جاسر الجاسر لـ {الشرق الأوسط}: متطرفو الإسلام السياسي تناسلوا من رحم «الإخوان»

أسدى للصحافيين الشبان عشر نصائح.. ووصف حبه للمهنة بـ«الإدمان»

جاسر الجاسر
جاسر الجاسر
TT

جاسر الجاسر لـ {الشرق الأوسط}: متطرفو الإسلام السياسي تناسلوا من رحم «الإخوان»

جاسر الجاسر
جاسر الجاسر

الحوار مع صحافي لامع يشبه أمنية الحديث مع النفس، يتمنى خلاله مجري الحوار أن يُسأل الأسئلة نفسها، ليجاوب. هذا ما شعرت به عندما شرعت في إجراء حوار مع جاسر الجاسر، الصحافي والكاتب السعودي، الذي أسدى للصحافيين عشر نصائح، بعدما تحدث عن بعض من السياسة، وبرشاقة وإسهاب عن الصحافة، لا سيما أنه علامة سعودية تتسربل الحرف بجرأة، وتجيد الحرفة، كونه شغل مناصب قيادية في وسائل إعلامية سعودية عصرية، إذ كان رئيس تحرير صحيفة «الشرق» السعودية، وقبلها رئيس تحرير لصحيفة «الوطن»، بعدما كان نائبا لرئيس تحريرها لسنوات، وكانت مناصبه خلفا لقيادته قناة «الاقتصادية» الخاصة، ومشوار طويل ركض خلاله في نشر تحقيقات جريئة في صحيفة «إيلاف» الإلكترونية. كما خاض تجربة واسعة كصحافي في أروقة الورق، من صحف «الشرق الأوسط»، و«الحياة»، إلى مجلة «الرجل».
المهارة، بحسب الجاسر، تتمثل في «تطويع شكل العمل الصحافي بحسب الوسيلة، لا أكثر». ولا يعتقد أن الصحافة في السعودية تتجاوز صحافة المقالة.
كما يصف الجاسر نفسه بالمدمن، ولكن، ليس إشارة إلى تحقيقات المخدرات الجريئة التي انتشرت بشكل واسع عندما نشرها في «إيلاف»، بل من خلال وصفه لنفسه عندما أجاب عن سؤال عائلي يتعلق بتغيير المهنة، إذ قال: «.. أجيب زوجتي بأنني مدمن لهذه المهنة، ولا أعرف ما سواها، فهي قدري بخيرها وشرها».
الحديث مع الصحافيين السعوديين هذه الأيام من المستحيل أن يخلو من المشهد السياسي، ويرى الصحافي اللامع أن بلاده التي أعلنت للتو تفكيك خلية إرهابية جديدة، نجحت أمنيا في القضاء على تنظيم القاعدة وإضعافه، ومن ثم أسقطت كل خلاياه التي كانت موجودة في الداخل، مضيفا أن هناك منتمين للفكر أكثر من وجود التنظيم عينه. وقال واصفا وصول الرئيس السابق محمد مرسي للرئاسة بالكاشف لنوايا الإخوان المسلمين ضد الخليج، «يجب أن نشكره، لأنه كشف نوايا الإخوان المسلمين الحقيقية في الخليج»، كما تحدث عن استهداف السعودية من قبل الجماعات سواء التخريبية أو الآيديولوجية، وأهمية استيعاب المزاج العام السعودي لخطورتها... وفيما يلي نص الحوار:

* كصحافي.. كيف تقرأ مشهد الإرهاب في السعودية بعد الإعلان عن تفكيك خلية، ودخول «داعش» على الخط للمرة الأولى؟
- مشكلة السعودية أنها هدف هذه الجماعات بلا استثناء، وفي قناعاتي، الرياض هي الطاعن الشرعي في وجودهم، لذلك مشكلة التأليب لجميع الجماعات من «القاعدة» إلى اليوم، نجد أنها لا تستهدف إلا السعودية، وتعمل ضدها، وحتى كوادرها غير السعودية تدربها وتبعثها إلى السعودية، هناك حملة شرسة من هذه الجماعات الإرهابية ومحاولة إحداث الخراب فيها، مع أنها تحصل على كوادر وتمويل من داخل السعودية وتسخره وتضرب به وتوجهه نحوها.
السعودية نجحت أمنيا في القضاء على «القاعدة» وإضعافها، ومن أسقطت كل خلاياها التي كانت موجودة. والآن هناك منتمون إلى الفكر، لكن لم تكن هناك تنظيمات حقيقية.
وتنظيمات مثل تنظيم الـ106 المعلن عنه الثلاثاء الماضي نستطيع تسميته تنظيم داعش أو محاولة جديدة من «القاعدة» لتقديم نفسها بثوب جديد مختلف لمحاولة كسب التعاطف، ومررت أفكارها على أنها جماعة إسلامية نقية تسعى لإقامة دولة الخلاف والإسلام والعبارات الأخرى التي يغرر بها الشباب.
السعودية أثبتت يوما بعد يوم أنها تسيطر أمنيا على كل هذه المفارز وقادرة على غلق المنافذ بشكل أساسي.
* ماذا عن إعلان السعودية الأخير ضد الجماعات المتطرفة والمحرضة؟ وأخص هنا الإخوان المسلمين؟
- «الإخوان المسلمون» هي المنبت للإسلام السياسي، وتعد منشأ كل الجماعات الإرهابية، من الهيكلية التنظيمية والخلايا العنقودية، والتدريب والتأهيل، إلى جانب استحداث فكر معين يقوم على تأويل مجزأ، أو مقصود معين لآيات وأحاديث معينة. كل الجماعات تناسلت من الإخوان المسلمين، فهم الأصل، حتى لمن لا ينتمي مباشرة إليهم، لأن كل الجماعات التي ظهرت تمثل نتاج هذه التربية. حتى عقائديا، في كل طروحات الجماعات المتطرفة نجد أنها استفادت بشكل أو بآخر من طروحات «الإخوان».
لم تكن هناك قناعة حقيقية بأن «الإخوان» يشكلون خطرا في السعودية، لكن بعد ظهور وفوز الرئيس المخلوع محمد مرسي انكشفت الأقنعة، وكشف «الإخوان» عن نواياهم وتوجهاتهم، وبرهنوا على أن علاقتهم بالدولة لا تتجاوز كونها علاقة مكان وليس علاقة وطن، وأن الولاء لديهم للآيديولوجيا وليس للوطن.
حتى في حساباتهم على موقع التدوين المصغر «تويتر»، كانوا يظهرون انتشاءهم بأن حققوا الانتصار والحلم الذي انتظروه منذ 80 سنة.
ولذلك؛ لا نستغرب موقف السعودية مما حدث في 30 يونيو (حزيران) سواء في الشعور أو الإدراك، السعودية بدأت تدرك أن هناك تحركا جديا. استهداف دول الخليج بدا واضحا أيام مرسي، والإدارة السياسية أيام مرسي كانت توجه رسائل بأن لديها طموحات. أصبح لدينا يقظة واستشعار لم يكن موجودا سابقا.
لم يكن أحد يقول في السعودية إنه إخواني، ينكرون ويقولون إنهم إسلاميون.
من المفترض شكر مرسي لأنه قدم خدمة جليلة لدول الخليج في هذا الجانب، يعني كشف عنهم الغطاء وأظهرهم للناس، ومن ثم لم يكن غريبا صدور الأمر الملكي الذي جاء مرة أخرى مسميا جماعة الإخوان وجماعات إرهابية أخرى.
* هل لمست تغيرا بعد التشريعات الصارمة حيال خطاب «الإخوان» في السعودية أو حتى المتعاطفين؟
- النقطة المهمة أن المزاج الشعبي بدأ يستوعب مشكلة «الإخوان»، من كان عنده شك، ها هو قطعه الآن باليقين، وهو أن الجماعة مظهرها إسلامي ولكنها سياسية بحتة، وانزاحت الغمامة تماما وتحددت المواقف. كنا في فترة التعمية لم نكن ندري من مع من، وماذا يفعل فلان أو لماذا. كان هناك شعور بأن هناك معاداة للإسلام فور ما تحاول النقاش أو مخالفتهم، ويعدونك من الكارهين ويكيلون ثيمة متكررة في خطابهم لا تتغير. الذين انكشفوا حاولوا الكتابة بلغة مختلفة، وهناك من التزم الصمت، ولا تنس أن التلون جزء من ثقافة «الإخوان»، فهم لا يتعاملون بواقع صريح، فوجودهم في السعودية مثلا قائم على التعمية، لم يكن هناك شيء ظاهر، لم يعترفوا أو يقروا بوجودهم أو انتمائهم، أو أفكارهم، لذلك كانت صدمة لهم على ما أعتقد بأن السعودية ستصل إلى هذا الحد، وهي برأيي لم تصل إليه إلا بعد أن بلغت الروح الحلقوم، وأصبح الخطر محدقا، وكان يجب اتخاذ هذه الإجراءات. في المقابل، هم موجودون، ولا نستطيع المراهنة على التغير والانسحاب المؤقت. والذين يتمنون أن تتغير الظروف أو تنسى هاهم شعروا وأدركوا. وهم الآن يجسون النبض ويترقبون التحرك الآخر، هل يجري استهداف قيادات، أو أفراد، أو أشخاص لعبوا دورا كبيرا أو كشفوا علانية عن موقفهم.
* بعيدا عن السياسة، كيف بدأ جاسر الجاسر حياته المهنية، وهل تيقنت عند لحظة معينة صواب اختيارك بالتنقل الوظيفي بين الإنترنت فالتلفزيون ثم الورق؟
- عبر الطريق النقي والعفوي: صفحات القراء. لم تكن الصحافة تعترف بالشباب فلم يكن إلا مخاتلة عبر صفحات القراء التي تحتطب رسائل قرائها عشوائيا، مع فارق أن مجلة «اليمامة» كانت انتقائية وتبذل جهدا في التعامل مع المادة. دخلت التلفزيون بعد بوابة «إيلاف». في رأيي أن العمل الصحافي واحد في بنيته الأساس. والمهارة هي تطويع شكله حسب الوسيلة لا أكثر.
* ما أول قصة صحافية كتبتها أو أذعتها ومتى نشرت؟ وما القصة التي تأمل الحديث عنها قريبا؟
- صدقني، لا أذكر؛ فأنا من المهملين في هذا السياق ولا أحتفظ بنسخ من أعمالي، لكني أذكر أن تقارير في «الشرق الأوسط» عن «الجنادرية» سببت لي أول تجربة إيقاف قبل أن يلحقها «فيتشر»، كتبته في «الحياة» أول شهر عند التحاقي بها فحجبت الصحيفة، وأوقفتُ شهرا، وتعرضت للتحقيق.
* ما أنجح قصة إخبارية قدمتها؟
- في السعودية المعايير غائمة، ولا يعد ذيوع قصة دلالة قوتها، بل الاعتبار هو لجاذبيتها. ومع أنني أزعم أنني أنجزت تقارير وتحقيقات بذلت فيها جهدا كبيرا، إلا أن أكثر المقالات كان مقالا ساخرا عن السعوديات والزواج بالأجنبيات. كان يحزنني أنه بعد عشر سنوات على نشره لا يزال كثير ممن أقابلهم يذكرونني به، مما يجعلني أعتقد أن للصحافة في السعودية دروبا غامضة تماما مثل الصوفية.
* لكن، ألا توجد قصة صحافية أو تحقيق سبب لك إحراجا على سبيل المثال؟
- كان هناك تقرير عن المخدرات نشرته في «إيلاف»، والمشكلة كانت تكمن في فهم التحقيق الصحافي بالسعودية، لأن التحقيق هو أن تضع فكرة وتعالجها، أنت لا تقدم خطابا وعظيا، لكنك تستعرض المعلومات وتكشف عن التفاصيل.. وأستطيع القول إنه القريب إلى قلبي.
ومن أفضل الحوارات التي أجريتها في مجلة «الرجل»، وأبرز شخصيتين أفتخر بإجراء حوار معهما الأمير خالد الفيصل، وعبد العزيز القصيبي.
* من كان قدوتك في الإعلام قبل أن تدخل المجال، وهل تغير؟
- لا أحد؛ لسببين أولهما: أن الصحافة السعودية لم يكن فيها نجوم محترفون وإنما كتبة مقالات. الثاني: أنني دخلت الصحافة عبر بوابة الثقافة والنقد الأدبي.
* من قدوتك الإعلامية المفضل محليا وعالميا؟
- أيضا لا أحد، فلم أتعلم الصحافة من شخص بعينه، ولم أحظ بتدريب من أحد. لكن، يعجبني عثمان العمير بصفته أول قامة أحدثت فرقا في الصحافة، وأتلذذ بالعقلانية المهنية الإنجليزية الصلبة لعبد الرحمن الراشد، وأعد داود الشريان من السحرة في الصحافة السعودية، أما محمد التونسي فالنجاح حليفه حيث حل.
* كم عدد ساعات العمل التي تقضيها خلال الأسبوع، وهل تقضي وقتا كافيا مع الأسرة؟
- تختلف حسب الوسيلة، ففي التلفزيون لا تقل عن 16 ساعة، وفي الصحافة اليومية نحو 12 ساعة دون وجود إجازات أسبوعية. في المحصلة، الإعلام تواصل لحظي مع العالم فلا يمكن لأي صحافي في أي وسيلة أن ينقطع للحظات عن المتابعة والتدرب والمقارنة والربط، وإلا فقد روحه الصحافية واستحال إلى نصاب لا أكثر. الوقت مع العائلة يختلف حسب الوسيلة، لكن زوجتي تطالبني دوما بالبعد عن الإعلام فهو بعد وتوتر وقلق ومساءلة وملاحقة لا تنقضي، وأن يرزقني الله مثل بقية الخلق بعمل أعود منه في ساعة محددة ولي إجازة أسبوعية ثابتة، فأجيبها بأنني مدمن لهذه المهنة ولا أعرف ما سواها؛ فهي قدري بخيرها وشرها!
* ما رأيك في الإعلام الجديد، وهل يحل محل القديم؟
- أنا ضد تسمية الإعلام الجديد، فهو ليس إعلاما بعد، لكنه درجة أولية من الخطاب الإعلامي لا يضاهي الإعلام المحترف؛ قيمة وموضوعا وأصالة ومسؤولية. إذا كان الإعلام هو الفصول الدراسية، فإن ما يسمى «الإعلام الجديد» هو الفسحة للطلاب حيث اللعب والصخب دون المعرفة والعلم.
يظن البعض أن «تويتر» والمواقع الإلكترونية والتلفزيون أنهت الصحافة الورقية بسبب سرعة شيوع الأخبار وسرعتها. وأظن أن هذا الوضع سيطهر الصحافة من أخطائها وسلبيتها لتتحول للعمل الصحافي الفعلي من تقرير وحوار وتحقيق وبروفايل وفيتشر وغيرها. إذا قصرنا الإعلام الجديد على «تويتر»، فهو عالم أكاذيب وشائعات لا أكثر وهو ما ينسحب على كثير من المواقع الإلكترونية.
* ما المدونة أو الموقع الإلكتروني الذي تحرص على متابعته؟
- أتابع بشكل يومي «العربية نت»، و«سبق»، و«المواطن» من أجل أخبار السعودية، وما عدا ذلك فهو حسب الحالة، فأحيانا أتابع المواقع والصفحات والمدونات السورية لمعرفة التفاعل الداخلي، وأحيانا العراق، والباقي هو بمثابة جولات سياحية تجيء عشوائية أو حسب توصية من صديق أو لوجود موضوع لافت.
* إلى أي مدى تؤمن بأهمية وجود متخصصين في فريق العمل الصحافي؟
- الصحافي هو بنية تخصص، ولا يكون كذلك ما لم يكن متخصصا في مجاله وبارعا في أدواته. أما إذا كان القصد بالمتخصصين هم الأكاديميون فأنا ضد ذلك لأنهم مهلكة الصحافة، وعلامة موتها في السعودية تحديدا، فليس بينهم من مارس الصحافة أو سكن أحد بيوتها.
* ماذا ينبغي للصحافي فعله ليعمل باحترافية عالية؟
- أول الاشتراطات أن تكون بيئة العمل مثالية من حيث التجهيزات والتسهيلات، وأن تكون معاييرها المهنية عالية، وأن توفر الأمان للصحافي وتناضل من أجله وتحميه لأنه جندي المواجهة في كل مؤسسة صحافية. بالنسبة للصحافي نفسه فهو الحس أولا، لأن من المستحيل صناعة صحافي، بينما من الممكن تدريب الصحافي المبتدئ. ومن ثم اشتراطات الصحافي صعبة وهي أن يكون دقيقا لديه إصرار محصلي الديون، ومثابرة المخبرين السريين، وبراعة المحققين. وأن يكون معلوماتيا قادرا على التقصي والاستقصاء، وأن يجيد تنقية مادته من حواشيها وأن يكون موضوعيا منصفا مسيطرا على أدواته غير تابع لرغباته.
* ماذا تقرأ هذه الأيام، وما الكتب التي تقتنيها على الدوام؟
- هذا سؤال صعب، فأنا أقرأ قدر ما أستطيع، وبين يدي في هذه اللحظة «غراميات شارع الأعشى» و«أربعون قاعدة للحب»، و«مصدق والصراع على السلطة في إيران»، ورواية «الطريق إلى مكة» و«صفحات مطوية من تاريخنا العربي الحديث» لخليل الرواف، و«مائة عام من العزلة» التي أقرأها للمرة العاشرة في وداع ماركيز. المحتوى العام للمكتبة كان في الأصل للكتب التي يصعب الحصول عليها في السعودية، أما الكتب التي أجدها في مكتبة الملك عبد العزيز ومكتبة الملك فهد الوطنية ومكتبة جامعة الملك سعود فلم أكن أشتريها، بعد تخفيف قيود الرقابة والخلاص من هاجس المصادرة فأهم الكتب التي تتناول الإسلام السياسي والسير واستقراء التاريخ والفلسفة والاجتماع والرواية تهمني.
* ما هوايتك أو رياضتك المفضلة؟
- هواياتي متقطعة وجميعها مشاريع غير مكتملة مثل حال كثير من السعوديين. لكني أعد الكسل في السفر متعة قصوى، حيث يتمرد المرء على معايير الوقت ويتخلص من الالتزام ويعيش مناخا حرا من «الفوضى الخلاقة».
* ما نصائحك الدائمة للصحافيين الشبان؟
- أقول لكل صحافي شاب لا كبير أو صغير في الصحافة، إنما عمل جيد وآخر رديء. فابنوا شخصياتكم على الرؤية وتمسكوا بالدهشة وجربوا التفرد، وابتعدوا عن الصحافة الرتيبة التي تحيلكم إلى موظفين، وتجنبوا الأدب الاجتماعي، وليكن سلاحكم الثقة والجرأة، واعلموا أن كراهية البيروقراطي والمحافظ هي أولى البوابات لأنهم أعداء التغيير والابتكار. واعلموا أن الأقدمية ليست، دوما، امتيازا، بل قد تكون خيبة وسكونا، ولتكونوا مثل العلماء مشغولين بالتجربة والاكتشاف، ولتعلموا أن العين الصحافية لا تستحدث ولا تستعار، فاستعينوا بمهاراتكم وتمكنوا من الأدوات الصحافية فهي مسار المنافسة والاعتداد. أقرأوا كل شيء، قارنوا بين الصحف المختلفة عندما تتابع قضية واحدة. لاحظوا طرق المعالجة ومضامين الرسالة في كل عنوان وقصة صحافية. قد يكون بعضكم مؤدلجا، إلا أن للمهنة اشتراطاتها الأساس بغض النظر عن التوجهات فتمسكوا بها.
استخدموا لغتكم الخاصة؛ فهي بصمتكم الفعلية وما عداها زيف.



«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.


الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».