وزير الداخلية المغربي يكشف عن «مخطط مدروس» لاستمرار احتجاجات الحسيمة

نواب طالبوا بالعفو العام وإسقاط التهم عن المعتقلين

عبد الوافي لفتيت وزير الداخلية المغربي في حديث مع محمد أوجار وزير العدل في مجلس النواب أمس (تصوير: مصطفى حبيس)
عبد الوافي لفتيت وزير الداخلية المغربي في حديث مع محمد أوجار وزير العدل في مجلس النواب أمس (تصوير: مصطفى حبيس)
TT

وزير الداخلية المغربي يكشف عن «مخطط مدروس» لاستمرار احتجاجات الحسيمة

عبد الوافي لفتيت وزير الداخلية المغربي في حديث مع محمد أوجار وزير العدل في مجلس النواب أمس (تصوير: مصطفى حبيس)
عبد الوافي لفتيت وزير الداخلية المغربي في حديث مع محمد أوجار وزير العدل في مجلس النواب أمس (تصوير: مصطفى حبيس)

حمل عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية المغربي، أمس، جهات لم يسمها، مسؤولية الإصرار على تواصل الاحتجاجات بإقليم الحسيمة وفق «مخطط مدروس»، رغم التفاعل الإيجابي للحكومة مع مختلف المطالب الاجتماعية للسكان.
وقال لفتيت، الذي كان يتحدث أمس في الجلسة العامة المخصصة للأسئلة الشفهية بمجلس النواب (الغرفة الأولى في البرلمان)، تناولت للمرة الأولى الاحتجاجات التي تعرفها منطقة الحسيمة منذ سبعة أشهر، وذلك بحضور وزير العدل محمد أوجار، إن كل المجهودات التي بذلتها الدولة في الإقليم تطرح أكثر من علامة استفهام عن المغزى من إصرار البعض على السلوك الاحتجاجي اليومي والمتواصل، رغم التفاعل الإيجابي للحكومة مع مختلف المطالب المعبر عنها.
وتساءل لفتيت عن «من له المصلحة في دفع الحوار الذي فتحته الحكومة مع السكان إلى طريق مسدود، ومن المستفيد من تبخيس الجهود التنموية للحكومة في المنطقة وخلق حالة الإحباط؟»، مضيفا أن هذه «التساؤلات تجد مصداقيتها أكثر إذا ما تم استحضار المخطط المعتمد من طرف بعض الجهات، الهادف إلى تضليل الرأي العام، ونشر وقائع غير صحيحة من خلال صناعة ونشر الأخبار الزائفة عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات الرسائل الفورية، وذلك بشكل دقيق يتم عبره الحرص على اختيار التوقيت والمضامين بعناية فائقة، تؤكد الطابع المدروس لمثل هذه الممارسات».
في غضون ذلك، طالب نواب من الأغلبية والمعارضة باعتماد مقاربة سياسية وحقوقية لمواجهة حراك الريف، ووقف اعتقال النشطاء الذي تسبب في نظرهم بتأجيج الاحتجاجات، حيث دعا نور الدين مضيان، رئيس الفريق النيابي لحزب الاستقلال، وهو من أبناء الحسيمة، إلى العفو الشامل عن المعتقلين وإطلاق سراحهم وإطلاق مصالحة وطنية، وقال إن الدولة أخطأت التقدير عندما شرعت في الاعتقالات، بحيث أصبحت مطالب المحتجين اليوم هي الإفراج عن المعتقلين، وليس مشروعات التنمية.
بدوره انتقد إدريس الأزمي الإدريسي، رئيس الفريق النيابي لحزب العدالة والتنمية «تخوين» المحتجين وتوجيه تهم الانفصال إليهم، فيما طالب النائب عبد الله بوانو من الفريق نفسه بإسقاط التهم عن المعتقلين وإعادة تكييفها.
وفي هذا السياق، قال وزير الداخلية، إن حرص الدولة على تحقيق الظروف الملائمة لتحقيق التنمية وتوفير شروط العيش الكريم للسكان يوازيه حرصها على توفير حياة آمنة للمواطنين وحماية جميع حقوقهم، مضيفا أنه «إذا كانت السلطات العمومية قد ضمنت الحق في حرية التعبير وحرية التظاهر لمدة سبعة أشهر فإنه في المقابل عليها واجب فرض سلطة القانون، وتطبيق الإجراءات القانونية في حق المخالفين تحت رقابة السلطة القضائية التي تبقى أحكامها ملزمة للجميع». وأوضح لفتيت أنه «عندما يسعى البعض لاختراق القانون وعدم احترامه بعيدا عن المطالب الاجتماعية، فإن الدولة لا تبقى في وضعية اختيار بشأن إمكانية تطبيق القانون من عدمه، بل هي ملزمة كذلك من منطلق صلاحياتها بحفظ الأمن، والحفاظ على سلامة الأفراد والجماعات والممتلكات، وتوفير ظروف مواتية لممارسة جميع حقوقهم، وعلى رأسها الحق في حياة آمنة مستقرة»، مشيرا إلى أنه «لم يتم اعتقال أي شخص من المتظاهرين منذ بداية حركة الاحتجاجات بإقليم الحسيمة إلا بعد أن تم اللجوء إلى عرقلة حرية العبادة بأحد مساجد المدينة من خلال منع الخطيب من إتمام خطبته أمام المصلين، وتوجيه وابل من السب والقذف في حقه دون مراعاة حرمة المكان المقدس وحق المواطنين في صلاة آمنة»، في إشارة إلى ما قام به ناصر الزفزافي متزعم الاحتجاجات المعتقل.
وردا على ما أثير حول تعرض المعتقلين للتعذيب والاختطاف، أكد لفتيت أن «جميع الأشخاص المتابعين يتمتعون بجميع الضمانات التي يخولها لهم القانون، وفي مقدمتها قرينة البراءة، كما أن أماكن اعتقالهم معروفة للجميع على عكس ما يروج له البعض من ادعاءات باطلة لم يعد من المقبول تصورها، أو اللجوء إليها في مغرب اليوم». وكشف المسؤول المغربي عن أنه منذ 28 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي جرى تنظيم 843 احتجاجا، أي بمعدل أربعة احتجاجات في اليوم، كما جرى الاعتداء على 205 من عناصر الأمن خلال هذه المدة من مختلف التشكيلات وتعريضهم لإصابات متفاوتة الخطورة، وتسجيل خسائر مادية تتمثل في تدمير أو إحراق 42 سيارة أمن، فضلا عن الإحراق الكلي لبناية معدة لسكن العناصر الأمنية بامزورن.
ورغم ما أثير من انتقادات بشأن المقاربة الأمنية التي اعتمدتها الدولة في التعامل مع الاحتجاجات، فقد أعلن لفتيت أن «الدولة ستواصل بكل حزم حرصها على احترام القانون، وردع المخالفين له بما يضمن أمن المواطنين ويحفظ الاستقرار الذي تنعم به المنطقة». بيد أن وزير الداخلية شدد في المقابل على أن «التصرفات غير المسؤولة للبعض لن تثني الحكومة عن الوفاء بالتزاماتها التنموية تجاه سكان إقليم الحسيمة كما بباقي المناطق»، مؤكدا أهمية دور الأحزاب السياسية والنقابات والمنتخبين وجمعيات المجتمع المدني ووسائل الإعلام الجادة في مواكبة هذه المجهودات، وأشار إلى أن «الدولة تعتبر تحقيق التنمية أولوية استراتيجية وليس رد فعل ظرفي». كما تعهد لفتيت، الذي استعرض برامج التنمية التي أطلقت في المنطقة منذ 2015 بانتهاء الأشغال فيها نهاية 2019 مقرا بتأخر التنفيذ.
من جهته، قال وزير العدل محمد أوجار، إن السياسية الجنائية التي اعتمدت في مواجهة الاحتجاجات اتسمت بكثير من الليونة والمرونة واحترام القانون، ولم يتم التدخل إلا بعد أن تم خرق القانون من طرف بعض المتحجين.
ودعا أوجار، في الجلسة ذاتها، النواب إلى التعامل مع هذا الملف بكثير من الوطنية والنضج لأنه ليس موضوع تبادل الاتهامات، مشددا على حرص الحكومة على المقاربة الحقوقية للملف، ومؤكدا أنه «لن يظلم أحد، والأصل هو قرينة البراءة، وتمكين المعتقلين من المحاكمة العادلة»، وزاد أوجار أنه حتى الآن لم يحتج أي محام، وكذلك المعتقلون لم يدعوا تعرضهم للتعذيب.
في غضون ذلك، أوقف متزعم احتجاجات الحسيمة ناصر الزفزافي احتياطيا في سجن بالدار البيضاء بعد أسبوع على توقيفه كما أعلن أمس محامي الدفاع.
وبعد جلسة حضرها «عدد كبير من محامي الدفاع» قرر قاضي التحقيق في محكمة الاستئناف في الدار البيضاء وضع الزفزافي في الحبس المؤقت مع ستة ناشطين آخرين، كما قال عبد الصادق البشتاوي أحد محامي الدفاع.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.