رحلة «أنصار بيت المقدس»

عملوا مع تنظيمات متطرفة في ليبيا ويسعون للتسلل إلى مصر

رحلة «أنصار بيت المقدس»
TT

رحلة «أنصار بيت المقدس»

رحلة «أنصار بيت المقدس»

يمرق الطيران المصري، من طراز «رافال» الفرنسي الصنع، عبر الحدود، ليقصف معسكرات يعتقد أن متطرفين يتدربون فيها داخل ليبيا، ويسعون لتنفيذ عمليات إرهابية في مدن مصرية، كما حدث من استهداف لحافلة وكنائس في الفترة الأخيرة أدى لمقتل عشرات المصريين. وأثار الأمر سخط الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي يسعى لإخراج بلاده من أزمة اقتصادية طاحنة. لكن من غير المتوقع أن تتلقى مصر مساعدات من جهات دولية، كحلف شمال الأطلسي (ناتو)، في حملتها في ليبيا، كما يقول شريف الحلوة، الخبير الأميركي في شؤون منطقة الشرق الأوسط.
ولقد تمكن السيسي من شن حملة عسكرية كبيرة ضد المتطرفين بعدما اتخذوا من شبه جزيرة سيناء مركزاً لهم، منذ عام 2013، أي حين كان ما يزال وزيراً للدفاع. كان هؤلاء المتطرفون يطلقون على أنفسهم مسميات مختلفة، أشهرها «أنصار بيت المقدس». وازداد عددهم في سيناء عقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، إلا أن غالبيتهم فروا من سيناء، وذاب بعضهم في باقي المحافظات المصرية، والتحق البعض الآخر بالقتال في سوريا وليبيا، وأصبح لدى النوع الأخير إمكانيات تدريبية وقيادية وحركية ولوجيستية عالية. ويقول مسؤول أمني على الحدود: «الآن، بدأوا في العودة، متسللين من غرب مصر».

توجد ثلاثة مسارات لتسلل عناصر الجماعات المتطرفة المصرية من داخل ليبيا، ويصعب السيطرة عليها بشكل كامل. الأول يقع في نطاق هضبة السلّوم، المطلة على البحر المتوسط، ويجري الأمر في الغالب مشياً على الأقدام. والثاني في منطقة الحدود بين واحتي الجغبوب (ليبيا) وسيوة (مصر)، ويستخدم فيها العبور سيراً على الأقدام، وبالسيارات الصحراوية أيضاً. والمساران الأول والثاني هما الأقصر مسافة، ويستخدمان أحياناً في تهريب الهجرة غير الشرعية من جنسيات مختلفة. ولقد قال العمدة عبد الكريم ضيف، رئيس مجلس العُمد والمشايخ في محافظة مطروح المصرية الحدودية لـ«الشرق الأوسط» إن «الجيش يبذل جهوداً كبيرة لمنع أي تسلل. هذا لم يعد له وجود يذكر الآن، كما كان في السابق؛ ويقصد بذلك مساري السلّوم والجغبوب تحديداً».
أما المسار الثالث والأخطر، فيقع جنوب بحر الرمال، بجنوب واحة سيوة، ويمتد حتى جبل العوينات، في مثلث الحدود مع كل من ليبيا والسودان، ويقتصر التحرك فيه على سيارات الدفع الرباعي «وهو يحتاج إلى خبراء في الطرق»، كما يقول مهيدي الواحاتي، أحد أكبر رعاة رحلات السفاري بسيارات الدفاع الرباعي، التي توقف نشاطها في واحات الصحراء الغربية بمصر، بعد عدة عمليات إرهابية لتنظيم داعش.
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أعلن، خلال الأسبوع الماضي، أنه جرى تدمير نحو ألف سيارة دفع رباعي أثناء تسللها من ليبيا خلال السنوات الثلاث الماضية، وأنه جرى تدمير ثلاثمائة تقريباً خلال الشهور الثلاثة الأخيرة. إلا أن مراقبة الدولة للحدود مع ليبيا تعتمد في أغلبها على الطيران الحربي، استطلاعاً وقصفاً، وهذا لا يمكن توفيره على مدار الساعة، كما يقول مسؤول حدودي.
* خرائط المسالك الآمنة
وأثناء أحداث ما يعرف بـ«الربيع العربي»، حصلت الجماعات المتطرفة في المنطقة على خرائط العبور ومسارب الدروب الآمنة من مهربي المخدرات والبشر، من ليبيا إلى سيناء. وفي الوقت الحالي، ومع تضييق الخناق على الجماعات المتشددة في ليبيا، تسعى عناصر من «أنصار بيت المقدس» إلى العودة إلى مصر لتخفيف الضغط على عناصرها التي تتعرض لهزائم في سيناء. ووفق باراك بارفي، الخبير الأميركي في شؤون المنطقة «لا يمكن هزيمة المتطرفين باستخدام قصف الطيران فقط، بل لا بد من عمل على الأرض».
وحقاً، زاد عدد أعضاء جماعة «أنصار بيت المقدس» في ليبيا منذ مطلع هذا العام، وأصبح الأمر يثير مخاوف السلطات المصرية لخطورة ذلك على الاستقرار في البلاد. ومعروف أن هذه الجماعة المسلحة استوطنت في سيناء خلال السنوات الأخيرة، وأعلنت في البداية أنها تحارب إسرائيل، ولكن بعد أحداث يوليو (تموز) 2013، أي عزل مرسي، أعلنت بوضوح أنها تحارب الجيش المصري وقوات الأمن.
ومن ثم، فرّ مئات من أعضاء الجماعة من سيناء إلى قطاع غزة (شمال شرقي مصر)، ومن بعدها إلى سوريا وإلى مرسى مطروح (شمال غربي مصر)، ومنها إلى ليبيا. واستقبل هؤلاء في مدينة درنة بدايةً السجين السابق في غوانتانامو سفيان بن قمو منذ مطلع عام 2014، حين كان عددهم يقدر بالمئات، وكان من بينهم عناصر من جماعة الإخوان الفارين من مصر أيضاً.
وأعاد زعيم «أنصار الشريعة» في ليبيا، محمد الزهاوي، الذي قتل فيما بعد، دمج المصريين في «سرايا أنصار الشريعة». لكن بعد ذلك دبّت الخلافات بين «داعش» وتنظيم القاعدة في درنة، ما جعل اثنين من القيادات الليبية المتطرفة، من غرب البلاد، تتدخل في محاولة للاستفادة من المقاتلين المصريين الذين جرى طردهم ضمن عملية طرد واسعة قام بها تنظيم القاعدة في درنة لعناصر «داعش». وينتمي أحد هؤلاء القادة للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان، والثاني لـ«الجماعة الليبية المقاتلة».
وبمجرد انتقال المتطرفين المصريين من درنة إلى غرب ليبيا، انشقوا على القائدين الليبيين المشار إليهما، والتحقوا في المقابل بقائد «داعش» في طرابلس، الذي كان يلقب بـ«المدهوني»، ومساعده المدعو «الغرياني»، الذي يدير مجموعات متطرفة نشطة على الحدود الليبية التونسية.
وارتبط «أنصار بيت المقدس» طوال النصف الثاني من عام 2014 حتى مطلع عام 2015 بكل من معسكر المدهوني في منطقة عين زارة بطرابلس، ومعسكر الغرياني في منطقة الرابطة قرب العاصمة أيضاً. وشكل كل من المدهوني والغرياني كتيبة كاملة من جماعة «أنصار بيت المقدس»، ومَن معهم من مقاتلين مصريين متطرفين، للاشتراك في ترسيخ أقدام «داعش» في مدينة سرت ومحيطها، إلا أن التنظيم، بمن فيه من مقاتلين أجانب (مصريون وتونسيون وجزائريون وغيرهم)، خسر سرت في نهاية المطاف، أي في أواخر عام 2016.
* تطوّرات ميدانية
وبينما قام مركز «داعش» في العراق بسحب المدهوني إلى الموصل، وبينما ركز الغرياني نشاطه على دعم المتطرفين التونسيين ضد الحكومة التونسية على الحدود، انتقل «أنصار بيت المقدس» من سرت إلى بلدة صبراتة - الواقعة إلى الغرب من طرابلس - لالتقاط الأنفاس. وهناك، بدأ كل من القيادي الإخواني والقيادي في «الجماعة الليبية المقاتلة» التواصل من جديد مع «أنصار بيت المقدس»، في محاولة للاستفادة منهم بعد إغرائهم بتقديم المأوى والأموال.
القيادي الإخواني كلف مساعداً له في مدينة الزاوية، القريبة من صبراتة، بالإشراف على المجموعة المصرية، وشكّل منهم عدة سرايا، كل سريّة تتكون من بضع عشرات. وبدأت سرايا «أنصار بيت المقدس» في ذلك الوقت، أي منذ فبراير (شباط) من هذا العام، تدريبات في منطقة الحرشة، القريبة من الزاوية، وهي منطقة سبخة ومهجورة.
وفي تلك الأيام، بدأت غالبية قيادات السرايا المصرية في العودة إلى مناطق شرق ليبيا، قرب الحدود المصرية، بما فيها درنة. وجرى توزيع آخرين على عدة جبهات قتالية في ليبيا للاستفادة منهم، من جانب خصوم كل من فايز السرّاج وخليفة حفتر. وجرى نشر عناصر «أنصار بيت المقدس» في طرابلس بمعسكر كان ملحقاً بمطار العاصمة الدولي، قرب مواقع «لواء الصمود»، تحضيراً للحرب ضد قوات السرّاج في العاصمة.
كذلك جرى نقل عدة عشرات آخرين للاشتراك في التدريبات التي يقوم بها خليط من المتطرفين من مجموعة ليبية تسمى «لواء الفاروق»، وأخرى تابعة لما يعرف بـ«سرايا الدفاع عن بنغازي»، وذلك في معسكرات تقع في بلدة تاورغاء المهجورة شرق طرابلس، وبالقرب من مدينة مصراتة.
ويقول العقيد في الجيش الليبي الهيبلو نصر إنه التقى بأحد المتطرفين المصريين أثناء تعرّضه للسجن على يد المتطرفين في بنغازي، وإن المصري كان نادماً على ما فعل، وكان قد قرّر ترك التنظيمات المتطرفة، إلا أنه مات داخل السجن. ويبدو من شهادات متفرقة أن عناصر «أنصار بيت المقدس» مرّوا بظروف صعبة، واستغلال من جانب تنظيمات وأجهزة أمنية عابرة للحدود.
وفي تلك الأثناء، كان المصريّون من «أنصار بيت المقدس» في سوريا قد بدأوا التدفق على ليبيا بسبب الهزائم التي تعرّضوا لها هناك خلال الشهور الأخيرة. كما بدأت القيادات التي سبق أن جرى تسفيرها خارج ليبيا في العودة. وكان أحد الأفواج يتكوّن من ثلاثين مصرياً دخلوا عبر الحدود البرية التونسية إلى داخل ليبيا، وفقاً لشهادة أحد العناصر التي تعاملت مع المصريين. وأضاف هذا العنصر: «استقبلت هذه المجموعة ثلاثة من المحسوبين على الإخوان، وتوجّهوا إلى مواقع في معسكر مطار طرابلس، وفي منطقة صلاح الدين، لكن المجموعة حرصت على (إعطاء تمام) لقيادي تونسي في تنظيم داعش في صبراتة، يدعى أبو حيدرة (...)لقد مكثت في مضيفة تابعة له لعدة ساعات». ويدخل المتطرفون المصريون متسللين من تونس عبر ممرات قريبة من بوابة ذهيبة الرسمية، على الحدود التونسية الليبية.
وتابع المصدر أيضاً أن المتسللين من حدود تونس يمضون الليلة الأولى في منطقة تعرف بـ«الحوامد». ومن هناك، يتم التوجه إلى الشرق الليبي، إما عن طريق البحر أو العبور من البلدات الليبية الموجودة على ساحل البحر، أو عبر مسالك أخرى، منها طريق الإبل، وطريق خص اللافي، وطريق حلبودة، وطريق خنقة الجرف.
وجرى تسليم دفعات أخرى من المصريين إلى معسكرات طرابلس، عن طريق أحد قيادات الإخوان الذي أشرف على نقلهم من الحدود التونسية إلى العاصمة الليبية. وكان مع مجموعة الثلاثين مصرياً مليونا دولار، كمصاريف لهم ولباقي المجموعات. وحذّرت أطراف من «الجماعة الليبية المقاتلة» من خطورة فتح أبواب طرابلس لـ«أنصار بيت المقدس»، إذ إن هذا الأمر يمكن أن يعرّض هذه المعسكرات والموقع لقصف الطيران المصري في أي وقت.
* مصير المتطرفين المصريين
على كل حال، لم يبقَ المتطرفون المصريون في طرابلس لوقت طويل، بل اختفوا فجأة. ووفق أحد عناصر الإخوان: «لقد تركوا هواتفهم التي أعطيناها لهم، في المعسكر (...) واختفوا من طرابلس». وفيما بعد، ظهر أنهم انضموا إلى تدريبات لـ«داعش» بمعسكرات تاورغاء، تأهباً للتوجه شرقاً باتجاه الحدود المصرية. وكان عدد الذين اختفوا يقدر بأكثر من مائة عنصر.
ولاحقاً، ظهر أن هناك مجموعة من «أنصار بيت المقدس» موجودة في معسكر بمنطقة غابة القره بولي في العاصمة طرابلس، وهو مقر سابق لمتطرف ليبي على علاقة قوية بكل من جماعة الإخوان و«الجماعة الليبية المقاتلة»، وما يعرف بـ«قوات دار الإفتاء». وكانت هذه أحدث مجموعة قد أُدخلت من تونس إلى ليبيا عبر الحدود البرية، وجرى نقلها إلى شرق ليبيا.
وخلال الأسابيع الماضية، دخلت دفعات أخرى من «أنصار بيت المقدس»، عبر مطارات وموانئ بحرية ليبية، جرى نقلها إلى كل من منطقة الهروج، قرب الحدود مع الجزائر، من أجل خوض تدريبات على القتال والتفجير، بينما تم نقل نحو خمسين، من المتدربين سلفاً، إلى قاعدة الجفرة العسكرية التي كان يسيطر على جانب منها مجموعة «سرايا الدفاع عن بنغازي» و«قوات دار الإفتاء»، تحضيراً لشن هجوم على قوات حفتر، واستعادة منطقة الموانئ النفطية في الشمال الأوسط من ليبيا.
أضف إلى ما تقدم، كان في قاعدة الجفرة نحو مائة مقاتل تشادي، وعدد مماثل من التونسيين، وعشرات من جماعة «المرابطون» أو «الموقّعون بالدم»، التابعة للمتطرف الجزائري مختار بلمختار. ولقد وُصِف المصريون الذين وصلوا إلى الجفرة بأنهم «من خيرة القناصين ومحترفي التفخيخ، ولهم باع طويل في هذا الشغل، وسوف يحدثون تغيراً كبيراً في مسار المعارك». وللعلم، كان يصل إلى الجفرة عتاد عسكري كبير من طائرات تأتي من خارج ليبيا بهدف تمكين المتطرفين من اجتياح مواقع حفتر.
* مهاجمة الموانئ النفطية
من ناحية ثانية، تولى قيادة عناصر «أنصار بيت المقدس»، ضمن خطة هجوم خصوم حفتر على الموانئ النفطية، رجل معروف بصلاته بتنظيم داعش، وينتمي لإحدى القبائل الليبية من الجنوب. وأبلغ قيادي إخواني هذا الرجل بأن المجموعة المصرية «لن تتفاهم مع غيرك؛ هم يعرفونك، وأنت تعرف ما يريدونه». وتسبب ذلك في خلافات مع قائد منطقة بنغازي العسكرية حينذاك، العميد مصطفى الشركسي، وهو مناوئ لحفتر. وقال الشركسي إنه كان يرفض أن يكون من بين مقاتليه متطرفون... «قلت لقادتهم: ابتعدوا عن هنا».
ولكن لم يستمع أحد للشركسي على ما يبدو لأن مئات المرتزقة، بمن فيهم المصريون، كانوا يشاركون بالفعل في معارك الموانئ النفطية. وزار قاعدة الجفرة مسؤولون عسكريون واستخباراتيون، عرب وأجانب، بينما كان العتاد العسكري لا يتوقف، سواءً بشكل مباشر من خارج ليبيا أو عبر قاعدة مصراتة العسكرية القريبة من الجفرة، ومطار طرابلس عقب افتتاحه، ومن بين هذه الأسلحة متفجرات ومنصات صواريخ وبنادق قنص. واستحوذ المصريون على كميات كبيرة من الألغام.
وتمكن مقاتلو «أنصار بيت المقدس» من اجتياح مدينة راس لانوف النفطية الساحلية، ورفعوا رايتهم الداعشية السوداء على مبانيها، ووزعوا منشوراتهم. وخلال معارك على مشارف مدينة إجدابيا، قُتل قيادي مصري من «أنصار بيت المقدس»، يدعى أبو ربيع الهاجري. وقال مصدر في الاستخبارات العسكرية بمصراتة إن الهاجري شوهد وهو يشارك في ثلاثة اجتماعات عقدت في مكتب تابع لجماعة الإخوان في مصراتة، قبل توجهه مع مجموعة من المقاتلين إلى الشرق الليبي. وتابع أن مصرياً آخر من «أنصار بيت المقدس»، يدعى عمران، وجد مقتولاً في مصراتة لأسباب تتعلق على ما يبدو بمحاولة انشقاقه عن التنظيم.
في منطقة الموانئ النفطية، كان «أنصار بيت المقدس» يرفعون راياتهم بجوار رايات مرتزقة آخرين يحاربون لقاء أموال، ومن بينها رايات لمجموعات تابعة للقاعدة، وأخرى أمازيغية، وثالثة تطلق على نفسها اسم «جند الإسلام»، واسم «أنصار الشريعة»، وغيرها.
وبعد هزيمة كل هذه المجموعات في منطقة الموانئ النفطية، جرت أول عملية تسريب مقاتلين إلى داخل مصر، عن طريق السلّوم وواحة الجغبوب وبحر الرمال.
* فتحات حدودية
وفق أحدث رصد أمني لمسالك المتسللين بين واحتي الجغبوب وسيوة، فإن المتطرفين يستخدمون ممرات فتحة بو دحيوة وفتحة الربدة على الحدود، وإن من يأتون من أقصى الغرب الليبي يسلكون عادة طريق وادي علي، المحاذي للطريق الصحراوي الجنوبي الرابط بين مدينتي إجدابيا وطبرق، ومن طبرق يتجه الطريق إلى أحد ممري الجغبوب مع سيوة. أما الذين يتسللون من درنة إلى مصر، فلا بد لهم من العبور من طريق الحيلة، ثم إلى بلدة العزيزيات، ومنها إلى طريق التسعين، وصولاً إلى الجغبوب.
* التهديد المصري بالرد
وبعد تنفيذ حوادث إرهابية في مصر خلال الشهور الأخيرة، وقولها إن منفذيها تلقوا تدريباً في ليبيا، تعهدت السلطات المصرية بتوجيه ضربات لكل المعسكرات التي تتورّط في تدريب متطرفين لاستهداف الدولة المصرية، سواء كانت هذه المعسكرات في درنة أو غيرها.
وعلى طول الحدود البرية مع ليبيا، شدّدت مصر إجراءاتها لصد أي محاولات للتسلل، خصوصاً من الناحية الواقعة جنوب بحر الرمال حتى الحدود مع السودان. وحسب كلام العمدة ضيف: «مهما كانت التحديات، نحن قادرون، بفضل الجيش، على حماية حدودنا».



تحركات أميركية متسارعة لحلحلة نزاع «سد النهضة»

كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس خلال لقاء مع الوفد الإثيوبي برئاسة وزير الخارجية (صفحة بولس على منصة «إكس»)
كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس خلال لقاء مع الوفد الإثيوبي برئاسة وزير الخارجية (صفحة بولس على منصة «إكس»)
TT

تحركات أميركية متسارعة لحلحلة نزاع «سد النهضة»

كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس خلال لقاء مع الوفد الإثيوبي برئاسة وزير الخارجية (صفحة بولس على منصة «إكس»)
كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس خلال لقاء مع الوفد الإثيوبي برئاسة وزير الخارجية (صفحة بولس على منصة «إكس»)

تشهد وتيرة التحرُّكات الأميركية الرامية لحلحلة النزاع القائم بين مصر وإثيوبيا؛ بسبب «سد النهضة» الإثيوبي تسارعاً، بحسب خبراء تحدَّثوا إلى «الشرق الأوسط»، وكان الملف حاضراً خلال محادثات جرت في واشنطن مع وفد إثيوبي زائر.

ووصف كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، الثلاثاء، المحادثات الأميركية مع الوفد الإثيوبي، والتي تناولت موضوعات متعددة من بينها ملف «سد النهضة»، بأنَّها كانت «بنّاءة».

وقبل أيام، تحدَّث بولس ومصدر مصري مطلع في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» عن استعداد واشنطن لتقديم حلٍّ بشأن نزاع السد.

وكتب بولس على حسابه بمنصة «إكس» إنَّه تمَّ عقد «اجتماعات مثمرة وشاملة» مع الوفد الإثيوبي، مضيفاً: «أجرينا محادثات بنّاءة حول نهر النيل وسد النهضة الكبير الإثيوبي... وكان اليوم أيضاً فرصة مهمة لمناقشة القضايا الاقتصادية والتجارية الثنائية، بما في ذلك تعزيز الاستثمارات الأميركية».

وقالت وزارة الخارجية الإثيوبية، في بيان، إن المشاورات مع الجانب الأميركي تناولت التجارة، والاستثمار، والتعاون الدفاعي والأمني، وتعزيز السلام والاستقرار بالمنطقة، لافتة إلى أنَّ وفد إثيوبيا كان بقيادة وزير الخارجية جدعون تيموثيوس، وضم مدير عام جهاز الاستخبارات والأمن الوطني رضوان حسين.

مسار أميركي جديد

وفيما يتعلق بالحراك الأميركي بخصوص «سد النهضة»، أكدت مساعدة وزير الخارجية المصري السابقة للشؤون الأفريقية، منى عمر، أهميته. وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «الأمل لا يتوقف في التوصُّل لحلٍّ بشأن أزمة السد، خصوصاً أنَّ مصر حريصة على وجود تعاون مع إثيوبيا لتقليل التوترات بالمنطقة».

غير أنَّها أشارت إلى «شكوك في قبول أديس أبابا بنهج تفاوضي يقود لحل حقيقي وجاد».

لقطة لسد النهضة الإثيوبي (صفحة رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد على «فيسبوك»)

أما المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد، فقال لـ«الشرق الأوسط»: «أديس أبابا أعلنت مراراً وتكراراً استعدادها، ورغبتها في التوصُّل إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف ويحقِّق مصالح الجميع، وأعتقد أنَّها اليوم وغداً ستكون في الموقف ذاته».

وقبل أيام، صرَّح مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط» بأنَّ القاهرة تترقب مساراً أميركياً جديداً لحل نزاع السد الإثيوبي، لافتاً إلى وجود محاولات لإحياء «وثيقة واشنطن» التي وقَّعت عليها القاهرة في فبراير (شباط) 2020 ورفضتها أديس أبابا، ولكن بصيغة معدَّلة لإيجاد توافق واسع عليها.

والوثيقة كانت تشمل جدولاً مرحلياً لملء السد، وآليةً للتوافق عند الملء في حالات الجفاف، والجفاف الممتد، وفترات السنوات الجافة الطويلة، وآليةً للتوافق بشأن التشغيل السنوي وطويل الأمد للسد في الظروف نفسها، وبنوداً لتسوية النزاعات وتبادل المعلومات.

وجاء حديث المصدر المصري بعد أيام من تصريحات أدلى بها بولس لـ«الشرق الأوسط» وقال فيها إنَّ الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أبدى استعداد بلاده لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا «من أجل التوصُّل إلى تسوية مسؤولة ونهائية لقضية سد النهضة».

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أرسل ترمب خطاباً رسمياً إلى الرئيس المصري عبد الفتاح، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات سد النهضة، والتوصُّل لحل نهائي وعادل للقضية، بعد 3 أحاديث في يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) 2025، أكد فيها أن «واشنطن موَّلت السد، ويجب أن يكون هناك حلٌّ سريع لتلك الأزمة».

اجتماعات إثيوبية - أميركية في واشنطن تطرقت إلى أزمة «سد النهضة» (صفحة مسعد بولس على منصة «إكس»)

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد في 2024 بعد جولات استمرَّت لسنوات، مرجعةً ذلك إلى «غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات سابقة لوزارة الموارد المائية والري.

اعتراضات إثيوبية

غير أنَّ المحلل السياسي الإثيوبي عبد الصمد قال: «ما تعترض عليه إثيوبيا هو الالتزام باتفاقات لم تكن طرفاً فيها، وتترتب عليها قواعد وشروط مضرة بمصالحها وسيادتها، وهو ما يعني إلزامها بمخرجات اتفاق 1929 بين بريطانيا ومستعمراتها في حوض النيل الأبيض، واتفاقية 1959 بين مصر والسودان لتقاسم مياه النيل».

وأكد أنَّ موقف إثيوبيا «واضح وصريح، ويتلخص في أنَّ تقاسم مياه النيل يجب أن يكون بحضور ومشاركة كل دول حوض النيل الـ11، بينما مصر ترغب بالانفراد بكل دولة على حدة».

واستطرد: «خلال تعبئة وتشغيل سد النهضة قدَّمت إثيوبيا كل ما تستطيع، وهي مستعدة للتفاهم في حدود الحفاظ على سيادتها ومصالحها الاستراتيجية الوطنية، وبما لا يضر بشركائها في مصر والسودان».

في المقابل، ترى السفيرة منى عمر أنَّ الحلَّ الأمثل يكمن في الإدارة المشتركة التي تضمن عدم تأثر حصة مصر المائية خلال سنوات ملء خزان السد، خصوصاً في فترات الجفاف، حتى لا يتعرَّض الشعب المصري لمشكلة بالمستقبل.

وتوقَّعت أن يستغرق الحراك الدبلوماسي وقتاً طويلاً «خصوصاً أنَّ هناك عوامل داخلية في إثيوبيا ستؤثر على مسار المفاوضات؛ حيث تمَّ تحويل أزمة السد إلى قضية رأي عام وشعبي، مما يتطلب من الحكومة الإثيوبية إجراء تغييرات داخلية تتناسب مع أي تحرُّك إيجابي أميركي في هذا الملف»، على حد قولها.

وترى أنَّ الولايات المتحدة قادرة على حلِّ الأزمة من خلال تقديم ضمانات وحوافز تشجِّع إثيوبيا على اتخاذ خطوات إيجابية.

وأضافت: «إثيوبيا تفكِّر بشكل تجاري واقتصادي، وعندما تجد مقابلاً قد يشجِّعها ذلك على التحرُّك. ومن المهم استمرار الحراك الدبلوماسي الحالي بوصفه سبيلاً للتوصُّل إلى حلٍّ للأزمة».


رهان يمني على الدعم السعودي والدولي لقطاع الكهرباء

الحكومة اليمنية تسعى للشراكة مع القطاع الخاص لإنهاء معضلة نقص الكهرباء (إكس)
الحكومة اليمنية تسعى للشراكة مع القطاع الخاص لإنهاء معضلة نقص الكهرباء (إكس)
TT

رهان يمني على الدعم السعودي والدولي لقطاع الكهرباء

الحكومة اليمنية تسعى للشراكة مع القطاع الخاص لإنهاء معضلة نقص الكهرباء (إكس)
الحكومة اليمنية تسعى للشراكة مع القطاع الخاص لإنهاء معضلة نقص الكهرباء (إكس)

في محاولة جديدة لوضع قطاع الكهرباء في اليمن على مسار التعافي، تراهن الحكومة اليمنية على توسيع الشراكة مع القطاع الخاص، والاستفادة من الدعم السعودي والدولي، لإعادة بناء واحد من أكثر القطاعات تضرراً بفعل الحرب والأزمات الاقتصادية المتراكمة، وذلك عبر حوار رفيع المستوى استضافته العاصمة السعودية الرياض، بمشاركة مسؤولين يمنيين وشركاء إقليميين ودوليين ومستثمرين في قطاع الطاقة.

ويأتي انعقاد الحوار، الذي ينظمه البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن بالشراكة مع مجموعة البنك الدولي، في وقت تعاني فيه المدن اليمنية، وفي مقدمتها العاصمة المؤقتة عدن، من تدهور مستمر في خدمة الكهرباء، نتيجة تقادم البنية التحتية، ونقص الوقود، وارتفاع تكاليف التوليد، فضلاً عن محدودية الاستثمارات في القطاع خلال سنوات الصراع.

وشارك في أعمال الحوار فريق وزاري يمني يضم وزيرة التخطيط والتعاون الدولي؛ أفراح الزوبة، ووزير الكهرباء والطاقة؛ عدنان الكاف، ووزير الصناعة والتجارة؛ محمد الأشول، إلى جانب ممثلين عن البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، ومجموعة البنك الدولي، ومؤسسة التمويل الدولية، والوكالة الدولية لضمان الاستثمار، وعدد من ممثلي القطاع الخاص اليمني والشركات السعودية والدولية العاملة في قطاع الطاقة.

وناقش المشاركون، على مدى يومين، جملة من القضايا المرتبطة بمستقبل قطاع الكهرباء، من بينها نماذج الشراكة المناسبة للبيئة اليمنية، والإطار التشريعي والتنظيمي اللازم لجذب الاستثمارات، وأدوات تخفيف المخاطر أمام المستثمرين، إضافة إلى مشروع «إنعاش قطاع الكهرباء من أجل انتقال عادل»، الذي تدعمه المؤسسات الدولية.

وبحسب القائمين على الحوار، تضمنت النقاشات جلسات متخصصة مع كبار المستثمرين الإقليميين والدوليين، بهدف استكشاف فرص الاستثمار الممكنة في قطاع الطاقة، خصوصاً في مجالات التوليد والطاقة المتجددة وتحسين شبكات النقل والتوزيع.

الكهرباء أولوية تنموية

أكدت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي في الحكومة اليمنية، أن قطاع الكهرباء يمثل أحد المحاور الرئيسية في خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية وإعادة الإعمار للفترة بين 2027 و2031، معتبرة أن تحسين خدمات الكهرباء يشكل شرطاً أساسياً للتعافي الاقتصادي واستعادة الخدمات العامة وجذب الاستثمارات.

وثمنت الزوبة الدعم السعودي المتواصل لليمن، وجهود البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، إلى جانب الشراكة مع مجموعة البنك الدولي، مشيرة إلى أن الحكومة تنظر إلى القطاع الخاص باعتباره شريكاً استراتيجياً طويل الأمد في عملية التعافي وإعادة الإعمار.

وكشفت الوزيرة عن توجه حكومي لإعداد محفظة أولية من مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص عبر عدد من الوزارات، بالتوازي مع العمل على إنشاء وحدة متخصصة بالشراكة، تكون معنية بإعداد المشاريع وتنسيقها ومتابعة تنفيذها.

جانب من اجتماع تشاوري استضافته الرياض لدعم قطاع الكهرباء في اليمن (سبأ)

من جهته، استعرض وزير الكهرباء والطاقة المهندس؛ عدنان الكاف، أجندة الإصلاحات التي تتبناها الحكومة في القطاع، بما يشمل استعادة قدرات التوليد وتحسين الحوكمة وفتح المجال أمام مشاركة منظمة للقطاع الخاص عبر نماذج متعددة تتناسب مع الواقع اليمني.

وأشار الكاف إلى أن الحكومة ماضية في تنفيذ إصلاحات تهدف إلى تحويل قطاع الكهرباء إلى ركيزة تنموية مستدامة، مشيداً بالدعم السعودي والدولي المقدم لليمن في هذا المجال.

وفي السياق ذاته، أكد وزير الصناعة والتجارة محمد الأشول، أن إصلاح قطاع الكهرباء يمثل مدخلاً لتحريك الاقتصاد الوطني وتعزيز تنافسية الصناعة المحلية، لافتاً إلى أن الحكومة تعمل بالتوازي على تسهيل إجراءات تسجيل الشركات وتحسين بيئة التجارة والاستثمار.

وأضاف أن التوجه الحكومي يقوم على الانتقال التدريجي من الاعتماد على المساعدات، إلى اقتصاد قائم على التجارة والاستثمار والشراكة مع القطاع الخاص.

دعم سعودي ودولي

في سياق هذه النقاشات، أكد مساعد المشرف العام على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن؛ المهندس حسن العطاس، في كلمة نيابة عن السفير محمد آل جابر، أن قطاع الطاقة يمثل شرياناً أساسياً لبقية القطاعات الحيوية، وأن تحسين خدمات الكهرباء يعدّ جزءاً محورياً من جهود التعافي الاقتصادي وتحسين جودة الحياة في اليمن.

وأشار إلى أن مشاريع البرنامج السعودي في قطاع الطاقة، استفاد منها أكثر من 13 مليون شخص في مختلف المحافظات اليمنية، إضافة إلى استمرار تقديم منح المشتقات النفطية منذ عام 2018 لدعم تشغيل محطات الكهرباء.

بدورها، استعرضت المديرة القطرية لمجموعة البنك الدولي في اليمن؛ دينا أبو غيدا، جهود البنك في دعم قطاع الكهرباء، مؤكدة أن المؤسسات التابعة للمجموعة، بما فيها مؤسسة التمويل الدولية والوكالة الدولية لضمان الاستثمار، تعمل ضمن منظومة متكاملة لتقديم الدعم الفني والتمويلي وتخفيف المخاطر أمام المستثمرين.

وشددت أبو غيدا على أهمية أن يخرج الحوار بإجابات واضحة تتعلق بنماذج العمل الملائمة لليمن، وآليات جعل المشاريع قابلة للتمويل، والإصلاحات المطلوبة للانتقال من المعالجات الطارئة إلى حلول تنموية مستدامة.


تقرير دولي: ثلثا سكان عدن خارج خدمة المياه الحكومية

بدعم دولي تتم إعادة تأهيل 10 آبار للمياه في مدينة تعز (إعلام حكومي)
بدعم دولي تتم إعادة تأهيل 10 آبار للمياه في مدينة تعز (إعلام حكومي)
TT

تقرير دولي: ثلثا سكان عدن خارج خدمة المياه الحكومية

بدعم دولي تتم إعادة تأهيل 10 آبار للمياه في مدينة تعز (إعلام حكومي)
بدعم دولي تتم إعادة تأهيل 10 آبار للمياه في مدينة تعز (إعلام حكومي)

على الرغم من الجهود التي تبذلها الحكومة اليمنية لإصلاح قطاع الخدمات وإعادة تأهيل البنية التحتية في مناطق سيطرتها، كشف تقرير دولي حديث أن نحو ثلثي سكان مدينة عدن، العاصمة المؤقتة للبلاد، لا يحصلون على المياه عبر الشبكة العامة، في ظل تدهور واسع لقطاع المياه منذ تحرير المدينة من الحوثيين قبل 10 أعوام، وتراجع قدرة المؤسسات الخدمية على تغطية تكاليف التشغيل، حيث لا تتجاوز نسبة تحصيل الرسوم 20 في المائة من مستحقات مؤسسة المياه.

وبحسب التقرير الذي أعده مركز «أكابس»، فإن خدمات المياه في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية، تواجه معوقات هيكلية وتحديات تشغيلية معقدة، تشمل ضعف الحوكمة، والانقسام المؤسسي، والتقلبات المستمرة في إمدادات الوقود.

وأشار إلى أن قطاع المياه في عدن يعاني بصورة خاصة من الأضرار الناجمة عن الحرب، إضافة إلى الاختلالات الفنية والفوضى الإدارية.

ووفق ما جاء في التقرير، فإنه على الرغم من تشغيل نحو 90 بئراً من أصل 113 في مدينة عدن، فإنها لا تلبي سوى 50 في المائة من الطلب السنوي المقدر بـ87.6 مليون متر مكعب من المياه، كما أن شبكة المياه لا تغطي سوى 69 في المائة من مساحة المدينة.

وذكر التقرير أن اعتماد المدينة على حقول آبار تقع في محافظات مجاورة، يجعل إمدادات المياه عرضة للاضطرابات والتجاذبات السياسية.

ونبّه التقرير إلى أن تشظي السلطة في المدينة خلال فترة الانقسام الحكومي قبل تشكيل الحكومة الحالية، انعكس سلباً على مختلف جوانب إدارة القطاع، بدءاً من شراء الوقود وحتى توزيع المساعدات الخارجية.

ازدياد الربط العشوائي للمياه في عدن وتدني نسبة التحصيل (إعلام حكومي)

وأكد أن نظام استرداد التكاليف تعرض لانهيار شبه كامل بسبب ضعف تحصيل الفواتير؛ إذ لا تتجاوز الرسوم المحصلة 20 في المائة فقط من إجمالي المستحقات، فضلاً عن أن التعرفة الحالية لا تعكس التكلفة الفعلية لإنتاج المياه.

وشدد معدّو التقرير على أن غياب الإصلاحات الهيكلية والإشراف المؤسسي المنسق، يجعل من الصعب تحقيق أي تحسن ملموس في الخدمات، مؤكدين أن الاعتماد على البنية التحتية الحالية لم يعد كافياً. فمن أصل 33 بئراً كانت تغذي المدينة سابقاً، لم يتبقَّ سوى 15 بئراً قيد التشغيل، في وقت تتواصل فيه حالة التدهور بشبكة المياه.

تعز والمكلا

في مدينة تعز، أشار التقرير الدولي إلى أن انهيار البنية التحتية للمياه يعود بشكل رئيسي إلى الصراع على الأصول الحيوية واستمرار أزمة الوقود، موضحاً أن أكثر من نصف الآبار الاستراتيجية لا يزال تحت سيطرة الحوثيين، الأمر الذي حدّ بصورة كبيرة من القدرة الإنتاجية، وأخضع تشغيل القطاع لاعتبارات سياسية خارجة عن سلطة الجهات المحلية.

وتناول التقرير المحاولات الرامية إلى تعزيز إمدادات المياه عبر ضخ المياه من منطقة الحوبان الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وقال إنها كشفت هشاشة المشاريع المعتمدة على التمويل الخارجي، إذ أدى الدعم المؤقت الذي قدمته منظمة «اليونيسف» عبر توفير الديزل، إلى رفع الإنتاج اليومي بنحو 3 آلاف متر مكعب لفترة محدودة، قبل أن تتوقف التدخلات عقب مداهمة الحوثيين لمكتب المنظمة في صنعاء واعتقال عدد من موظفيها، ما تسبب في عودة الإنتاج إلى مستوياته السابقة.

وبحسب تقرير «مركز أكابس»، فإن بعض مشاريع المياه المدعومة من المانحين واجه اعتراضات من مجتمعات محلية وأطراف سياسية، بسبب مخاوف تتعلق بتوزيع الفوائد أو بوجود أجندات خارجية تقف خلف الجهات الممولة. وأشار التقرير إلى أن مشروعاً للمياه في حقل طالوق جنوب مدينة تعز، توقف نتيجة تلك الاعتراضات.

إعادة تأهيل خطوط ضخ المياه لمدينة المكلا بحضرموت (إعلام حكومي)

أما في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت، فأكد التقرير أن قطاع المياه لا يشهد نزاعاً على السيطرة، إلا أن تقادم البنية التحتية وضعف الإيرادات أثّرا بشكل مباشر على مستوى الخدمة. وذكر أن إمدادات المياه تراجعت خلال عام 2025 نتيجة أعطال المضخات، وانخفاض منسوب المياه الجوفية، وعدم استقرار الكهرباء، رغم ارتفاع الطلب على الخدمة.

وأوضح التقرير أن نحو 69 بئراً من أصل 175 بئراً في ساحل حضرموت، خرج عن الخدمة بسبب تهالك المعدات وتراجع إنتاجية الآبار، في حين لا يزال الاعتماد على الطاقة الشمسية محدوداً، ما يجعل القطاع شديد التأثر بانقطاع الكهرباء ونقص الوقود.

كما أشار إلى أن نسبة تحصيل الإيرادات لا تتجاوز 11.31 في المائة، وهي نسبة وصفها بالضعيفة للغاية.

سيئون تقدم نموذجاً

على النقيض من ذلك، اعتبر التقرير مدينة سيئون نموذجاً أكثر استقراراً ونجاحاً في إدارة قطاع المياه، مؤكداً أن الاستقرار النسبي للحوكمة، واستمرار أعمال الصيانة، والمشاركة المجتمعية الفاعلة، كل ذلك أسهم في تحقيق قدر من المرونة والاستدامة، حيث تلبي المدينة احتياجاتها اليومية المقدرة بـ25 ألف متر مكعب من المياه، رغم تزايد عدد السكان.

وأرجع التقرير هذا الأداء إلى اعتماد نظام ضخ يعمل بالطاقة الشمسية، وتحديث شبكات التوزيع، إذ تم استبدال أنابيب بلاستيكية حديثة بنحو 70 في المائة من الشبكة، إضافة إلى ارتفاع نسبة تحصيل الرسوم إلى نحو 90 في المائة، وهو ما يغطي النفقات التشغيلية للمؤسسة.

تهالك شبكات المياه في اليمن يهدد بانهيار الخدمة (إعلام حكومي)

ومع ذلك، أكد التقرير أن مؤسسة المياه في سيئون لا تزال تواجه تحديات عدة؛ أبرزها الفاقد الكبير في المياه الذي يصل إلى 40 في المائة بسبب التوصيلات العشوائية، إضافة إلى نقص التمويل اللازم لتوسعة الشبكة، وتوقف مخصصات الاستثمار الرأسمالي من الحكومة المركزية.

ويخلص معدّو التقرير إلى أن الأضرار المادية في قطاع الخدمات العامة في اليمن، تبدو أقل حدة في المدن المستقرة نسبياً مثل سيئون والغيضة والمكلا، إلا أن استمرار ضعف الاستثمار وتدهور البنية التحتية يمثلان تهديداً متزايداً لاستدامة الخدمات.