«غوغل» يتعرض لأكبر غرامة في تاريخ الاتحاد الأوروبي

2.7 مليار دولار ومهلة 90 يوماً لتصحيح الأوضاع... والشركة تستعد للاستئناف

«غوغل» يتعرض لأكبر غرامة في تاريخ الاتحاد الأوروبي
TT

«غوغل» يتعرض لأكبر غرامة في تاريخ الاتحاد الأوروبي

«غوغل» يتعرض لأكبر غرامة في تاريخ الاتحاد الأوروبي

فرضت أجهزة مكافحة الاحتكار في الاتحاد الأوروبي أمس غرامة تاريخية وغير مسبوقة على شركة «غوغل» التابعة لمجموعة «ألفابت»، وبلغت الغرامة التي تعد أكبر عقوبة من نوعها يصدرها الاتحاد الأوروبي، كما أنها أكبر عقوبة مالية تاريخيا على شركة، 2.42 مليار يورو (نحو 2.7 مليار دولار)، وذلك بدعوى تحيز «غوغل» لخدمتها التسويقية على نحو غير قانوني، موضحة أنها «انتهكت قواعد المنافسة واستفادت من قوتها للسيطرة على محركات البحث والصفحات المختصة بمقارنة الأسعار». وقالت المفوضية الأوروبية إن أمام «غوغل» 90 يوما لإنهاء ممارستها المخالفة لقواعد المنافسة وإلا فستواجه غرامة تصل إلى خمسة في المائة من متوسط دورة رأس المال (الإيرادات) اليومية العالمية لـ«ألفابت»، المالكة الأم لـ«غوغل»... ووفقا لحسابات «الشرق الأوسط» بالنظر لآخر تقارير شركة «ألفابت» المالية، فإن تلك النسبة تقدر بنحو 14 مليون دولار يوميا.
وأوضحت مصادر أوروبية أمس أنه رغم أن الغرامة قياسية وضخمة، فإن المفوضية الأوروبية كان يمكنها أن تصل بها إلى حد أبعد من المقرر كثيرا، حيث كان من الممكن أن تصل الغرامة إلى 10 في المائة من العائد السنوي لـ«ألفابت»... علما بأن العائد السنوي للمجموعة في العام الماضي بلغ 90 مليار دولار.
وأوضحت المفوضية الأوروبية أن «الغرامة حسبت على أساس قيمة الإيرادات التي تحققها غوغل بفضل خدمتها لمقارنة الأسعار في 13 بلدا أوروبيا توفَر فيها هذه الخدمة».
ويمكن لـ«ألفابت» دفع الغرامة بيسر، خاصة إذا ما علمنا أن أصولها الحالية تتجاوز 172 مليار دولار... لكن، وبحسب مراقبين، فإن الأزمة الحقيقية لـ«غوغل» و«ألفابت» لا تكمن في دفع 2.7 مليار دولار، ولكن في سمعتها ومصداقيتها، وموثوقية مستخدميها سواء للبحث أو التسوق، التي غالبا ستتأثر كثيرا عقب القرار الأوروبي. ولم تحدد المفوضية طبيعة الخطوات التي يتوجب على «غوغل» فعلها من أجل تصحيح الأوضاع خلال الـ90 يوما المقبلة، قائلة إنها تترك للشركة تحديد المطلوب.
وهذه أكبر غرامة تفرضها جهات مكافحة الاحتكار بالاتحاد الأوروبي على شركة منفردة وتتجاوز الغرامة القياسية السابقة وقدرها 1.06 مليار يورو فرضها الاتحاد على شركة «إنتل» الأميركية لتصنيع الرقائق الإلكترونية في عام 2009.
* اتهامات بالتلاعب وخنق التنافسية
ويأتي الإجراء بعد تحقيق مطول في انتهاك شركة «غوغل» العملاقة، قوانين مكافحة الاحتكار في أوروبا، وهو ما استغرق سبعة أعوام بناء على عشرات الشكاوى من منافسين، ومنهم مواقع «ييلب» الأميركي، و«تريب أدفايزر»، و«فاوندم» البريطاني لمقارنة الأسعار وشركة «نيوزكورب»، وجماعة الضغط «فيرسيرش».
واتهمت هيئة مكافحة الاحتكار في الاتحاد الأوروبي «غوغل» بالتلاعب في نتائج البحث على الإنترنت والقيام بشكل ممنهج بتعزيز حظوظ وإبراز خدماتها التسويقية وإظهارها بما يفوق قوتها الحقيقية، وذلك على حساب خدمات التسوق المنافسة... حيث إن نتائج البحث في مجالات مثل الخرائط والحجوزات السياحية ونتائج الأعمال المحلية، تميل عن عمد لنتائج تدعم «غوغل».
وقالت مفوضة شؤون المنافسة في الاتحاد الأوروبي، مارغريت فيستاغر، التي وجهت الاتهام للشركة العملاقة: «لقد قدم غوغل، منتجات مبتكرة غيرت مسار حياتنا... لكن ذلك لا يعطيه الحق في أن يحرم الشركات الأخرى من إمكانية المنافسة والتجديد. حيث إن استراتيجيته المتعلقة بمقارنة الأسعار تعدت مسألة اجتذاب الزبائن لتصل إلى حد الهيمنة على سوق المواقع التي تقدم مقارنات لأسعار الخدمات والبضائع».
وأضافت فيستاغر: «ما تفعله غوغل غير قانوني بموجب قواعد منع الاحتكار المعمول بها في الاتحاد الأوروبي. فهي تحرم الشركات الأخرى من فرصة التنافس على أساس الكفاءة... والأهم من ذلك، أنها تحرم العملاء الأوروبيين من الوصول إلى اختيار صحيح والاستفادة الكاملة من الأفكار الجديدة».
وكشفت فيستاغر عن أنه تم تحليل 1.7 مليار طلب بحث، تشكل ما حجمه 5.2 تيرابايت من البيانات، في إطار التحقيق المتعلق بغوغل. وأشارت إلى أن أي شخص يتعرض للضرر نتيجة «السلوك غير القانوني لغوغل يمكنه رفع دعوى أمام المحاكم الوطنية لطلب تعويض».
وفي المقابل، كثيرا ما ادعت «غوغل» في السابق أن مواقع «أمازون» و«إي باي» لديها تأثير أكبر على «عادات الإنفاق العامة»، وأن هذه المواقع «توجه الرأي العام» بأكثر مما تفعل، رافضة اتهامها بـ«السلوك الاحتكاري».
ويدفع أحد المسؤولين في «غوغل» بأن سياسة الموقع هي دعم اختيارات المشترين من أجل الوصول بسلاسة ويسر لمرادهم، ولأنه لهذا السبب فإن الموقع يظهر إعلانات تجارية مدفوعة تخدم الطرفين، البائع والمشتري. وأضاف: «المعلنون يرغبون في تسويق المنتجات نفسها، وهذا هو السبب الذي يجعل غوغل يظهر إعلانات التسوق، ويربط مستخدمينا بآلاف المعلنين الكبار والصغار، وبطرق مفيدة للطرفين».
* ترحيب أوروبي وامتعاض من «غوغل»
وفور إعلان الغرامة، عقب كينت ووكر، النائب الأول لرئيس «غوغل» ومستشارها، على قرار الاتحاد الأوروبي بالقول: «نعترض مع كامل الاحترام على القرار الصادر اليوم (أمس)»، مضيفا في بيان مقتضب: «سنراجع قرار المفوضية بالتفصيل وندرس الاستئناف عليه، ونتطلع إلى توضيح موقفنا».
ولقي القرار ردود فعال إيجابية من أطراف أوروبية. وقال جياني بيتيلا، رئيس كتلة الأحزاب الاشتراكية والديمقراطية: «من جديد تثبت المفوضية الأوروبية أنها تأخذ قانون المنافسة على محمل الجد، وأنه لا توجد شركة فوق القانون. يجب احترام قواعد المنافسة، ليس فقط من جانب الشركات الأوروبية، ولكن أيضا الشركات متعددة الجنسيات التي تعمل في الاتحاد الأوروبي».
وأضاف أن «شركات مثل غوغل وأبل عملاقة ونجحت في تغيير حياة الناس بمنتجاتها، ولكن مع القوة الكبيرة تأتي المسؤولية الكبيرة. ونتفهم أن تصبح شركة مهيمنة في السوق، ولكن غير المقبول أن يحدث ذلك بناء على ميزة غير عادلة… وسيحمي قرار المفوضية اليوم الابتكار والمستهلكين وإتاحة الفرصة أمام مجموعة أكبر من الخدمات».
أما البرلماني سفين خيخولد، فقد قال باسم مجموعة الخضر في البرلمان الأوروبي، إن قرار المفوضية «قرار قوي ضد ممارسة غير عادلة من جانب غوغل، وتضمن تحقيق المنافسة العادلة للتسوق عبر الإنترنت... وما حدث يظهر الحاجة إلى الإشراف المشترك في أوروبا على الشركات الرقمية الكبرى».
ورحب عدد من المؤسسات والشركات بالقرار، ومن بينها مؤسسة مقارنة الأسعار البريطانية British price comparison service Foundem، وهي أحد مقيمي الدعوى... وقال رئيسها التنفيذي شيفون راف: «رغم أهمية الغرامة التاريخية، فإن الأكثر أهمية هو حظر السياسات الضارة التي ترتكبها غوغل»، متابعا أنه «منذ أكثر من عقد، يقوم موقع غوغل بدور خبيث في تحديد ماذا نقرأ أو نستخدم أو نشتري عبر الإنترنت... ولأنه متروك دون رقابة، فإنه لا حدود لما يمكن أن يفعله بنا».
في حين أحجم أحد أكبر منافسي «غوغل»، وهو «مايكروسوفت» عن التعليق على قرار الاتحاد الأوروبي، رغم أن الأخير كان سبب تحريك التحقيق الاستقصائي في عام 2010... وذلك بعد أن توافقت الشركتان العام الماضي على سياسة تقضي بتجنب الخوض في معارك مستقبلية.
* ليس غشاً لكنه توجيه مدفوع
ووفقا لمحللين تقنيين، فإن موقع «غوغل» عادة ما يدعم روابط تجارية مع إظهار نتائج البحث البسيط عن أي شيء، سواء الصور أو الأخبار، دافعا إلى قمة البحث قوائم من المعلنين أو شركاء الموقع، وهو ما يزيد من ربحية هذه الشركات على وجه الخصوص في التسوق عبر الإنترنت.
لكن هؤلاء يقولون أيضا إن ما يفعله «غوغل» لا يمكن تصنيفه تحت مبدأ «الغش»، حيث إن تلك الروابط تظهر تحت بند «برعاية» (sponsored)، أي أن لها صفة إعلانية واضحة وللمتصفح كامل الاختيار في توجهاته.
ورغم ذلك، فإن قيام الموقع بوضع تلك «المواد الإعلانية» في مكان أكثر بروزا وفي بداية قوائم البحث، ما يجعلها مطروقة بصورة أكبر من غيرها، ما يضع «غوغل» تحت طائلة المساءلة لتعويق التنافسية الحرة بين المنتجين، والتوجيه غير المباشر للمشترين، استغلالا للموثوقية العالية للموقع العالمي.
وذكرت دراسة أميركية حديثة في قياساتها أن هذا الأسلوب في التسويق للمعلنين يسفر عن توجيه ما يصل إلى 74 في المائة من المشترين إلى أهداف بعينها، نتيجة لعوامل ودراسات نفسية.
* أصداء مستقبلية
غالبية خبراء الاقتصاد والإنترنت يتوافقون على أن ثمة أزمة حقيقية ستواجهها «غوغل»، قائلين إن «مصداقية الموقع عقب العقوبة لن تعود إلى مستواها السابق»، وأن مواقع البحث الإلكترونية العملاقة تعتمد بشكل كبير على «سمعتها» إضافة إلى «لوجيستيات البحث»، وبالتالي فإن العقوبة الأوروبية بالشكل الذي ظهرت به ونتائج التحقيقات سيكون لها أثر كبير على أعمال الشركة المستقبلية.
ويشير بعض الخبراء إلى جانب آخر، وهو أن «غوغل» في حال أرادت أن تعدل من سياساتها لمواءمة القرار الأوروبي، فإن آليات التصفح والبحث بها ستخضع حتما لتغيير، وهو أمر قد لا يحظى برضا جانب مهم من المستخدمين والمتسوقين. بينما ستسفر مثل تلك التعديلات، وخاصة في حال تجنب إبراز المعلنين بالشكل الحالي، عن تراجعات متوقعة في حجم ودخل الإعلانات على الموقع.
* مشكلات «غوغل» لا تتوقف
* خلال السنوات القليلة الماضية، واجهت شركة «غوغل» الأميركية العملاقة الكثير من المشكلات مع عدد من دول العالم، أغلبها أوروبي.. وكانت أغلب هذه المشكلات تتعلق بالاحتكار أو التهرب الضريبي. ووسط صراعات شرسة وطلبات تحكيم، تطالب الكثير من الدول الأوروبية «غوغل» بدفع مستحقات ضريبية وأرباحها من الإعلانات على شبكة الإنترنت.
وفي فبراير (شباط) عام 2016، طالبت فرنسا محرك البحث الشهير بدفع 1.79 مليار دولار «متأخرات ضرائب»، وداهمت السلطات مقر «غوغل» في باريس في مايو (أيار) من ذات العام، حيث عثر على الكثير من المستندات التي تدين الشركة الأميركية، بحسب جهات التحقيق الفرنسية.
وفي مطلع العام الماضي أيضا، وتحديدا في يناير (كانون الثاني)، توصلت هيئة الضرائب في بريطانيا إلى اتفاق مع «غوغل» يقضي بأن تدفع الشركة 130 مليون جنيه إسترلينى من الضرائب المتأخرة. وأوضحت الشركة أن هذا المبلغ يغطى مدفوعات تعود إلى عام 2005، وأضافت أنها ستقوم الآن بدفع ضريبة على أساس الإيرادات الخاصة بالمعلنين من المملكة المتحدة، كما عقدت «غوغل» صفقة مع الحكومة البريطانية تلزمها بدفع 186 مليون دولار كضرائب متأخرة.
أيضا، طالبت إيطاليا «غوغل» العام الماضي بدفع «متأخرات ضريبية» تقدر بنحو 248 مليون دولار، موضحة أن الشركة الأميركية تهربت من دفع الضرائب المستحقة عليها خلال الفترة ما بين عامي 2009 إلى 2013، فيما دفعت «غوغل» ضرائب تبلغ 2.2 مليون يورو إلى السلطات الإيطالية في عام 2014، وذلك عن إيرادات بلغت 54.4 مليون يورو، بحسب الشركة.. لكن جهات تحقيق إيطالية ما تزال تنظر في الأمر لشكها في أن الأرباح تتجاوز هذا الرقم «كثيرا».
وفي الصيف الماضي أيضا، داهمت السلطات الإسبانية مكاتب «غوغل» في مدريد بدعوى التحقيق في تهرب ضريبي.
من جهة أخرى، فإن ثمة تحقيقات جارية أخرى بالاتحاد الأوروبي تتصل بامتلاك «غوغل» لنظام التشغيل «آندرويد» الخاص بالهواتف الجوالة، وذلك نظرا لاتهامات باستغلال الشركة لنظام التشغيل من أجل التضييق على منافسين، وأيضا تثبيت تطبيقات «مفضلة» من قبل الشركة، وتعويق عمل المنافسين من شركات البرمجة ورواد الأعمال.
* هل هناك ترصد أوروبي لشركات التقنية الأميركية؟
* في إطار الإعلان الأوروبي عن الغرامة الخاصة بشركة «غوغل» أمس، نفت مفوضة شؤون المنافسة في الاتحاد الأوروبي، مارغريت فيستاغر، في المؤتمر الصحافي بشكل قاطع بعض ما يدور في أروقة الإعلام من أن الاتحاد الأوروبي يترصد بشكل خاص لشركات التقنية الأميركية، قائلة إن «ما تناولناه هنا يختص فقط بالإحصاءات والأرقام.. ولا يوجد هنا أي تحيز (أوروبي ضد الشركات الأميركية على وجه الخصوص)».
لكن حديث المفوضة الأوروبية لا يمنع أن كثيرا من الشركات الأميركية العاملة في مجالات التقنية تعرضت لعقوبات أوروبية صارمة على مدار السنوات الماضية، ولعل من أبرزها «مايكروسوفت» عام 2008 بغرامة بلغت 899 مليون يورو، لعدم الانصياع لقواعد الإفصاح عن أكواد البرمجة في برنامجها الأشهر «إنترنت إكسبلورر».. ثم غرامة أخرى بلغت 561 مليون يورو عام 2013 لاحتكار تطبيقات البحث.
أما عملاق صناعة الشرائح «إنتل» فقد تعرضت لغرامة كانت هي الأكبر قبل صباح أمس، بمبلغ 1.06 مليار يورو عام 2009، وذلك بخصوص بيع منتجاتها بسعر أقل من منافسيها (حرق الأسعار) من أجل إخراجهم من الأسواق.. لكن «إنتل» استأنفت القرار، ومن المتوقع صدور الحكم النهائي العام المقبل. ومنافس «إنتل» (كوالكوم) تعرض لاتهام مماثل أيضا في عام 2015، لكن الحكم لم يصدر بعد، وربما تصل الغرامة حال ثبوت التهمة إلى ملياري يورو.
أما عملاق الصناعات «آبل»، فاتهمت آيرلندا عام 2016 بمساعدته في التهرب الضريبي منذ عام 1991، مضيعة ما مقداره 13 مليار يورو من الضرائب المستحقة عليه، وحكم على آيرلندا بدفع قيمة الضرائب وفوائدها.
موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» كان أحدث المتهمين هذا العام، إذ وافق على دفع ما مقداره 110 ملايين يورو كغرامة، إثر قيامه بدمج حسابات المستخدمين على منصة برنامج «واتساب» للتراسل مع موقعه، رغم تعهده بعدم فعل ذلك حين استحوذ على البرنامج قبل عامين.
وما تزال هناك قضايا عالقة منظورة ضد عمالقة التقنية الأميركيين، أبرزهم موقع «أمازون» للتسوق.



محافظ «المركزي المصري» من «العلا»: خفّضنا التضخم من 40 % إلى 12 %

محافظ البنك المركزي المصري حسن عبدالله يتحدث في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
محافظ البنك المركزي المصري حسن عبدالله يتحدث في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
TT

محافظ «المركزي المصري» من «العلا»: خفّضنا التضخم من 40 % إلى 12 %

محافظ البنك المركزي المصري حسن عبدالله يتحدث في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
محافظ البنك المركزي المصري حسن عبدالله يتحدث في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

قال محافظ البنك المركزي المصري، حسن عبد الله، إن التركيز على التضخم أسهم في خفض نسبة معدلاته من نحو 40 في المائة إلى قرابة 12 في المائة، ما عزز الثقة بالاقتصاد الكلي.

وأشار عبد الله، في الوقت نفسه إلى العمل المكثف على بناء هوامش أمان؛ حيث ارتفعت الاحتياطيات مع صعود صافي الأصول الأجنبية، مؤكداً أهمية «بناء الاحتياطيات في هذا العالم المضطرب».

وخلال جلسة حوارية ضمن «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة»، المنعقد في العلا، الأحد، أوضح عبد الله أنه منذ 24 مارس (آذار) جرى التحول إلى استهداف التضخم، مع تطبيق نظام سعر صرف مرن للمرة الأولى في تاريخ مصر يستجيب لقوى العرض والطلب، مؤكداً أن دور محافظ البنك المركزي ليس السعي إلى عملة أقوى أو أضعف بل توفير إطار تتحرك فيه العملة، بما يعكس التسعير الصحيح.

وأضاف أن مصر تمضي في مسار إصلاح السياسة النقدية منذ نحو 18 شهراً، مشيراً إلى الفترة التي مرت بها البلاد قبل تطبيق نظام سعر صرف مرن، التي وصفها بـ«الصعبة»، والتي ظهرت فيها «اختناقات مالية حادة وسوق موازية».

وشدد عبد الله على أن بناء الهوامش الوقائية يجب أن يتم في أوقات الرخاء لا انتظار الأزمات، داعياً إلى تعزيز خطوط التواصل بين البنوك المركزية، خصوصاً بين الاقتصادات الناشئة والمتقدمة، وإلى إجراء تحليلات السيناريوهات، ووضع خطط طوارئ للقطاع المصرفي. كما دعا المؤسسات المالية متعددة الأطراف إلى توفير تسهيلات طارئة تفعل فور وقوع الأزمات.

وأوضح أن البنك المركزي المصري يعمل على تطوير أدواته التحليلية من خلال إنشاء إدارة لعلوم البيانات وبناء مؤشرات استباقية بدلاً من الاعتماد على المؤشرات المتأخرة إلى جانب إدارة التوقعات.

وعن الوضع الاقتصادي الحالي في مصر، قال عبد الله إن احتمالات التحسن باتت أكبر مع بدء تعافي الموارد مثل قناة السويس، وبلوغ السياحة مستويات قياسية من حيث الأعداد والإنفاق، إضافة إلى تحسن نشاط القطاع الخاص.

وختم بالقول إن الاقتصاد المصري يتمتع بفرص صعود تفوق المخاطر الهبوطية، باستثناء الصدمات الخارجية التي تخضع لها جميع الدول.


محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
TT

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)

قال محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، إن حالة عدم اليقين العالمي الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية، مشيراً إلى 4 أسباب رئيسية لذلك؛ تتمثل في التجزؤ الجيوسياسي، والتسارع الكبير في التطورات التكنولوجية -ولا سيما الذكاء الاصطناعي- وتقلبات أسعار السلع، إضافة إلى النمو المتزايد للوساطة المالية غير المصرفية.

وخلال مشاركته في «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة»، أوضح السياري أن آليات انتقال السياسات النقدية التقليدية بدأت تظهر علامات ضعف مع تراجع دور القنوات المصرفية التقليدية، في وقت تجاوزت فيه أصول الوساطة المالية غير المصرفية 51 في المائة من إجمالي الأصول المالية العالمية، ما أدّى إلى زيادة حساسية الأسواق لتقلبات السيولة، وظهور ضغوط متكررة عبر آليات مثل طلبات تغطية الهوامش وخصومات الضمانات وعمليات خفض المديونية المتزامنة.

وأشار إلى أن الصدمات التي تواجه النظام المالي العالمي أصبحت متعددة الأبعاد وأكثر تكراراً، وغالباً ما تكون خارجية بالنسبة للاقتصادات الناشئة التي تعاني أصلاً تحديات داخلية تزيد من حدة التقلبات، مضيفاً أن هذه الاقتصادات تواجه هشاشة هيكلية ومؤسسية تحد من قدرتها على امتصاص الصدمات، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتجزؤ التجارة وارتفاع مستويات الدين وتكاليفه.

وأوضح أن التمييز بين الاقتصادات الأكثر مرونة وتلك الأكثر هشاشة يرتكز على عاملين أساسيين: أولهما وجود أطر سياسات محلية متماسكة نقدية ومالية وتنظيمية تدعم الاستجابات المعاكسة للدورات الاقتصادية، وتحد من تقلب تدفقات رؤوس الأموال، وثانيهما توفر «ممتصات صدمات» فعالة، وفي مقدمتها احتياطيات كافية من النقد الأجنبي، إلى جانب عمق الأسواق المالية، بما في ذلك أسواق الدين ورأس المال وأسواق النقد.

وتطرق السياري إلى تجربة المملكة، موضحاً أنها اعتمدت على هوامش احتياطية للحفاظ على الاستقرار المالي والأسواق، وأظهرت أهمية السياسات المعاكسة للدورات الاقتصادية في الحد من التقلبات، مشيراً إلى أن تراكم الاحتياطيات خلال فترات النمو يستخدم استراتيجياً لدعم ميزان المدفوعات وتخفيف أثر تقلبات أسعار السلع.

وأضاف أن ربط الريال بالدولار الأميركي أسهم في ترسيخ استقرار الأسعار، لافتاً إلى أن متوسط التضخم خلال السنوات الخمس الماضية ظل دون مستوى 3 في المائة.

وأكد أن التعاون الدولي يظل عنصراً محورياً في مواجهة مواطن الضعف المستجدة، مشيراً إلى التقدم الملحوظ الذي حققه صانعو السياسات عالمياً، وأهمية تبادل الخبرات لتعزيز الجاهزية الرقابية والتنظيمية بما يدعم الاستقرار المالي العالمي.

واختتم السياري كلمته عبر تأكيده 3 أولويات للتعاون الدولي: تعزيز تبادل البيانات عبر الحدود لدعم الرقابة وتقييم مواطن الضعف، وتحقيق قدر أكبر من المواءمة والتشغيل البيني في تبني التقنيات الناشئة، بما يحفظ الاستقرار المالي، وتسريع تبادل المعرفة لتحديث الأطر الرقابية والإشرافية.


أبرز منظّري التجارة الدولية في «هارفارد»: السعودية تملك «شيفرة» النجاح في عالم مجزأ

البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
TT

أبرز منظّري التجارة الدولية في «هارفارد»: السعودية تملك «شيفرة» النجاح في عالم مجزأ

البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، البروفسور بول أنتراس، أن السعودية تقدِّم نموذجاً استثنائياً في مشهد التحولات التجارية العالمية، يختلف جذرياً عن القوالب التقليدية للأسواق الناشئة. وعدّ أن العولمة لم تنتهِ، بل أعادت تشكيل نفسها فيما أسماه «التكامل المجزأ». وفي حديثه إلى «الشرق الأوسط»، على هامش مؤتمر العلا، أشار أنتراس إلى أن رؤية السعودية وإصلاحاتها الهيكلية تضعانها في موقع متميز للاستفادة من «التكامل المجزأ» الذي يشهده العالم، مشدداً على أن رهان المملكة على التحول اللوجيستي والذكاء الاصطناعي هو المحرك الحقيقي لنمو مستدام يتجاوز ضجيج الأزمات العالمية.

يُعدُّ البروفسور بول أنتراس واحداً من أبرز المنظرين الاقتصاديين في العصر الحديث، وهو أستاذ كرسي «روبرت برينكتون» للاقتصاد في جامعة هارفارد. تتركز أبحاثه التي غيَّرت مفاهيم التجارة الدولية حول «سلاسل القيمة العالمية» وكيفية تنظيم الشركات إنتاجها عبر الحدود. ويعدّ أنتراس مرجعاً عالمياً في فهم كيفية تأثير القوانين والتكنولوجيا على تدفق السلع السعودية وتحدي «الصناديق الجاهزة».

بدأ أنتراس حديثه بانتقاد الطريقة التقليدية في تصنيف الاقتصادات، قائلاً: «من الصعب جداً تقديم عبارات عامة حول كيفية استفادة الأسواق الناشئة من التحول التجاري الدولي، والسبب هو أننا غالباً ما نحب وضع الدول في صناديق أو سلال واحدة كما نفعل مع القارات». وأوضح أنتراس أن مصطلح «الأسواق الناشئة» يخفي خلفه هياكل صناعية متباينة تماماً، مبيِّناً الفرق الجوهري للحالة السعودية: «هناك اقتصادات تعتمد بشكل مكثف على تصدير الصناعات التحويلية، وهذه يمثل التكامل التجاري والوصول للأسواق شريان حياة لها، وهي الأكثر قلقاً من ضغوط المنافسة الصينية التي بدأت بالانزياح من السوق الأميركية نحو أسواقهم. لكن في المقابل، نجد اقتصاداً مثل السعودية، يُصدِّر كثيراً، ولكنه يواجه منافسةً ضئيلةً جداً من جانب الصين في سلعته الأساسية». ويرى أنتراس أن هذا الوضع يخلق فرصةً ذهبيةً للمملكة. فـ«بالنسبة للسعودية، هذا الوقت هو فرصة للحصول على سلع من الصين بتكلفة أرخص من السابق، أو الحصول على تشكيلة متنوعة من البضائع التي لم تكن متاحةً لها لأنها كانت تتدفق بالكامل نحو السوق الأميركية».

وحول كيفية تعامل الأسواق الناشئة مع ضغوط «الإغراق» والمنافسة، وجَّه أنتراس نصيحةً صريحةً: «أعتقد أن على الأسواق الناشئة إظهار أقل قدر ممكن من الميول الحمائية. لن يكون الأمر سهلاً؛ لأن نمو الصادرات الصينية سيؤثر حتماً على بعض المنتجين المحليين، مما سيخلق ضغوطاً سياسية لحمايتهم. لكن الطريق الصحيح للمستقبل هو أن تسوِّق نفسك بوصفك اقتصاداً ملتزماً بنظام متعدد الأطراف، اقتصاداً يسمح للمنتجين الأجانب بالبيع في سوقك، ويشجع منتجيك في الوقت ذاته على استكشاف الأسواق الخارجية. يجب أن نتجنَّب تماماً محاكاة ما تفعله الدول الكبيرة مثل الولايات المتحدة». وعند سؤاله عن حماية الصناعات المحلية المتضررة، أضاف: «نعم، الإغراق الصيني يمثل قلقاً جدياً لبعض الدول التي تمتلك قاعدة تصنيع محلية تتنافس مباشرة مع الصين، ولكن بالنسبة للسعودية، القلق أقل لأنها لا تملك تلك القاعدة التي تتصادم مباشرة مع المنتجات الصينية. في الواقع، الواردات الرخيصة قد تفيد المستهلك السعودي. وإذا وُجد قطاع متضرر، فهناك طرق أفضل لحماية الناس من الحمائية، مثل تقديم خطط ائتمان، أو إعانات، أو مساعدة الشركات على إعادة التفكير في نماذج أعمالها وتطويرها».

العولمة لم تمت... بل أصبحت «مجتزأة»

ورداً على السؤال الجدلي حول نهاية العولمة، صاغ أنتراس مفهوماً جديداً، قائلاً: «لا أظن أن العولمة قد انتهت، بل أسميها (التكامل المجزأ - Fragmented Integration). سنستمر في التكامل، لكن الاتفاقات التجارية ستُبرَم بطرق مختلفة. لم يعد بإمكاننا الاعتماد فقط على المفاوضات متعددة الأطراف للوصول إلى الأسواق، لأن الشعور بالالتزام بتلك الاتفاقات تَراجَع عالمياً. الصفقات ستظل تُوقَّع، لكنها ستكون أكثر تعقيداً، وسيبقى عدم اليقين هو العنوان الأبرز».

الفائدة والذكاء الاصطناعي: الوجه الآخر للعملة

وعن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على خطط الدول الناشئة للتحول نحو الصناعات المعقدة، قال أنتراس: «أسعار الفائدة المرتفعة، مضافةً إليها علاوة المخاطر التي تواجهها الأسواق الناشئة، تحد دون شك من الاستثمارات. التصدير يتطلب ائتماناً واستثماراً وتحسيناً للجودة. ولكن، الفائدة ارتفعت لسبب جوهري، وهو أنها تعكس توقعات نمو عالية ناتجة عن الذكاء الاصطناعي والتغيُّر التكنولوجي».

ويرى أنتراس أن هذا النمو هو المُخرج، فـ«إذا تحقَّقت إمكانات النمو هذه، فستتحسَّن الإنتاجية بشكل كبير، مما يساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على التنبؤ بالطلب بشكل أفضل والعثور على أسواق لم يتم استغلالها من قبل. لذا، نعم، الفائدة قوة سلبية، لكن إذا كانت مدفوعةً بإمكانات نمو حقيقية، فقد لا يكون الأمر بهذا السوء».

قلق الوظائف... والتدخل الحكومي

لم يخفِ أنتراس قلقه العميق تجاه سوق العمل، حيث عدّ أن التحدي المقبل مزدوج وخطير؛ فهو يجمع بين مطرقة المنافسة الصينية وسندان الأتمتة عبر الذكاء الاصطناعي. وقال أنتراس بلهجة تحذيرية: «أنا قلق جداً بشأن مستقبل العمالة؛ فالمنافسة الشرسة من الصادرات الصينية، إذا تزامنت مع أتمتة الوظائف عبر الذكاء الاصطناعي، قد تؤدي إلى اضطرابات حادة في سوق العمل، وتحديداً بين أوساط العمال الشباب».

وأكد أنتراس أن هذا المشهد لا يمكن تركه لقوى السوق وحدها، بل يتطلب استراتيجيةً استباقيةً. «هنا تبرز الحاجة الماسة لتدخُّل الحكومات، وهو تدخُّل يتطلب موارد مالية ضخمة، واستعداداً عالي المستوى». ويرى أنتراس أن المَخرَج الوحيد هو «شرط الإنتاجية»؛ فإذا أثبتت التقنيات الجديدة قدرتها على رفع الإنتاجية بالقدر المأمول، فإن هذا النمو سيوفر للحكومات «الحيز المالي» اللازم لتعويض المتضررين وإعادة تأهيل الكوادر البشرية. واختتم هذه النقطة بالتأكيد على أن النجاح يكمن في «إيجاد توازن دقيق بين معالجة الآثار السلبية قصيرة المدى، والاستثمار في المكاسب الاستراتيجية طويلة الأجل».