«غوغل» يتعرض لأكبر غرامة في تاريخ الاتحاد الأوروبي

2.7 مليار دولار ومهلة 90 يوماً لتصحيح الأوضاع... والشركة تستعد للاستئناف

«غوغل» يتعرض لأكبر غرامة في تاريخ الاتحاد الأوروبي
TT

«غوغل» يتعرض لأكبر غرامة في تاريخ الاتحاد الأوروبي

«غوغل» يتعرض لأكبر غرامة في تاريخ الاتحاد الأوروبي

فرضت أجهزة مكافحة الاحتكار في الاتحاد الأوروبي أمس غرامة تاريخية وغير مسبوقة على شركة «غوغل» التابعة لمجموعة «ألفابت»، وبلغت الغرامة التي تعد أكبر عقوبة من نوعها يصدرها الاتحاد الأوروبي، كما أنها أكبر عقوبة مالية تاريخيا على شركة، 2.42 مليار يورو (نحو 2.7 مليار دولار)، وذلك بدعوى تحيز «غوغل» لخدمتها التسويقية على نحو غير قانوني، موضحة أنها «انتهكت قواعد المنافسة واستفادت من قوتها للسيطرة على محركات البحث والصفحات المختصة بمقارنة الأسعار». وقالت المفوضية الأوروبية إن أمام «غوغل» 90 يوما لإنهاء ممارستها المخالفة لقواعد المنافسة وإلا فستواجه غرامة تصل إلى خمسة في المائة من متوسط دورة رأس المال (الإيرادات) اليومية العالمية لـ«ألفابت»، المالكة الأم لـ«غوغل»... ووفقا لحسابات «الشرق الأوسط» بالنظر لآخر تقارير شركة «ألفابت» المالية، فإن تلك النسبة تقدر بنحو 14 مليون دولار يوميا.
وأوضحت مصادر أوروبية أمس أنه رغم أن الغرامة قياسية وضخمة، فإن المفوضية الأوروبية كان يمكنها أن تصل بها إلى حد أبعد من المقرر كثيرا، حيث كان من الممكن أن تصل الغرامة إلى 10 في المائة من العائد السنوي لـ«ألفابت»... علما بأن العائد السنوي للمجموعة في العام الماضي بلغ 90 مليار دولار.
وأوضحت المفوضية الأوروبية أن «الغرامة حسبت على أساس قيمة الإيرادات التي تحققها غوغل بفضل خدمتها لمقارنة الأسعار في 13 بلدا أوروبيا توفَر فيها هذه الخدمة».
ويمكن لـ«ألفابت» دفع الغرامة بيسر، خاصة إذا ما علمنا أن أصولها الحالية تتجاوز 172 مليار دولار... لكن، وبحسب مراقبين، فإن الأزمة الحقيقية لـ«غوغل» و«ألفابت» لا تكمن في دفع 2.7 مليار دولار، ولكن في سمعتها ومصداقيتها، وموثوقية مستخدميها سواء للبحث أو التسوق، التي غالبا ستتأثر كثيرا عقب القرار الأوروبي. ولم تحدد المفوضية طبيعة الخطوات التي يتوجب على «غوغل» فعلها من أجل تصحيح الأوضاع خلال الـ90 يوما المقبلة، قائلة إنها تترك للشركة تحديد المطلوب.
وهذه أكبر غرامة تفرضها جهات مكافحة الاحتكار بالاتحاد الأوروبي على شركة منفردة وتتجاوز الغرامة القياسية السابقة وقدرها 1.06 مليار يورو فرضها الاتحاد على شركة «إنتل» الأميركية لتصنيع الرقائق الإلكترونية في عام 2009.
* اتهامات بالتلاعب وخنق التنافسية
ويأتي الإجراء بعد تحقيق مطول في انتهاك شركة «غوغل» العملاقة، قوانين مكافحة الاحتكار في أوروبا، وهو ما استغرق سبعة أعوام بناء على عشرات الشكاوى من منافسين، ومنهم مواقع «ييلب» الأميركي، و«تريب أدفايزر»، و«فاوندم» البريطاني لمقارنة الأسعار وشركة «نيوزكورب»، وجماعة الضغط «فيرسيرش».
واتهمت هيئة مكافحة الاحتكار في الاتحاد الأوروبي «غوغل» بالتلاعب في نتائج البحث على الإنترنت والقيام بشكل ممنهج بتعزيز حظوظ وإبراز خدماتها التسويقية وإظهارها بما يفوق قوتها الحقيقية، وذلك على حساب خدمات التسوق المنافسة... حيث إن نتائج البحث في مجالات مثل الخرائط والحجوزات السياحية ونتائج الأعمال المحلية، تميل عن عمد لنتائج تدعم «غوغل».
وقالت مفوضة شؤون المنافسة في الاتحاد الأوروبي، مارغريت فيستاغر، التي وجهت الاتهام للشركة العملاقة: «لقد قدم غوغل، منتجات مبتكرة غيرت مسار حياتنا... لكن ذلك لا يعطيه الحق في أن يحرم الشركات الأخرى من إمكانية المنافسة والتجديد. حيث إن استراتيجيته المتعلقة بمقارنة الأسعار تعدت مسألة اجتذاب الزبائن لتصل إلى حد الهيمنة على سوق المواقع التي تقدم مقارنات لأسعار الخدمات والبضائع».
وأضافت فيستاغر: «ما تفعله غوغل غير قانوني بموجب قواعد منع الاحتكار المعمول بها في الاتحاد الأوروبي. فهي تحرم الشركات الأخرى من فرصة التنافس على أساس الكفاءة... والأهم من ذلك، أنها تحرم العملاء الأوروبيين من الوصول إلى اختيار صحيح والاستفادة الكاملة من الأفكار الجديدة».
وكشفت فيستاغر عن أنه تم تحليل 1.7 مليار طلب بحث، تشكل ما حجمه 5.2 تيرابايت من البيانات، في إطار التحقيق المتعلق بغوغل. وأشارت إلى أن أي شخص يتعرض للضرر نتيجة «السلوك غير القانوني لغوغل يمكنه رفع دعوى أمام المحاكم الوطنية لطلب تعويض».
وفي المقابل، كثيرا ما ادعت «غوغل» في السابق أن مواقع «أمازون» و«إي باي» لديها تأثير أكبر على «عادات الإنفاق العامة»، وأن هذه المواقع «توجه الرأي العام» بأكثر مما تفعل، رافضة اتهامها بـ«السلوك الاحتكاري».
ويدفع أحد المسؤولين في «غوغل» بأن سياسة الموقع هي دعم اختيارات المشترين من أجل الوصول بسلاسة ويسر لمرادهم، ولأنه لهذا السبب فإن الموقع يظهر إعلانات تجارية مدفوعة تخدم الطرفين، البائع والمشتري. وأضاف: «المعلنون يرغبون في تسويق المنتجات نفسها، وهذا هو السبب الذي يجعل غوغل يظهر إعلانات التسوق، ويربط مستخدمينا بآلاف المعلنين الكبار والصغار، وبطرق مفيدة للطرفين».
* ترحيب أوروبي وامتعاض من «غوغل»
وفور إعلان الغرامة، عقب كينت ووكر، النائب الأول لرئيس «غوغل» ومستشارها، على قرار الاتحاد الأوروبي بالقول: «نعترض مع كامل الاحترام على القرار الصادر اليوم (أمس)»، مضيفا في بيان مقتضب: «سنراجع قرار المفوضية بالتفصيل وندرس الاستئناف عليه، ونتطلع إلى توضيح موقفنا».
ولقي القرار ردود فعال إيجابية من أطراف أوروبية. وقال جياني بيتيلا، رئيس كتلة الأحزاب الاشتراكية والديمقراطية: «من جديد تثبت المفوضية الأوروبية أنها تأخذ قانون المنافسة على محمل الجد، وأنه لا توجد شركة فوق القانون. يجب احترام قواعد المنافسة، ليس فقط من جانب الشركات الأوروبية، ولكن أيضا الشركات متعددة الجنسيات التي تعمل في الاتحاد الأوروبي».
وأضاف أن «شركات مثل غوغل وأبل عملاقة ونجحت في تغيير حياة الناس بمنتجاتها، ولكن مع القوة الكبيرة تأتي المسؤولية الكبيرة. ونتفهم أن تصبح شركة مهيمنة في السوق، ولكن غير المقبول أن يحدث ذلك بناء على ميزة غير عادلة… وسيحمي قرار المفوضية اليوم الابتكار والمستهلكين وإتاحة الفرصة أمام مجموعة أكبر من الخدمات».
أما البرلماني سفين خيخولد، فقد قال باسم مجموعة الخضر في البرلمان الأوروبي، إن قرار المفوضية «قرار قوي ضد ممارسة غير عادلة من جانب غوغل، وتضمن تحقيق المنافسة العادلة للتسوق عبر الإنترنت... وما حدث يظهر الحاجة إلى الإشراف المشترك في أوروبا على الشركات الرقمية الكبرى».
ورحب عدد من المؤسسات والشركات بالقرار، ومن بينها مؤسسة مقارنة الأسعار البريطانية British price comparison service Foundem، وهي أحد مقيمي الدعوى... وقال رئيسها التنفيذي شيفون راف: «رغم أهمية الغرامة التاريخية، فإن الأكثر أهمية هو حظر السياسات الضارة التي ترتكبها غوغل»، متابعا أنه «منذ أكثر من عقد، يقوم موقع غوغل بدور خبيث في تحديد ماذا نقرأ أو نستخدم أو نشتري عبر الإنترنت... ولأنه متروك دون رقابة، فإنه لا حدود لما يمكن أن يفعله بنا».
في حين أحجم أحد أكبر منافسي «غوغل»، وهو «مايكروسوفت» عن التعليق على قرار الاتحاد الأوروبي، رغم أن الأخير كان سبب تحريك التحقيق الاستقصائي في عام 2010... وذلك بعد أن توافقت الشركتان العام الماضي على سياسة تقضي بتجنب الخوض في معارك مستقبلية.
* ليس غشاً لكنه توجيه مدفوع
ووفقا لمحللين تقنيين، فإن موقع «غوغل» عادة ما يدعم روابط تجارية مع إظهار نتائج البحث البسيط عن أي شيء، سواء الصور أو الأخبار، دافعا إلى قمة البحث قوائم من المعلنين أو شركاء الموقع، وهو ما يزيد من ربحية هذه الشركات على وجه الخصوص في التسوق عبر الإنترنت.
لكن هؤلاء يقولون أيضا إن ما يفعله «غوغل» لا يمكن تصنيفه تحت مبدأ «الغش»، حيث إن تلك الروابط تظهر تحت بند «برعاية» (sponsored)، أي أن لها صفة إعلانية واضحة وللمتصفح كامل الاختيار في توجهاته.
ورغم ذلك، فإن قيام الموقع بوضع تلك «المواد الإعلانية» في مكان أكثر بروزا وفي بداية قوائم البحث، ما يجعلها مطروقة بصورة أكبر من غيرها، ما يضع «غوغل» تحت طائلة المساءلة لتعويق التنافسية الحرة بين المنتجين، والتوجيه غير المباشر للمشترين، استغلالا للموثوقية العالية للموقع العالمي.
وذكرت دراسة أميركية حديثة في قياساتها أن هذا الأسلوب في التسويق للمعلنين يسفر عن توجيه ما يصل إلى 74 في المائة من المشترين إلى أهداف بعينها، نتيجة لعوامل ودراسات نفسية.
* أصداء مستقبلية
غالبية خبراء الاقتصاد والإنترنت يتوافقون على أن ثمة أزمة حقيقية ستواجهها «غوغل»، قائلين إن «مصداقية الموقع عقب العقوبة لن تعود إلى مستواها السابق»، وأن مواقع البحث الإلكترونية العملاقة تعتمد بشكل كبير على «سمعتها» إضافة إلى «لوجيستيات البحث»، وبالتالي فإن العقوبة الأوروبية بالشكل الذي ظهرت به ونتائج التحقيقات سيكون لها أثر كبير على أعمال الشركة المستقبلية.
ويشير بعض الخبراء إلى جانب آخر، وهو أن «غوغل» في حال أرادت أن تعدل من سياساتها لمواءمة القرار الأوروبي، فإن آليات التصفح والبحث بها ستخضع حتما لتغيير، وهو أمر قد لا يحظى برضا جانب مهم من المستخدمين والمتسوقين. بينما ستسفر مثل تلك التعديلات، وخاصة في حال تجنب إبراز المعلنين بالشكل الحالي، عن تراجعات متوقعة في حجم ودخل الإعلانات على الموقع.
* مشكلات «غوغل» لا تتوقف
* خلال السنوات القليلة الماضية، واجهت شركة «غوغل» الأميركية العملاقة الكثير من المشكلات مع عدد من دول العالم، أغلبها أوروبي.. وكانت أغلب هذه المشكلات تتعلق بالاحتكار أو التهرب الضريبي. ووسط صراعات شرسة وطلبات تحكيم، تطالب الكثير من الدول الأوروبية «غوغل» بدفع مستحقات ضريبية وأرباحها من الإعلانات على شبكة الإنترنت.
وفي فبراير (شباط) عام 2016، طالبت فرنسا محرك البحث الشهير بدفع 1.79 مليار دولار «متأخرات ضرائب»، وداهمت السلطات مقر «غوغل» في باريس في مايو (أيار) من ذات العام، حيث عثر على الكثير من المستندات التي تدين الشركة الأميركية، بحسب جهات التحقيق الفرنسية.
وفي مطلع العام الماضي أيضا، وتحديدا في يناير (كانون الثاني)، توصلت هيئة الضرائب في بريطانيا إلى اتفاق مع «غوغل» يقضي بأن تدفع الشركة 130 مليون جنيه إسترلينى من الضرائب المتأخرة. وأوضحت الشركة أن هذا المبلغ يغطى مدفوعات تعود إلى عام 2005، وأضافت أنها ستقوم الآن بدفع ضريبة على أساس الإيرادات الخاصة بالمعلنين من المملكة المتحدة، كما عقدت «غوغل» صفقة مع الحكومة البريطانية تلزمها بدفع 186 مليون دولار كضرائب متأخرة.
أيضا، طالبت إيطاليا «غوغل» العام الماضي بدفع «متأخرات ضريبية» تقدر بنحو 248 مليون دولار، موضحة أن الشركة الأميركية تهربت من دفع الضرائب المستحقة عليها خلال الفترة ما بين عامي 2009 إلى 2013، فيما دفعت «غوغل» ضرائب تبلغ 2.2 مليون يورو إلى السلطات الإيطالية في عام 2014، وذلك عن إيرادات بلغت 54.4 مليون يورو، بحسب الشركة.. لكن جهات تحقيق إيطالية ما تزال تنظر في الأمر لشكها في أن الأرباح تتجاوز هذا الرقم «كثيرا».
وفي الصيف الماضي أيضا، داهمت السلطات الإسبانية مكاتب «غوغل» في مدريد بدعوى التحقيق في تهرب ضريبي.
من جهة أخرى، فإن ثمة تحقيقات جارية أخرى بالاتحاد الأوروبي تتصل بامتلاك «غوغل» لنظام التشغيل «آندرويد» الخاص بالهواتف الجوالة، وذلك نظرا لاتهامات باستغلال الشركة لنظام التشغيل من أجل التضييق على منافسين، وأيضا تثبيت تطبيقات «مفضلة» من قبل الشركة، وتعويق عمل المنافسين من شركات البرمجة ورواد الأعمال.
* هل هناك ترصد أوروبي لشركات التقنية الأميركية؟
* في إطار الإعلان الأوروبي عن الغرامة الخاصة بشركة «غوغل» أمس، نفت مفوضة شؤون المنافسة في الاتحاد الأوروبي، مارغريت فيستاغر، في المؤتمر الصحافي بشكل قاطع بعض ما يدور في أروقة الإعلام من أن الاتحاد الأوروبي يترصد بشكل خاص لشركات التقنية الأميركية، قائلة إن «ما تناولناه هنا يختص فقط بالإحصاءات والأرقام.. ولا يوجد هنا أي تحيز (أوروبي ضد الشركات الأميركية على وجه الخصوص)».
لكن حديث المفوضة الأوروبية لا يمنع أن كثيرا من الشركات الأميركية العاملة في مجالات التقنية تعرضت لعقوبات أوروبية صارمة على مدار السنوات الماضية، ولعل من أبرزها «مايكروسوفت» عام 2008 بغرامة بلغت 899 مليون يورو، لعدم الانصياع لقواعد الإفصاح عن أكواد البرمجة في برنامجها الأشهر «إنترنت إكسبلورر».. ثم غرامة أخرى بلغت 561 مليون يورو عام 2013 لاحتكار تطبيقات البحث.
أما عملاق صناعة الشرائح «إنتل» فقد تعرضت لغرامة كانت هي الأكبر قبل صباح أمس، بمبلغ 1.06 مليار يورو عام 2009، وذلك بخصوص بيع منتجاتها بسعر أقل من منافسيها (حرق الأسعار) من أجل إخراجهم من الأسواق.. لكن «إنتل» استأنفت القرار، ومن المتوقع صدور الحكم النهائي العام المقبل. ومنافس «إنتل» (كوالكوم) تعرض لاتهام مماثل أيضا في عام 2015، لكن الحكم لم يصدر بعد، وربما تصل الغرامة حال ثبوت التهمة إلى ملياري يورو.
أما عملاق الصناعات «آبل»، فاتهمت آيرلندا عام 2016 بمساعدته في التهرب الضريبي منذ عام 1991، مضيعة ما مقداره 13 مليار يورو من الضرائب المستحقة عليه، وحكم على آيرلندا بدفع قيمة الضرائب وفوائدها.
موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» كان أحدث المتهمين هذا العام، إذ وافق على دفع ما مقداره 110 ملايين يورو كغرامة، إثر قيامه بدمج حسابات المستخدمين على منصة برنامج «واتساب» للتراسل مع موقعه، رغم تعهده بعدم فعل ذلك حين استحوذ على البرنامج قبل عامين.
وما تزال هناك قضايا عالقة منظورة ضد عمالقة التقنية الأميركيين، أبرزهم موقع «أمازون» للتسوق.



«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
TT

«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)

في خطوة تعكس فقدان «الراحة» والاطمئنان تجاه الأصول الأميركية، بدأت الصين مساراً استراتيجياً لتقليص تبعية نظامها المصرفي لديون واشنطن، في عملية وُصفت بـ«الهروب الهادئ»، لتفادي الصدمات العنيفة في الأسواق.

تعليمات صينية خلف الأبواب المغلقة

كشفت مصادر مطلعة لـ«بلومبرغ» أن السلطات التنظيمية في بكين، وعلى رأسها بنك الشعب الصيني، أصدرت توجيهات للمؤسسات المالية المحلية بضرورة كبح حيازاتها من الديون الأميركية. هذه التعليمات تضمنت حث البنوك ذات «التعرض العالي» على تقليص مراكزها فوراً، بذريعة حماية القطاع المصرفي من «مخاطر التركز»، والتقلبات الحادة.

ورغم أن القرار استثنى «الاحتياطيات السيادية» الرسمية، فإن الأسواق استقبلته بوصفه إشارة حمراء، مما رفع عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات فوراً إلى 4.2359 في المائة.

لغة الأرقام

تُظهر البيانات الدقيقة الواردة من وزارة الخزانة الأميركية أن الصين بدأت بالفعل مساراً نزولياً في حيازاتها:

  • الصين: بعد أن كانت تمتلك 767 مليار دولار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، رفعت حيازتها لتتجاوز 900 مليار دولار في أغسطس (آب) 2025، لكنها عادت للتراجع السريع لتصل إلى 888.5 مليار دولار بحلول نوفمبر 2025، حيث باعت في شهر واحد ما قيمته 5.39 مليار دولار. ويرى مراقبون أن فقدان هذا المصدر للطلب سيشكل ضربة قوية لسوق سندات الخزانة الأميركية البالغ 30.3 تريليون دولار، لكن يبقى من الصعب قياس التأثير.
  • التكتل الصيني: تشير بيانات «آي إن جي» إلى أن إجمالي ما تمتلكه الصين وهونغ كونغ معاً بلغ 938 مليار دولار بنهاية نوفمبر الماضي، مما يضعها في المرتبة الثالثة عالمياً باعتبارها أكبر حامل للدين الأميركي.
  • دول بريكس الأخرى: لم تكن الصين وحدها؛ فقد قلّصت البرازيل حيازتها من 229 مليار دولار إلى 168 ملياراً خلال عام واحد، كما تراجعت استثمارات الهند من 234 مليار دولار إلى 186.5 ملياراً.

توقيت «الاتصال الساخن» وظلال ترمب

ما يمنح هذا التحرك ثقلاً سياسياً استثنائياً هو صدوره قبيل اتصال هاتفي جرى الأسبوع الماضي بين الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الأميركي دونالد ترمب. ويأتي هذا الحذر الصيني وسط تزايد حالة عدم اليقين تجاه سياسات إدارة ترمب الثانية؛ حيث أدى نهجه الذي لا يمكن التنبؤ به في ملفات التجارة والدبلوماسية، وهجماته المتكررة على الاحتياطي الفيدرالي، وزيادة الإنفاق العام، إلى دفع المستثمرين الدوليين للتساؤل علانية: هل لا تزال الديون الأميركية مكاناً آمناً؟

وفي هذا الإطار، قال مصرف «يو بي إس» إن فكرة تراجع رغبة المستثمرين الدوليين في شراء الديون الأميركية باتت تستحوذ على اهتمام الأسواق فعلياً.

بين «سلاح الديون» واستراتيجية التحوط

بينما يقلل وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، من أهمية تحركات المستثمرين الأجانب، يرى خبراء أن هذه الضغوط تأتي في وقت «هش» للدولار.

الواقع الجديد يشير إلى أن المستثمرين العالميين لم يعودوا يرغبون في استخدام ديون واشنطن أداة «عقاب سياسي» فحسب، بل بدأوا استراتيجية «التحوط الكبرى» (Hedging). فهم يريدون البقاء في السوق الأميركية القوية بسبب طفرة الذكاء الاصطناعي، لكنهم في الوقت نفسه يقلصون مشتريات السندات، لحماية أنفسهم من انهيار محتمل في قيمة الدولار، أو تذبذب حاد في الفائدة.


الذهب يتراجع دون مستوياته القياسية لكنه يتماسك فوق 5000 دولار

غسل قوالب الذهب بعد إزالتها من القوالب في مصهر بسيدني (أ.ف.ب)
غسل قوالب الذهب بعد إزالتها من القوالب في مصهر بسيدني (أ.ف.ب)
TT

الذهب يتراجع دون مستوياته القياسية لكنه يتماسك فوق 5000 دولار

غسل قوالب الذهب بعد إزالتها من القوالب في مصهر بسيدني (أ.ف.ب)
غسل قوالب الذهب بعد إزالتها من القوالب في مصهر بسيدني (أ.ف.ب)

انخفض سعر الذهب، يوم الثلاثاء، لكنه ظل فوق مستوى 5 آلاف دولار للأونصة، حيث أبدى المستثمرون حذرهم قبيل صدور بيانات هامة عن الوظائف والتضخم في الولايات المتحدة في وقت لاحق من هذا الأسبوع، والتي ستحدد مسار أسعار الفائدة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.

وتراجع سعر الذهب الفوري بنسبة 0.7 في المائة إلى 5029.49 دولار للأونصة بحلول الساعة 03:32 بتوقيت غرينتش. وكان المعدن قد ارتفع بنسبة 2 في المائة، يوم الاثنين، مع تراجع الدولار إلى أدنى مستوى له في أكثر من أسبوع. وكان قد سجل مستوى قياسياً بلغ 5594.82 دولار للأونصة في 29 يناير (كانون الثاني).

وتراجعت العقود الآجلة للذهب الأميركي تسليم أبريل (نيسان) بنسبة 0.5 في المائة لتصل إلى 5052 دولار للأونصة.

وانخفض سعر الفضة الفوري بنسبة 2.1 في المائة إلى 81.64 دولار للأونصة، بعد ارتفاعه بنسبة 7 في المائة تقريباً في الجلسة السابقة. وكان قد سجل أعلى مستوى له على الإطلاق عند 121.64 دولار في 29 يناير.

وقال إيليا سبيفاك، رئيس قسم الاقتصاد الكلي العالمي في شركة «تاتسي لايف»: «إن الحرب الباردة والمنافسة الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين لن تنتهي على الأرجح لسنوات قادمة... لذا فنحن في وضع يتمتع فيه الذهب بميل تصاعدي عام، والسؤال الآن هو إلى أي مدى ستؤثر توقعات السياسة النقدية قصيرة الأجل للاحتياطي الفيدرالي».

وشهد الدولار خسائر حادة، يوم الثلاثاء، بينما حافظ الين على مكاسبه في أعقاب فوز رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي الساحق في الانتخابات.

وأضاف سبيفاك أن الذهب يتحرك حول مستوى 5 آلاف دولار بين نطاقات سعرية عليا ودنيا، بينما تُظهر الفضة تقلبات أكبر في التداولات المضاربية.

وصرح كيفن هاسيت، المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض، يوم الاثنين، بأن مكاسب الوظائف في الولايات المتحدة قد تكون أقل في الأشهر المقبلة بسبب تباطؤ نمو القوى العاملة وارتفاع الإنتاجية، ما يعزز النقاش داخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن مسار الفائدة.

ويتوقع المستثمرون خفضين على الأقل لأسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في عام 2026، مع توقع أول خفض في يونيو (حزيران). ويميل المعدن النفيس، الذي لا يدرّ عائداً، إلى الأداء الجيد في بيئات أسعار الفائدة المنخفضة.

وتشمل البيانات المتوقعة هذا الأسبوع مبيعات التجزئة الشهرية لشهر ديسمبر (كانون الأول)، ومؤشر أسعار المستهلك لشهر يناير، وتقرير الوظائف غير الزراعية لشهر يناير.

وانخفض سعر البلاتين الفوري بنسبة 2.1 في المائة إلى 2084.09 دولار للأونصة، بينما خسر البلاديوم 1.7 في المائة إلى 1710.75 دولار.


مضيق هرمز تحت المجهر الأميركي وأسواق النفط تترقب

رجل يسير بجوار مضخات النفط في مدينة الرميلان بسوريا (رويترز)
رجل يسير بجوار مضخات النفط في مدينة الرميلان بسوريا (رويترز)
TT

مضيق هرمز تحت المجهر الأميركي وأسواق النفط تترقب

رجل يسير بجوار مضخات النفط في مدينة الرميلان بسوريا (رويترز)
رجل يسير بجوار مضخات النفط في مدينة الرميلان بسوريا (رويترز)

تراجعت أسعار النفط بشكل طفيف، يوم الثلاثاء، مع ترقب المتداولين لاحتمالية حدوث اضطرابات في الإمدادات، وذلك بعد أن أبقت التوجيهات الأميركية للسفن العابرة لمضيق هرمز الأنظار منصبة على التوترات بين واشنطن وطهران.

وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت 18 سنتاً، أو 0.26 في المائة، لتصل إلى 68.85 دولار للبرميل بحلول الساعة 03:53 بتوقيت غرينتش. كما انخفض خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 21 سنتاً، أو 0.33 في المائة، ليصل إلى 64.15 دولار.

يأتي ذلك بعد أن ارتفعت الأسعار بأكثر من 1 في المائة، يوم الاثنين، عندما نصحت الإدارة البحرية التابعة لوزارة النقل الأميركية السفن التجارية التي ترفع العلم الأميركي بالبقاء بعيداً قدر الإمكان عن المياه الإقليمية الإيرانية، ورفض السماح للقوات الإيرانية بالصعود على متنها شفهياً في حال طلب ذلك.

ويمرّ نحو خُمس النفط المُستهلك عالمياً عبر مضيق هرمز بين عُمان وإيران، مما يجعل أي تصعيد في المنطقة خطراً كبيراً على إمدادات النفط العالمية.

وتُصدّر إيران، إلى جانب أعضاء منظمة «أوبك» الآخرين، معظم نفطها الخام عبر المضيق، بشكل رئيسي إلى آسيا.

وصدرت هذه التوجيهات رغم تصريح كبير الدبلوماسيين الإيرانيين الأسبوع الماضي بأن المحادثات النووية التي تُجريها عُمان مع الولايات المتحدة قد بدأت بدايةً جيدة، وأنها ستستمر.

وكتب توني سيكامور، المحلل في شركة «آي جي»، في مذكرة للعملاء: «على الرغم من أن المحادثات في عُمان اتسمت بنبرة إيجابية حذرة، إلا أن حالة عدم اليقين المستمرة بشأن احتمالية التصعيد، أو تشديد العقوبات، أو انقطاع الإمدادات في مضيق هرمز، أبقت على هامش المخاطرة المتواضع».

في غضون ذلك، اقترح الاتحاد الأوروبي توسيع نطاق عقوباته المفروضة على روسيا لتشمل موانئ في جورجيا وإندونيسيا تتعامل مع النفط الروسي، وهي المرة الأولى التي يستهدف فيها الاتحاد موانئ في دول ثالثة، وفقاً لوثيقة اقتراح اطلعت عليها «رويترز».

وتأتي هذه الخطوة في إطار جهود تشديد العقوبات على النفط الروسي، الذي يُعدّ مصدراً رئيسياً لإيرادات موسكو، على خلفية الحرب في أوكرانيا.

وأفاد تجار بأن شركة النفط الهندية اشترت ستة ملايين برميل من النفط الخام من غرب أفريقيا والشرق الأوسط، في ظل سعي الهند لتجنب النفط الروسي في مساعي نيودلهي لإبرام اتفاقية تجارية مع واشنطن.