باريس تسعى لـ«التوسط» بين واشنطن وموسكو في الملف السوري

دمشق ترفض نشر مراقبين أتراك في إدلب

أطفال نزحوا من المرج إلى بلدة النشابية في الغوطة الشرقية لدمشق يلهون والدمار من حولهم (أ.ف.ب)
أطفال نزحوا من المرج إلى بلدة النشابية في الغوطة الشرقية لدمشق يلهون والدمار من حولهم (أ.ف.ب)
TT

باريس تسعى لـ«التوسط» بين واشنطن وموسكو في الملف السوري

أطفال نزحوا من المرج إلى بلدة النشابية في الغوطة الشرقية لدمشق يلهون والدمار من حولهم (أ.ف.ب)
أطفال نزحوا من المرج إلى بلدة النشابية في الغوطة الشرقية لدمشق يلهون والدمار من حولهم (أ.ف.ب)

لم يتسرب الكثير عن اجتماع وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف بعد لقائه المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، لكن اللقاءين اللذين تناولا سوريا مهمان لسببين: الأول؛ أنهما حصلا قبل أيام قليلة من استحقاقات أساسية متصلة بالملف السوري. الثاني، متعلق بالمساعي الفرنسية لبلورة ما سماها الرئيس إيمانويل ماكرون في 22 يونيو (حزيران) الحالي «خريطة طريق سياسية ودبلوماسية»، هي في الواقع خطة للخروج من الحرب وتسوية المسألة السورية.
وبحسب مصادر فرنسية رفيعة المستوى تحدثت إليها «الشرق الأوسط»، لم تصل باريس بعد إلى «مرحلة نضوج» خطتها. وما زالت الدبلوماسية الفرنسية ماضية في اتصالاتها. لهذا السبب، فإن المسؤولين الفرنسيين، في تصريحاتهم يتوقفون عند المبادئ العامة لما يريدونه، وهو ما فعله لو دريان في حديث خص به صحيفة «لو موند» المستقلة ونشر في عدد أمس.
ويحدد لو دريان «قاعدة مبادئ»؛ أولها، الحرب ضد كل أنواع الإرهاب. ثانيها، منع استخدام السلاح الكيماوي منعا مطلقا. ثالثًا، إيصال المساعدات الإنسانية. رابعاً، التوصل إلى حل سياسي «يضم كل المكونات السورية بدعم من مجلس الأمن، خصوصا الدول دائمة العضوية وبلدان المنطقة». ويضيف الوزير الفرنسي أنه يتعين تشجيع إقامة مناطق «خفض التصعيد» واستكشاف كل الوسائل المفضية إلى الحوار بين الأطراف السورية وإطلاق مسار انتقالي مع كل الملتزمين بهذه المبادئ. ويلاحظ لو دريان أن الحرب على الإرهاب تتقدم بينما المستوى السياسي يتسم بالجمود.
واضح أن لو دريان يتعمد الغموض فيما خص الحل السياسي، ذلك لسببين: الأول، حاجة باريس لمزيد من المشاورات، خصوصا مع الجانبين الأميركي والروسي؛ حيث يشكل مجيء الرئيس دونالد ترمب إلى باريس يومي 13 و14 من الشهر المقبل لحضور العرض العسكري فرصة لفهم معمق للمواقف الأميركية، خصوصا أن فرنسا ما زالت تشكو من «ضبابيته» و«استطالة» عملية إعادة النظر في السياسة الأميركية التي طلبها ترمب من وزارتي الدفاع والخارجية. الثاني، أن خيار توقيت المبادرة الفرنسية وكشف تفاصيلها متروك للرئيس ماكرون.
وأكدت مصادر لـ«الشرق الأوسط» أن باريس تريد «محفلا جديدا» غير منصتي جنيف وآستانة لأن باريس ترى أنهما «لم يؤديا المهمة» من جهة؛ ومن جهة، تراوح جنيف مكانها، وزيارة دي ميستورا إلى العاصمة الفرنسية كانت لعرض التطورات ورصد العناصر الجديدة. وكشف المبعوث الدولي لوزير الخارجية، بحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن أحد أسباب تعثر «آستانة» أن النظام السوري «رافض» لوجود قوات تركية في إطار القوات الدولية التي ستولج مهمة الإشراف على إحدى مناطق خفض العنف وهو يعدها «قوة احتلال». وتابعت المصادر أن سبب التعثر الآخر أن تركيا «تريد ضمانات» روسية لجهة امتناع قوات النظام عن مهاجمة قواتها أو قوات المعارضة الحليفة التي تعمل معها شمال البلاد.
من هنا، من المنتظر أن تطرح باريس، في إطار مبادرتها «صيغة جديدة» تشكل إطارا خارجيا للحل، وتضم فقط الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن والدول الإقليمية الرئيسية المعنية: «السعودية وتركيا وإيران والأردن وقطر والإمارات». وفائدة هذه الصيغة أنها تشكل انقطاعا مع صيغة «أصدقاء الشعب السوري» التي أصبحت «مهلهلة» بسبب تراميها، كما أنها تختلف عن صيغة «النواة الصلبة» الداعمة للمعارضة التي تغيب عنها، بطبيعة الحال، روسيا وإيران.
وما قاله لو دريان «يوضح» بعض الغموض الذي أثارته تصريحات ماكرون حول بشار الأسد؛ سواء لجهة بقائه في السلطة أو لجهة شرعيته. وكان الرئيس الفرنسي أعلن أنه لم يعد يعتبر أن رحيل الأسد شرط وأن «لا أحد قدم له بديلا عنه يتمتع بالشرعية». وبحسب لو دريان، فإن رؤية باريس تتسم بواقعية «مزدوجة؛ وجهها الأول التخلي عن رحيل الأسد شرطا مسبقا للمفاوضات، ووجهها الثاني اعتبار أنه لا يمكن الوصول إلى حل يدور حوله». أما في موضوع العمل مع الأسد في الحرب على الإرهاب، فإن لو دريان نفى ذلك بقوله إنه «لم ير شيئا» يمكنه من الاعتقاد بأنه أمر يمكن أن يحصل. وكان ماكرون أشار في 22 من الشهر الحالي إلى «الحاجة لتعاون الجميع في الحرب على الإرهاب» ما دفع بعض المعلقين إلى جعل قوات النظام السوري من بينها.
تبدو باريس «متشجعة» من قدرتها على تحقيق شيء ما في الملف السوري، وهي ترى أن بوسعها التحرك بين الأميركيين والروس. وقال لو دريان إن هناك «نافذة مواتية» للتحرك والعمل مع روسيا، لكنه رفض الخوض في التفاصيل. وكانت مصادر أبلغت «الشرق الأوسط» شرحا مسهبا للأسباب التي تدعوهم للتفاؤل بوجود تغير في مقاربة موسكو التي تعول عليها باريس للعودة إلى الملف السوري. وتساءل لو دريان بصيغة النفي: «هل سمعتم الروس يقولون (يوما) إن الأسد يمكن أن يشكل مستقبل سوريا؟».
من العوامل المشجعة اعتبار فرنسا أن إحدى ثوابت المقاربة الأميركية في الشرق الأوسط «احتواء» إيران، وأن ترجمته ستبدأ من الملف السوري، بالتالي، فإن السير بحل سياسي سيكون عاملا مساعدا لروسية التي تعي أن الحسم العسكري غير ممكن وأن مصالحها الاستراتيجية يمكن أن تؤمن من غير الغرق في الملف السوري إلى ما لا نهاية. وقال لو دريان إن «اعتماد منهج جديد والانطلاق من مبادئ قوية لا خلاف عليها والامتناع عن فرض شروط مسبقة بلاغية الطابع والعمل على إيجاد جسور تواصل، من شأنه أن يمكننا من إحراز تقدم».
وفق هذا التصور، تعتقد مصادر فرنسية أن باريس يمكن أن تلعب اليوم دور «الوسيط» بين الأطراف الرئيسية، خصوصا بين واشنطن وموسكو. وتضيف هذه المصادر أن المبادرات التي يقوم بها الرئيس ماكرون تصب كلها في هذا الاتجاه. ماكرون بين أنه يطمح للعب دور فاعل على المسرح العالمي؛ فأوروبياً، هو الوحيد اليوم القادر على القيام بمبادرات بينما رئيسة وزراء بريطانيا عالقة في «البركسيت»، والمستشارة الألمانية منشغلة بالانتخابات التشريعية في سبتمبر (أيلول) المقبل. وفي جانب آخر، يعد أن الرئيس ترمب ضعيف بسبب مشكلاته الداخلية، بينما نظيره الروسي في حاجة إليه للتقارب مع أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. إنها فرصة جديدة، لكن النجاح فيها غير مكفول، لأنه رهن عوامل كثيرة لا تتحكم باريس بها، ولأن الملف السوري بلغ حدا بعيدا من التعقيد بسبب تداخل المصالح والعوامل بين ما هو محلي وإقليمي ودولي.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.