جاسر الجاسر لـ {الشرق الأوسط}: متطرفو الإسلام السياسي تناسلوا من رحم «الإخوان»

أسدى للصحافيين الشبان عشر نصائح.. ووصف حبه للمهنة بـ«الإدمان»

جاسر الجاسر
جاسر الجاسر
TT

جاسر الجاسر لـ {الشرق الأوسط}: متطرفو الإسلام السياسي تناسلوا من رحم «الإخوان»

جاسر الجاسر
جاسر الجاسر

الحوار مع صحافي لامع يشبه أمنية الحديث مع النفس، يتمنى خلاله مجري الحوار أن يُسأل الأسئلة نفسها، ليجاوب. هذا ما شعرت به عندما شرعت في إجراء حوار مع جاسر الجاسر، الصحافي والكاتب السعودي، الذي أسدى للصحافيين عشر نصائح، بعدما تحدث عن بعض من السياسة، وبرشاقة وإسهاب عن الصحافة، لا سيما أنه علامة سعودية تتسربل الحرف بجرأة، وتجيد الحرفة، كونه شغل مناصب قيادية في وسائل إعلامية سعودية عصرية، إذ كان رئيس تحرير صحيفة «الشرق» السعودية، وقبلها رئيس تحرير لصحيفة «الوطن»، بعدما كان نائبا لرئيس تحريرها لسنوات، وكانت مناصبه خلفا لقيادته قناة «الاقتصادية» الخاصة، ومشوار طويل ركض خلاله في نشر تحقيقات جريئة في صحيفة «إيلاف» الإلكترونية. كما خاض تجربة واسعة كصحافي في أروقة الورق، من صحف «الشرق الأوسط»، و«الحياة»، إلى مجلة «الرجل».
المهارة، بحسب الجاسر، تتمثل في «تطويع شكل العمل الصحافي بحسب الوسيلة، لا أكثر». ولا يعتقد أن الصحافة في السعودية تتجاوز صحافة المقالة.
كما يصف الجاسر نفسه بالمدمن، ولكن، ليس إشارة إلى تحقيقات المخدرات الجريئة التي انتشرت بشكل واسع عندما نشرها في «إيلاف»، بل من خلال وصفه لنفسه عندما أجاب عن سؤال عائلي يتعلق بتغيير المهنة، إذ قال: «.. أجيب زوجتي بأنني مدمن لهذه المهنة، ولا أعرف ما سواها، فهي قدري بخيرها وشرها».
الحديث مع الصحافيين السعوديين هذه الأيام من المستحيل أن يخلو من المشهد السياسي، ويرى الصحافي اللامع أن بلاده التي أعلنت للتو تفكيك خلية إرهابية جديدة، نجحت أمنيا في القضاء على تنظيم القاعدة وإضعافه، ومن ثم أسقطت كل خلاياه التي كانت موجودة في الداخل، مضيفا أن هناك منتمين للفكر أكثر من وجود التنظيم عينه. وقال واصفا وصول الرئيس السابق محمد مرسي للرئاسة بالكاشف لنوايا الإخوان المسلمين ضد الخليج، «يجب أن نشكره، لأنه كشف نوايا الإخوان المسلمين الحقيقية في الخليج»، كما تحدث عن استهداف السعودية من قبل الجماعات سواء التخريبية أو الآيديولوجية، وأهمية استيعاب المزاج العام السعودي لخطورتها... وفيما يلي نص الحوار:

* كصحافي.. كيف تقرأ مشهد الإرهاب في السعودية بعد الإعلان عن تفكيك خلية، ودخول «داعش» على الخط للمرة الأولى؟
- مشكلة السعودية أنها هدف هذه الجماعات بلا استثناء، وفي قناعاتي، الرياض هي الطاعن الشرعي في وجودهم، لذلك مشكلة التأليب لجميع الجماعات من «القاعدة» إلى اليوم، نجد أنها لا تستهدف إلا السعودية، وتعمل ضدها، وحتى كوادرها غير السعودية تدربها وتبعثها إلى السعودية، هناك حملة شرسة من هذه الجماعات الإرهابية ومحاولة إحداث الخراب فيها، مع أنها تحصل على كوادر وتمويل من داخل السعودية وتسخره وتضرب به وتوجهه نحوها.
السعودية نجحت أمنيا في القضاء على «القاعدة» وإضعافها، ومن أسقطت كل خلاياها التي كانت موجودة. والآن هناك منتمون إلى الفكر، لكن لم تكن هناك تنظيمات حقيقية.
وتنظيمات مثل تنظيم الـ106 المعلن عنه الثلاثاء الماضي نستطيع تسميته تنظيم داعش أو محاولة جديدة من «القاعدة» لتقديم نفسها بثوب جديد مختلف لمحاولة كسب التعاطف، ومررت أفكارها على أنها جماعة إسلامية نقية تسعى لإقامة دولة الخلاف والإسلام والعبارات الأخرى التي يغرر بها الشباب.
السعودية أثبتت يوما بعد يوم أنها تسيطر أمنيا على كل هذه المفارز وقادرة على غلق المنافذ بشكل أساسي.
* ماذا عن إعلان السعودية الأخير ضد الجماعات المتطرفة والمحرضة؟ وأخص هنا الإخوان المسلمين؟
- «الإخوان المسلمون» هي المنبت للإسلام السياسي، وتعد منشأ كل الجماعات الإرهابية، من الهيكلية التنظيمية والخلايا العنقودية، والتدريب والتأهيل، إلى جانب استحداث فكر معين يقوم على تأويل مجزأ، أو مقصود معين لآيات وأحاديث معينة. كل الجماعات تناسلت من الإخوان المسلمين، فهم الأصل، حتى لمن لا ينتمي مباشرة إليهم، لأن كل الجماعات التي ظهرت تمثل نتاج هذه التربية. حتى عقائديا، في كل طروحات الجماعات المتطرفة نجد أنها استفادت بشكل أو بآخر من طروحات «الإخوان».
لم تكن هناك قناعة حقيقية بأن «الإخوان» يشكلون خطرا في السعودية، لكن بعد ظهور وفوز الرئيس المخلوع محمد مرسي انكشفت الأقنعة، وكشف «الإخوان» عن نواياهم وتوجهاتهم، وبرهنوا على أن علاقتهم بالدولة لا تتجاوز كونها علاقة مكان وليس علاقة وطن، وأن الولاء لديهم للآيديولوجيا وليس للوطن.
حتى في حساباتهم على موقع التدوين المصغر «تويتر»، كانوا يظهرون انتشاءهم بأن حققوا الانتصار والحلم الذي انتظروه منذ 80 سنة.
ولذلك؛ لا نستغرب موقف السعودية مما حدث في 30 يونيو (حزيران) سواء في الشعور أو الإدراك، السعودية بدأت تدرك أن هناك تحركا جديا. استهداف دول الخليج بدا واضحا أيام مرسي، والإدارة السياسية أيام مرسي كانت توجه رسائل بأن لديها طموحات. أصبح لدينا يقظة واستشعار لم يكن موجودا سابقا.
لم يكن أحد يقول في السعودية إنه إخواني، ينكرون ويقولون إنهم إسلاميون.
من المفترض شكر مرسي لأنه قدم خدمة جليلة لدول الخليج في هذا الجانب، يعني كشف عنهم الغطاء وأظهرهم للناس، ومن ثم لم يكن غريبا صدور الأمر الملكي الذي جاء مرة أخرى مسميا جماعة الإخوان وجماعات إرهابية أخرى.
* هل لمست تغيرا بعد التشريعات الصارمة حيال خطاب «الإخوان» في السعودية أو حتى المتعاطفين؟
- النقطة المهمة أن المزاج الشعبي بدأ يستوعب مشكلة «الإخوان»، من كان عنده شك، ها هو قطعه الآن باليقين، وهو أن الجماعة مظهرها إسلامي ولكنها سياسية بحتة، وانزاحت الغمامة تماما وتحددت المواقف. كنا في فترة التعمية لم نكن ندري من مع من، وماذا يفعل فلان أو لماذا. كان هناك شعور بأن هناك معاداة للإسلام فور ما تحاول النقاش أو مخالفتهم، ويعدونك من الكارهين ويكيلون ثيمة متكررة في خطابهم لا تتغير. الذين انكشفوا حاولوا الكتابة بلغة مختلفة، وهناك من التزم الصمت، ولا تنس أن التلون جزء من ثقافة «الإخوان»، فهم لا يتعاملون بواقع صريح، فوجودهم في السعودية مثلا قائم على التعمية، لم يكن هناك شيء ظاهر، لم يعترفوا أو يقروا بوجودهم أو انتمائهم، أو أفكارهم، لذلك كانت صدمة لهم على ما أعتقد بأن السعودية ستصل إلى هذا الحد، وهي برأيي لم تصل إليه إلا بعد أن بلغت الروح الحلقوم، وأصبح الخطر محدقا، وكان يجب اتخاذ هذه الإجراءات. في المقابل، هم موجودون، ولا نستطيع المراهنة على التغير والانسحاب المؤقت. والذين يتمنون أن تتغير الظروف أو تنسى هاهم شعروا وأدركوا. وهم الآن يجسون النبض ويترقبون التحرك الآخر، هل يجري استهداف قيادات، أو أفراد، أو أشخاص لعبوا دورا كبيرا أو كشفوا علانية عن موقفهم.
* بعيدا عن السياسة، كيف بدأ جاسر الجاسر حياته المهنية، وهل تيقنت عند لحظة معينة صواب اختيارك بالتنقل الوظيفي بين الإنترنت فالتلفزيون ثم الورق؟
- عبر الطريق النقي والعفوي: صفحات القراء. لم تكن الصحافة تعترف بالشباب فلم يكن إلا مخاتلة عبر صفحات القراء التي تحتطب رسائل قرائها عشوائيا، مع فارق أن مجلة «اليمامة» كانت انتقائية وتبذل جهدا في التعامل مع المادة. دخلت التلفزيون بعد بوابة «إيلاف». في رأيي أن العمل الصحافي واحد في بنيته الأساس. والمهارة هي تطويع شكله حسب الوسيلة لا أكثر.
* ما أول قصة صحافية كتبتها أو أذعتها ومتى نشرت؟ وما القصة التي تأمل الحديث عنها قريبا؟
- صدقني، لا أذكر؛ فأنا من المهملين في هذا السياق ولا أحتفظ بنسخ من أعمالي، لكني أذكر أن تقارير في «الشرق الأوسط» عن «الجنادرية» سببت لي أول تجربة إيقاف قبل أن يلحقها «فيتشر»، كتبته في «الحياة» أول شهر عند التحاقي بها فحجبت الصحيفة، وأوقفتُ شهرا، وتعرضت للتحقيق.
* ما أنجح قصة إخبارية قدمتها؟
- في السعودية المعايير غائمة، ولا يعد ذيوع قصة دلالة قوتها، بل الاعتبار هو لجاذبيتها. ومع أنني أزعم أنني أنجزت تقارير وتحقيقات بذلت فيها جهدا كبيرا، إلا أن أكثر المقالات كان مقالا ساخرا عن السعوديات والزواج بالأجنبيات. كان يحزنني أنه بعد عشر سنوات على نشره لا يزال كثير ممن أقابلهم يذكرونني به، مما يجعلني أعتقد أن للصحافة في السعودية دروبا غامضة تماما مثل الصوفية.
* لكن، ألا توجد قصة صحافية أو تحقيق سبب لك إحراجا على سبيل المثال؟
- كان هناك تقرير عن المخدرات نشرته في «إيلاف»، والمشكلة كانت تكمن في فهم التحقيق الصحافي بالسعودية، لأن التحقيق هو أن تضع فكرة وتعالجها، أنت لا تقدم خطابا وعظيا، لكنك تستعرض المعلومات وتكشف عن التفاصيل.. وأستطيع القول إنه القريب إلى قلبي.
ومن أفضل الحوارات التي أجريتها في مجلة «الرجل»، وأبرز شخصيتين أفتخر بإجراء حوار معهما الأمير خالد الفيصل، وعبد العزيز القصيبي.
* من كان قدوتك في الإعلام قبل أن تدخل المجال، وهل تغير؟
- لا أحد؛ لسببين أولهما: أن الصحافة السعودية لم يكن فيها نجوم محترفون وإنما كتبة مقالات. الثاني: أنني دخلت الصحافة عبر بوابة الثقافة والنقد الأدبي.
* من قدوتك الإعلامية المفضل محليا وعالميا؟
- أيضا لا أحد، فلم أتعلم الصحافة من شخص بعينه، ولم أحظ بتدريب من أحد. لكن، يعجبني عثمان العمير بصفته أول قامة أحدثت فرقا في الصحافة، وأتلذذ بالعقلانية المهنية الإنجليزية الصلبة لعبد الرحمن الراشد، وأعد داود الشريان من السحرة في الصحافة السعودية، أما محمد التونسي فالنجاح حليفه حيث حل.
* كم عدد ساعات العمل التي تقضيها خلال الأسبوع، وهل تقضي وقتا كافيا مع الأسرة؟
- تختلف حسب الوسيلة، ففي التلفزيون لا تقل عن 16 ساعة، وفي الصحافة اليومية نحو 12 ساعة دون وجود إجازات أسبوعية. في المحصلة، الإعلام تواصل لحظي مع العالم فلا يمكن لأي صحافي في أي وسيلة أن ينقطع للحظات عن المتابعة والتدرب والمقارنة والربط، وإلا فقد روحه الصحافية واستحال إلى نصاب لا أكثر. الوقت مع العائلة يختلف حسب الوسيلة، لكن زوجتي تطالبني دوما بالبعد عن الإعلام فهو بعد وتوتر وقلق ومساءلة وملاحقة لا تنقضي، وأن يرزقني الله مثل بقية الخلق بعمل أعود منه في ساعة محددة ولي إجازة أسبوعية ثابتة، فأجيبها بأنني مدمن لهذه المهنة ولا أعرف ما سواها؛ فهي قدري بخيرها وشرها!
* ما رأيك في الإعلام الجديد، وهل يحل محل القديم؟
- أنا ضد تسمية الإعلام الجديد، فهو ليس إعلاما بعد، لكنه درجة أولية من الخطاب الإعلامي لا يضاهي الإعلام المحترف؛ قيمة وموضوعا وأصالة ومسؤولية. إذا كان الإعلام هو الفصول الدراسية، فإن ما يسمى «الإعلام الجديد» هو الفسحة للطلاب حيث اللعب والصخب دون المعرفة والعلم.
يظن البعض أن «تويتر» والمواقع الإلكترونية والتلفزيون أنهت الصحافة الورقية بسبب سرعة شيوع الأخبار وسرعتها. وأظن أن هذا الوضع سيطهر الصحافة من أخطائها وسلبيتها لتتحول للعمل الصحافي الفعلي من تقرير وحوار وتحقيق وبروفايل وفيتشر وغيرها. إذا قصرنا الإعلام الجديد على «تويتر»، فهو عالم أكاذيب وشائعات لا أكثر وهو ما ينسحب على كثير من المواقع الإلكترونية.
* ما المدونة أو الموقع الإلكتروني الذي تحرص على متابعته؟
- أتابع بشكل يومي «العربية نت»، و«سبق»، و«المواطن» من أجل أخبار السعودية، وما عدا ذلك فهو حسب الحالة، فأحيانا أتابع المواقع والصفحات والمدونات السورية لمعرفة التفاعل الداخلي، وأحيانا العراق، والباقي هو بمثابة جولات سياحية تجيء عشوائية أو حسب توصية من صديق أو لوجود موضوع لافت.
* إلى أي مدى تؤمن بأهمية وجود متخصصين في فريق العمل الصحافي؟
- الصحافي هو بنية تخصص، ولا يكون كذلك ما لم يكن متخصصا في مجاله وبارعا في أدواته. أما إذا كان القصد بالمتخصصين هم الأكاديميون فأنا ضد ذلك لأنهم مهلكة الصحافة، وعلامة موتها في السعودية تحديدا، فليس بينهم من مارس الصحافة أو سكن أحد بيوتها.
* ماذا ينبغي للصحافي فعله ليعمل باحترافية عالية؟
- أول الاشتراطات أن تكون بيئة العمل مثالية من حيث التجهيزات والتسهيلات، وأن تكون معاييرها المهنية عالية، وأن توفر الأمان للصحافي وتناضل من أجله وتحميه لأنه جندي المواجهة في كل مؤسسة صحافية. بالنسبة للصحافي نفسه فهو الحس أولا، لأن من المستحيل صناعة صحافي، بينما من الممكن تدريب الصحافي المبتدئ. ومن ثم اشتراطات الصحافي صعبة وهي أن يكون دقيقا لديه إصرار محصلي الديون، ومثابرة المخبرين السريين، وبراعة المحققين. وأن يكون معلوماتيا قادرا على التقصي والاستقصاء، وأن يجيد تنقية مادته من حواشيها وأن يكون موضوعيا منصفا مسيطرا على أدواته غير تابع لرغباته.
* ماذا تقرأ هذه الأيام، وما الكتب التي تقتنيها على الدوام؟
- هذا سؤال صعب، فأنا أقرأ قدر ما أستطيع، وبين يدي في هذه اللحظة «غراميات شارع الأعشى» و«أربعون قاعدة للحب»، و«مصدق والصراع على السلطة في إيران»، ورواية «الطريق إلى مكة» و«صفحات مطوية من تاريخنا العربي الحديث» لخليل الرواف، و«مائة عام من العزلة» التي أقرأها للمرة العاشرة في وداع ماركيز. المحتوى العام للمكتبة كان في الأصل للكتب التي يصعب الحصول عليها في السعودية، أما الكتب التي أجدها في مكتبة الملك عبد العزيز ومكتبة الملك فهد الوطنية ومكتبة جامعة الملك سعود فلم أكن أشتريها، بعد تخفيف قيود الرقابة والخلاص من هاجس المصادرة فأهم الكتب التي تتناول الإسلام السياسي والسير واستقراء التاريخ والفلسفة والاجتماع والرواية تهمني.
* ما هوايتك أو رياضتك المفضلة؟
- هواياتي متقطعة وجميعها مشاريع غير مكتملة مثل حال كثير من السعوديين. لكني أعد الكسل في السفر متعة قصوى، حيث يتمرد المرء على معايير الوقت ويتخلص من الالتزام ويعيش مناخا حرا من «الفوضى الخلاقة».
* ما نصائحك الدائمة للصحافيين الشبان؟
- أقول لكل صحافي شاب لا كبير أو صغير في الصحافة، إنما عمل جيد وآخر رديء. فابنوا شخصياتكم على الرؤية وتمسكوا بالدهشة وجربوا التفرد، وابتعدوا عن الصحافة الرتيبة التي تحيلكم إلى موظفين، وتجنبوا الأدب الاجتماعي، وليكن سلاحكم الثقة والجرأة، واعلموا أن كراهية البيروقراطي والمحافظ هي أولى البوابات لأنهم أعداء التغيير والابتكار. واعلموا أن الأقدمية ليست، دوما، امتيازا، بل قد تكون خيبة وسكونا، ولتكونوا مثل العلماء مشغولين بالتجربة والاكتشاف، ولتعلموا أن العين الصحافية لا تستحدث ولا تستعار، فاستعينوا بمهاراتكم وتمكنوا من الأدوات الصحافية فهي مسار المنافسة والاعتداد. أقرأوا كل شيء، قارنوا بين الصحف المختلفة عندما تتابع قضية واحدة. لاحظوا طرق المعالجة ومضامين الرسالة في كل عنوان وقصة صحافية. قد يكون بعضكم مؤدلجا، إلا أن للمهنة اشتراطاتها الأساس بغض النظر عن التوجهات فتمسكوا بها.
استخدموا لغتكم الخاصة؛ فهي بصمتكم الفعلية وما عداها زيف.



«أكسل شبرينغر» تحقق حلم تملّك الـ«ديلي تلغراف»

ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
TT

«أكسل شبرينغر» تحقق حلم تملّك الـ«ديلي تلغراف»

ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)

«قبل أكثر من 20 سنة، حاولنا الاستحواذ على صحيفة (التلغراف)، لكننا لم ننجح. الآن تحقق حلمنا»... هكذا أعلنت مجموعة «أكسل شبرينغر» الألمانية للإعلام والنشر عن شرائها المفاجئ لدار «التلغراف» الصحافية البريطانية المحافظة واليمينية العريقة في مارس (آذار) الماضي. وبعد مرور قرابة ثلاثة أشهر ما زالت المجموعة الألمانية العملاقة لم تنهِ بعدُ إجراءات شراء الدار، بل تنتظر الموافقات التنظيمية النهائية قبل أن تتسلمها رسمياً، وتبدأ بتطبيق رؤيتها التي ستركز على التوسّع الرقمي والذكاء الاصطناعي.

من ناحية أخرى، فمع أن «أكسل شبرينغر» سعت لسنوات بلا كلل لشراء «التلغراف» ودارها، جاءت الصفقة مفاجئة، لا سيما أن مجموعة «الديلي ميل» البريطانية - وهي يمينية أيضاً - كانت تقدّمت بعرض مُغرٍ وصل إلى 500 مليون جنيه إسترليني لشرائها، وكانت تنتظر قراراً من الحكومة البريطانية حول ما إذا كان الاستحواذ على «التلغراف» من قبل شركة تمتلك صحفاً بريطانية أخرى، قد يؤثر سلباً على صحة المنافسة في السوق. ويبدو أن المجموعة الألمانية اغتنمت فرصة الشكوك والتردّد هذه، لتقدّم عرضاً أكبر وصل إلى 575 مليون جنيه إسترليني، وتفوز بالصفقة.

ماتياس دوبفنر(أكسل شبرينغر)

سنوات مرتبكة

استحواذ «أكسل شبرينغر» أنهى 3 سنوات مرتبكة داخل «التلغراف» بدأت عام 2023 عندما قرر بنك «لويد سكوتلاند» أن يضع يده على الدار بهدف استرداد أموال استدانها المالكان، وهما الأخوان التوأمان الثريان فيليب وديفيد باركلي (الأخير تُوفي عام 2021). وكان الأخوان قد استدانا من المصرف مقابل رهن الصحيفة والدار، لكنهما توقفا عن سداد ديونهما، ما دفع بالمصرف إلى السيطرة على أسهمهما، وطرحها في المزاد العلني بعد وصول المفاوضات الطويلة مع العائلة لسداد الدين إلى طريق مسدود.

على الأثر، وفور طرح «التلغراف» للبيع في المزاد العلني، تقدّم «تحالف» أميركي - إماراتي لشرائها، إلا أن الصفقة تعثرت بعد اعتراض الحكومة البريطانية على بيعها للتحالف لأسباب تتعلق بمخاوف من نفوذ دولة أجنبية (الإمارات بالذات) على صحيفة بريطانية مؤثّرة سياسياً. وكانت الحكومة المحافظة - آنذاك - قد سنّت تعديلات على قوانين الإعلام وملكية الصحف لمنع سيطرة دول أجنبية على صحف بريطانية.

من ثم، عادت «التلغراف» إلى السوق مرة جديدة في العام التالي، لتتقدم الشركة المالكة لدار «الميل» بعرض لشرائها. ولكن الشركة المالكة للصحيفة الشعبية اليمينية - أي «الميل» - اصطدمت بتدقيق من وزارة الثقافة التي أبدت قلقاً من أن استحواذ الشركة على الصحيفة الوقورة قد يؤثر على التعدّدية الإعلامية في البلاد، وأرادت النظر في أثر الصفقة على المنافسة والمصلحة العامة. وهكذا، جاء عرض «أكسل شبرينغر» لينهي عملية التدقيق الطويلة، ويطوي صفحة بيع الصحيفة.

مع هذا، ففور إعلان «أكسل شبرينغر» عن «تحقيقها حلمها» بالاستحواذ أخيراً على الصحيفة البريطانية، بدأت التساؤلات حول ما إذا كانت المجموعة الألمانية قد تسرّعت بشراء الصحيفة؛ إذ نقلت صحيفة «الغارديان» البريطانية، اليسارية التوجهات، الشهر الماضي عن مصادر لم تسمها القول إن «أكسل شبرينغر» لم تُجرِ إجراءات التدقيق اللازمة قبل الاستحواذ على «التلغراف»، وإنها قد تواجه، بالتالي، صعوبة في استرداد استثمارها مع تحوّل الصحف إلى نماذج أقل ربحية.

«الغارديان» نقلت عن عدة مصادر القول إن الرئيس التنفيذي لمجموعة «أكسل شبرينغر»، ماتياس دوبفنر، قرّر التخلي عن خطوات التدقيق المعتادة التي تُتبع عادة لتقييم قيمة الشركة وآفاقها المستقبلية، لكي ينهي الصفقة بسرعة. وبالفعل تقدّم بعرض أعلى من عرض مالك «الميل» الذي كان عرض الشراء بـ500 مليون جنيه إسترليني، وهو المبلغ نفسه الذي كان دفعه التحالف الأميركي - الإماراتي لشرائها عام 2023، لكنه أُجبر على بيعها من جديد.

شكوك حول جدوى الصفقة

وفق «الغارديان»، لا يتعدى تقييم الخبراء في السوق لقيمة «التلغراف» 450 مليون جنيه إسترليني. وهذا يعود إلى استمرار انخفاض نسبة المشتركين في الصحيفة الورقية. والواقع أن الاشتراكات في النسخة الورقية للصحيفة لا تزال تشكل المصدر الأول للدخل بنسبة 61 في المائة، وبقيمة تزيد على 255 مليون يورو، بحسب أرقام سنة 2024. غير أن هذه الأرقام تنخفض منذ سنوات، بحسب تحقيق «الغارديان». فقط عام 2024 سجّل ارتفاعاً بنسبة 5 في المائة في نسبة الاشتراكات، 78 في المائة منها كانت اشتراكات إلكترونية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الاشتراكات كان عروضاً مجانية أو بأسعار بخسة.

في أي حال، فعلى الرغم من المخاوف من تعذّر تحقيق مكاسب سريعة، فإن استحواذ المجموعة الألمانية على الدار الصحافية البريطانية يتماشى مع توسع المجموعة دولياً خلال السنوات الأخيرة؛ فهي استحوذت على مجلة «بوليتيكو» عام 2021، ما أعطاها قدماً في العالم الناطق بالإنجليزية، بالإضافة إلى «بيزنس إنسايدر». وراهناً تسعى المجموعة الألمانية إلى الاعتماد على التوسّع الرقمي والذكاء الاصطناعي عِوضاً عن المطبوعات الورقية، لكن خططها بالنسبة لـ«التلغراف» ما زالت قليلة الوضوح، ولا سيما أن قاعدة الصحيفة الأساسية ما زالت الاشتراكات الورقية.

وفي المحصّلة، ترى «أكسل شبرينغر» - التي تنتمي عناوينها إلى اليمين ويمين الوسط - في «التلغراف» منصة لها للنفاذ إلى النخب السياسية والاقتصادية البريطانية تزيدها تأثيراً، ولا تختلف كثيراً عن توجهاتها السياسية.

رفضت الحكومة البريطانية عرض مالكي «الميل» لشراء «التلغراف» حرصاً على التعدّدية الإعلامية في البلاد

هكذا أعلنت مجموعة «أكسل شبرينغر» الألمانية للإعلام والنشر عن شرائها المفاجئ لدار «التلغراف» الصحافية البريطانية المحافظة واليمينية العريقة في مارس (آذار) الماضي


الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية

الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية
TT

الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية

الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية

مع ازدياد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في استقاء المعلومات، يتصاعد القلق داخل منصات إعلامية ومواقع إلكترونية، إزاء ما قد يسببه ذلك من تراجع في حجم الزيارات، وما يستتبعه من تداعيات على عائدات الإعلانات.

ووفقاً لتقرير نشره «معهد رويترز لدراسات الصحافة» أخيراً، فإن «نسبة الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي للبحث عن المعلومات تفوق نسبة من يستخدمونه لإنتاج المحتوى».

وأردف التقرير أن «استخدام الذكاء الاصطناعي في استقاء المعلومات بات بديلاً لمحركات البحث التقليدية، وأن هناك ازدياداً في نسبة الذين يكتفون بمطالعة ملخصات الذكاء الاصطناعي، أو ما يقدمه من معلومات، دون النقر على المواقع التي نشرت تلك المعلومات».

تقرير «معهد رويترز» كشف أيضاً عن أن «ثلث المستخدمين فقط ينقرون باستمرار على روابط المصادر المرفقة بإجابات البحث المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي، في حين أن 28 في المائة منهم نادراً ما يفعلون ذلك، أو لا يفعلونه على الإطلاق».

رائف الغوري، المدرب والباحث المتخصص في الذكاء الاصطناعي التوليدي، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» إنه «على الرغم مما توفره أدوات الذكاء الاصطناعي من سرعة وكفاءة في الحصول على المعلومات، فهي تمثل تحدياً جديداً أمام الناشرين وأصحاب المواقع الإلكترونية... وإن هذه التحديثات ستؤدي إلى تقليل النقر على الروابط والدخول المباشر إلى المواقع الإلكترونية».

ومن ثم أشار الغوري إلى ما فعله محرِّك البحث «غوغل» بتطويره مساعداً ذكياً قادراً على تنفيذ مهام محددة، وتقديم المعلومات بشكل تفاعلي ومستمر. وذكر أن هذا «يحتِّم على الناشرين وأصحاب المواقع الإلكترونية ابتكار طرائق أخرى للإعلان عن محتوياتهم من خدمات ومنتجات».

وبالتالي، اقترح خطوات لمساعدة الناشرين على التكيف مع الواقع الجديد، منها: «الارتقاء بجودة العمل الصحافي، وتفادي الاعتماد على مخرجات الذكاء الاصطناعي فقط، والرجوع إلى المصادر الأصلية والتحقق منها، وإنتاج محتوى أعمق قائم على التحقيق والإحصاءات واستطلاعات الرأي، واعتماد منهج هجين يجمع بين أدوات البحث التقليدية والذكاء الاصطناعي»؛ هذا إلى جانب «تطوير مهارات الصحافيين وزيادة وعيهم بطرق استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقليص الاعتماد على الزيارات المباشرة، مقابل ابتكار طرائق للوصول للجمهور من خارج محركات البحث، وأخيراً تطوير أساليب جديدة لترويج المحتوى، باستخدام قنوات بديلة، مثل التطبيقات والمنصات المباشرة والشراكات».

وخلص الغوري إلى أن «النجاح لن يكون في منافسة الذكاء الاصطناعي؛ بل في التكيُّف معه وتقديم محتوى أصيل موثوق لا يمكن تعويضه بسهولة».

جدير بالذكر أن «غوغل» كان قد أطلق عام 2024 خدمة ملخصات الذكاء الاصطناعي، ما تسبب في تراجع حجم الزيارات للمواقع الإلكترونية، حسب دراسات عدة.

وفي هذا الإطار، تطرَّق محمد الصاوي، المتخصص في الرصد والتحليل الإعلامي، إلى «تحوُّلات متسارعة في المشهد الإعلامي العالمي في أنماط استهلاك المعلومات». وتابع في حوار مع «الشرق الأوسط» بأن اعتماد المستخدمين يزداد على أدوات الذكاء الاصطناعي كمصدر مباشر للإجابات، مقابل تراجع ملحوظ في الاعتماد على المواقع الإلكترونية ومحركات البحث التقليدية.

وأرجع الصاوي ذلك إلى «قدرة هذه الأدوات على تقديم إجابات مختصرة وفورية تقلل من الحاجة إلى تصفُّح عدة مصادر، في حين تشير الدراسات إلى أن ظهور الملخصات المدعومة بالذكاء الاصطناعي يؤدي إلى انخفاض واضح في معدلات النقر على الروابط الإخبارية».

وتابع: «هذه الممارسة تعكس انتقالاً من البحث التقليدي إلى التقييم المقارن للمعرفة؛ حيث تُستخدم الأدوات؛ ليس فقط لاستخلاص المعلومات؛ بل لتحليل النبرة والمشاعر وتحديد مؤشرات السمعة الإعلامية، مع إدراك متنامٍ لضرورة التحقق بسبب احتمالات الأخطاء أو الهلوسة التي قد تنتج عن هذه الأنظمة».

واستطرد ليوضح أن هذا التغير «يفرض تحديات جوهرية على الناشرين وصناعة الأخبار، أبرزها تراجع الزيارات القادمة من محركات البحث التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لـ(الترافيك) والإيرادات الإعلانية. يضاف إلى ذلك إشكال آخر مرتبط بالإسناد وحقوق النشر؛ حيث تعتمد أنظمة ذكاء اصطناعي كثيرة على محتوى الناشرين، دون ضمان واضح لإعادة توجيه الزيارات أو إبراز المصدر بشكل كافٍ».

هذا قبل أن يلفت إلى أن «ضعف الإسناد في بعض الحالات قد يؤدي إلى تشويه المعلومات أو الإضرار بسمعة الوسائل الإعلامية... وعليه، في مواجهة هذه المتغيرات، يبرز اتجاه متنامٍ نحو إعادة تعريف استراتيجيات النشر والرصد الإعلامي، من خلال التركيز على إنتاج محتوى أصلي عالي الجودة، وتعزيز الحضور داخل إجابات الذكاء الاصطناعي، عبر ما يُعرف بتحسين الظهور في محركات الإجابة، إلى جانب بناء قنوات مباشرة مع الجمهور تقلل الاعتماد على المنصات الوسيطة».

في سياق متصل، رأى الصاوي «ضرورة أن يعيد الناشرون صياغة استراتيجياتهم التحريرية بما يتوافق مع بيئة محركات الإجابة، عبر التركيز على إنتاج محتوى سهل الاقتباس، يتضمن حقائق واضحة، وسياقات مكتملة تساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي على استرجاعه بشكل صحيح». ثم شدَّد على أن «الاستثمار في المحتوى الحصري والتحليلي العميق يُعدُّ عاملاً حاسماً، نظراً لأن النماذج الذكية تعتمد في الأساس على هذا النوع من المواد لإنتاج إجاباتها، وهو ما يمنح الناشرين فرصة للحفاظ على حضورهم كمصادر موثوقة داخل هذه الأنظمة، بدلاً من الاكتفاء بدور المورِّد غير المرئي للمعرفة».


«إلباييس» و«لا ريبوبليكا»... مسيرة نصف قرن

ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
TT

«إلباييس» و«لا ريبوبليكا»... مسيرة نصف قرن

ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)

اثنتان من كبريات الصحف الأوروبية، «إلباييس» الإسبانية و«لا ريبوبليكا» الإيطالية، تحتفلان هذه الأيام بمرور خمسين سنة على انطلاقتيهما في ظروف متباينة في الظاهر، لكن متشابهة من حيث الدور الذي لعبته كل منهما على الصعيدين الإعلامي والصحافي. وبالتحديد، في إسبانيا بُعيد سقوط نظام الجنرال فرنشيسكو فرنكو وعودة الديمقراطية، وفي إيطاليا مع بداية انهيار المنظومة السياسية التقليدية التي حكمت البلاد منذ نهاية الحرب العالمية ونشوء التشكيلات السياسية الجديدة على أنقاض الحزبين الكبيرين؛ أي «الحزب الديمقراطي المسيحي» و«الحزب الشيوعي الإيطالي».

وهنا تجدر الإشارة إلى أنه بجانب «اللوموند» الفرنسية و«الغارديان» البريطانية، تشكل هاتان الصحيفتان ما اصطلحت الأوساط الإعلامية على تسميته بـ«المربّع الذهبي» للصحافة الأوروبية المكتوبة، والمعروفة برصانتها وتأثيرها العميق في النخب السياسية والفكرية.

«إلباييس»... ودورها في ترسيخ الديمقراطية

في الاحتفالات التي أطلقتها صحيفة «إلباييس» - ويعني اسمها بالإسبانية «البلد» - منذ مطالع الشهر الحالي بمناسبة يوبيلها الذهبي برعاية العاهل الإسباني، نوّه فيليبي السادس، بالدور الذي لعبته الصحافة المكتوبة في الدفاع عن المؤسسات وترسيخه إبان محاولة الانقلاب العسكري يوم 23 فبراير (شباط) 1981.

وحقاً، صدرت الصحيفة فجر اليوم التالي تحت عنوان «إلباييس مع الدستور»، بينما كان البرلمان مجتمعاً في جلسة محاسبة للحكومة، وهو لا يزال تحت سيطرة ضبّاط الحرس المدني الانقلابيين. وحينذاك، كانت الدلائل تشير إلى أن الانقلاب في طريقه إلى النجاح، قبل أن يدلي الملك (السابق) خوان كارلوس الأول بخطابه الشهير الذي دعا فيه القوات المسلحة إلى الالتزام بأحكام الدستور، ورفض السير وراء محاولة إجهاض النظام الديمقراطي اليانع.

يومذاك، لم تكن إسبانيا قد انضمت بعد إلى «السوق المشتركة» - «الاتحاد الأوروبي» حالياً، كونها أصبحت عضواً مطلع عام 1986 -. وكان رهان «إلباييس» الأساسي منذ صدورها الانخراط الكامل في المشروع الأوروبي الذي أصبحت اليوم أحد محركاته الرئيسة. وبالفعل، لعب موقف الصحيفة المتقدّم على الصحف الإسبانية الأخرى في معارضة الانقلاب دوراً أساسياً في نجاحها السريع. ومنذ ذلك الحين أصبحت مرجعاً لإسبانيا الديمقراطية، التي كانت تحاصرها وتتربص بها المكائد للعودة إلى النظام الديكتاتوري السابق. ولقد بيّنت معلومات كشفت لاحقاً عن أن الصحافي خوان لويس ثيبريبان، مدير «إلباييس» في تلك الحقبة، سعى إلى إقناع بعض زملائه بإصدار عدد مشترك يؤيد الدستور ويرفض المحاولة الانقلابية، لكنه لم يلق تجاوباً؛ لأن الصحف الأخرى كانت تفضّل التريّث للتأكد من نتيجة المحاولة.

الفكرة وراء التأسيس

صاحب فكرة تأسيس «إلباييس» هو الناشر والكاتب الإسباني خوسيه أورتيغا سبوتورنو، نجل الفيلسوف والمفكر الليبرالي الشهير خوسيه أورتيغا غاسيت، الذي جمع حوله عدداً من كبار الموظفين في الدولة، والمهنيين الأحرار، والأساتذة الجامعيين، الذين كانوا ينتمون جميعاً إلى المعارضة المعتدلة لنظام الجنرال فرنكو، أو الجناح المؤيد للتغيير في النظام. ولقد تقدّم في مطلع عام 1972 بطلب إلى وزارة الإعلام لإصدار جريدة يومية تحمل الاسم نفسه الذي حملته صحيفة أخرى ليبرالية مغارب القرن التاسع عشر ومطالع القرن التالي.

غير أن الحكومة الإسبانية ماطلت في منح الترخيص المطلوب حتى ربيع عام 1976، ليصدر يوم 4 مايو (أيار) العدد الأول من الصحيفة، التي سرعان ما تحولت إلى رائد للصحافة الإسبانية المكتوبة، وإحدى أهم الصحف الناطقة بالإسبانية في العالم.

لصحيفة «إلباييس» مكاتب تحرير منتشرة عالمياً في مكسيكو سيتي وبوغوتا وواشنطن وسانتياغو وبوينوس آيريس، فضلاً عن مكاتب العواصم الإقليمية الإسبانية التي تصدر عنها طبعات محلية في مدن برشلونة وبلنسية وإشبيلية ولا كورونيا ولاس بالماس وبورغوس ومايوركا. كذلك تصدر عنها طبعتان مختصرتان باللغتين الإنجليزية والبرتغالية، إلى جانب ملحق أسبوعي في شكل مجلة يتجاوز مبيعها المليون نسخة أسبوعياً.

من جهة ثانية، يبلغ عدد قراء النسخة الورقية من «إلباييس» حالياً 758 ألفاً، بينما يبلغ عدد قراء النسخة الإلكترونية 14.5 مليون وفق الإحصاءات الأخيرة. ثم إن الصحيفة هي عماد شركة قابضة تملك أوسع شبكة إذاعية في إسبانيا، وصحيفة اقتصادية يومية، وصحيفة رياضية، وداراً للنشر.

الصفحة الأولى من أحد أعداد "إلباييس" (إلباييس)

أقلام لامعة

ولجهة كبار الكتّاب، تتناوب على صفحات «إلباييس» نخبة من كبار الكتّاب والمفكّرين الإسبان والأميركيين اللاتينيين، كان أبرزهم غابرييل غارسيا ماركيز، الحائز جائزة نوبل للآداب، والذي بدأ ينشر مقالات دورية فيها منذ صدورها حتى قبيل وفاته عام 2014. وأيضاً ماريو فارغاس يوسا، الحائز الآخر على نوبل للآداب، الذي نشر فيها مقالات أسبوعية طيلة 33 سنة، واستضافته «الشرق الأوسط» على صفحاتها حتى وفاته ربيع العام الفائت.

على صعيد آخر، تعزَّز موقع «إلباييس» في المشهد الإعلامي الإسباني بعد الفوز الساحق الذي حقّقه الحزب الاشتراكي بزعامة فيليبي غونزاليس (تولى الحكم بين عامي 1982 و1996) في الانتخابات العامة، وكانت الصحيفة قد دعمته بقوة، بالتعاون مع عدد من الصحف والحكومات «التقدمية» في أوروبا. بل كانت «إلباييس» أول صحيفة إسبانية تستحدث شخصية «المدافع عن القارئ» التي يلجأ إليها القراء لطرح تظلّماتهم، كما وضعت مجموعة من القواعد والمعايير لضمان جودة وصدقية المعلومات التي تنشرها، وأصدرت «كتاب الأسلوب» الذي غدا مرجعاً للصحافيين الناطقين بالإسبانية.

في المقابل، خلال السنوات الأخيرة بدأ يتردد في أوساط قراء الصحيفة أنها «لم تعد كما عرفوها في الماضي»؛ إذ باتوا يفتقدون موقعها المتقدم في الدفاع عن العديد من القضايا السياسية والاجتماعية، ويأخذون عليها ترجيح الكفة الليبرالية على الهوية «التقدمية» التي كانت علامتها الفارقة.

في هذا السياق، يقول جوزيف أوغورليان، الرئيس التنفيذي للشركة القابضة المالكة للصحيفة: «(إلباييس) صحيفة تقدمية، تلتزم بعمق أحكام الدستور الإسباني والنظام الملكي البرلماني. وأميركا اللاتينية جوهرية بالنسبة إلينا، إعلامياً وعاطفياً وثقافياً وسياسياً». ويضيف: «صحيح أن إلباييس قد تغيّرت... ولكن لأن إسبانيا تغيّرت، والعالم تغيّر، ولأن الصحافة لم تعد كما عرفناها. هاجسنا الأول، كان ولا يزال، هو القارئ. ونحن نراهن على ذكائه وفطنته، ونؤمن بحقه في الحصول على معلومات موثوقة، وبقدرته على استخلاص العبر منها». بقي أن نشير إلى أن «إلباييس» تمنح جوائز سنوية للصحافيين والمدافعين عن حرية الرأي تحمل اسم خوسيه أورتيغا غاسيت «البوصلة الفكرية» للصحيفة. وكانت جائزة هذه السنة من نصيب الكاتبة والصحافية سفيتلانا ألكسيفيتش من بيلاروسيا، الحائزة جائزة نوبل للآداب.

«لا ريبوبليكا» الإيطالية

أما عن «لا ريبوبليكا» - أي «الجمهورية» - فإنها أُسست عام 1976 على يد الصحافي والكاتب المعروف أوجينيو سكالفاري، بدعم من الناشر أرنولدو موندادوري، بوصفها صحيفة يسارية أطلقت على نفسها مسمى «الصحيفة الحزب»، وكانت في بداياتها منبراً لمجموعة واسعة من الكتاب والصحافيين والمفكّرين الذين تتراوح مواقفهم بين اليسار الإصلاحي واليسار المتطرف. ولكن على مغارب القرن الماضي ومطالع هذا القرن، بدأت تجنح نحو معسكر «وسط اليسار» السياسي، وهي اشتهرت بمواقفها المعارضة لرئيس الوزراء الإيطالي الأسبق اليميني الملياردير سيلفيو برلوسكوني، الذي كان يعرف عنه أيضاً تذمّره منها، ومحاولاته العديدة الفاشلة لامتلاكها وضمّها إلى إمبراطوريته الإعلامية التي كانت المنصة الأساسية لنشاطه السياسي، والتي تضمّ ثلاث قنوات تلفزيونية وعدة صحف يومية ومجلات أسبوعية وداراً كبرى للنشر ومؤسسة للتسويق الإعلاني.

وفي هذا المجال، يذكر رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق جوليو أندريوتي في مذكراته أنه أجهض «في اللحظات الأخيرة» صفقة كان وراءها برلوسكوني للاستحواذ على الصحيفة، التي كانت قد تحوّلت إلى خصمه السياسي الألدّ. وبالتالي، حال أندريوتي - وهو يميني أيضاً - دون سيطرة برلوسكوني شبه الكاملة على المشهد الإعلامي الإيطالي. مع هذا، خاض برلوسكوني عدة معارك قضائية ضد الصحيفة، مطالباً بتعويضات مليونية لكنها باءت جميعاً بالفشل.

فضيحة دي بيلّا... وملكية عائلة آنييلي

عام 1981، عصفت بـ«لا ريبوبليكا» فضيحة كبيرة عندما تبيّن أن رئيس تحريرها فرنكو دي بيلّا كان عضواً في تنظيم ماسوني سرّي محاط بفضائح كبرى. وهو ما أدى إلى إقالته من منصبه، واتجاه الإدارة إلى التعاقد مع كتّاب مشهورين ومستقلين لاستعادة ثقة القراء.

وعام 2020، انتقلت ملكية «لا ريبوبليكا» إلى عائلة آنييلي الثرية المعروفة، صاحبة مجموعة «فيات» والمؤسّسات المتفرّعة عنها، ومالكة صحيفة «لا ستامبا» الصادرة في ميلانو. وقررت العائلة تعيين الصحافي ماوريزيو موليناري مديراً لها، وهو المعروف بعلاقاته الوطيدة مع إسرائيل ورئيس وزرائها الحالي بنيامين نتنياهو.

تعيين موليناري أثار احتجاجات في أوساط المحرّرين الذين استقال بعضهم من الصحيفة. ومع موليناري جنحت الصحيفة نحو الوسط، خارج المعسكرين اليساري واليميني. لكنها ركّزت أيضاً على معارضة التيْار الشعبوي الذي كان يتمدد بقوة في إيطاليا مع حزب «النجوم الخمس». وفي عام 2024، أقيل موليناري من منصبه الذي تولاه المدير الحالي ماريو أورفيو.

أخيراً، مع أن سياسة عائلة آنييلي، التي رسمها المؤسس جياني آنييلي، والتي تقوم على دعم الخط الحاكم بغض النظر عن ميوله واتجاهاته السياسية، تشكّل «لا ريبوبليكا» حالياً رأس حربة الوسائل الإعلامية المناهضة لحكومة جورجيا ميلوني، وبخاصة، حليفها الشعبوي ماتّيو سالفيني زعيم حزب «الرابطة»، المعروف بعلاقاته الوثيقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.