حمص.. فرصة المعارضة الضائعة

تشتت الكتائب وغياب قيادة مركزية تسببا في سقوط {عاصمة الثورة}

حمص.. فرصة المعارضة الضائعة
TT

حمص.. فرصة المعارضة الضائعة

حمص.. فرصة المعارضة الضائعة

خسرت فصائل المعارضة السورية بعد خروج آخر مقاتليها من أحياء حمص القديمة ضمن اتفاق مع النظام أشرفت الأمم المتحدة على تنفيذ بنوده، فرصة ثمينة لإضعاف النظام السوري في عاصمته السياسية دمشق ودفعه للانكفاء إلى حاضنته الطائفية في الساحل.
فحمص تقع في منتصف سوريا وتربط جغرافيا بين العاصمة دمشق والساحل حيث تقطن غالبية علوية تؤيد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، ما يعني أن احتفاظ المعارضة بها كان من شأنه قطع طرق الإمدادات العسكرية القادمة من العراق، وعزل العاصمة، ما يؤدي تدريجيا إلى إجبار النظام على التراجع نحو الساحل، تمهيدا لمحاصرته في معقله الأخير وإسقاطه نهائيا. وسقوطها في يد النظام يعني طوق نجاة جديدا للرئيس السوري بشار الأسد.
تمتلك حمص أهمية استراتيجية بحكم موقعها في المنطقة الوسطى على مسافة 160 كيلومترا تقريبا شمال العاصمة دمشق. وهي كبرى المحافظات السورية من حيث المساحة وفي المرتبة الثالثة من حيث عدد السكان بعد دمشق وحلب، ولها حدود مع لبنان من الغرب والعراق والأردن من الشرق. وقد خرجت مساحات واسعة من المدينة عن سيطرة النظام بعد اتجاه المعارضة إلى العمل العسكري. لكن بعد اقتحامات متتالية شنتها القوات النظامية ضد أحياء المدينة، تراجعت كتائب المعارضة إلى الأحياء القديمة، التي جرى محاصرتها نظاميا ما يقارب السنتين، ليصار أخيرا إلى إجلاء المعارضة من المدينة ضمن اتفاق مع النظام بإشراف الأمم المتحدة، فتعود حمص إلى سيطرة النظام. لعل النظام السوري أدرك منذ المعارك الأولى التي اندلعت في حمص خطورة السيناريو الذي تسعى إليه المعارضة انطلاقا من حمص، فسعى إلى إجهاضه عبر استراتيجيتين: الأولى تقضي بقطع الإمدادات عن بؤر المعارضة في المدينة تمهيدا لفصلها بعضها عن بعض ومحاصرتها وإجبارها على الاستسلام، بحسب ما يؤكد المحلل العسكري السوري عبد الناصر العايد لـ«الشرق الأوسط»، مشيرا إلى أن «الاستراتيجية النظامية الثانية اعتمدت على تغذية الصراعات داخل القوى العسكرية المعارضة التي انشغلت بالنزاعات الداخلية، مما جعل التعاون بينها شبه مستحيل، فإذا ما هاجمت القوات النظامية مجموعة ما ترفض المجموعات القريبة التدخل لإنقاذها».
وعلى الأرجح، فإن افتقاد كتائب المعارضة السورية في حمص قيادة مركزية تدير العمليات العسكرية بشكل متوازن وفعال، «ساعد النظام على استعادة حمص بسرعة أكبر»، وفق ما يقول المحلل العسكري عبد الناصر العايد في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»، موضحا أن «المعارضة تعاني مشكلة التشتت وعدم وجود استراتيجية موحدة تحافظ على التنسيق بين المناطق الخاضعة للمعارض».
ويزيد سقوط حمص بيد النظام من شرذمة كتائب المعارضة وتشتتها، فبعد أن كانت المعارك الميدانية تحصل في وسط البلاد، باتت تتركز أكثر في الأطراف التي لا تشكل خطرا كبيرا على النظام السوري. وهو ما سيساهم في تراجع مستوى التنسيق بين فصائل المعارضة، التي تقاتل أساسا وفق استراتيجيات متضاربة ترضي الجهات الممولة أكثر مما تلتزم استراتيجية محددة للمعارضة.
ويشدد العايد على أن «احتفاظ المعارضة بحمص كان من شأنه أن يحرم النظام من طريق إمداداته الواصل بين الساحل ودمشق، مما سيؤدي إلى إضعافه في العاصمة حيث عمقه السياسي، وإجباره إلى الانكفاء نحو عمقه الطائفي في الساحل»، لافتا إلى أن «تراجع النظام نحو الساحل سيعد هزيمة عسكرية له تمهد لإسقاطه».
وفي السياق ذاته، لا يقلل أستاذ العلاقات الدولية بجامعة باريس - الجنوب، خطار بودياب خلال تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» من أهمية حمص وعدها «عقدة طرق مهمة لوصل دمشق بالساحل، مما جعلها معركة مصيرية بالنسبة للنظام السوري»، موضحا أن «المعارضة ارتكبت خطأ كبيرا حين تلهت بحروب جانبية ولم تركز على استهداف النظام في مركزه الرئيس بالعاصمة عبر استثمار معارك حمص وما سواها».
وفي حين، يوضح بودياب أن «سقوط حمص يمثل انتكاسة للمعارضة»، يشير في الوقت نفسه إلى أن «الصراع في سوريا يخرج عن القواعد الكلاسيكية، فهو ليس حرب جيوش كما أنه ليس حرب عصابات، النزاع بين الأطراف في سوريا مزيج من الاثنين، مما يعني أن الحرب باتت طويلة الأمد ودخلت مرحلة الاستنزاف»، انطلاقا من ذلك فإن «سيطرة أي طرف على مدينة أو بلدة، ستقابلها سيطرة مضادة من الطرف الثاني في إطار حرب مواقع لا نهاية لها».
ويأخذ بودياب على المعارضة السورية «عدم وجود قيادة عسكرية موحدة تخطط لإدارة العمليات وتشرف على التنفيذ»، داعيا إياها إلى الدخول في مرحلة «المساءلة والنقد الذاتي»، لافتا إلى «تصريحات أدلى بها قائد جبهة حمص العقيد فاتح حسون، مبديا استعداده للمساءلة بعد سقوط حمص».
وكانت وكالة «الأناضول» التركية قد نقلت عن العقيد حسون أنه «مستعد مع الكوادر العاملة معه للمساءلة الشرعية والقضائية أمام أي لجنة تابعة للمعارضة»، وذلك لـ«تبيان الحقائق وتشجيعا لبدء مرحلة جديدة من العمل الثوري». وأشار حسون إلى أن «المساءلة من الممكن أن تتضمن الإمكانات القتالية التي تسلمتها جبهة حمص من سلاح وذخيرة وعتاد حربي، وكذلك الأمر بالنسبة للإمكانات المالية التي تسلمتها، وأيضا بالنسبة للإمكانات الطبية والإغاثية، وذلك من جانب الجهات الداعمة للمعارضة».
كما أبدى استعداده مع كوادره للمساءلة أيضا بـ«خصوص العمليات والمعارك القتالية المنفذة تحت إشراف الجبهة، وأيضا التواصل الداخلي والخارجي مع مختلف الجهات أو أي موضوع آخر متعلق». وكشف عن أنه «تقدم بطلب رسمي بهذا الخصوص إلى رئيس الحكومة المؤقتة التابعة للمعارضة أحمد طعمة»، لكن «لم يتلق ردا عليه حتى اليوم»، على حد قوله.
وعلى الأرجح، فإن الوقت الذي قد تقضيه المعارضة في تحديد المسؤوليات عن سقوط حمص سيستغله النظام في تثبيت سيطرته على المدينة التي تبدلت توازناتها الديموغرافية على المستوى الطائفي، فغدت الأقلية العلوية التي كانت تقطن في عدد من الأحياء، مثل النزهة والزهراء، الغالبية السكانية في المدينة بعد نزوح عدد كبير من السنة إثر القصف النظامي الذي استهدف مناطقهم. ويسهل هذا التغير الطائفي في حمص على النظام السوري تنفيذ خطته البديلة التي من المحتمل أن يلجأ إليها في حال شعر بالخطر، وتقضي بحسب تقارير صادرة عن مراكز أبحاث دولية بإنشاء دولة علوية تمتد من شمال دمشق إلى الساحل وتتخذ من حمص قاعدة أساسية لها.
في هذا الإطار، لا ينفي العايد أن «حمص باتت مجالا حيويا للعلويين بعد سيطرة النظام عليها»، مستبعدا في الوقت نفسه أن «يلجأ النظام إلى سيناريو الدويلة العلوية، لأن إيران أهم حلفائه لا تريد ذلك».
ويوضح أن «النظام الإيراني لا يريد للعلويين أن ينعزلوا عن محيطهم، على العكس هو يسعى إلى اندماجهم مع هذا المحيط بشكل وظائفي، بحيث يكونون أداة تأثير في الأحداث وذريعة لتوسيع النفوذ»، مضيفا: «كان يمكن لإيران أن تدفع حزب الله في لبنان إلى إقامة دويلة خاصة به، لكنها تفضل أن يبقى عنصرا فاعلا يملك حرية الحركة في البيئة السياسية اللبنانية لتحقيق مزيد من النفوذ لصالحها».
وسواء عمد النظام إلى استخدام حمص كقاعدة لدولته البديلة أم لم يعمد، فإن سيطرته على المدينة ستؤمن له موقعا عسكريا متقدما يحمي من خلاله حاضنته الاجتماعية ويتجه لخوض معاركه في مناطق أخرى.
ورغم خروج مقاتليها من آخر معاقلهم في حمص القديمة، فإن المعارضة السورية لا تزال تسيطر على نحو 85 في المائة من الريف الشمالي لمدينة حمص، حيث المسافة الفاصلة بين حماه وحمص. وتعد مناطق تلبيسة والرستن والغنطو ودير فول والدار الكبيرة وعز الدين والعامرية أهم مناطق الريف الشمالي الخاضعة لسيطرة المعارضة، مما يجعلها هدفا دائما لقصف القوات النظامية، بحسب ما أكد الناشط المعارض سليم قباني لـ«الشرق الأوسط»، مشيرا إلى أن «هذه المناطق تستهدف بقذائف الطائرات النظامية بشكل دوري، مما يتسبب في أضرار فادحة في ممتلكات المدنيين»، كما لفت إلى «وقوع اشتباكات متقطعة بين كتائب المعارضة المتحصنة داخل هذه المناطق والقوات النظامية بين الحين والآخر على جبهات العامرية وتلبيسة والرستن».
وفي حين يرى مراقبون أن المعركة الثانية للقوات النظامية ستكون في الريف الشمالي لحمص لطرد مقاتلي المعارضة من مناطقه، يعرب مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، عن اعتقاده أن النظام لا يسعى إلى هذه المعارضة بسبب نفاد المخزون البشري لديه، موضحا لـ«الشرق الأوسط» أن «النظام لا يملك العدد الكافي من الجنود لتغطية جميع الجبهات».
ويرجح عبد الرحمن أن «يعمد النظام إلى عقد المصالحة مع مقاتلي المعارضة في الريف الشمالي وربما اتفاق تسوية يشبه ذلك الذي أبرم لخروج العناصر المقاتلة من حمص القديمة»، مشيرا إلى أن عدد مقاتلي المعارضة المتمركزين في الريف الشمالي الحمص كبير جدا. وأوضح أن «عدد الذين وصلوا إلى هناك بعد اتفاق حمص كان 1800، مما يعني أن عدد الذين يتحصنون هناك يمكن إحصاؤه بالآلاف».
وتتنوع انتماءات مقاتلي المعارضة الموجودين في ريف حمص الشمالي، بحسب ما يؤكد عبد الرحمن، بين «الجيش الحر» و«الجبهة الإسلامية» و«جبهة النصرة»، وجبهة «ثوار سوريا»، إضافة إلى عناصر من تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام».
ومن الممكن أن يؤدي هذا التنوع العقائدي بين فصائل المعارضة في الريف الشمالي إلى اندلاع صراعات بينها أسوة ببقية المناطق، إذ حذرت بعض التقارير من «إمكانية وقوع نزاعات بين مقاتلي حمص الذين خرجوا من أحياء المدينة القديمة بموجب الهدنة الأخيرة، والمجموعات العسكرية التابعة للمعارضة في الريف الشمالي». كما أشارت التقارير إلى وجود «حساسيات لا يمكن إخفاؤها، خصوصا في ظل اتهام مقاتلي حمص نظراءهم في الريف الشمالي بالتخاذل عن نصرتهم، وعدم القيام بأي عمل من أجل فك الحصار الذي فرضه النظام على الأحياء الحمصية التي كان مقاتلو المعارضة يتحصنون فيها طوال السنتين الماضيتين». ورغم أن مقاتلي الريف الشمالي استقبلوا ضيوفهم القادمين من حمص المحاصرة بحفاوة كبيرة، لكن هناك مخاوف جدية من انقلاب الموقف، خصوصا أن عدد الخارجين من حمص تجاوز الألف مقاتل، بموجب الخطة التي قام النظام بفرضها على مقاتلي المعارضة في المنطقة، مما يعني أن انقساما ما سيبرز في الريف الشمالي بين الذين كانوا يتمركزون في القرى وهؤلاء الذين خرجوا ضمن اتفاق حمص، فضلا عن الصراعات العقائدية بين الفصائل المقاتلة، التي من الممكن أن تتحول إلى صراعات مفتوحة في أي لحظة.
وكان لافتا أن المجلس العسكري التابع للجيش السوري الحر ببلدة «الدار الكبيرة» في الريف الشمالي أصدر قرارا عشية تنفيذ اتفاق الهدنة منع فيه «دخول أي شخص إلى البلدة لحين انتهاء وصول المجاهدين من حمص المحاصرة، وذلك حرصا على تأمينهم وراحتهم»، في خطوة تهدف إلى تجنب الاحتكاك بين المقاتلين الموجودين في المنطقة والقادمين إليها من أحياء حمص القديمة.
النكتة سلاح الحمصيين ضد الموت
* احتلت مدينة حمص مكانة رمزية قبل اندلاع أزمة سوريا وبعدها، فـ«عاصمة الثورة»، وفق ما يحلو لناشطين ومعارضين تسميتها، باعتبار أنها احتضنت احتجاجات شعبية مبكرة ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، لطالما عرفها العالم على أنها «عاصمة النكتة». ولم يتردد أهلها في المطالبة قبل سنوات بإطلاق لقب «العاصمة العالمية للضحك» على مدينتهم، ثالث أكبر مدينة في سوريا وأغناها حضارة وتاريخا وتراثا.
وإذا كان المصريون، على سبيل المثال، يروون الدعابات والطرائف عن أهالي الصعيد، والفرنسيون عن البلجيكيين، والبرازيليون عن البرتغاليين، فلأهالي حمص النصيب الأكبر من النكت والدعابات المتداولة من قبل السوريين واللبنانيين وحتى الأردنيين.
ومع انطلاق الاحتجاجات الشعبية ضد نظام الأسد، حافظ الحمصيون على حس الطرافة. وبادر عدد منهم إلى تصوير طرائف ابتكروها ردا على اتهامات النظام باحتضان المدينة، قبل «عسكرة الثورة» مجموعات مسلحة، تظهرهم وهم يستخدمون الخضار والفواكه والمفرقعات النارية ردا على القصف النظامي. كما عمدوا إلى تصوير أفلام ساخرة وتقديم نماذج لأسلحة مصنوعة من رشاشات المياه والقساطل.
وبعد دخول الجيش النظامي إلى المدينة، أنشأ الحماصنة مجموعات طريفة على مواقع التواصل الاجتماعي، حملت إحداها تسمية «مغسل ومشحم حمص الدولي للدبابات». حتى إن انسحاب مقاتلي المعارضة، الأسبوع الماضي من حمص القديمة، لم يمر مرور الكرام، إذ كتب لاعب كرة القدم الحمصي المعروف عبد الباسط الساروط على صفحته الشخصية باللغة المحكية على موقع «فيسبوك»: «أبو عبدو زلمة نظامي أول ما طلع عالباص عطاه للشوفير عشرة ليرات وطلب منو كرت باص. صار يضحك الشوفير وقلو لأبو عبدو صار الكرت بخمسين ليرة. أبو عبدو اندهش وقال: يا إلهي كم لبثنا!».
ولأهل حمص تاريخ طويل في ميدان الفكاهة والمزاح، وثمة مؤلفات عدة ترصد نشأة «أدب النكتة» في المدينة. وتتناقل مراجع وتقارير عدة رواية مفادها أن القائد المغولي تيمورلنك بعد تنفيذ قواته هجوما على مدينة حلب أدى إلى تدميرها بالكامل، توارد الخبر إلى مسامع أهالي حمص، الذين علموا أن دورهم آت، فقرروا التظاهر بالجنون ولجأوا إلى قرع الطبول وارتداء ملابس غريبة وراحوا يفتعلون حركات غريبة ويقهقهون بطريقة هستيرية، مرددين أن كل من يشرب من مياه نهر العاصي تصيبه لوثة الجنون.
وتضيف الرواية أن قائد المغول لما رأى حالهم، ظن أن المدينة ممسوسة وطالب قواته بإكمال طريقها والزحف مباشرة على دمشق، لتبقى المدينة بفضل خفة دم أهلها وذكائهم، بمأمن عن بطش المغول.
عبد الباسط الساروت: من حراسة المرمى إلى حماية حمص
* لم يكن حارس مرمى منتخب سوريا لكرة القدم عبد الباسط الساروط يعتقد يوما أن الاحتجاجات الشعبية ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، ستصل إلى عمق مدينته حمص منتصف عام 2011 وتحوله إلى رمز من رموز حراك الشعب السوري.
بين ليلة وضحاها، انتقل الساروط من ملعب كرة القدم إلى واجهة المظاهرات الشعبية التي انطلقت باكرا في حمص، حيث قاد بعضها وصدحت حنجرته بشعارات وأناشيد مناهضة للنظام، باتت جزءا لا يتجزأ من الذاكرة الجماعية للمدينة، التي تعد وفق ناشطين «عاصمة الثورة»، ولم يتردد ناشطون كثيرون في تلقيبه بـ«بلبل الثورة».
ولم تكن مشاركة حارس كرة القدم، المتحدر من عشيرة «الحديدين» والمولود عام 1992، مشاركة عابرة أم رمزية، إذ تمكن بفضل شعبيته و«الكاريزما» التي يتمتع بها، من أن يصبح من أبرز محركي الشارع الحمصي والأكثر تأثيرا فيه. وكان لظهوره مع الممثلة العلوية فدوى سليمان، إثر محاولة النظام افتعال أحداث ذات طابع طائفي في المدينة، دورا أساسيا في التخفيف من حدة الاحتقان والتشنج.
ومع «عسكرة» الحراك الشعبي الذي لاقاه النظام السوري بالقتل والقمع، لم يعد النشاط السلمي مثمرا، مما دفع الساروط للانخراط في العمل العسكري الميداني، من خلال تأسيس كتيبة تضم عشرات المقاتلين وعرفت باسم «كتيبة البياضة»، لكن عددا كبيرا من عناصرها قضى مطلع العام الحالي بعد محاولتهم كسر الحصار وإدخال المساعدات الغذائية إلى المحاصرين في حمص، من خلال نفق حفروه، وتمكن النظام من كشف مخططهم والإيقاع بهم لدى محاولتهم التسلل إلى حمص القديمة، ولم ينج إلا عدد قليل منهم، بينهم الساروط.
وكتب الساروط، ليلة مقتل عناصر الكتيبة، على صفحته الشخصية على «فيسبوك»: «عرس جماعي لـ62 بطلا نالوا الشهادة في ظروف لا تصدق، كانوا يحملون على أعناقهم هم 3000 نسمة في حمص المحاصرة، وكانوا آخر أمل لفك هذا الحصار اللعين، رحمكم الله يا أبطال، عذرا يا رجولتي لا أستطيع منع نفسي عن البكاء».
وعمد النظام السوري، في مواجهة نفوذ الساروط المتصاعد، إلى تشويه سمعته حينا وترغيبه حينا آخر. فخصص جائزة مالية لمن يعتقله مرة، ومرة أخرى اتهمه بالسعي لإقامة «إمارة سلفية» في حمص. ويروي الساروط في فيلم وثائقي أعده المخرج طلال ديركي بعنوان «العودة إلى حمص»، أن النظام حاول استمالته من خلال وسطاء تعهدوا بتسوية وضعه مقابل أن يتخلى عن موقفه الداعم للمعارضة ويعود مجددا إلى صفوف المنتخب السوري. وقابل هذه المساعي بالرفض المطلق، متمسكا بمواقفه وبحراكه الميداني.
وبقي الساروط في حمص القديمة طيلة الفترة الماضية ولم يتركها إلا بعد اتفاق حمص، التي غادرها ومقاتلو المعارضة منتصف الأسبوع الماضي من المدينة، في إطار تسوية مع النظام السوري أشرفت الأمم المتحدة على تطبيقها.
وكتب الساروط على صفحته على «فيسبوك»: «حمص تمرض لكن لا تموت، العالم تآمر علينا لخروجنا من حمص المحاصرة، ولكن لن يستطيع العالم أن يحاربنا لدخولها لأن مقومات الحياة عادت ومخزون جسدنا الاحتياطي سيعود وسنعود بقوة بإذن الله ونستفيد من أخطائنا بإذن الله وسنترك المسميات والغايات والتسييس للذين أرادوه».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.