في طرابلس... «طارة وخيط» ترسم قصصاً من التمكين والإبداع

سيدات «طرابلسيات» يعملن في «طارة وخيط»
سيدات «طرابلسيات» يعملن في «طارة وخيط»
TT

في طرابلس... «طارة وخيط» ترسم قصصاً من التمكين والإبداع

سيدات «طرابلسيات» يعملن في «طارة وخيط»
سيدات «طرابلسيات» يعملن في «طارة وخيط»

«لدينا كل النجاح في داخلنا، الأمر يتعلّق بكيفية استخراجه، هو الشغف، والحب لما تفعله. جميعنا نمرّ بتجارب فاشلة، ولكن ذلك لا يعني الاستسلام»، هكذا تصف فاطمة الجابر، واحدة من أكثر النساء تأثيراً في الشرق الأوسط، تجربتها في الغوص داخل عالم الأعمال وتمكين قدرات النساء.
الطريق إلى قمّة عالم الأعمال مليء بالعقبات والتحدّيات المتجدّدة، فالنجاح رحلة لا تصبح أكثر سهولة بعد الوصول إلى مكان بعيد ومثير، خصوصاً إذا كان وراء هذا النجاح عدد من العاملات المثقفات اللواتي يطمحن لدعم قدرات النساء في مجتمعهن.
* تعريف عبارة «تمكين المرأة»
يعرف «التمكين الاقتصادي للمرأة» بأنه الوسيلة الأساسية لتزويد النساء الرياديات، صاحبات الأفكار، بالدعم المالي والفني لإيجاد مشاريع مستدامة تمكنها من العيش بكرامة ودون حاجة الآخر، أو دعم مشاريع صغيرة قائمة بالفعل من الجوانب التسويقية والفنية على حد سواء، بما يضمن استدامة المشروع وتمكين المرأة من تطوير ذاتها اقتصادياً. ويشير المصطلح أيضاً إلى تقوية النساء في المجتمعات المعاصرة، وقد أصبح هذا المفهوم موضوعاً هاماً للنقاش خصوصاً في مجالات التنمية والاقتصاد.
بناء على ذلك، أطلقت «لارا صفدي حبّال» جمعية «طارة وخيط» هذه السنة، التابعة لقطاع التنمية الاجتماعية في «مؤسسة الصفدي» بعد تأسيس مشغل «طارة وخيط» الحرفي في عام 2008.
تهدف الجمعية إلى تعزيز دور المرأة في مجتمعها وصولاً إلى إنشاء جمعية مستقلّة توفّر مزيداً من الدعم المهني والتقني للسيدات في لبنان عموماً وطرابلس خصوصاً، مؤكدة مواصلة دعم النساء على المستويات كافة، الاجتماعية منها والاقتصادية في ظلّ المركز الجديد والمجهّز بمعدات جديدة في مساحة أوسع تساعد في إنتاج المزيد والأفضل.
وبمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، أطلقت جمعية «طارة وخيط» مجموعتها الجديدة من العبايات المشغولة والمطرزّة يدوياً، تضمنتها مساهمة من المصمم العالمي زهير مراد في قاعة طرابلس في مركز الصفدي الثقافي بطرابلس.
حضر المعرض إضافة إلى رئيسة الجمعية السيدة لارا الصفدي حبال، المديرة العامة لمؤسسة الصفدي السيدة رنا مولوي، والمديرة العامة لمؤسسة الصفدي الثقافية سميرة بغدادي، وسيدات المشغل والمصمم إيريك ماثيو ريتر وحشد من محبّي الموضة.
رأت صفدي حبّال في كلمة مقتضبة لها أن «هناك حاجة اليوم إلى تمكين المرأة على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، وسدّ الهوّة بين الرجال والنساء في لبنان، من أجل تنمية المجتمع، «معتبرة أن ذلك لا يمكن أن يحصل دون تزويد المرأة بالمعرفة والأدوات التي تمكنها من تمييز حقوقها وحريتها».
واعتبرت أنه «يجب على المرأة أن تشعر بأنها عضو ناجح ومساهم في الأسرة والمجتمع ككلّ، من خلال تعزيز استقلاليتها وثقتها بنفسها»، موضحة في هذا الإطار أن «الهدف من تنفيذ تصاميم عبايات رمضان 2017، يعود بالدرجة الأولى بالنفع المادي للسيدات، ويدفع بالمجتمع للالتفات إلى ما يمكن للمرأة الطرابلسية أن تنجزه في مجال الموضة وبدعم من أشهر مصممي الأزياء العالميين كالمصمم زهير مراد».
وأشارت إلى أنه «بدلاً من تركيز طاقتنا على مكافحة التقاليد القديمة، يجب أن نصب الطاقة عينها في بناء المستقبل الجديد، وهو مستقبل أفضل للأجيال الجديدة، حيث الأمل لا يُفقد والإرادة لا تقيّد أبداً».
*رحلة «طارة وخيط» منذ الإقلاع
أبصر مشروع «طارة وخيط» النور في عام 2005، وضمّ مجموعة من السيدات اللواتي يملكْنَ مهارات ومواهب كثيرة في هذا المجال، ولكن للأسف لم يحظَ المشروع بالإضاءة الكافية عليه والتي يستحقها. ولأن، يحظى هذا المشروع على قدر كبير من الأهمية.
تصف نائبة رئيس قطاع التنمية الاجتماعية في مؤسسة الصفدي وعضو في مجلس إدارتها، لارا الصفدي حبّال، «طارة وخيط» قائلة: «لقد تحول هذا المشروع إلى عمل ينتج مدخولاً مالياً شهرياً للنساء العاملات فيه مؤخراً، وهذا أمر لم يكن متوفراً في السابق. ويضم هذا المشروع مصممي أزياء على مستوى عالٍ من الكفاءة يديرونه مع السيدات العاملات فيه، ويتشاركون فيه جميعاً من خلال طرح الأفكار، خصوصاً وأن تلك السيدات هنّ جزء أساسي من هذا المشروع».
تتابع: «مشروع (طارة وخيط) يعطي المرأة التي لم يسمح لها مجتمعها بالانخراط في أعمال غير تلك المنزلية، استقلالية في مواهبها، ويعلّمها طرق زيادة إنتاجها ومدخولها، ويجعلها عنصراً منتجاً فعالاً في مجتمعها. فتنمية المرأة هي تنمية الأمة، هي نصف المجتمع ومربِّية النصف الآخر».
نظمت الجمعية دورات تدريبية عدة للنساء اللواتي يردن المشاركة في المشروع، وحاولت دعم أنشطتها بالاستعانة بخبراء محليين وعالميين. فأخذت الجمعية خلال عامي 2009 - 2010 تمويل المشغل من قبل مبادرة الشراكة الشرق أوسطية (MEPI) ضمن مشروع «تفعيل المبادرة الاقتصادية للنساء».
وتتابع المؤسسة سعيها لتأمين استمرارية المشغل من خلال تطوير مشاريع تمويلية وتقديمها إلى جهات مانحة من جهة، كما تعزيز قدرات الحرفيات في المشغل عبر التمويل الذاتي من خلال الأرباح التي تجنيها السيدات، ذلك عن طريق المشاركة في المعارض المحلية السنوية والموسمية.
وينتج المشغل مختلف أنواع البياضات (مناشف، شراشف، مستلزمات المطابخ، برانص...)، ثياب فولكلور، تطريز على أقمشة، ومقاعد كراسي مزخرفة.
* تجارب وتعليقات
تروي لنا جنى نعمة، عن تجربتها في شراء عبايات من «طارة وخيط»، وتقول: «الطريقة التي تستقبلك فيها النساء في المشغل رائعة، حتى إن السيدات يتقن عملهن، ويتميزن بذوق رفيع وأنيق». وتتابع جنى أنها لمست من كل أفراد الجمعية المهنية والدقة في التعامل مع الزبائن، وتلبية حاجاتهم وأذواقهم.
وعندما تتصفح مواقع الجمعية على شبكات التواصل الاجتماعي، خصوصاً «فيسبوك»، تجد التعليقات الإيجابية حول الفكرة وعمل الجمعية، ونوعية المنتجات التي تقدمها نساء «طارة وخيط».
تقول إنطوانيت عساف إنه من المهم أن يكون في طرابلس هكذا جمعية تهتم بالنساء اللواتي يحتجن مركزاً للعمل، ولا يجدن إلا مهارات الخياطة والتطريز. وتضيف: «وأنا أيضاً حرفية أجد الخياطة والتطريز، وأعمل بالمنزل. «طارة وخيط» أعطتني أملا أن نقاط عملنا هذا سيستمر رغم التطورات التكنولوجية التي تغرق الأسواق، فهذه الحرف لن تموت».
وكتبت سمر كزموز: «الله يعطيكن العافية، طريقة العمل جميلة ومبدعة وفيها من الفن ما يكفي لتكون مؤسسة رائدة».
أحد الأهداف الأساسية لتمويل المشاريع الصغيرة هو تمكين المرأة، حيث تعطى القروض ذات معدل الفائدة المنخفض، أو المبالغ المالية على شكل مساهمة فورية، للنساء في المجتمعات النامية، لكي يستطعن بدء مشاريع صغيرة تساعدهن في إعالة عائلاتهن. وعلى الرغم من ذلك، فإن نجاح وكفاءة المشاريع الصغيرة موضوع جدلي، ودائماً ما يتم نقاشه. تأتي «طارة وخيط» لتثبت أهمية هذه الخطط التي تعطي فرصاً لسيدات يتمتعن بكل الكفاءات والتقنيات اللازمة لتنطلقن إلى عالم الأعمال، ولو من باب ضيق نوعاً ما. فمشوار الألف ميل يبدأ بخطوة كما يقولون. ومن المعروف أن المرأة تستطيع تحويل كل ما توفر أمامها ومعها إلى ما هو مفيد للبشرية، خصوصاً إذا تمكنت من إدراك طاقاتها وقدراتها الاستثنائية. فكما تقول الناشطة الأميركية لينا هورن: «الطريقة الأكثر شيوعاً التي يفقد بها الناس قوتهم هي باعتقادهم أنهم لا يملكونها أصلاً».



«صورة مزيفة» تعيد الفنانة نجاة الصغيرة للواجهة

نجاة والمسلماني في أحدث ظهور لها (الهيئة الوطنية للإعلام)
نجاة والمسلماني في أحدث ظهور لها (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

«صورة مزيفة» تعيد الفنانة نجاة الصغيرة للواجهة

نجاة والمسلماني في أحدث ظهور لها (الهيئة الوطنية للإعلام)
نجاة والمسلماني في أحدث ظهور لها (الهيئة الوطنية للإعلام)

عادت الفنانة المصرية نجاة الصغيرة للواجهة، بسبب صورة مزيفة، وتصدرت «التريند»، على موقع «إكس»، الخميس، في مصر، بعد إعلان «الهيئة الوطنية للإعلام»، في بيان صحافي، أن صورها المتداولة بكثافة في الأيام الأخيرة مزيفة، وتمت باستخدام تقنية «الذكاء الاصطناعي».

وأوضح البيان أن الفنانة نجاة الصغيرة تواصلت هاتفياً مع الكاتب أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، وأكدت له أن الصورة التي يتم تداولها علي نطاق واسع باعتبارها أحدث ظهور لها مزيفة، ولا تمت لها بصلة.

ونقل مضمون المكالمة الهاتفية، التي دارت بين المسلماني، ونجاة الصغيرة البرنامج التلفزيوني المصري «صباح الخير يا مصر»، إذ أكد أن الصورة أُنشئت باستخدام الذكاء الاصطناعي، ومن المؤسف نشرها علي نطاق واسع، دون تدقيق أو مراجعة، أو حتى الاطلاع علي أحدث الصور الحقيقية ومقارنتها بالمزيفة، مضيفاً أن «نشر المعلومات المغلوطة التي لا سند لها عن تاريخ الفنانة المصرية، هدفه تحقيق الشهرة وجذب الانتباه وصناعة (الترند)»، بحسب البيان.

الفنانة المصرية نجاة الصغيرة (حساب المستشار تركي آل الشيخ على موقع «فيسبوك«)

وأكد البيان أن أحدث ظهور للفنانة نجاة الصغيرة كان في شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، الماضي في أثناء زيارتها لـ«أوبرا العاصمة الجديدة»، ومقر الهيئة الوطنية للإعلام، وكان في استقبالها المهندس خالد عباس رئيس شركة العاصمة الجديدة في «مدينة الثقافة والفنون»، واستقبلها الكاتب أحمد المسلماني لدى زيارتها مقر «الهيئة الوطنية للإعلام»، بالعاصمة.

وقبل ظهورها في «مدينة الثقافة والفنون»، بالعاصمة الإدارية بمصر، ظهرت نجاة الصغيرة بعد سنوات من الغياب والابتعاد عن الأضواء في حفل «جوي أوردز»، في العاصمة السعودية الرياض عام 2024، وتم تكريمها من المستشار تركي آل الشيخ رئيس هيئة الترفيه السعودية، وسط حضور رسمي وفني وإعلامي كبير.

نجاة الصغيرة والمستشار تركي آل الشيخ (حسابه على موقع «فيسبوك»)

وفنياً أعلن الملحن المصري الدكتور سامي الحفناوي قبل 4 سنوات عن عودة نجاة الصغيرة للساحة الفنية مجدداً بمجموعة من الأغنيات الجديدة، لافتاً في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن عودتها للساحة ستكون قريباً، بعدما قامت بتسجيل الأغنيات الجديدة بالفعل.

ولحن سامي الحفناوي مجموعة من الأغنيات للفنانة نجاة الصغيرة على مدار مشوارها الفني، من بينها «إلا فراق الأحباب»، و«قصص الحب الجميلة»، و«كل فين وفين».

وعن السبب وراء عدم طرح الأغنيات الجديدة حتى الآن أوضح الحفناوي أن «الظروف المحيطة بالسنوات الأخيرة حالت دون ذلك»، مشيراً إلى أن الأعمال الجديدة التي تنتمي للون الرومانسي، سيتم طرحها تباعاً بمعدل أغنية (سنغل)، كل فترة لكي تحصل على حقها الجماهيري والاستماع إليها جيداً».

وكشف الحفناوي عن أن جميع الأغنيات التي تم تسجيلها من كلمات الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي، وستكون مفاجأة كبيرة للجمهور، وتليق بقيمة مصر ونجومها واسم مجموعة العمل بالكامل، لافتاً إلى أن صوت نجاة في أحسن حالاته وبقوته المعهودة نفسها.

وتعليقاً على الصور المتداولة للفنانة نجاة التي أكدت أنها مزيفة، أكد سامي الحفناوي أنها ليست للفنانة نجاة بالفعل، وأن «السوشيال ميديا»، بها معلومات كثيرة مغلوطة عن النجوم والقامات الفنية البارزة، مؤكداً أن بحوزته صور حديثة للفنانة المصرية ستنشر بالتزامن مع إطلاق الأعمال الفنية الجديدة.

وقدمت نجاة الصغيرة، خلال مشوارها مجموعة من الأفلام السينمائية الغنائية، من بينها، «الشموع السوداء» مع صالح سليم، «شاطئ المرح» مع حسن يوسف، و«ابنتي العزيزة» مع رشدي أباظة، و«جفت الدموع»، مع محمود ياسين، إلى جانب مشوارها الغنائي الطويل.


«لوميير... السينما!»... قصيدة حب للأخوين اللذين جعلا من السينما فناً

مشهد من الفيلم الوثائقي «لوميير... السينما!» (آي إم دي بي)
مشهد من الفيلم الوثائقي «لوميير... السينما!» (آي إم دي بي)
TT

«لوميير... السينما!»... قصيدة حب للأخوين اللذين جعلا من السينما فناً

مشهد من الفيلم الوثائقي «لوميير... السينما!» (آي إم دي بي)
مشهد من الفيلم الوثائقي «لوميير... السينما!» (آي إم دي بي)

في العصر الحالي تتضمن معظم الأفلام عناصر عديدة: أصواتاً، ألواناً، مؤثرات، موسيقى، وغيرها. لكنّ العنصر الأساسي في السينما هو الصورة المعروضة على الشاشة. تخيّل حتى لو استغنينا عن كل شيء عدا الصور، سيبقى لدينا فيلم.

يكمن فن السينما في تأطير العالم للجمهور، ومساعدتهم على رؤيته بطريقة جديدة تماماً. وهذا يعني أن من طوروا أساليب التصوير السينمائي اليوم لهم دور بالغ الأهمية، ليس فقط في صناعة الأفلام، بل في الثقافة الإنسانية جمعاء. هذه هي الفكرة التي يطرحها المخرج تيري فريمو في فيلمه الوثائقي الرائع والساخر «لوميير... السينما!» (الذي يُعرض الآن).

يُعرف فريمو لدى عشاق السينما بصفته رئيس «مهرجان كان السينمائي». وهو أيضاً مدير معهد لوميير في ليون بفرنسا، وهو متحف يُكرّم الأخوين أوغست ولويس لوميير، اللذين يُعتبران من رواد السينما. حتى لو كنتَ من هواة السينما العاديين، فمن المحتمل أنك على دراية بإحدى أشهر الأساطير في بدايات السينما: أن الجمهور الذي شاهد فيلم الأخوين لوميير عام 1896 «وصول قطار إلى لا سيوتات»، شعر بالذهول لدرجة أنهم صرخوا وركضوا إلى مؤخرة القاعة. يقول بعض المؤرخين إن هذا ربما يكون مبالغة، لكن تأثير الأخوين على تاريخ السينما يتجاوز هذه القصة، أو أفلاماً أخرى مثل «عمال يغادرون مصنع لوميير» (1895).

كان إسهامهما الأهم بلا شك اختراع جهاز السينماتوغراف، وهو جهاز يدوي محمول قادر على تصوير الأفلام وتحميضها وعرضها. مع ذلك، يرغب فريمو في طرح فكرة أوسع: أن الأخوين لوميير - ولا سيما لويس، الذي كان العقل المبدع وراء العديد من الأعمال المنسوبة إليهما - كانا فنانين بحد ذاتهما؛ إذ طورا لغة سينمائية سيتبناها ويبني عليها عشرات المخرجين اللاحقين. حتى لو كان شخص آخر قد اخترع هذه التقنية، فإن الطرق التي استخدمت بها أفلامهما تقنيات مثل اللقطات الطويلة والتأطير الدقيق، تؤهلهما لمكانة مرموقة في تاريخ السينما.

في بداية الفيلم الوثائقي، يوضح فريمو قائلاً: «سنصنع فيلماً واحداً للوميير من عدة أفلام لهما»، وهذا في الواقع تبسيط مفرط؛ فالفيلم يجمع 100 فيلم صورها الأخوان، ولاحقاً، متعاونون معهما، وقد خضعت جميعها لعملية ترميم دقيقة. لا نرى فقط التقنيات التي طورها الأخوان، بل نشاهد صورة نابضة بالحياة للحياة في مطلع القرن العشرين، من أعمال الريف الشاقة إلى مشاهد باريس الصاخبة، مروراً بمشاهد من مختلف أنحاء آسيا. تتضمن الصور جنوداً يسيرون وآخرين يلهون، ونجارين ورياضيين وأطفالاً رضعاً... بعض اللقطات معروفة، وبعضها الآخر لم يُعرض من قبل (بما في ذلك مقطع مذهل مصور بتقنية 75 ملم لم يكن بالإمكان عرضه حتى عند تصويره عام 1900). إنه فيلم طريف وجميل وحيوي.

فريمو هو الراوي، يروي (بالفرنسية) ما نشاهده، موضحاً المحتوى والسياق، ويشير أحياناً إلى تقنيات سيكررها لاحقاً مخرجون مثل فيديريكو فيليني وجون فورد. في النهاية، ينغمس فريمو في فلسفة غاية هذا الفن، الذي يصوره كفن إنساني بأبهى صوره.

وهكذا، فإن صناعة فيلم كهذا، الذي يُعيد إحياء بعض رواد السينما الأوائل ويحتفي بهم، هو وسيلة للإيمان بالإنسانية. يقول: «السينما تُعرّفني بنفسي وتُعرّفني بالآخرين. إن رعاية مستقبلها هي رعاية لأنفسنا».

* خدمة «نيويورك تايمز»


«حيوات أبي»... يستعيد ماضي صحافي نرويجي تورط في التجسس لأميركا

تنقل مخرج الفيلم مع البطل ليوثق رحلته في الكشف عن ماضي والده (الشركة المنتجة)
تنقل مخرج الفيلم مع البطل ليوثق رحلته في الكشف عن ماضي والده (الشركة المنتجة)
TT

«حيوات أبي»... يستعيد ماضي صحافي نرويجي تورط في التجسس لأميركا

تنقل مخرج الفيلم مع البطل ليوثق رحلته في الكشف عن ماضي والده (الشركة المنتجة)
تنقل مخرج الفيلم مع البطل ليوثق رحلته في الكشف عن ماضي والده (الشركة المنتجة)

قال المخرج النرويجي ماغنوس سكاتفولد إن فكرة فيلمه الوثائقي «حيوات أبي» بدأت قبل نحو ثلاث سنوات ونصف السنة، عندما أخبره أحد زملائه بأن لديه شكوكاً قديمة تتعلق بحياة والده، وكان هذا الصديق يعتقد أن والده ربما عاش حياة سرية مرتبطة بعالم التجسس، لكنه لم يكن يملك دليلاً واضحاً على ذلك.

وأضاف سكاتفولد لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الفكرة أثارت فضوله منذ اللحظة الأولى، خصوصاً بعد أن كشف الابن عن وجود صندوق في علّية منزل العائلة يحتوي على أشرطة فيديو قديمة ووثائق شخصية تركها والده، وهو ما بدا نقطة انطلاق مناسبة للبحث في هذه القصة الغامضة».

ويرصد الفيلم الوثائقي «حيوات أبي» الذي عُرض للمرة الأولى عالمياً ضمن فعاليات مهرجان «كوبنهاغن الدولي للأفلام الوثائقية» رحلة ابن يحاول كشف حقيقة حياة والده بعد عثوره في علّية المنزل على أرشيف مخفي يضم أشرطة فيديو ووثائق ورسائل شخصية تعود لسنوات طويلة.

ومع تصفح هذه المواد تبدأ الشكوك حول الماضي الحقيقي للأب، يقود هذا الاكتشاف الابن إلى تحقيق طويل في حياة والده، حيث تتداخل روايات عن العمل الصحافي مع ادعاءات بالانخراط في عالم الاستخبارات الدولية، لتتحول القصة بحثاً إنسانياً معقداً عن الحقيقة داخل عائلة عاشت سنوات طويلة في ظل الأسرار.

ويقول سكاتفولد إن والد بطل الفيلم كان صحافياً تلفزيونياً نرويجياً عمل لسنوات طويلة في تغطية الحروب والصراعات حول العالم، وخلال مسيرته المهنية سافر إلى مناطق عدّة، مشيراً إلى أن فريق العمل بدأ في رقمنة الأشرطة القديمة بهدف حفظها، إلا أن مشاهدة هذه المواد كشفت تدريجياً عن مشاهد بدت مثيرة للتساؤل، فقد ظهرت لقطات للأب في مواقع وظروف لا تبدو مرتبطة مباشرة بعمل صحافي؛ وهو ما دفع صناع الفيلم إلى التفكير في احتمال وجود قصة أخرى خلف هذه المواد، ومع استمرار البحث في الأشرطة والوثائق بدأت تتكشف ملامح حياة أكثر تعقيداً مما كان يتخيله أفراد العائلة أنفسهم.

احتوى الفيلم على لقطات عدة من وثائق الأب (الشركة المنتجة)

وأوضح سكاتفولد أن رحلة البحث قادتهم في النهاية إلى بلغاريا، حيث كان الأب يعيش خلال السنوات الأخيرة من حياته، وهناك بدأت مرحلة جديدة من التحقيق؛ إذ حاول الفريق طرح أسئلة مباشرة حول ماضيه والظروف التي أحاطت بعمله في مناطق مختلفة من العالم، ومع مرور الوقت بدأ الرجل يتحدث عن حياته بصورة أكثر وضوحاً؛ ما فتح الباب أمام رواية مختلفة تماماً عن الصورة التقليدية التي كانت لدى العائلة.

وأضاف أن الأب كشف خلال هذه الأحاديث عن أنه جُنّد في منتصف ثمانينات القرن الماضي للعمل مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، وظل يعمل في مجال الاستخبارات لما يقرب من ثلاثين عاماً، مشيراً إلى أن الفيلم يتابع رحلة الابن ديدريك في محاولة فهم هذه القصة المعقدة، ومحاولة التحقق مما إذا كانت حقيقية بالكامل أم أنها خليط من الوقائع والتفسيرات الشخصية التي أحاطت بحياة والده؟

وأوضح سكاتفولد أن الجانب الأكثر حساسية في العمل لم يكن مرتبطاً بموضوع التجسس بقدر ما كان مرتبطاً بالعلاقة الإنسانية داخل العائلة، فالقصة في جوهرها تدور حول ابن يحاول فهم والده بعد سنوات طويلة من الغموض؛ وهو ما جعل العمل يحمل بعداً عاطفياً واضحاً، مؤكداً أن هذا الجانب الإنساني كان مهماً بالنسبة إليه أثناء صناعة الفيلم؛ لأنه يمنح القصة عمقاً يتجاوز مجرد كشف أسرار مهنية أو سياسية مع حرصه منذ البداية على التعامل مع الموضوع بحذر؛ لأن القصة تمس حياة أفراد الأسرة بشكل مباشر؛ ولذلك كان من الضروري التفكير في كيفية تقديم هذه الحكاية بطريقة مسؤولة تحافظ على التوازن بين كشف الحقيقة واحترام الجانب الشخصي للعائلة.

المخرج النرويجي (الشركة المنتجة)

وأضاف المخرج أن التحقيق كشف أيضاً عن أن الأب كان يستخدم في بعض الأحيان برامج شبابية اسكندنافية غطاءً للسفر إلى دول يصعب على الأميركيين الوصول إليها في تلك الفترة، وأن هذه المعلومات دفعت فريق الفيلم إلى محاولة التحقق من طبيعة الدور الذي كان يؤديه الأب في تلك الرحلات؛ ولهذا الغرض استعان الفريق بعدد من الخبراء في مجال الاستخبارات لتحليل بعض الوثائق والمواد التي قدمها الرجل، كما حاولوا مراجعة الأحداث التاريخية المرتبطة بتلك الفترات لمعرفة ما إذا كانت روايته تتقاطع مع وقائع معروفة في عالم الاستخبارات الدولية.

وأشار إلى أن الأب قدَّم لصناع الفيلم آلاف الصفحات من الوثائق والرسائل والمواد المرتبطة بعمله، وهو ما تطلب وقتاً طويلاً لفحصها وترتيبها، مشيراً إلى أن عملية مراجعة هذه المواد كانت ضرورية لفهم القصة بشكل أكثر دقة، ولتحديد ما يمكن استخدامه داخل البناء السردي للفيلم.

وأضاف أن الفريق لم يكتفِ بالوثائق التي قدمها الأب، بل حاول الحصول على معلومات إضافية من مصادر أخرى، فقد تقدم بطلبات رسمية للحصول على بعض الوثائق وفق قانون حرية المعلومات في الولايات المتحدة، كما أجرى مقابلات مع عدد من الأشخاص الذين كانت لهم صلة بحياة الرجل، وشملت هذه المقابلات أفراداً من العائلة وشخصيات أخرى عملت معه خلال سنوات مختلفة.