«دولة ماكرون» آخذة بالظهور شيئا فشيئا

إيمانويل ماكرون رئيس فرنسي من «نوع جديد»

الرئيس الفرنسي ماكرون مع وزيرة الدفاع فلورانس بارلي خلال حفل تسليم الجوائز للجنود الفرنسيين أمس في باريس (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي ماكرون مع وزيرة الدفاع فلورانس بارلي خلال حفل تسليم الجوائز للجنود الفرنسيين أمس في باريس (إ.ب.أ)
TT

«دولة ماكرون» آخذة بالظهور شيئا فشيئا

الرئيس الفرنسي ماكرون مع وزيرة الدفاع فلورانس بارلي خلال حفل تسليم الجوائز للجنود الفرنسيين أمس في باريس (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي ماكرون مع وزيرة الدفاع فلورانس بارلي خلال حفل تسليم الجوائز للجنود الفرنسيين أمس في باريس (إ.ب.أ)

قبل أربعين يوما، تسلم إيمانويل ماكرون صلاحياته الدستورية ليصبح ثامن رئيس للجمهورية الفرنسية. وبعد فورة الإعجاب التي اجتاحت المجتمع الفرنسي بهذا الشاب (39 عاما) الذي وصل إلى قصر الإليزيه في زمن قياسي، و«لبس» الثياب الرئاسية بسرعة أكبر، وأثبت حضورا مميزا في الفضاءين الأوروبي والدولي، جاء زمن الأسئلة حول فهم ماكرون للرئاسة وأسلوبه في ممارستها.
منذ التعديل الدستوري الذي أدخله الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، الذي بموجبه يتاح لرئيس الجمهورية دعوة مجلسي النواب والشيوخ إلى الانعقاد معا في قصر فرساي وإلقاء كلمة، لم يتم العمل بهذا التعديل سوى مرتين، المرة الأولى في عهد ساركوزي، والثانية في عهد الرئيس فرنسوا هولاند، بعد العمليات الإرهابية التي ضربت باريس في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، لكن ماكرون قرر بداية الأسبوع المنتهي أن يدعو المجلسين إلى الانعقاد وهو في بداية عهده؛ الأمر الذي لم يفعله أي من الرئيسين اللذين سبقاه.
وهكذا، فإن النواب والشيوخ سيجتمعون يوم الاثنين المقبل في فرساي للاستماع للرئيس الجديد، الذي لم تمط أوساطه اللثام عما سيتناوله في خطابه. لكن المنتظر أن يرسم الخطوط الكبرى لعهده خماسي السنوات في السياسات الداخلية والخارجية والإصلاحات الرئيسية التي يود إدخالها. لكن ما استحوذ على انتباه الطبقة السياسية والوسائل الإعلامية، أن ماكرون قرر استباق جلسة الثقة في مجلس النواب والخطاب ــ البرنامج الذي سيلقيه رئيس الحكومة والذي على أساسه ستطرح الثقة بالحكومة. وأجمع سياسيو المعارضة من اليمين واليسار، نواب حاليون وسابقون ومسؤولون حزبيون على اعتبار أن ماكرون سرق الأضواء من رئيس حكومته وحوله إلى «تابع»، أو في أفضل الأحوال، إلى «مساعد» بينما الدستور يعطيه الدور الرئيسي في قيادة سياسة الحكومة التي «يرسمها» رئيس الجمهورية. والخلاصة السريعة التي توصل إليها هؤلاء، هي أن ماكرون يريد «تركيز» السلطات بين يديه فيما يسمى «الممارسة العمودية» للسلطة؛ ما يعيد الأذهان إلى بدايات الجمهورية الخامسة كما فصل الجنرال ديغول مؤسساتها على مقاسه. وخلاصة الجدل، أن مجموعة من النواب والشيوخ قررت مقاطعة فرساي لكي «لا تحضر تنصيب» ماكرون. ومن هؤلاء نواب الحزب الشيوعي واليسار المتشدد والكثير من نواب يمين الوسط. بيد أن الإنصاف يحتم القول إن ماكرون لا يفاجئ الفرنسيين برغبته في التحدث إلى النواب والشيوخ؛ لأنه أتى على ذلك في جملته الانتخابية. المفاجأة أنه أراد الانطلاق بذلك مع بدء ولايته، وبالتزامن مع خطاب الحصول على الثقة في البرلمان.
قبل ثلاثة أيام، كشف ماكرون على حسابه الخاص صورته الرسمية التي ستعلق في الدوائر الحكومية كافة. وتظهره الصورة واقفا مبتسما أمام مكتبه ووراءه الشرفة التي تطل على حديقة الإليزيه. وعلى المكتب يلحظ هاتفان جوالان وكتب وساعة مكتب وملفات ووراءه العلمان الفرنسي والأوروبي. وتختلف هذه الصورة عن كافة صور رؤساء الجمهورية السابقين. وما رآه المعلقون فيها أنها تشبه صورة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما؛ ما جعلهم يتذكرون أن ماكرون وضع يده اليمنى على قلبه في مناسبة رسمية عند سماعه النشيد الوطني الفرنسي، وهي عادة أميركية وليس فرنسية.
قد تكون هذه الأمور تفاصيل، لكنها تعكس بعضا من مفهوم ماكرون للمهمة المنوطة به في حكم فرنسا. وبما أن الشيء بالشيء يذكر، فإن ماكرون يريد التجديد أيضا فيما يخص دور «الفرنسية الأولى»، أي عقيلته التي يريد أن يعطيها وضعا رسميا مع مهمات محددة. وسيستدعي هذا الأمر إدخال تعديل على الدستور الذي لا يأتي على ذكرها. وخلال حملته الرئاسية كانت بريجيت ماكرون، التي تكبره بـ25 عاما، طاغية الحضور، ومنذ بداية عهده انتقلت معه للإقامة في القصر الرئاسي. وعلم أن لجنة غير رسمية عهد إليها الرئيس الفرنسي الانكباب على وضع تصور أولي لدور «السيدة الأولى» على أن يصار بعدها إلى البحث به رسميا.
منذ سنوات، وبمناسبة الاحتفالات بالعيد الوطني الفرنسي، أي عيد الثورة الفرنسية للعام 1789، دأب رئيس الجمهورية (يمينيا كان أم يساريا) على تخصيص التلفزة الفرنسية بمقابلة مطولة مباشرة عقب العرض العسكري الذي يجرى في جادة الشانزليزيه. لكن ماكرون الراغب في التميز على من سبقه، سيحجم هذا العام عن الالتزام بهذا التقليد. وهذا التغير بحد ذاته ليس صادما، بل الصادم هو التفسير الذي أعطته «مصادر» في القصر الرئاسي وقوامه أن المؤتمر الصحافي المتلفز «لا يتوافق مع طبيعة تفكير الرئيس المعقد» (معنى صعب الفهم) مضيفة أنه، في أي حال، فإن ماكرون سيتحدث إلى مجلس النواب والشيوخ مجتمعين، وبالتالي «لا حاجة» إلى المقابلة التلفزيونية.
حقيقة الأمر، أن للرئيس الجديد فهما خاصا لكيفية التعاطي مع الصحافة. فهو من جهة يعمد إلى إبقاء الصحافيين بعيدين عنه. ففي الزيارة التي قام بها مؤخرا إلى المغرب، لم تتح للصحافيين الاقتراب منه بعكس ما كان يحصل مع هولاند وساركوزي، حيث كانت كل رحلة خارجية مناسبة لـ«الدردشة» مع الرئيس من غير تكليف شرط أن يبقى ذلك كله «أوف» أي خارج التسجيل وخارج الاستشهاد. وفي العهدين السابقين، كان الوصول كذلك إلى المستشارين أمرا بالغ السهولة للاستفهام عن أمر، أو لفهم أفضل لقرار أو تدبير رئاسي. أما الآن، فإن الأوضاع تغيرت؛ ما يجعل ممارسة «مهنة المتاعب» أكثر صعوبة.
لم يكتف ماكرون بأنه، في حملته الرئاسية، تجاوز اليمين واليسار اللذين يتخبطان في انقساماتهما الداخلية، بل إنه «فجّرهما» من الداخل عندما نجح في السيطرة التامة على المجلس النيابي من خلال حصول حزبه الحديث السن (الجمهورية إلى الأمام) على الأكثرية المطلقة (308 نواب). ولو أضيف إليه نواب حليفه السياسي (الحركة الديمقراطية) لوصل العدد إلى 350 نائبا، ناهيك عن نواب اليمين ويمين الوسط الذين انشقوا عن حزب «الجمهوريون» لتشكيل مجموعة نيابية مستقلة تحت مسمى «الإيجابيون» (نحو أربعين نائبا). وهؤلاء ليسوا في المعارضة ولا في الأكثرية، وإنما يريدون التعاطي بـ«الإيجابية» مع ما يقوم به العهد. وعمليا، هم داعمون لماكرون. وبفضل الأكثرية المريحة، سيطر حزب ماكرون على رئاسة مجلس النواب وعلى رئاسة ست لجان نيابية (من أصل ثمانٍ) وعلى الجوانب الإجرائية والإدارية للمجلس؛ ما يعني هيمنته المطلقة عليه من خلال حزبه المطيع باعتبار أن الأكثرية الساحقة من النواب جديدة على المهنة وهي تدين بموقعها لرئيس الجمهورية. وقد عمد الأخير على وضع الوزير السابق والنائب الحالي ريشار فران على رأس حزبه. وفران معروف بولائه المطلق لماكرون الذي أخرجه من الوزارة بسبب فضائح مالية ارتبطت باسمه ومكلفه مهمة قيادة نواب الأكثرية المفتقرين بأغلبيتهم إلى الخبرة والممارسة.
هكذا، تبرز شيئا فشيئا إلى الوجود «جمهورية ماكرون». وحتى الآن، ما زال الرئيس الجديد يحظى بشعبية مرتفعة لدى مواطنيه، خصوصا بسبب أدائه المتميز على الصعيد الخارجي، وعزمه على أن تلعب باريس مجددا دورا فاعلا على المسرح الدولي. لكن الأمور يمكن أن تتغير مع بدء مواجهة المشاكل الداخلية المستعصية مثل زيادة الضرائب ومعالجة العجز في الميزانية وتحرير قانون العمل وكلها قنابل موقوتة يمكن أن تنفجر في حال غابت الدراية عن معالجتها.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».