«دولة ماكرون» آخذة بالظهور شيئا فشيئا

إيمانويل ماكرون رئيس فرنسي من «نوع جديد»

الرئيس الفرنسي ماكرون مع وزيرة الدفاع فلورانس بارلي خلال حفل تسليم الجوائز للجنود الفرنسيين أمس في باريس (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي ماكرون مع وزيرة الدفاع فلورانس بارلي خلال حفل تسليم الجوائز للجنود الفرنسيين أمس في باريس (إ.ب.أ)
TT

«دولة ماكرون» آخذة بالظهور شيئا فشيئا

الرئيس الفرنسي ماكرون مع وزيرة الدفاع فلورانس بارلي خلال حفل تسليم الجوائز للجنود الفرنسيين أمس في باريس (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي ماكرون مع وزيرة الدفاع فلورانس بارلي خلال حفل تسليم الجوائز للجنود الفرنسيين أمس في باريس (إ.ب.أ)

قبل أربعين يوما، تسلم إيمانويل ماكرون صلاحياته الدستورية ليصبح ثامن رئيس للجمهورية الفرنسية. وبعد فورة الإعجاب التي اجتاحت المجتمع الفرنسي بهذا الشاب (39 عاما) الذي وصل إلى قصر الإليزيه في زمن قياسي، و«لبس» الثياب الرئاسية بسرعة أكبر، وأثبت حضورا مميزا في الفضاءين الأوروبي والدولي، جاء زمن الأسئلة حول فهم ماكرون للرئاسة وأسلوبه في ممارستها.
منذ التعديل الدستوري الذي أدخله الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، الذي بموجبه يتاح لرئيس الجمهورية دعوة مجلسي النواب والشيوخ إلى الانعقاد معا في قصر فرساي وإلقاء كلمة، لم يتم العمل بهذا التعديل سوى مرتين، المرة الأولى في عهد ساركوزي، والثانية في عهد الرئيس فرنسوا هولاند، بعد العمليات الإرهابية التي ضربت باريس في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، لكن ماكرون قرر بداية الأسبوع المنتهي أن يدعو المجلسين إلى الانعقاد وهو في بداية عهده؛ الأمر الذي لم يفعله أي من الرئيسين اللذين سبقاه.
وهكذا، فإن النواب والشيوخ سيجتمعون يوم الاثنين المقبل في فرساي للاستماع للرئيس الجديد، الذي لم تمط أوساطه اللثام عما سيتناوله في خطابه. لكن المنتظر أن يرسم الخطوط الكبرى لعهده خماسي السنوات في السياسات الداخلية والخارجية والإصلاحات الرئيسية التي يود إدخالها. لكن ما استحوذ على انتباه الطبقة السياسية والوسائل الإعلامية، أن ماكرون قرر استباق جلسة الثقة في مجلس النواب والخطاب ــ البرنامج الذي سيلقيه رئيس الحكومة والذي على أساسه ستطرح الثقة بالحكومة. وأجمع سياسيو المعارضة من اليمين واليسار، نواب حاليون وسابقون ومسؤولون حزبيون على اعتبار أن ماكرون سرق الأضواء من رئيس حكومته وحوله إلى «تابع»، أو في أفضل الأحوال، إلى «مساعد» بينما الدستور يعطيه الدور الرئيسي في قيادة سياسة الحكومة التي «يرسمها» رئيس الجمهورية. والخلاصة السريعة التي توصل إليها هؤلاء، هي أن ماكرون يريد «تركيز» السلطات بين يديه فيما يسمى «الممارسة العمودية» للسلطة؛ ما يعيد الأذهان إلى بدايات الجمهورية الخامسة كما فصل الجنرال ديغول مؤسساتها على مقاسه. وخلاصة الجدل، أن مجموعة من النواب والشيوخ قررت مقاطعة فرساي لكي «لا تحضر تنصيب» ماكرون. ومن هؤلاء نواب الحزب الشيوعي واليسار المتشدد والكثير من نواب يمين الوسط. بيد أن الإنصاف يحتم القول إن ماكرون لا يفاجئ الفرنسيين برغبته في التحدث إلى النواب والشيوخ؛ لأنه أتى على ذلك في جملته الانتخابية. المفاجأة أنه أراد الانطلاق بذلك مع بدء ولايته، وبالتزامن مع خطاب الحصول على الثقة في البرلمان.
قبل ثلاثة أيام، كشف ماكرون على حسابه الخاص صورته الرسمية التي ستعلق في الدوائر الحكومية كافة. وتظهره الصورة واقفا مبتسما أمام مكتبه ووراءه الشرفة التي تطل على حديقة الإليزيه. وعلى المكتب يلحظ هاتفان جوالان وكتب وساعة مكتب وملفات ووراءه العلمان الفرنسي والأوروبي. وتختلف هذه الصورة عن كافة صور رؤساء الجمهورية السابقين. وما رآه المعلقون فيها أنها تشبه صورة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما؛ ما جعلهم يتذكرون أن ماكرون وضع يده اليمنى على قلبه في مناسبة رسمية عند سماعه النشيد الوطني الفرنسي، وهي عادة أميركية وليس فرنسية.
قد تكون هذه الأمور تفاصيل، لكنها تعكس بعضا من مفهوم ماكرون للمهمة المنوطة به في حكم فرنسا. وبما أن الشيء بالشيء يذكر، فإن ماكرون يريد التجديد أيضا فيما يخص دور «الفرنسية الأولى»، أي عقيلته التي يريد أن يعطيها وضعا رسميا مع مهمات محددة. وسيستدعي هذا الأمر إدخال تعديل على الدستور الذي لا يأتي على ذكرها. وخلال حملته الرئاسية كانت بريجيت ماكرون، التي تكبره بـ25 عاما، طاغية الحضور، ومنذ بداية عهده انتقلت معه للإقامة في القصر الرئاسي. وعلم أن لجنة غير رسمية عهد إليها الرئيس الفرنسي الانكباب على وضع تصور أولي لدور «السيدة الأولى» على أن يصار بعدها إلى البحث به رسميا.
منذ سنوات، وبمناسبة الاحتفالات بالعيد الوطني الفرنسي، أي عيد الثورة الفرنسية للعام 1789، دأب رئيس الجمهورية (يمينيا كان أم يساريا) على تخصيص التلفزة الفرنسية بمقابلة مطولة مباشرة عقب العرض العسكري الذي يجرى في جادة الشانزليزيه. لكن ماكرون الراغب في التميز على من سبقه، سيحجم هذا العام عن الالتزام بهذا التقليد. وهذا التغير بحد ذاته ليس صادما، بل الصادم هو التفسير الذي أعطته «مصادر» في القصر الرئاسي وقوامه أن المؤتمر الصحافي المتلفز «لا يتوافق مع طبيعة تفكير الرئيس المعقد» (معنى صعب الفهم) مضيفة أنه، في أي حال، فإن ماكرون سيتحدث إلى مجلس النواب والشيوخ مجتمعين، وبالتالي «لا حاجة» إلى المقابلة التلفزيونية.
حقيقة الأمر، أن للرئيس الجديد فهما خاصا لكيفية التعاطي مع الصحافة. فهو من جهة يعمد إلى إبقاء الصحافيين بعيدين عنه. ففي الزيارة التي قام بها مؤخرا إلى المغرب، لم تتح للصحافيين الاقتراب منه بعكس ما كان يحصل مع هولاند وساركوزي، حيث كانت كل رحلة خارجية مناسبة لـ«الدردشة» مع الرئيس من غير تكليف شرط أن يبقى ذلك كله «أوف» أي خارج التسجيل وخارج الاستشهاد. وفي العهدين السابقين، كان الوصول كذلك إلى المستشارين أمرا بالغ السهولة للاستفهام عن أمر، أو لفهم أفضل لقرار أو تدبير رئاسي. أما الآن، فإن الأوضاع تغيرت؛ ما يجعل ممارسة «مهنة المتاعب» أكثر صعوبة.
لم يكتف ماكرون بأنه، في حملته الرئاسية، تجاوز اليمين واليسار اللذين يتخبطان في انقساماتهما الداخلية، بل إنه «فجّرهما» من الداخل عندما نجح في السيطرة التامة على المجلس النيابي من خلال حصول حزبه الحديث السن (الجمهورية إلى الأمام) على الأكثرية المطلقة (308 نواب). ولو أضيف إليه نواب حليفه السياسي (الحركة الديمقراطية) لوصل العدد إلى 350 نائبا، ناهيك عن نواب اليمين ويمين الوسط الذين انشقوا عن حزب «الجمهوريون» لتشكيل مجموعة نيابية مستقلة تحت مسمى «الإيجابيون» (نحو أربعين نائبا). وهؤلاء ليسوا في المعارضة ولا في الأكثرية، وإنما يريدون التعاطي بـ«الإيجابية» مع ما يقوم به العهد. وعمليا، هم داعمون لماكرون. وبفضل الأكثرية المريحة، سيطر حزب ماكرون على رئاسة مجلس النواب وعلى رئاسة ست لجان نيابية (من أصل ثمانٍ) وعلى الجوانب الإجرائية والإدارية للمجلس؛ ما يعني هيمنته المطلقة عليه من خلال حزبه المطيع باعتبار أن الأكثرية الساحقة من النواب جديدة على المهنة وهي تدين بموقعها لرئيس الجمهورية. وقد عمد الأخير على وضع الوزير السابق والنائب الحالي ريشار فران على رأس حزبه. وفران معروف بولائه المطلق لماكرون الذي أخرجه من الوزارة بسبب فضائح مالية ارتبطت باسمه ومكلفه مهمة قيادة نواب الأكثرية المفتقرين بأغلبيتهم إلى الخبرة والممارسة.
هكذا، تبرز شيئا فشيئا إلى الوجود «جمهورية ماكرون». وحتى الآن، ما زال الرئيس الجديد يحظى بشعبية مرتفعة لدى مواطنيه، خصوصا بسبب أدائه المتميز على الصعيد الخارجي، وعزمه على أن تلعب باريس مجددا دورا فاعلا على المسرح الدولي. لكن الأمور يمكن أن تتغير مع بدء مواجهة المشاكل الداخلية المستعصية مثل زيادة الضرائب ومعالجة العجز في الميزانية وتحرير قانون العمل وكلها قنابل موقوتة يمكن أن تنفجر في حال غابت الدراية عن معالجتها.



في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...


أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
TT

أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)

أظهرت برقية داخلية لوزارة الخارجية الأميركية، اطلعت عليها وكالة «رويترز» للأنباء، اليوم (الجمعة)، أن واشنطن ضغطت على حكومة سريلانكا لعدم إعادة الناجين من السفينة الحربية الإيرانية التي أغرقتها أميركا هذا الأسبوع، بالإضافة إلى طاقم سفينة إيرانية أخرى محتجزة لدى سريلانكا.

وأغرقت غواصة أميركية السفينة الحربية «آيريس دينا» في المحيط الهندي على بُعد نحو 19 ميلاً بحرياً من مدينة غالي الساحلية بجنوب سريلانكا، يوم الأربعاء، مما أسفر عن مقتل عشرات البحارة وتوسيع نطاق ملاحقة واشنطن للبحرية الإيرانية بشكل كبير.

وبدأت سريلانكا، أمس الخميس، في إنزال 208 من أفراد طاقم سفينة إيرانية ثانية، وهي سفينة الإمداد البحرية «آيريس بوشهر»، التي علقت في المنطقة الاقتصادية الخالصة لسريلانكا، لكن خارج حدودها البحرية.

وقال رئيس سريلانكا، أنورا كومارا ديساناياكي، إن بلاده تتحمل «مسؤولية إنسانية» لاستقبال الطاقم.

ويُعدّ استهداف الغواصة «دينا» بطوربيد -الذي وصفه وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بأنه «موت هادئ»- أول عمل من نوعه تقوم به الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، ودليلاً واضحاً على اتساع النطاق الجغرافي للصراع الإيراني.

وذكرت البرقية الداخلية لوزارة الخارجية الأميركية المؤرخة في 6 مارس (آذار)، ولم تُنشر سابقاً، أن جاين هاول، القائمة بالأعمال في السفارة الأميركية في كولومبو، أكدت لحكومة سريلانكا ضرورة عدم إعادة طاقم «بوشهر» ولا الناجين من «دينا»، وعددهم 32، إلى إيران.

وجاء في البرقية: «ينبغي على السلطات السريلانكية الحد من محاولات إيران استخدام المعتقلين لأغراض دعائية».

ولم ترد وزارة الخارجية الأميركية بعد على طلب من «رويترز» للتعليق. ولم يتسنَ الحصول على تعليق فوري من ممثلي مكتب ديساناياكي ووزارة الخارجية السريلانكية.

وأفادت البرقية بأن هاول أبلغت السفير الإسرائيلي لدى الهند وسريلانكا بعدم وجود أي خطة لإعادة طاقم السفينة إلى إيران. وأضافت أن السفير سأل هاول عما إذا كان هناك أي تواصل مع الطاقم لتشجيعه على «الانشقاق».

ولم يرد ممثل السفارة الإسرائيلية في نيودلهي بعد على طلب للتعليق.

وقال نائب وزير الصحة والإعلام السريلانكي لـ«رويترز»، يوم الأربعاء، إن طهران طلبت من كولومبو المساعدة في إعادة جثامين ضحايا السفينة «دينا»، لكن لم يُحدد بعد إطار زمني لذلك.

وشاركت السفينة «دينا» في مناورات بحرية نظّمتها الهند في خليج البنغال الشهر الماضي، وكانت في طريق عودتها إلى إيران عندما أُصيبت بطوربيد أميركي.

وصرح مسؤول أميركي -شريطة عدم الكشف عن هويته- لـ«رويترز»، بأن السفينة «دينا» كانت مسلحة وقت استهدافها، وبأن الولايات المتحدة لم تُصدر أي تحذير قبل تنفيذ الضربة.

وأفادت برقية «الخارجية الأميركية» بأن السفينة الثانية، «بوشهر»، ستبقى رهن احتجاز سريلانكا طوال فترة النزاع.

وصرحت السلطات السريلانكية، الجمعة، بأنها تُرافق «بوشهر» إلى ميناء على الساحل الشرقي، وتنقل معظم طاقمها إلى معسكر للبحرية قرب كولومبو.


الأمم المتحدة تحض أطراف النزاع في الشرق الأوسط على «إعطاء فرصة للسلام»

فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
TT

الأمم المتحدة تحض أطراف النزاع في الشرق الأوسط على «إعطاء فرصة للسلام»

فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، إلى إعطاء «فرصة للسلام» في الشرق الأوسط، وحضّ الأطراف المتحاربة على الهدوء، في اليوم السابع من الحرب الإسرائيلية - الأميركية مع إيران.

وقال فولكر تورك للصحافيين، إن «على العالم اتخاذ خطوات عاجلة لاحتواء هذا الحريق وإخماده، لكننا لا نشهد سوى المزيد من الخطاب التحريضي والعدائي، والمزيد من القصف، والمزيد من الدمار والقتل والتصعيد».

وأضاف: «أدعو الدول المعنية إلى التحرك فوراً لخفض التصعيد، وإعطاء فرصة للسلام، وأحثّ بقية الدول على مطالبة الأطراف المتحاربة بوضوح بالتراجع. ولا بد من التزام ضبط النفس لتجنب المزيد من الرعب والدمار الذي يطال المدنيين».

في سياق متصل، قال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، ​إن إنذارات الإخلاء واسعة النطاق التي أصدرها الجيش الإسرائيلي لجنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت تثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي.

وأضاف فولكر تورك: «أوامر الإخلاء الشاملة هذه تتعلق بمئات الآلاف من الأشخاص». وتابع قائلاً: «هذا الأمر يثير مخاوف شديدة بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا سيما فيما يتعلق بقضايا ‌النقل القسري».

وشنت إسرائيل ‌ضربات جوية مكثفة ​على ‌الضاحية ⁠الجنوبية لبيروت خلال ​الليل، ⁠بعد أن أصدرت إنذارات إخلاء للسكان، كما أصدرت جماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران إنذارات للإسرائيليين بإخلاء بلدات وقرى على جبهة المواجهة.

وقال متحدث عسكري إسرائيلي، الخميس، لسكان الضاحية الجنوبية إن عليهم الانتقال إلى الشرق ⁠والشمال، ونشر خريطة تظهر أربعة أحياء كبرى ‌من العاصمة عليهم ‌مغادرتها بما شمل مناطق ​محاذية لمطار بيروت.

وانجر ‌لبنان للحرب في الشرق الأوسط، الاثنين، ‌عندما فتح «حزب الله» النار وردت إسرائيل بتنفيذ هجمات، مع تركيز الغارات الجوية على الضاحية الجنوبية لبيروت وجنوب وشرق لبنان.

وقال تورك في جنيف بعد ‌التراشق المتبادل للصواريخ بين الجانبين: «لبنان أصبح منطقة توتر رئيسية. أشعر بقلق ⁠عميق ⁠ومخاوف من التطورات الأحدث».

وحذّر «حزب الله» في رسالة نشرها باللغة العبرية على قناته على «تلغرام»، الجمعة، الإسرائيليين في نطاق خمسة كيلومترات من الحدود بأن عليهم المغادرة.

وخلال حرب 2024 بين الجانبين، أجلت إسرائيل عشرات الآلاف من بلدات في المنطقة الحدودية، لكن عاد الكثيرون منذ ذلك الحين. ونفى مسؤولون إسرائيليون من قبل وجود خطط لإجلائهم مجدداً حالياً.