فاطمة جمعة. أما الضابط الذي تحدّاه وتمرد عليه، الجنرال محمد علي زين الدين فهو لبناني الأصل من آل الأعور في قضاء المتن الجنوبي بجبل لبنان.
وفي كولومبيا، كان والد خوليو سيزار طربيه أيالا (أيالا اسم عائلة أمه)، الذي شغل منصب رئيس البلاد من عام 1978 إلى 1982، من أصول لبنانية تعود إلى بلدة تنورين بشمال لبنان. وكان للرئيس طربيه حياة طويلة في السياسة الكولومبية وخدم في منصب وزير خارجية البلاد وسفيرها إلى منظمة الأمم المتحدة. وقبله، برز قريبه جبرائيل طربيه (1901 - 1947) الذي تولى منصب وزير الخارجية وكان عضواً في مجلسي الشيوخ والنواب.

... عرب فنزويلا
واليوم في فنزويلا، يحمل نائب الرئيس المعين في منصبه حديثاً، طارق زيدان العيسمي، وهو يتحدّر من عائلة الأب فيها سوري الأصل من بلدة امتان في جنوب شرقي السويداء، والأم لبنانية (أمه من آل مداح) من بلدة ميمس بجنوب شرق لبنان. ومن بين المسؤولين الحكوميين المنحدرين من أصول عربية في فنزويلا هناك إلياس جاوا (هوا) الذي خدم في منصب نائب الرئيس الأسبق، وطارق ويليام صعب، وهو أمين مظالم حقوق الإنسان في فنزويلا، وتعود أصوله إلى بلدة الشويفات قرب العاصمة اللبنانية بيروت. وفي المقابل، من قادة المعارضة لنظام الحكم في فنزويلا هناك هنري راموس (غصن) آلوب (أيّوب) عضو الجمعية الوطنية (البرلمان) وصاحب الأصول اللبنانية.
وفي بوليفيا، كان والد نائب الرئيس الأسبق في البلاد، خوان لاشين (أمه من عائلة أوكيندو)، من المهاجرين اللبنانيين (من قضاء جزّين بجنوب لبنان). وقبل أن يشغل منصب نائب الرئيس كان أبرز قادة في نقابات العمال الشهيرة في البلاد. كما انتخب إلياس أنطونيو السقّا، وهو سياسي يميني فلسطيني الأصل، رئيساً للجمهورية في السلفادور عام 2004 واحتفظ بالمنصب حتى 2009، والطريف أنه تغلب في الانتخابات الرئاسية يومذاك على منافس يساري هو شفيق حنظل، المتحدر أيضاً من أصل فلسطيني.

الموسيقى والثقافة

أصبحت شاكيرا من المشاهير في عالم الغناء بفضل موهبتها الفذة، وصوتها القوي. أما أصولها اللبنانية (تتحدر عائلتها من مدينة زحلة بشرق لبنان) فواضحة في جمالها وطريقة أدائها.
ولدت شاكيرا (شاكرة) إيزابيل مبارك في بارانكييا، واحدة من أكبر المدن في كولومبيا وهي معروفة بمينائها الأكبر في البلاد ولكونها مركزا للمهاجرين العرب. والحقيقة أن ثمة جالية كبيرة في هذه المدينة تتحدر من أصول عربية. وهذه هي الحالة في كثير من الأماكن على طول ساحل كولومبيا في منطقة البحر الكاريبي، وكذلك في «جاراتها» فنزويلا ولا سيما مدينة ماراكايبو. وكانت بارانكييا من أولى الأماكن التي بدأ فيها المهاجرون من الشرق الأوسط حياتهم الجديدة. وفي هذه الأيام، أصبح هؤلاء العرب وذريتهم في غالب الأمر من رجال الأعمال البارزين في كثير من الصناعات المختلفة.
ولكن هذه المجموعة من المهاجرين ليست مؤثرة فقط في مجالات السياسة والمال والأعمال في أميركا اللاتينية، فهناك تبادل بين ثقافتين مختلفتين تماما، الأمر الذي يظهر في اللغة والمطبخ. ويوضح السيد سيرغيو خليل الأمر بقوله: «إن الثقافة والتاريخ العربي هما محل تقدير كبير لدينا بسبب الإسهام الرائع في الإنسانية ولا سيما باعتبارهما من أدوات التنوير خلال الفترات المظلمة من العصور الوسطى في أوروبا والتي لم تعيد ربط أوروبا بإرثها الثقافي والفلسفي اليوناني السابق فحسب، وإنما استفادت كذلك من الفكر والعلوم العربية. كما أن الشرق الأوسط ليس مهدا للحضارات فحسب، ولكنه مسقط رأس الأديان التوحيدية الثلاثة مما يجعل من تلك المنطقة نقطة مرجعية شديدة الأهمية للمؤمنين بهذه الأديان».

عامل اللغة
يقول أحدهم إذا استطعت التحدث باللغة العربية فسوف تستطيع تعلم اللغة الإسبانية بسهولة بسبب وجود بعض الروابط والكلمات التي تنبع من اللغة العربية، ولكن معظم المتحدثين باللغة الإسبانية لا يدركون مدى أهمية الاتصال بين اللغتين. وبعض هذه الكلمات هي جزء من المفردات المستخدمة يوميا. على سبيل المثال، عندما تتحدث حول قطعة معينة من الملابس مثل البلوزة، فهي في اللغة العربية بنفس المنطوق، أو كلمة ديفان (ديوان)، أو الموهادا أي (المخدة)، أو أزافران (الزعفران)، أو طبق البايلا (البقية / البقايا)، أو أزايتي (الزيت)، أو أزايتونا (الزيتون).
يقول خوان أنطونيو الغصين، الخبير في اللغة الإسبانية: «يمكنني أن أمضي اليوم بطوله في ضرب الأمثلة على تأثير اللغة العربية على اللغة الإسبانية. وفي هذه اللحظة أمسك في يدي بقاموس عربيات اللغة الإسبانية، والذي يبلغ 500 صفحة. ويقدر اليوم أن نسبة 25 في المائة من الكلمات التي نستعملها في اللغة الإسبانية تنبع من اللغة العربية. لقد عاش العرب لمدة ثمانية قرون كاملة في إسبانيا، وإنني، الذي أفخر بكوني عضوا في الأكاديمية اللغوية الكولومبية، الابن الشرعي لهاتين اللغتين. وهذا من دواعي غبطتي وسروري». وبالتأكيد، فإن أكبر تأثير على اللغة الإسبانية، بعد اللاتينية، هو للغة العربية.



قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.