سفيرة الاتحاد الأوروبي في لبنان: يهمنا إجراء الانتخابات وفق الدستور

قالت لـ«الشرق الأوسط» إن السوريين يريدون العودة فور توفر الشروط المناسبة

السفيرة الاوروبية في بيروت (الشرق الأوسط)
السفيرة الاوروبية في بيروت (الشرق الأوسط)
TT

سفيرة الاتحاد الأوروبي في لبنان: يهمنا إجراء الانتخابات وفق الدستور

السفيرة الاوروبية في بيروت (الشرق الأوسط)
السفيرة الاوروبية في بيروت (الشرق الأوسط)

نقلت سفيرة الاتحاد الأوروبي في لبنان كريستينا لاسن عن المسؤولين اللبنانيين تفاؤلهم بقرب التوصل لإقرار قانون جديد تجري على أساسه الانتخابات النيابية، وأعربت عن أملها في أن يتم ذلك في أسرع وقت ممكن. وأشارت إلى أن ما يهم الاتحاد الأوروبي هو حصول هذه الانتخابات سواء وفق القانون النافذ أو وفق قانون جديد. وأكّدت لاسن في مقابلة مع «الشرق الأوسط» تفهم الاتحاد الأوروبي لوضع لبنان «الاستثنائي» بما يتعلق بأزمة اللاجئين ولإجراءات الحكومة نتيجة الضغوط الاقتصادية التي تتعرض لها طالما هي تندرج بإطار تنفيذ القوانين، لكنها أعربت عن قلقها من بعض التدابير التي تُتخذ في بعض القرى والبلدات والتي لا تتوافق مع مبدأ المساواة أمام القانون. وشدّدت لاسن على أن هناك شروطا يجب توافرها لعودة منظّمة للاجئين السوريين إلى بلدهم وأبرزها الأمان، ولفتت إلى أن حلا سياسيا شاملا للأزمة السورية هو السبيل الوحيد لتحقيق العودة الآمنة. وفيما يلي نص الحوار:
* هل تتوقعون أن تتفق القوى السياسية في لبنان على إقرار قانون جديد للانتخاب قبل انتهاء ولاية المجلس النيابي الحالي؟
- نحن نأمل في ذلك، وبخاصة أننا نسمع مؤخرا أن هناك الكثير من التفاؤل في مواقف القادة السياسيين لجهة الاقتراب من الاتفاق على قانون جديد، وهو باعتقادنا أمر جيد جدا للبلد. نحن في الاتحاد الأوروبي كما كل الدول الأعضاء نحث القادة اللبنانيين منذ فترة على الاجتماع وإيجاد حل للأزمة؛ لأن ما يهمنا أن تجري انتخابات شفافة وعادلة وفقا لمقتضيات الدستور اللبناني بأقرب وقت ممكن، وبخاصة أن هذه الانتخابات كان يجب أن تحصل أصلا في شهر مايو (أيار) الماضي. على كل حال لا يزال هناك وقت قبل انتهاء المهل الدستورية، وبالتالي نأمل في أن يتحقق التوافق قبل انتهاء ولاية المجلس النيابي. نعتقد أن إجراء الانتخابات النيابية وحسن سير العمل في كل المؤسسات الدستورية أمر أساسي للحفاظ على الأمن والاستقرار في البلاد، وهذا أمر مهم لنا جميعا باعتبار أن تعاوننا مع لبنان يتم من خلال هذه المؤسسات التي يُفترض أن تكون قوية. على كل الأحوال، عندما يتم تحديد موعد لإجراء الانتخابات، سنكون سعداء بالمساعدة في تحضير وتنظيم العملية الانتخابية كما جاهزون لإرسال فريق مراقبة كما حصل في الانتخابات الماضية.
* في حال فشل القوى السياسية بالاتفاق على قانون جديد وتم تمديد ولاية المجلس مرة جديدة، ألا تعتقدون أن ذلك يُهدد النظام اللبناني الديمقراطي ككل؟
- نحن نسمع بأن هناك تفاؤلا بإقرار قانون جديد وبإجراء الانتخابات قريبا، لكن وإذا لسبب ما لم يتم الاتفاق على قانون قبل انتهاء ولاية البرلمان في 19 يونيو (حزيران) الحالي، فحسب فهمي أنه بناء على الدستور اللبناني يجب أن تحصل الانتخابات خلال 3 أشهر وفق القانون النافذ. ونحن نسمع ما يقوله القادة اللبنانيون الآن لجهة رفضهم الفراغ ورفضهم التمديد. أما ما يعنينا ويهمنا كاتحاد أوروبي فهو إجراء الانتخابات، سواء وفق قانون جديد أو وفق القانون النافذ. نُدرك أن الاتفاق على قانون جديد قد يستدعي تمديدا بسيطا يسمونه تقنيا بهدف إقرار آليات تطبيق هذا القانون، لكن خلاف ذلك، نحن لا نرى أي مبرر لتمديد ثالث لولاية المجلس النيابي.
* من الناحية الأمنية، هل تعتقدون أن لبنان قادر على الاستمرار بتجنب السقوط في البراكين المشتعلة في المنطقة؟
- الأجهزة الأمنية اللبنانية قامت وتقوم بعمل جيد جدا. المنطقة تشهد منذ سنوات حالة من عدم الاستقرار، أما لبنان فمنذ عام 2014 يرزح تحت ضغط أمني كبير نتيجة تواجد مجموعات إرهابية على الحدود مع سوريا. لكننا نعتقد أن الأجهزة كافة ضاعفت جهودها وتعاونها وقامت بمواجهة التهديدات الإرهابية بفاعلية كبيرة. نحن نشعر بأن السلطات في لبنان تسيطر على الوضع، وإن كنا على يقين أن ذلك لا يمكن أن يتم بنسبة 100 في المائة، وهذا ما رأيناه أيضا في أوروبا، حيث تعرضت أكثر من دولة لهجمات إرهابية كان آخرها في مانشستر، وذلك رغم كل الإجراءات المتخذة لتفادي هكذا هجمات. أما ما نقوم به من طرفنا لمساعدة السلطات الأمنية اللبنانية في جهودها، فيتركز على محاربة الإرهاب كما إصلاح قطاع الأمن، ولدينا مشروعات كثيرة مشتركة، وأبرزها العمل الذي نقوم به للمساعدة على وضع استراتيجية وطنية لمحاربة الإرهاب، كما نعمل مع الحكومة لضمان سلامة الطيران والمطار كما للمكافحة التطرف العنيف. كذلك ننسق ونتعاون مع وحدة المعلومات المالية في المصرف المركزي لمكافحة عمليات تمويل الإرهاب.
* هل لديكم أي ملاحظات على الخطوات الجديدة التي تتخذها الحكومة في التعامل مع ملف اللاجئين؟
- الكل يتفهم الوضع الاستثنائي الذي يمر به لبنان والضغط الكبير الذي يتعرض له، إن كان لجهة التحديات الأمنية أو لجهة العدد الكبير من اللاجئين الذي يستضيفه والذي يتراوح ما بين مليون ومليون ونصف لاجئ وهو العدد الأكبر للاجئين للفرد. نحن نعتقد أن لبنان استطاع إلى حد بعيد التعامل مع الوضع بمساعدة المجتمع الدولي الذي يقدّم العون للاجئين والمجتمعات المضيفة على حد سواء، ولا نعتقد أنه سيكون مفاجئا بعد 6 سنوات أن نرى مزيدا من التوتر والضغوط، وبخاصة على الصعيد الاقتصادي وبما يتعلق بالمنافسة على الوظائف باعتبار أن لبنان يعاني أصلا أوضاعا اقتصادية صعبة. لكننا نرى أن هناك جانبا إيجابيا لجهة أن الحكومة اللبنانية أخذت المبادرة لوضع رؤية اقتصادية للبلد، إضافة إلى قرارها الاستثمار بالبنى التحتية ما قد يُسهم بخلق فرص عمل. نحن لا نقول إن الوضع سهل على لبنان، لكنه ليس سهل إطلاقا على اللاجئين وبالتالي إذا كانت الإجراءات الجديدة التي تتخذها الدولة اللبنانية تندرج بإطار تطبيق القوانين فنحن نتفهمها، لكن ما يقلقنا أن نرى بعض القرى والبلدات تضع قواعد معينة للاجئين لا تتوافق مع مبدأ المساواة أمام القانون، ونأمل أن تكون الحكومة اللبنانية تتابع أي تعديات في هذا المجال.
* هل يتجه الاتحاد الأوروبي لزيادة دعمه للاجئين في لبنان؟ وما آخر المشروعات التي نفذتموها؟
- لقد زدنا مساعدتنا للبنان خلال السنوات الـ4 أو الـ5 الماضية بشكل كبير جدا بحيث أصبحت 6 أو 7 مرات أكثر مما كانت عليه قبل اندلاع الأزمة في سوريا، وهي مساعدات تطال على حد سواء اللاجئين والمجتمعات المضيفة وتندرج بإطار دعم البنى التحتية بشكل خاص بعدما باتت تتحمل فوق طاقتها نظرا لتضخم عدد السكان. لقد قدم الاتحاد الأوروبي وحده أكثر من مليار يورو للبنان وأكثر من 2 مليار يورو إذا ما احتسبنا المساعدات التي تقدمها دول الاتحاد أيضا. ولقد تعهدنا للمسؤولين اللبنانيين بالاستمرار بتقديم هذا الدعم الكبير للعامين المقبلين على أمل أن تنتهي الأزمة السورية بأقرب وقت ممكن. لقد قمنا بالكثير من المشروعات لمساعدة لبنان واللاجئين، وهي مشروعات متواصلة ومستمرة منذ سنوات، ولعل أبرز ما قمنا به مؤخرا هو تقديم تمويل كبير لدعم القطاع الصحي بـ62 مليون يورو بالتعاون مع وزارة الصحة.
* ألا تعتقدون أنه حان وقت عودة اللاجئين إلى بلادهم، وبخاصة مع قيام «مناطق خفض التوتر» التي أقرها مؤتمر آستانة؟
- كلنا متفقون على أن اللاجئين السوريين يجب أن يعودوا إلى بلدهم عندما يصبح الوضع مناسبا علما بأنهم يريدون العودة أكثر من أي طرف آخر. لكنني لا أعتقد أنه وبالنظر إلى الوضع الحالي في سوريا أن العودة الآمنة ممكنة. هناك عدد من الشروط يتوجب توافرها وفق القوانين الدولية للحديث عن عودة منظمة للاجئين وأبرز هذه الشروط الأمان وشعور هؤلاء أنهم حقيقة عائدون إلى وضع آمن. أما بخصوص الاتفاق على مناطق «خفض التصعيد» التي أقرها مؤتمر آستانة، فنحن كاتحاد أوروبي لم نكن جزءا من هذا الاتفاق ولكننا لا شك نرحب وندعم كل ما من شأنه أن يؤدي لتخفيف العنف في سوريا، وإن كان من غير الواضح بعد كيف سيتم تطبيق هذا الاتفاق وما إذا كانت هذه المناطق ستكون آمنة فعلا. نحن لم نر بعد أي تغيير بالوضع في سوريا يسمح بعودة آمنة للاجئين ونعتقد أنّها مرتبطة بالحل السياسي الشامل للأزمة والذي ننادي به منذ سنوات.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.