البندق... ثمرة لا تشبه سواها

من بين أهم 5 مواد غذائية أنعم بها الله على البشرية

البندق... ثمرة لا تشبه سواها
TT

البندق... ثمرة لا تشبه سواها

البندق... ثمرة لا تشبه سواها

تثمر شجرة البندق وتطعم حتى عامها الثمانين، والأغرب من هذا أنها فريدة من نوعها، إذ تزهر وتلقح في منتصف الشتاء، وبعدها تحمل الرياح حبوب اللقاح إلى زهرة حمراء صغيرة، حيث تبقى نائمة حتى شهر عندما يبدأ الجوز في التشكيل.
وللبندق عند الناس سحر خاص، بسبب شكله الكروي الجميل، أو بسبب طعمه اللذيذ الذي لا يمكن مقارنته بطعم آخر. وفي عالم المكسرات، عادة ما يكون البندق الأغلى والأفخر من بين كثير من الأنواع الطيبة التي يرغبها الناس.
في المعجم الوسيط، يأتي تعريف البندق على أنه: «نبات من الفصيلة البتوليَّة، بعض أنواعه يُزرع لثمره أو للتَّزيين، وبعضها يُزرع في الأحراج، وتُطلق الكلمة أيضاً على ثمار ذلك النبات، وهي ثمار لوزيَّة صغيرة مستديرة لذيذة الطَّعم، يُستخرج من بذوره دُهن يقوم مقام دهن اللَّوز».
وقد عثر علماء الآثار على كومة كبيرة من قشور البندق في جزيرة كولونساي الاسكوتلندية عام 1995، ويعود تاريخ تلك القشور إلى العصر الحجري المتوسط، وبالتحديد إلى عام 7000 قبل الميلاد. وكانت كمية القشور الضخمة القريبة من الشاطئ مشوية ومحروقة. كما عثر على كميات أخرى من البندق في مناطق مختلفة من بريطانيا، كجزيرة آيل أوف مان وفارنام ومنطقة ساري المعروفة. ويبدو من الأبحاث الأخيرة بهذا الصدد أن حرق البندق يعود إلى نشاطات اجتماعية في الجزيرة، حيث تبين أن أهل الجزيرة قد قطعوا أشجار البندق في الجزيرة في العام نفسه نتيجة النقص في الحيوانات والطيور، واعتماد أهل الجزيرة على الحمية النباتية.
ومن المعروف أنه يمكن تناول البندق وأكله دون تحميصه، لكن عملية التحميص تساعد على حفظه لفترات أطول، بالإضافة لسهولة هضمه من قبل الأطفال، وقد كان البحارة يستخدمونه بكثرة منذ زمن طويل لأنه يبقى صالحاً للأكل بعد فترات طويلة من تحميصه. وتشير المعلومات المتوفرة إلى أن الرومان اعتمدوا على البندق وزرعوه بكثرة، خلال وجودهم في الجزر البريطانية قديماً، ولم تنتشر أنواعه الكثيرة في الجزر هذه إلا في نهاية القرن السادس عشر، وقد ازداد هذا الاهتمام في بداية القرن التاسع عشر.
وتقول المخطوطات التي عثر عليها في الصين، ويعود تاريخها إلى عام 2838 قبل الميلاد، إن هناك أدلة تاريخية تشير إلى أن المكسرات تشكل جزءاً مهماً من التغذية البشرية منذ فترة طويلة من التاريخ، وإن البندق كان يعتبر واحداً من أهم 5 مواد غذائية مقدسة أنعم بها الله على البشرية، وإن ذلك مستمر منذ أكثر من 4798 سنة.
وجاء ذكر الاستخدامات الطبية للبندق في «كتاب الحشائش» (de Materia Medica) للفيزيائي والطبيب الإغريقي المعروف ديسقوريديس قبل أكثر من ألفي عام. ولطالما ارتبط البندق رمزياً وتاريخياً بالسلام والصفح والمصالحة، وكان من النباتات المقدسة عند بعض الشعوب. وقد ارتبط اسمه أيضاً بإله التجارة وحامي القطعان والقوافل، الإله الإغريقي هيرميس بن زيوس ومايا.
وفيما يقول البعض إن البندق انتشر من شمال الأناضول باتجاه الصين والعالم قاطبة بعدها، يقول البعض إنه جاء إلى تركيا من وسط آسيا، وانتشر بعدها في جميع أنحاء العالم.
ولا عجب أن تكون تركيا أكبر منتج ومصدر للبندق في العالم. ويعتبر البندق التركي من أفخر وأجود أنواع البندق في العالم. وتنتج تركيا 70 في المائة من الناتج العالمي منه، وتصدر 80 في المائة من إنتاجها إلى الخارج. وتشتهر ولاية «أوردو»، الواقعة شمال تركيا على البحر الأسود، بإنتاج معظم البندق التركي. وتشير المعلومات المتوفرة إلى أن عائدات تركيا من تصدير البندق العام الماضي (2016) وصلت إلى ملياري دولار تقريباً. وقد صدرت أكثر من 227.556 ألف طن، معظمه كان إلى أوروبا، خصوصاً إيطاليا وفرنسا وألمانيا. لكن تركيا ليست البلد الوحيد في عالم البندق، فهو يكثر في اليونان أيضاً وإيران وإيطاليا وإسبانيا وأذربيجان وأوكرانيا وروسيا وجورجيا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية والصين وسوريا، وبالتحديد في منطقة بتيسة في محافظة حمص.
ولطالما استخدم الناس منذ قديم الزمان البندق في مجال الأدوية، وكمنشط للجسم، وكعلاج لكثير من المشكلات الصحية كالكحة والنزلات الصدرية وعلاج الصلع؟ كما تعرض ابن سينا لفوائد البندق، وحصل الأمر نفسه مع ابن موسى، الذي قال: البندق أكثر تغذية من الجوز، وهو يقوي الأمعاء وينظفها من المواد السامة والغازات الضارة. وكان البندق للغايات الطبية، وككثير من المواد، يخلط بالعسل والفلفل الأسود المطحون لعلاج النزلات الصدرية وغيره. كما كان البعض يستخدم قشوره المحمصة المطحونة لعلاج الصلع، وهو من الخرافات الطبية القديمة الكثيرة.
ومن المعروف أن تناول البندق مع التين بعد وجبات الطعام يزيد من فائدته للصحة. ووفقاً للكتب الحديثة، يعتبر زيت البندق مهم جداً في مسألة علاج «الديدان الشريطية في أمعاء الأطفال، وهو يستخدم أيضاً كمنشط للشعر». وعادة ما يوصف البندق إلى جانب الجوز والفستق والفاكهة المجففة للمصابين بعسر الهضم.
ويقول الدكتور جميل القدسي، في هذا الإطار، إن البندق ربما كان واحداً من «أروع المكسرات وأكثرها فوائد على الإطلاق، فالدراسات تشير إلى غناه بعنصر النحاس، وكذلك المغنيسيوم. وهذان العنصران يساهمان في تخفيف العملية الالتهابية، ولذلك كان تناول البندق في الأمراض المزمنة الالتهابية، مثل الربو وحساسية الصدر وحساسية الأنف»، ويضيف: «وبما أن البندق غني بالدهون المشبعة وأوميغا 3، فهو مفيد للقلب ومانع لتصلب الشرايين (...) وهو مهدئ للجهاز الهضمي، ويساهم في تخفيض الوزن».
ويقال أيضاً إن البندق يقي من الإصابة بسرطان الرئة وسرطان البروستات لما يحتوي عليه من مواد وفيتامينات هامة تقي من هذه الأنواع من السرطانات. ويعتبر البندق من أفضل المغذيات للدماغ، حيث يساعد على الوقاية من ألزهايمر الذي يحدث مع تقدم العمر، ويحسن الصحة العصبية والذاكرة العاملة، ويحل مشكلات وظيفة الحركة. كما أن للبندق أيضاً تأثيراً كبيراً على نوعية الحيوانات المنوية، مما يساعد في معالجة العقم عند الرجال.
وإذا كانت الحامل ترغب بإنجاب أنثى على خطى الإغريق والفراعنة والتقاليد القديمة في هذا الحقل، ينصح البعض بتناول الحليب ومشتقاته والخبز المصنوع من القمح الأبيض واللوز وعباد الشمس وسمك السردين والسلمون والمحار والبندق.
وللبندق طائر خاص به يعرف بـ«كسار البندق، وهو من الفصيلة الغرابية، ويوجد منه نوعان: واحد أوروبي، وواحد أميركي، وبشكل عام و«شأنها شأن طيور الغربان، لها منقار طويل لكسر البندق وفتحه. وهي تختزن البندق لكي تحصل عليه في أيام الشتاء الجليدية القاسية. كما أنها تفتح كيزان الصنوبر للحصول على ما فيه من البذور»، كما تقول الموسوعة الحرة.



أطباق مائدة الربيع تتلون بنبض الطبيعة

طبق سلطة الفراولة مع الجرجير وجبن الفيتا (إنستغرام)
طبق سلطة الفراولة مع الجرجير وجبن الفيتا (إنستغرام)
TT

أطباق مائدة الربيع تتلون بنبض الطبيعة

طبق سلطة الفراولة مع الجرجير وجبن الفيتا (إنستغرام)
طبق سلطة الفراولة مع الجرجير وجبن الفيتا (إنستغرام)

بعيد انتهاء فصل الشتاء وتناول الأطعمة الساخنة من حساء ويخنة، تتفرغ ربات المنزل لاستقبال فصل الربيع، فمعه تأخذ الأطباق منحى مغايراً، بحيث تتلوّن بفواكه وخضار الربيع اللذيذة. الفول والبازلاء يتصدران اللائحة، بينما الأفوكادو والفراولة والجنارك تجتمع في أطباق واحدة لتؤلِّف سلطات بطعم الربيع المنعش والشهي.

الجنارك مكون محبوب في السلطة الربيعية (إنستغرام)

ولا يقتصر حضور هذه المكونات على نكهتها المميزة فحسب، بل يتعداه إلى قيمتها الغذائية العالية. فهي غنية بالفيتامينات والمعادن ومضادات الأكسدة التي يحتاج إليها الجسم لاستعادة نشاطه بعد فصل الشتاء. كما تتميز أطباق الربيع بخفتها وسهولة هضمها، ما يجعلها خياراً مثالياً لمَن يسعون إلى نظام غذائي متوازن وصحي. وتسهم هذه المائدة المتنوعة في تعزيز المناعة وإمداد الجسم بالطاقة، إلى جانب إضفاء لمسة جمالية على السُّفرة بألوانها الزاهية التي تعكس روح الطبيعة في هذا الفصل.

هكذا يتحوَّل الربيع إلى فرصة لإعادة ترتيب العادات الغذائية، والعودة إلى المكونات الطازجة والبسيطة التي تجمع بين الفائدة والطعم، فتغدو المائدة مساحةً للاحتفاء بالحياة وتجدّدها.

الفول الأخضر من خضار الربيع الشهية (إنستغرام)

سلطات الربيع نكهة وفائدة

تُعدُّ أطباق السلطة من أكثر الأكلات التي تُقبل ربّة المنزل على تحضيرها لمائدة شهية. وفي فصل الربيع تكثر الخضراوات والفواكه التي تتزيّن بها هذه الأطباق. فتدخل في مكوّناتها بانسجام، كما يؤلّف شكلها الخارجي مشهداً يجذب النظر قبل التذوّق.

5 وصفات لسلطات ربيعية بامتياز

- سلطة اللوز الأخضر مع الجرجير

يُعدُّ اللوز الأخضر من المكوّنات التي يمكن استخدامها فاكهةً وخضاراً في آن واحد، مع إضافة أنواع خضار أخرى إليه بحيث يكتمل المذاق المرغوب في أطباق السلطة.

لتحضير هذه السلطة، تحتاجين إلى باقة من الجرجير (روكا)، و3 حبّات من الخيار، ونصف خسّة، وكوب من النعناع الأخضر، و30 غراماً من حبّات الرمان، و50 غراماً من بذور اليقطين المقشّرة، إضافة إلى ربع كوب من عصير الليمون الحامض، وحبّتَي جزر مبروشتين، ورشّة سمّاق، وملعقة من زيت الزيتون.

سلطة اللوز الأخضر مع الجرجير (إنستغرام)

يُقطَّع اللوز الأخضر إلى شرائح صغيرة ويُنقَع في الماء. في هذه الأثناء، يُفرم الجرجير والخيار والخس إلى قطع متوسطة، ثم يُضاف إليها اللوز المنقوع والجزر المبشور وبذور اليقطين. يُمزَج الخليط جيداً، ويُزيَّن بأوراق النعناع وحبَّات الرمان ورشّة من السمّاق. أخيراً، تُضاف الصلصة المؤلّفة من زيت الزيتون وعصير الليمون وملعقة من دبس الرمان مع رشّة ملح.

- سلطة الجنارك مع خس «آيسبيرغ»

يُعدُّ الجنارك من الفواكه المحبّبة لدى اللبنانيين، إذ يشكِّل تناوله مع الملح طقساً ربيعياً يجمع الكبار والصغار.

لتحضير هذه السلطة، تحتاجين إلى 300 غرام من الجنارك، ونصف خسّة «آيسبيرغ»، ونصف كوب من البندورة الكرزية، ونصف كوب من الأرضي شوكي المقطّع.

أما الصلصة فتتألّف من ملعقتين من خلّ البلسميك، وملعقة من زيت الزيتون، ونصف كوب من البقدونس المفروم، مع رشّة ملح.

يُقطّع الجنارك والخس والبندورة الكرزية، ثم تُضاف إليها قطع الأرضي شوكي الطازجة. تُسكَب الصلصة فوق المكوّنات وتُقدَّم السلطة باردة بعد وضعها في الثلاجة لنحو ساعة.

سلطة المانغو مع البازيلا الخضراء (إنستغرام)

- سلطة الفول الأخضر والأفوكادو

تُعدُّ هذه السلطة من الأطباق السريعة التحضير، وهي صحية ومنعشة في آن.

لتحضيرها، يُخلط 500 غرام من حبوب الفول الأخضر مع حبّتين من الأفوكادو المقطّع إلى مكعّبات، و3 أعواد من البصل الأخضر المفروم، ونصف كوب من البندورة الكرزية، مع رشّة من الزعتر الأخضر.

تُخلط المكوّنات جيداً، ثم تُضاف إليها الصلصة المؤلّفة من ثوم مهروس وعصير ليمون وزيت زيتون مع رشّة ملح. ويمكن إضافة ملعقة صغيرة من الكمّون حسب الرغبة.

- سلطة الفراولة مع الجرجير والجوز

لتحضير هذه السلطة، تحتاجين إلى ضمّتين من الجرجير المقطّع، وكوب ونصف الكوب من الفراولة المقطّعة، وبصلة مفرومة شرائح، و150 غراماً من جبن الفيتا، و50 غراماً من الجوز.

يُوضع الجرجير في وعاء التقديم، ثم تُضاف إليه الفراولة والبصل، ثم جبن الفيتا والجوز. أما الصلصة فتتألّف من عصير الليمون، وملعقة صغيرة من العسل، وأخرى من الخردل، وملعقة كبيرة من زيت الزيتون، مع رشّة ملح وبهار أبيض. تُسكب الصلصة فوق المكوّنات وتُقدّم فوراً.

- سلطة المانجو مع البازلاء الخضراء

تجمع هذه السلطة بين الطعم الحلو والمنعش للمانجو، ونكهة البازلاء الطازجة، مع غنى الحمص، لتقدَّم طبقاً ربيعياً صحياً ومتكاملاً. وتتألّف من حبّة مانجو ناضجة مقطّعة إلى مكعّبات. وكوب من البازلاء الخضراء (طازجة أو مسلوقة قليلاً) وكوب من الحمص المسلوق، ونصف كوب من البندورة الكرزية المقطّعة. وربع كوب من البصل الأحمر المفروم ناعماً. وحفنة من الكزبرة أو النعناع (حسب الرغبة)

ولتحضير الصلصة يلزمنا عصير ليمونة واحدة، وملعقة كبيرة زيت زيتون، وملعقة صغيرة دبس رمان.

في وعاء كبير تُخلط مكعّبات المانجو مع البازلاء والحمص والبندورة والبصل. تُضاف الأعشاب الطازجة وتُقلّب المكوّنات بلطف.

وفي وعاء صغير، تُحضّر الصلصة بمزج عصير الليمون مع زيت الزيتون ودبس الرمان والملح والبهار. تُسكب فوق السلطة وتُحرّك بخفّة كي تتوزّع النكهات دون أن تفقد المانجو قوامها. تُقدّم السلطة باردة، ويمكن تبريدها لمدة قصيرة قبل التقديم لتعزيز النكهة.


«المذاق العراقي»... رحلة بين أطباق «الرافدين»

«المذاق العراقي»... رحلة بين أطباق «الرافدين»
TT

«المذاق العراقي»... رحلة بين أطباق «الرافدين»

«المذاق العراقي»... رحلة بين أطباق «الرافدين»

من قلب مدينة نصر، يختزل مطعم «المذاق العراقي» المسافة بين بغداد والقاهرة مقدِّماً تجربة طهي أصيلة تعتمد على دسامة المكونات وروح البيوت، ليتحول من مجرد وجهة للطعام إلى ناقل لإرث بلاد الرافدين إلى مصر.

ومع محدودية المطاعم العراقية في القاهرة، فإن مطعم «المذاق العراقي»، الكائن بحي مدينة نصر بالقاهرة (شرق القاهرة) يبدو محافظاً على الطابع الأصيل.

تضم قائمته الأطباق الشائعة التي تجتمع عليها العائلات، وتُقدّم بروح ربات البيوت؛ لكون أفراد الأسرة العراقية المؤسسة للمطعم كانوا يشرفون بأنفسهم على الطهي في بداياته، مما منح المطعم سمعة مميزة بين الجالية العراقية في مصر.

قطع "التكة" (اللحم أو الدجاج) تُشوى بعناية فائقة داخل مطعم "المذاق العراقي"

يوضح المسؤول عن إدارة المطعم، علي أبو شادي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «المطبخ العراقي هو مطبخ دسم بامتياز، وهذه ليست مجرد صفة، بل هي منهج في أطباقه المحضّرة بإتقان؛ فهو يعتمد على لحم الخراف الطبيعي».

وأشار إلى أنه عندما قرر المطعم تقديم الطعام الشعبي: «كان علينا الاحتفاظ بهذه السمة في الطهي، مع التمسُّك بأعلى جودة للمكونات، ونقل روح البيت العراقي بكل تفاصيله؛ لذا المذاق الذي نقدمه هنا في مصر هو ذاته الذي تجده في بغداد. زوارنا يشعرون وكأنهم في دعوة منزلية بالعراق».

السمك المسكوف أحد الأطباق الأساسية في المطبخ العراقي

من بين الأصناف التي تمتلئ بها قائمة الطعام، يرشح أبو شادي تجربة طبق «القوزي»؛ كونه وجبة متكاملة، قائلاً: «إذا أراد الزائر تذوق الروح العراقية في طبق، فنحن نرشح له القوزي بلا منازع؛ فهو يعتمد في أساسه على قطعة من لحم خروف (الموزة) التي تُطهى بعناية، وهذا اللحم يُقدم أعلى طبقة من الأرز المُعَدّ على الطريقة العراقية، سواء كان أبيض أو أصفر، والمزيّن بالشعيرية واللوز والزبيب».

أما «الدليمية»، فتعتمد على قطعة اللحم الناضجة جداً، ولكن سرّها يكمن في «خبز التنور»، المقطع والمغمس في صلصة حمراء (المرق)، وتوضع أعلاه طبقات الأرز واللحم، مما يخلق مزيجاً من القوام والطعم اللذيذ.

يقدّم المطعم كذلك طبق البرياني باللحم والدجاج بطريقة خاصة تختلف عن البرياني الهندي؛ إذ لا يُقدم حاراً، بل يُحضَّر بأسلوب صحي مريح للمعدة، يعتمد الطبق على القرفة والتوابل ليمنحه مذاقاً بارداً، ويُقدَّم مع البسلة والجزر والبطاطس إلى جانب المرق والأرز.

بالوصول إلى «الدولمة»، فأنت أمام سيدة المائدة العراقية، وهي ليست مجرد أصناف محشية، بل هي مجموعة خضراوات (الباذنجان، الفلفل، البصل، وورق العنب) تُطهى جميعاً في إناء واحد، لكي تتحد في نكهة واحدة، وتكتمل هذه الوجبة حين توضع في قاعها ريش لحم الخروف (الضلوع)، لتتحول عند التقديم إلى لوحة فنية تُطلب بالاسم في العزائم الكبرى.

«المشاوي»، ركيزة أساسية لا تكتمل التجربة العراقية من دونها، وتعتمد على لحم «الضأن» الدسم، ومن بينها يبرز الكباب (الكفتة)، الذي يحضّر بمزيج من اللحم مع الأعشاب والتوابل والبهارات التي تضيف نكهة مميزة تذوب في الفم، ويُشوى على السيخ العريض، ويُقدم مع الطماطم والبصل والفلفل المشوي. وتمتد قائمة المشاوي لـ«التكة» (قطع اللحم أو الدجاج) التي تُشوى بعناية فائقة.

أما «الكص العراقي» (الذي يماثل الشاورما المصرية أو السورية)، فهو يُحضّر من اللحم أو الدجاج، ولها نظام خاص في التتبيل والتقطيع، فلا تُقدَّم كقطع ناعمة، بل تكون القطع كبيرة وواضحة، ومعتمدة بشكل أساسي على اللحم الضأن، الذي يتميز بدسامته العالية.

لم يغفل المطعم عن تقديم «الباجة»، تلك الوجبة المحببة لدى الكثير من العراقيين وتقدم في المطاعم الشعبية، يقول «أبو شادي»: «الباجة عندنا ليست مجرد أكلة، بل هي طقس عراقي بامتياز، تتكون من نصف رأس خروف مع الأرجل، وتُطبخ معها الأحشاء (الكرشة) التي تُحشى باللحم واللوز والبهارات، وتُقدم مع الخبز المنقوع بماء اللحم؛ فهي طبق لا يعترف بأنصاف الحلول، نظراً للمكونات الدسمة والمغذية».

"الدولمة" تُطلب بالإسم في العزائم الكبرى

لا يمكن الحديث عن المطبخ العراقي دون ذكر السمك المسكوف؛ حيث تُستخدم أنواع مخصصة، مثل سمك الكارب أو البني، المرتبطين بنهري دجلة والفرات، ويشترط ألا يقل وزن السمكة عن كيلوغرامين لتتحمل الشواء؛ حيث يُشوى السمك على الفحم لمدة تصل إلى ساعة كاملة لتذوب دهون السمكة، مما يمنحها مذاقاً مميزاً.

طبق البرياني باللحم أو الدجاج يُحضَّر بأسلوب صحي

وحتى تكتمل التجربة العراقية داخل المطعم، يُقدم للزبائن كوب اللبن الرائب ليوازن ثقل الأطباق الدسمة، هذا الشراب المعروف باسم «لبن أربيل» يتميز بطعمه الحامض، ويُعد جزءاً أصيلاً من المائدة العراقية، ولا يقتصر دوره على النكهة، بل يحمل فوائد صحية، أبرزها تعزيز عملية الهضم وتخفيف أثر الأطعمة الثقيلة على المعدة.

يقدم المطعم أطباقه وسط ديكورات بسيطة، سواء في الموائد أو الحوائط، وتلفت الانتباه بعض اللقطات القديمة لشوارع بغداد، فيما تستقبل الزوار عبارة «تفضل أغاتي»، الشائعة في اللهجة العراقية، التي تستخدم للترحيب والتقدير لضيوف المكان.


مبانٍ تاريخية تتحوّل إلى مطاعم وفنادق فاخرة في لندن

غرفة الطعام الخاصة للمزيد من الخصوصية (الشرق الأوسط)
غرفة الطعام الخاصة للمزيد من الخصوصية (الشرق الأوسط)
TT

مبانٍ تاريخية تتحوّل إلى مطاعم وفنادق فاخرة في لندن

غرفة الطعام الخاصة للمزيد من الخصوصية (الشرق الأوسط)
غرفة الطعام الخاصة للمزيد من الخصوصية (الشرق الأوسط)

شهدت لندن في السنوات الأخيرة موجة لافتة من إعادة توظيف المباني التاريخية، حيث تحوّلت مساحات كانت مخصّصة لأغراض مالية أو دينية أو سكنية إلى مطاعم راقية وتجارب طعام فاخرة، تجمع بين عبق الماضي وأناقة الحاضر.

من أبرز الأمثلة على ذلك تحويل مبانٍ تاريخية قديمة إلى فنادق ومطاعم فخمة، مبنى في منطقة «كوفنت غاردن» كان يستخدم قسم منه مركزاً للشرطة، والقسم الآخر كان محكمة للجنايات، واليوم تحول إلى فندق «نوماد»، ونفس الشيء حصل مع «ذا نيد» الذي احتفظ بالعناصر المعمارية الأصلية لمبناه مثل الأعمدة الضخمة والجدران العالية، بينما أُعيد توظيف المساحات لتضم مطاعم متعددة وراقية. هذا النوع من التحويل يعكس توجهاً واسعاً في المدينة للحفاظ على التراث المعماري بدل هدمه، ومنح الزائر تجربة تجمع بين التاريخ والثقافة والمذاق في آنٍ واحد.

من صالة مصرفية الى مطعم ياباني في قلب لندن (الشرق الأوسط)

كما شملت هذه الظاهرة المباني الدينية أيضاً، إذ تم تحويل بعض الكنائس أو أجزاء منها إلى مطاعم، ومن أبرزها مقهى يقع داخل كنيسة «سانت مارتن إن ذا فيلدز» بالقرب من ميدان ترافالغار حيث يجلس الزوار لتناول الطعام وسط أجواء معمارية تعود لقرون مضت، و«ميركاتو مايفير» المبنى الذي يضم عدة مطاعم، وكان في الماضي كنيسة شهيرة في المنطقة ولا تزال تحتفظ بديكوراتها الداخلية الأصلية بما فيها المذبح الذي بقي على ما كان عليه.

وأجدد مثال على هذه الطفرة التحويلية في استخدام المباني التاريخية، افتتاح مطعم «أكي» (Aki London) في منطقة مارليبون، وتحديداً في ساحة كافنديش، فخلف أبواب ضخمة أنيقة تختبئ قصة مبنى عريق كان في السابق فرعاً لمصرف «ناتويست»، أحد البنوك البريطانية التقليدية التي شكلت جزءاً من الحياة المالية للمدينة لعقود طويلة.

مجموعة من الاطباق المعروفة في "أكي" (الشرق الأوسط)

اليوم، وبعد عملية ترميم وتحويل دقيقة، تحوّل هذا المبنى إلى مساحة فاخرة تحمل طابعاً يابانياً معاصراً، حيث تمتزج التفاصيل المعمارية الأصلية، مثل الأسقف العالية والزخارف التاريخية، مع تصميم داخلي حديث يوازن بين الفخامة والهدوء. وهكذا، لم يعد المكان مجرد مبنى مصرفي قديم، بل أصبح وجهة طعام تعكس كيف يمكن للتراث المعماري أن يُعاد إحياؤه بروح جديدة تماماً. أول ما تشاهده عند دخولك إلى المطعم الخزنة المصرفية التي تستخدم اليوم كحاوية للمشروب، وتحولت القاعة المصرفية إلى واحة من الأرائك المخملية الخضراء التي تتناغم مع لون الجدران الداكن.

افتتح «أكي» في سبتمبر (أيلول) 2025، ويقدم أطباقاً يابانية مع لمسة من الدفء المتوسطي، ويعتمد في مطبخه على مفهوم «من المزرعة إلى المائدة»، تصميمه يمزج ما بين الأسلوبين الأوروبي والياباني، وهو يحمل توقيع المصمم العالمي فرانسيس سولتانا.

أطباق أكي يابانية ممزوجة بقالب من العصرية (الشرق الأوسط)

الطابق العلوي من المطعم كان في الماضي الصرح الرئيس للمصرف، وتمت عملية التحويل بطريقة حافظت على عظمة المبنى التاريخية، وكلفت 15 مليون إسترليني، وتمت إضافة لمسات فنية مستوحاة من اليابان. واستلهم سولتانا تصميمه من معرض الشاشات اليابانية في متحف المتروبوليتان في نيويورك ليخلق مساحة تلتقي فيها الأناقة الأوروبية بالحرفية اليابانية.

ميزة المطعم أسقفه العالية والإنارة الموزعة عليها مع لوحات فنية عملاقة وجميلة مع استخدام أقمشة الكيمونو التراثية التي تضيف عمقاً بصرياً. يمكن الاختيار بين تناول الطعام في قاعة الطعام في الطابق العلوي أو في الطابق السفلي الذي يضم غرفة طعام خاصة للذين يفضلون الأكل في خصوصية تامة.

طريقة تقديم عصرية وأنيقة (الشرق الأوسط)

وتضم قائمة الطعام الساشيمي، والنيغيري، ولفائف السوشي، والتيمبورا، وأطباق الروباتا، والواجيو، والأرز، والحلويات.

بدأنا بطبق إديمامي مع ملح الكمأة، ومن ثم تناولنا تارتار تونة التشو تورو مع كافيار الياسمين والأرز البني الذي يضيف إليه النادل أمامك صلصة صويا خاصة بالساشيمي معتّقة لمدة 50 عاماً فوق الطبق، بالإضافة إلى جيوزا لحم الواجيو مع ميسو البصل والكمأة. كما كانت قطع لحم الضأن «لومينا» من الأطباق اللذيذة جداً، بفضل طراوتها وتتبيلتها بالكيمتشي التي منحتها نكهة مالحة وحارة. في حين كان طبق سي باس التشيلي غنياً بالنكهة.

أما بالنسية للحلويات فجرّبنا «ميلك تشوكلايت ناميلاكا» الذي يستغرق تحضيره 8 ساعات، وتستخدم فيه الشوكولاتة الداكنة المستوحاة من حضارة المايا.