خطر «داعش» يربك رحلات السفاري في شمال أفريقيا

خروج آلاف السيارات الصحراوية من الخدمة

جانب من رحلة صحراوية لأوروبيين قرب الحدود المصرية - الليبية - السودانية وذلك قبل أن تتوقف بسبب تزايد خطر «داعش» بالمنطقة («الشرق الأوسط»)
جانب من رحلة صحراوية لأوروبيين قرب الحدود المصرية - الليبية - السودانية وذلك قبل أن تتوقف بسبب تزايد خطر «داعش» بالمنطقة («الشرق الأوسط»)
TT

خطر «داعش» يربك رحلات السفاري في شمال أفريقيا

جانب من رحلة صحراوية لأوروبيين قرب الحدود المصرية - الليبية - السودانية وذلك قبل أن تتوقف بسبب تزايد خطر «داعش» بالمنطقة («الشرق الأوسط»)
جانب من رحلة صحراوية لأوروبيين قرب الحدود المصرية - الليبية - السودانية وذلك قبل أن تتوقف بسبب تزايد خطر «داعش» بالمنطقة («الشرق الأوسط»)

يمتلك ناصر محمود ابن الواحات التي تقع على بعد 500 كيلومتر غرب القاهرة، سيارة دفع رباعي مجهزة للسياح الأجانب يبلغ ثمنها نحو خمسة وثلاثين ألف دولار. اشتراها في ذروة نشاط رحلات السفاري في صحراء مصر الغربية في عام 2007، لكن الرياح، كما يقول، تأتي أحياناً بعكس ما تأمل. ويستخدمها حالياً في نقل الخضراوات من حقل والده إلى السوق. وهذه مهنة لا تناسبها، حيث كانت في السنوات الماضية تدر ألوف الدولارات من نقل سياح البراري.
وتسببت الفوضى الأمنية التي أعقبت ما يعرف بـ«ثورات الربيع العربي»، في تراجع أعداد سياح السفاري في شمال أفريقيا، وكان غالبيتهم من أوروبا. وحين وصل السائح البلجيكي، ستيفان فيليب، إلى مصر، اكتفى بزيارة الأهرامات. لكنه ما زال يعيش على صور وذكريات رحلاته السابقة في منطقة الصحراء البيضاء في غرب مصر، وفي توزر وجنوب بن قردان بتونس. ويقول مرافقه وهو سائح إنجليزي يدعى جون: «منذ عام 2012 ونحن نفكر في العودة لزيارة جبل واو الناموس في جنوب ليبيا، بعد أن زرناه معاً في 2007».
ومع تنامي خطر «داعش» في عدة بلدان في شمال أفريقيا، أصبحت زيارة الصحراء مثل الحلم، كما يقول فيليب. وبينما لم يتوقف الاحتراب الأهلي في ليبيا، تعاني مناطق الصحراء التونسية، خصوصاً تلك القريبة من ليبيا، من اضطرابات، ناهيك بحوادث إرهابية سبق أن وصلت إلى مناطق سياحية على البحر التونسي. وفي مصر، توقف تسيير رحلات السفاري في صحراء غرب القاهرة، أخيرا، ليزيد من مأساة قطاع السياحة الذي يعاني أصلاً من خسائر بمليارات الدولارات منذ عام 2011.
وتحولت صفحات التواصل على الإنترنت، التي تضم منظمين لرحلات سفاري من أوروبا إلى مصر وليبيا وتونس، من الحديث عن خطط المستقبل وجني الأرباح، إلى شكاوى من الكساد والإفلاس، إلى جانب محاولات لبيع ما لديهم من أدوات السفاري، مثل السيارات وأكياس النوم والمناظير المقربة وأنظمة التتبع وغيرها.
ويقول إمام فوزي، أحد منظمي السفاري في مدينة الباويطي على بعد نحو 400 كيلومتر غرب القاهرة: «توجد نحو ألف سيارة دفع رباعي من مستويات مختلفة أصبحت دون عمل في هذه المنطقة من الواحات. أصبنا بخسائر كبيرة».
ومن مقاصد سياح الصحارى، كهوف فيها رسوم يعود تاريخها لأكثر من عشرة آلاف سنة، إلى جانب تشكيلات رملية بألوان متدرجة بين أسود وأبيض وأصفر، وكذلك بقايا لصخور بركانية، وأخرى يُعتقد أنها من نيازك وصلت من كواكب أخرى. هذا إلى جانب الاستمتاع بمشهد النجوم ليلاً، حيث يتحول الفضاء إلى ما يشبه الرداء الأسود المرصع بالألماس.
ويضيف فوزي عقب عودته من جولة في أوروبا: «رغم كل شيء ما زال الأوروبيون يأملون في فتح باب السفاري هنا... ما زالوا يتطلعون لقضاء الإجازات في الصحراء. لكن هذا لم يعد ممكناً».
ومن جانب آخر، وخلال زيارته لزملائه المصريين في مركز لتنظيم رحلات الصحراء انطلاقاً من ضاحية المعادي جنوب القاهرة، أخيراً، يضيف زين الدين عبد الله، وهو منظم رحلات تونسي: «مئات من سيارات السفاري لدينا خارج الخدمة. الطرق لم تعد آمنة، كما كان الأمر في الماضي».
وكان عبد الله ينظم جولات وتخييماً لفرنسيين في صحراء دوز وجنوب تطاوين، وفي رمادة التي تبعد نحو 40 كيلومتراً عن الحدود الليبية. وانقلب الوضع الأمني في معظم هذه المناطق رأساً على عقب، بسبب نشاط المتطرفين العابر للحدود. وأصبحت السلطات في بلدان شمال أفريقيا تضع ضوابط صارمة لتفادي اصطياد المتطرفين لقوافل السياح.
وفي الآونة الأخيرة، أوقفت السلطات المصرية منح تصاريح لتسيير هذا النوع من الرحلات. ويقول مسؤول على الحدود المصرية الليبية إن تشابه أنواع سيارات الدفع الرباعي التي تستخدم في رحلات السفاري، مع السيارات الصحراوية التي يستخدمها تنظيم داعش، تعد من أسباب وقف النشاط مؤقتا، رغم الخسائر. ويشير إلى أن مراقبة الحدود مع ليبيا، تعتمد في أغلبها على الطيران الحربي، وهذا لا يمكن توفيره على مدار الساعة لتكلفته المالية الباهظة.
وفي كلمة له، أواخر الشهر الماضي، عقب قيام تنظيم داعش بقتل مسيحيين كانوا في حافلة قرب مدينة المنيا، التي تقع إلى الشرق من منطقة الواحات، قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إنه جرى تدمير نحو ألف سيارة دفع رباعي أثناء تسللها من ليبيا لمصر، في السنوات الثلاث الماضية، وكذلك تدمير ثلاثمائة تقريباً خلال الشهور الثلاثة الأخيرة.
وفي واحة الخارجة، ذات الهواء النقي والمنعش، تقف سيارة محمود بلونها البترولي أمام بيت والده المبني بالحجارة البيضاء وسط غابة من النخيل. ويقول إنه يفكر في بيعها، لكنه يؤجل الأمر على أمل أن تتحسن الأوضاع مستقبلاً. ويخجل من مهمتها الجديدة، في نقل الخضراوات. ويقول: «لم تُصنع لهذا الغرض». ويضيف أن أصدقاءه من منظمي رحلات السفاري من تونس وليبيا يعانون أيضاً بسبب الفوضى الأمنية وخطر «داعش».
ومثل مئات المشرفين على العمل في قطاع السفاري، ورغم إصابة النشاط بالشلل، ما زال محمود يحتفظ بقائمة معارفه من أوروبا وشمال أفريقيا، ويتواصل معهم لتحديد مناطق الاضطراب، والأماكن التي يمكن زيارتها مستقبلاً، في هذا البلد أو ذاك.
وانتعشت رحلات السفاري في صحراء مصر الغربية، بداية من عام 2005، وزادت بشكل كبير ضمن منافسة مربحة عبر صحراء الشمال الأفريقي. ولم يؤثِّر حادث اختطاف قُطَّاع طرق على الحدود المصرية السودانية لقافلة سياح أجانب عام 2008، على نشاط السفاري. بيد أن الأوضاع تدهورت في المنطقة الصحراوية الشاسعة بعد الإطاحة بحكم حسني مبارك. ويقول المسؤول الحدودي، وهو ضابط في الجيش رفض ذكر اسمه لأنه غير مخول له الحديث للإعلام: «في الوقت الراهن، أي سيارة دفع رباعي تظهر في الصحراء المتاخمة لليبيا، تتعرض للقصف من الطيران. لا هزل في هذا. الخطر كبير ونحن نتصدى له».
ومن جانبه يضيف محمود قائلاً: «موجة 2011 لم تضرب السياحة في مصر فقط، ولكن معظم أصدقائنا ممن يعملون مثلنا في هذا المجال، وقعوا في المشكلة ذاتها... كنا نتعاون على تبادل قوافل السفاري مع منظمي رحلات من تونس وليبيا. وفي إحدى المرات، حين التقينا في باريس في عام 2009، أسسنا جمعية تضم أوروبيين ومصريين وتونسيين وجزائريين مهمتها الترويج لسياحة الصحراء». ويتابع أن «كل هذا توقف الآن. وما زال التونسي عبد الله عضواً في هذه الجمعية». ويقول إنه كان يطمح في توسيعها، مع زملائه، لتوجيه ألوف السياح الأجانب، إلى سياحة الصحراء، بدلاً من السفر إلى أماكن أخرى في شرق آسيا، وغيرها.
وبعد أن استعرض أيام الرخاء، يوضح فوزي قائلا: «ما زاد الطين بلة، حادث السياح المكسيكيين. ويشير بذلك إلى تعرض قافلة سياح مكسيكيين، كانت متجهة إلى مدينة الباويطي للقصف من الطيران الحربي في عام 2015، عقب خروجها عن خط السير المحدد لها على الطريق المرصوف بالقار، إلى عدة كيلومترات داخل الصحراء. ومن حظ المكسيكيين العاثر أن السلطات المصرية كانت تبحث في ذلك اليوم عن متطرفين يقودون سيارات دفع رباعي في المنطقة نفسها».
وعمل إمام فوزي طول سنوات في رحلات السفاري في الصحراء التي تمتد من مدينة الباويطي، إلى الحدود الليبية، بطول نحو 300 كيلومتر، ولديه خبرة بالاتجاهات في المساحات الجرداء وفي بحر الرمال، وغيرها من المسارات التي تصل جنوبا حتى الحدود مع السودان.
«بخبرتك في هذه المنطقة، هل توجد دروب تصلح لدخول وخروج سيارات دفع رباعي عبر حدود مصر مع ليبيا؟»، فأجاب: «نعم... المنطقة مفتوحة. ليست دروباً محددة، بل هي أرض شاسعة يصعب ضبطها».
ويبلغ طول الحدود المصرية مع ليبيا نحو 1100 كيلومترا، تبدأ من مدينة السلوم الواقعة في حضن هضبة، وتشرف على البحر المتوسط، وتهبط جنوبا بطول 300 كيلومتر حتى واحة سيوة التي تقابل واحة الجغبوب على الحدود الليبية. ثم تستمر إلى منطقة جبل العوينات على الحدود مع السودان.
العمدة عبد الكريم ضيف، رئيس مجلس العمد والمشايخ في محافظة مطروح، المجاورة لليبيا، يقول إن كل هذه صحراء قاحلة وفارغة ورمال. ويضيف موضحاً: «لا يوجد أي تجمع سكاني في المنطقة الحدودية المصرية المحاذية لليبيا، باستثناء السلوم وسيوة».
إلا أن فوزي يوضح أن المشكلة ليست في الحدود من السلوم حتى سيوة، ولكنها تبدأ من سيوة جنوباً... «أكثر من 700 كيلومتر لا يوجد فيها أي موانع طبيعية باستثناء كثبان بحر الرمال». ومن جانبه، يزيد المسؤول الحدودي قائلا إن غالبية محاولات التسلل بسيارات الدفع الرباعي من ليبيا إلى مصر كانت من منطقة بحر الرمال. وهذا البحر الرملي يعد من أكثر المناطق التي تحظى بشهرة وسط السياح الأجانب.
ويبدأ بحر الرمال من سيوة ويمتد إلى الجنوب بطول نحو 150 كيلومتراً وعرض نحو 75 كيلومتراً، و«المتطرفون أصبحوا يقطعون هذه الرمال، بسيارات الدفع الرباعي»، وفقاً للمسؤول نفسه، الذي يشير إلى أن إحدى أهم المشكلات التي تعرقل تتبع آثار قوافل العابرين للحدود هي الحركة الدائبة للرمال، ولهذا تسمى «بحر الرمال المتحركة».
العمدة ضيف يقول: «من الصعب المشي في بحر الرمال بالأقدام، سواء بالنسبة للمشاة العاديين أو للجنود». أما المسافة المتبقية من الحدود من جنوب بحر الرمال حتى جبل عوينات، ورغم أنها مساحة شاسعة، إلا أنه يمكن من خلالها رصد أي آثار لإطارات السيارات لخلوها من الرمال المتحركة. وتوجد فيها دروب طويلة للسير كان يستخدمها المهربون قديماً، ولهذا نادراً ما يلجأ إليها المتطرفون. ويوضح المسؤول الحدودي: «على كل حال توجد دوريات طيران حربي تقوم بالاستطلاع والتصوير».
وتعد منطقة جبل عوينات هشة أمنيّاً، على ما يبدو، وذلك لوقوع الجبل، بظلاله السوداء، داخل حدود ثلاث دول، هي ليبيا والسودان ومصر. ووفقا للمصادر الأمنية يقوم المتطرفون بالاستفادة من دروب المهربين القديمة، التي تعتمد على الالتفاف حول الجبل من داخل الحدود المصرية بطول نحو 80 كيلومتراً. وتوجد هناك نقطتان أمنيتان مصريتان. وعلى الجانب الليبي هناك مركز مراقبة قديم.
ووسط هذه الصحراء القاحلة، في غرب مصر، التي لا يوجد فيها أي مصادر للمياه، ولا للحياة، تتكبد قوات حرس الحدود مشقة الانتقال إلى المناطق المشتبه فيها، وسط الفيافي الشاسعة، من بحر الرمال حتى العوينات، وتنصب كميناً خفياً ليوم أو يومين، انتظاراً لمرور قافلة للقبض على من فيها... ويضيف المسؤول الحدودي: «بطبيعة الحال هذا يتطلب الحصول على معلومات استخباراتية مسبقة. أما إذا تم رصد دخول سيارات بالفعل دون أن يكون هناك كمين على الأرض لتوقيفها، فإن الطائرات الحربية تقوم بالمهمة».
ورصد ضباط الحدود تسلل سيارات دفع رباعي من ليبيا عبر صحراء مدينة الباويطي، في نهاية الشهر الماضي. وبعد مطاردة مثيرة، سقط فيها ثلاثة ضباط وجندي، تم إفشال العملية ومنع المتطرفين من الوصول إلى المناطق الآهلة بالسكان. وجرى نقل الجثث والمصابين بمروحية عسكرية، بسبب وعورة المنطقة. ويقول المسؤول الحدودي إنه «عندما اقتربت دورية حرس الحدود فجَّر المتطرفون سيارة مفخخة»، مشيراً إلى العثور كذلك على مخازن لتجميع أسلحة وأحزمة ناسفة في مخابئ بالصحراء.
وبينما ينظر إلى سيارته بأسى، يوضح فوزي قائلا: «لا أحد هنا من السكان المحليين يتستر على المتطرفين... لقد دمروا مصدر رزقنا... من ستين إلى سبعين في المائة من السكان كانوا يعملون في نشاط رحلات السفاري. كل هذا متوقف الآن، وعلى باب الله. ومَن أوقف حال السياحة في الفترة الأخيرة هي الأخبار التي تتردد عن نشاط (داعش)».
ووسط لقاء المعادي، لمتضررين من توقف رحلات السفاري، من مصر وتونس وليبيا، يقول التونسي زين الدين عبد الله: «المشكلة في أن ثمن قطع غيار هذا النوع من السيارات مرتفع. ولا توجد إمكانيات للصيانة أو استبدال الإطارات. وإذا تعطل منها جزء لا تستطيع تغييره، لأنه لم يعد يوجد دخل. معظمها مركونة».
ومن جانبه يضيف ابن الباويطي، إمام فوزي: «نحو خمسة وسبعين في المائة من سيارات الواحات البحرية كانت مخصصة لرحلات السفاري. لكن في السنوات الثلاث الأخيرة بدأ الناس في تكهينها أو بيعها خردة... كان عددها نحو ألف سيارة. والصالح منها في الوقت الحالي، نحو 200 فقط، وحتى هذه لم تعد قادرة على المشاوير الطويلة».



إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.


العليمي: توحيد القرار الأمني والعسكري شرط لاستعادة الاستقرار

العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
TT

العليمي: توحيد القرار الأمني والعسكري شرط لاستعادة الاستقرار

العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)

أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد محمد العليمي، أن توحيد القرار الأمني والعسكري يمثل شرطاً أساسياً لتحقيق الأمن واستعادة الاستقرار في بلاده، وتهيئة بيئة مواتية لعمل مؤسسات الدولة، وتدفق المساعدات الدولية، وبناء شراكة موثوقة مع المجتمع الدولي، محذراً من أن تعدد الجماعات المسلّحة خارج إطار الدولة يعيد إنتاج الفوضى ويُغذّي التطرف.

جاءت تصريحات العليمي خلال استقباله، الاثنين، أمين عام وزارة الدفاع الألمانية نيس بولتر، يرافقه سفير جمهورية ألمانيا الاتحادية لدى اليمن توماس شنايدر، حيث ناقش الجانبان العلاقات الثنائية، وآفاق تعزيز التعاون في المجالات الأمنية والدفاعية، إلى جانب أولويات الدعم الألماني والأوروبي لتمكين الحكومة اليمنية من فرض الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب، وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وشدد العليمي، وفق المصادر الرسمية، على أن القرارات السيادية التي اتخذتها بلاده، خلال الفترة الأخيرة، جاءت لمنع تكريس قوى موازية تنازع الدولة سلطاتها الحصرية، مؤكداً أن إنهاء ازدواجية القرار يمثل خطوة ضرورية لحماية السلم الداخلي، وتعزيز ثقة الشركاء الدوليين، وضمان فاعلية المؤسسات الرسمية.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وتناول اللقاء الأبعاد الإقليمية والدولية للإصلاحات الأمنية والعسكرية الجارية، حيث أوضح رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن توحيد القرار المؤسسي يعزز الشراكة الدولية في مكافحة الإرهاب، ويحمي الأمن البحري وحرية الملاحة، بما ينعكس على استقرار سلاسل الإمداد وأمن الطاقة العالمي.

في السياق نفسه، أكد العليمي التزام الدولة اليمنية بالتعاون مع المجتمع الدولي في مجال مكافحة الإرهاب، عبر آليات مشتركة طويلة الأمد، تجمع بين العمل الأمني، وبناء الحوكمة، وتحسين الخدمات، بما يسهم في معالجة الأسباب الجذرية للتطرف وتجفيف بيئته.

الأولوية للحل السياسي

وفيما يتعلق بمسار السلام، أوضح العليمي أن القيادة اليمنية لا تزال تمنح أولوية للحل السياسي، غير أن نجاح هذا المسار يتطلب امتلاك خيار القوة الرادعة، محذّراً من أن أي تراخٍ في هذا الجانب قد يُضعف فرص التسوية، ويشجع الميليشيات الحوثية على مواصلة التعنت.

كما عبّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني عن تقديره الموقف الألماني الداعم لوحدة اليمن وأمنه واستقراره، ولمساهمات ألمانيا الإنسانية، وعَدَّ أن هذا الدعم يعكس التزاماً سياسياً وأخلاقياً تجاه الشعب اليمني الذي يواجه واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم.

وأكد العليمي أن المرحلة الراهنة تمثل فرصة للمجتمع الدولي للتعامل مع شريك مؤسسي واحد وقابل للمساءلة، مشدداً على أن دعم الدولة اليمنية سياسياً وأمنياً واقتصادياً وإنسانياً يشكل استثماراً مباشراً في أمن واستقرار المنطقة والعالم.

Your Premium trial has ended


«مساومات إيران» تُحرّك مياه «اتفاق غزة» الراكدة

أطفال فلسطينيون يقفون بالقرب من حفرة في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون يقفون بالقرب من حفرة في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«مساومات إيران» تُحرّك مياه «اتفاق غزة» الراكدة

أطفال فلسطينيون يقفون بالقرب من حفرة في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون يقفون بالقرب من حفرة في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

من المقرر عقد لقاء مرتقب، تم تبكير موعده إلى الأربعاء المقبل، بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وسط توترات مع إيران وجمود في مسار «اتفاق غزة».

ولا يستبعد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن يشهد اللقاء، الذي كان مقرراً في الأصل عقده بعد نحو أسبوع، مساومات بشأن مزيد من الضغوط على إيران، مقابل تحريك المياه الراكدة في اتفاق وقف إطلاق النار بغزة.

وقبيل اجتماع «مجلس السلام» بشأن غزة المقرر في 19 فبراير (شباط) الجاري، والمتوقع أن يدفع المرحلة الثانية وفق موقع «أكسيوس» الأميركي، قال مكتب نتنياهو إنه من المتوقع أن يجتمع مع ترمب، في واشنطن الأربعاء، لبحث ملف المفاوضات مع إيران. وأضاف: «يُعتقد أن أي مفاوضات (مع إيران) يجب أن تشمل الحد من الصواريخ الباليستية ووقف دعم وكلاء إيران» في المنطقة.

وسيكون اجتماع الأربعاء هو السابع بين نتنياهو وترمب منذ ‌عودة الرئيس الأميركي إلى منصبه في يناير (كانون الثاني) 2025.

ويرى عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» ومساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، أن التعجيل بزيارة نتنياهو لواشنطن قبل اجتماع «مجلس السلام» وراءه تنسيق في المواقف «لا سيما في ملفي إيران وغزة، وسط توافق بين واشنطن وتل أبيب في معظم بنودهما».

وأشار حسن إلى احتمالية حدوث «مساومات» بشأن مستقبل الملفين، خاصة أنه يبدو أن واشنطن «أدركت أن أضرار ضربة إيران ستخلق ضرراً أكبر بمصالحها، وهذا لا يبدو مقبولاً لنتنياهو».

أما المحلل السياسي الفلسطيني أيمن الرقب، فيرى أن «المساومة واردة»، وأن ترمب «ربما يريد تنسيق أمر ما بخصوص ملفي إيران وغزة المرتبطين، ويريد إنهاء الأمر مع نتنياهو الذي التقى أكثر من مبعوث أميركي، أحدثهم ستيف ويتكوف، وتمت مناقشة القضايا الشائكة، وأبرزها قوات الاستقرار الدولية، ونزع سلاح (حماس)، وإعادة الإعمار، وانسحاب إسرائيل».

منازل مدمرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

من جهته، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال اتصال هاتفي، الأحد، مع نظيره اليوناني جيورجوس جيرابيتريتيس «ضرورة العمل على تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي»، مشيراً إلى «دعم مصر لمجلس السلام».

وجدد عبد العاطي «دعم مصر الكامل لعمل اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة، باعتبارها إطاراً انتقالياً يهدف إلى تسيير الشؤون اليومية للسكان، بما يمهد لعودة السلطة الفلسطينية للاضطلاع بمسؤولياتها كاملة في القطاع».

وشدد الوزير المصري على «ضرورة سرعة نشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، ومواصلة إمداد القطاع بالمساعدات الإنسانية والإغاثية، والتمهيد لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار».

وقال حسن إن «مصر حريصة على تنفيذ اتفاق غزة كاملاً، وتسعى في كل الجبهات أن تدعم إكمال هذا المسار، سواء عبر مجلس السلام والمشاركة فيه أو المحادثات واللقاءات مع الشركاء الدوليين»؛ في حين أشار الرقب إلى أن الملفات المتبقية من اتفاق غزة «مهمة للغاية في دفع مسار السلام»، مضيفاً أن إسرائيل «تضع عراقيل عديدة في سبيل التقدم في الاتفاق، ولقاء ترمب ونتنياهو سيكون حاسماً في هذا الصدد».