هل انتهى عصر الانفرادات الصحافية في زمن الإعلام الإلكتروني؟

رؤساء تحرير وإعلاميون: الانفراد بالمعنى القديم أصبح بالياً والدقة والمصداقية هما الأهم

صحافيا «واشنطن بوست» بوب وودوارد وكارل بيرنستين استطاعا الكشف عن فضيحة «ووتر غيت» أوائل سبعينات القرن الماضي («غيتي»)
صحافيا «واشنطن بوست» بوب وودوارد وكارل بيرنستين استطاعا الكشف عن فضيحة «ووتر غيت» أوائل سبعينات القرن الماضي («غيتي»)
TT

هل انتهى عصر الانفرادات الصحافية في زمن الإعلام الإلكتروني؟

صحافيا «واشنطن بوست» بوب وودوارد وكارل بيرنستين استطاعا الكشف عن فضيحة «ووتر غيت» أوائل سبعينات القرن الماضي («غيتي»)
صحافيا «واشنطن بوست» بوب وودوارد وكارل بيرنستين استطاعا الكشف عن فضيحة «ووتر غيت» أوائل سبعينات القرن الماضي («غيتي»)

لا شك أن وجود الإنترنت قد أثر على مراحل إنتاج المحتوى الصحافي والإعلامي، مما أسهم في زعزعة الكثير من آليات العمل الصحافي ومفاهيمه أيضاً وعلى رأسها الانفراد، فلم نعد نسمع عن انفرادات صحافية كبرى مؤثرة كما كانت في عصر ما قبل «السوشيال ميديا».
أعطت الإنترنت وتكنولوجيا التواصل الاجتماعي الصحافيين فرصا كثيرة لتوسيع مصادرهم والحصول على المعلومات ومتابعة الأحداث في كل مكان في العالم لحظة وقوعها. ومع وجود مواقع إلكترونية للصحف الورقية باتت التنافسية على سرعة بث الأخبار أكبر في عصر «الانفجار المعلوماتي»، وبالتالي أصبحت المواقع مطالبة ببث الأخبار في وقت قياسي فأصبح هناك بعض التغاضي عن الاختلاف في المضمون، فظهر «التناسخ المعلوماتي» بشكل فج، فما إن تبحث عن خبر على محرك البحث «غوغل» ستجد تطابقاً في العناوين والمحتوى الخبري مع اختلاف في اسم مصدر الخبر أو محرره فقط، فضلا عن تقليص دورة الأخبار، مما يتسبب أحيانا بأخطاء كارثية إذا ما لم يتم التحقق من مصداقيتها. فهل قضت كل تلك العوامل على الانفرادات الصحافية؟
ترى الكاتبة الصحافية أمل فوزي، رئيسة تحرير مجلة «نصف الدنيا»، أن «زمن الانفراد بالخبر الصحافي انتهي»، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «لا يزال الصحافي قادراً على تحقيق الانفرادات في ألوان العمل الصحافي الأخرى، كالتحقيق أو الـ(الفيتشر) أو الحوار التي لا تزال مواضع تنافس كبيرة بين الصحف والمواقع، حتى إذا تم نقلها ونسخها يمكن للقارئ أن يتعرف على مصدرها الأصلي».
وتضيف: «هناك جانب إيجابي لوجود الإنترنت في العمل الصحافي وهو إمكانية التعرف على الأخبار المنسوخة أو المنقولة بسهولة عبر محرك البحث «غوغل» وعادة ما أقوم بالاستعانة به للكشف عن أصالة المحتوى الخبري».
وعن ظاهرة «نقل المحتوى» فهي ترى أن الصحافيين الشباب أصبحوا على دراية تامة بأن الإنترنت تكشف الأخبار المنسوخة، وتؤكد أن «الإعلام الإلكتروني وعصر الإنترنت لم يحد من مهارة الصحافي وكفاءته، بل يدفع الصحافي الجيد لتطوير أدواته والبحث عن مصادر مميزة تضمن له الانفراد والفرادة».
أما الكاتب الصحافي عماد الدين حسين، رئيس تحرير جريدة الشروق المصرية، فيقول: «الانفرادات الكبرى للصحافة الورقية انتهت، خصوصاً فيما يتعلق بالأخبار، وذلك في العالم كله لكنها ما زالت متاحة أمام القصة الخبرية المعمقة والقصة التحليلية الخبرية؛ لأن فكرة الاشتغال على خبر ما وإرجائه للنشر الورقي أصبحت أمرا باليا، وتقريبا 95 في المائة من الانفرادات الصحافية بالتعريف القديم لها انتهت». ويضيف: «الصحف الورقية لم يعد لديها ترف أن تترك الانفراد الذي حصلت عليه لوقت يزيد عن 30 دقيقة لأنها لو لم تبث الخبر عبر موقعها الإلكتروني فإنها تضحي به وسيقوم بنشره موقع آخر أو صحيفة أخرى، ويروي: «في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي حصلت على معلومات خاصة برفع أسعار الوقود بعد نشر الطبعة الأولى، وكان أمامي أن أنتظر لثلاث ساعات حتى موعد صدور الطبعة الثانية، أو نشر الخبر على الموقع الإلكتروني، وبالطبع فضلت نشر الخبر إلكترونيا حتى لا أجازف بـ«حرق الخبر» لأنه بالفعل بعد نشره بدقائق كان متاحا عبر جميع المواقع المنافسة».
ويشير إلى أن «خبر التغيرات الصحافية في المؤسسات الصحافية المصرية كان محل انتظار من الجميع، وقد نشره الأستاذ مصطفى بكري على حسابه على «تويتر» وأخذته عنه كل المواقع، فهو لم ينتظر نشره حتى على موقع صحيفته الإخباري، ما أقصده هنا هو أن سرعة نشر الخبر الموثوق من مصدره أصبح في حد ذاته انفرادا».
ويلفت إلى أن وجود الإعلام الإلكتروني أصبح يسبب إشكالية أخرى متعلقة بأن الأخبار كلها باتت مصدر شك، بل والصور أيضاً أصبحت محلا للشك في مصداقيتها، ويضرب مثلا بصورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وهو يحاول الإمساك بيد بابا الفاتيكان، والتي تم تناقلها كصور ومقطع فيديو على أنها حقيقة، ويقول: «تقع الكثير من الصحف والمواقع في فخ الأخبار المزيفة والشائعات لذا أصبح التميز لدى الصحف الورقية هو نشر الأخبار بدقة وعدم الانسياق وراء ما يبث عبر الإعلام الإلكتروني أو المواقع الإخبارية، فالصحف لا يمكنها تصحيح الخطأ أما المواقع فيمكنها إعادة بث الأخبار إذا كانت خاطئة».
الكاتب الصحافي والخبير الإعلامي د. ياسر عبد العزيز يرى أن «عصر الانفراد لم ينته»، بل بالعكس أصبح الإعلام الإلكتروني دافعا للمزيد من الاجتهاد. ويقول، معرفاً الانفراد الصحافي: «هو الحصول على إفادة خبرية أو تغطية تهم قطاعا كبيرا من الجمهور يريد المنافسون الحصول عليها وتعز عليهم، بهذا التعريف تصبح الوسيلة التي تقوم ببث هذه التغطية في تنافس مميز؛ لأنها أحرزت ما أخفق فيه الآخرون في شروط تحقق الانفراد بالمعنى القديم. ويؤكد «شروط تحقق الانفراد في عصر الإعلام الإلكتروني باتت أصعب، أما الاجتهادات في تقديم زوايا أوضح لموضوع الانفراد أو الخبر بات أكثر تعقيدا». ويشير إلى أن كل هذه الظروف والتعقيدات التي فرضتها الإنترنت، خلقت نوعا من عدم الالتزام في وسائل الإعلام بضوابط ومعايير العمل الصحافي، جعلتها تنقل المحتوى دون الإشارة لمصدره إما بتجهيله «ذكر مصدر إعلامي» أو «ورد في تقارير صحافية»، دون نسب الخبر لمصدره الصحافي حيث إن «السطو» على الأخبار أصبح سهلا في عصر الإنترنت» لافتا إلى أنه في الماضي كانت دورة الإخِبار للصحف الورقية مدتها 24 ساعة أما الآن دورة الإخبار ووصول الخبر للرأي العام أصبحت لحظات أقل من الثانية. لكن عبد العزيز يرى أن «الانفراد لا يزال موجودا في وسائل الإعلام المرئية والمطبوعة والإلكترونية، كما أنه ما زال يؤثر في مكانتها».
الإعلامي ألبرت شفيق، رئيس تحرير قنوات «إكسترا نيوز»، يتفق أن عصر الانفراد الصحافي لم ينته ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الانفراد أصبح هو الاختلاف، فقد أثرت الإنترنت بالإيجاب على جودة المحتوى وإثرائه، حتى لو تشابهت العناوين في الكثير من المواقع والجرائد إلا أن الصحافي أصبح يبحث بكل طاقته عن زوايا جديدة لم تعالجها المواقع والصحف المنافسة، صحيح أن آليات العمل باتت أصعب على الصحافي لكن الانفراد أصبح هو القدرة على الوصول للحقيقة»
وفيما يخص الانفراد التلفزيوني أو الخاص بقنوات الأخبار وقدرتها على منافسه الإعلام الإلكتروني «السوشيال ميديا»، يؤكد شفيق: «أن القنوات الفضائية في تنافسها الحثيث مع وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مطالبة بتحسين جودة المضمون الخبري وتناوله من زوايا متعددة، وفي ظل «فوضى السوشيال ميديا» أصبحت القنوات الفضائية تحقق انفرادها بمدى مصداقية الأخبار التي تنقلها» ويشير إلى ضرورة مرور الخبر بعدة مراحل للتأكد من مصداقيته قبل بثه، فلم يعد الانفراد مرتبطا بعامل السرعة بقدر ما هو متعلق بمصداقية الأخبار، خاصة وأن كثيراً من الأخبار التي تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي يشوبها عدم الدقة مما قد يؤدي لفقدان الوسيلة الإعلامية التي تعتمد عليها لمصداقيتها لدى الجمهور».
الأستاذ غالي محمد، رئيس مجلس إدارة دار الهلال الأسبق، يرى أن: «الانفرادات لا تزال موجودة وأن نقل الصحف والمواقع وان كان أمرا في ظاهرة كارثيا إلا أن الجمهور أصبح واعيا وأصبح من السهل معرفة أول موقع نشر الخبر، حيث تظهر محركات البحث تاريخ نشر الخبر وتوقيت نشره عبر الإنترنت» ويضيف: «إن السطو لم يعد فقط على المحتوى المكتوب بل والصور أيضاً أصبحت محلا للسطو» ويرى أن الصحف الورقية عليها تطوير آلياتها لمواكبة التغير التكنولوجي الذي ألم بمهنة الصحافة والإعلام وحماية ملكيتها للمحتوى، لافتا إلى «أن دار الهلال بما تملكه من أرشيف صور مميز ونادر تتعرض في كثير من الأحيان للسطو على أرشيفها الفوتوغرافي من قبل المواقع إلكترونية إلا أن هذا السطو أصبح الآن مكشوفا في عصر الإنترنت».



شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟